آمال موسى: الدّولة الوطنيّة والمسألة الدّينيّة

فئة :  حوارات

آمال موسى: الدّولة الوطنيّة والمسألة الدّينيّة

الجزء الأول:

"الدّولة الوطنيّة والمسألة الدّينيّة"

د. نادر الحمّامي: نجدّد حواراتنا مع الأساتذة والباحثين في تونس، حتى نفيد من آرائهم في العديد من القضايا التي تمسّ الفكر والمجتمع والسّياسة والدّين وغير ذلك من المجالات التي تطرح نفسها بقوّة أكبر اليوم على المجتمعات العربية والإسلامية بصورة عامة. ونحن سعداء جدّا اليوم، بحوار الأستاذة آمال موسى التي نرحّب بها ونعبّر لها عن سعادتنا الكبيرة، لأنّها قبلت أن تكون معنا اليوم. وآمال موسى في معظم حواراتها التي رأيناها فيها كانت مدعوّة بصفتها الأولى التي هي صفة الشاعرة، وهي الصفة التي جعلتها تنتج مجموعات شعرية عديدة؛ أوّلها "أنثى الماء" في سنة 1996، قبل أن تُصدر المجموعة الثّانية "خجل الياقوت" سنة 1998، وفي سنة 2005 ظهرت لها المجموعة الشعرية الثالثة "يؤنثني مرّتين"، ثم سنة 2009 أصدرت مجموعتها الشّعرية "مثلي تتلألأ النّجوم"، وفي سنة 2010 كانت مجموعتها الخامسة بعنوان "جسد ممطر"، وهي مختارات شعرية. ولا ندري إن كانت آمال موسى ولدت أكاديميّة باحثة أم ولدت شاعرة قبل ذلك، لأنّ لها مساهمات جدّ مهمّة في مجال البحث السّوسيولوجي ذي العلاقة بالمسألة السّياسية الدّينية، وهنا تكمن أهمّية كتاباتها الأكاديمية البحثية، وقد صدر لها بالخصوص، كتاب "بورقيبة والمسألة الدّينية"، وشبه العنوان مهمّ في هذا الكتاب لأنّه يتحدّث عن نوع من التوتّر والتّوظيف أو التّواصل بين الدّيني والسّياسي، ثم صدر لها الكتاب المشترك مع المرحوم عبد القادر الزغل بعنوان ''حركة النّهضة بين الإخوان والتّونسة''، وضمن هذا المسار بحثت في علاقة حزب حركة النّهضة بما يسمى الإسلام السّياسي، بالإضافة إلى بحثها لنيل شهادة الدكتوراه، وهو بحث مهم جدّا لأنّه اهتم بسوسيولوجيا التديّن في تونس، انطلاقا من فئة الشباب من خلال البحث الميداني قبيل ثورة 2011، ولعلّ الاطّلاع على هذا البحث قد يفسّر لنا العديد ممّا وقع بعد ذلك.

أستاذة آمال مرحبا بك، وأرجو ألاّ أكون قد قصّرت في تقديمك.

دة. آمال موسى: شكرا جزيلاً على هذا التقديم الشّافي والضّافي، إن الشّعر، كما يذهب إلى ذلك شاعرنا الكبير أدونيس، مفتوح على المعرفة عامّة، رغم أنّ المخيال العربي دائما ما يحصره بما هو وجداني فحسب، فهو من أكثر فروع الإبداع تعاطيا مفتوحاً على المعرفة، وهو يطلّ على كلّ شيء. ومن هذا الجانب لا أرى تناقضاً بينه وبين البحث الأكاديمي؛ فالشّعر ممارسة إبداعيّة خالصة، ولها جماليات ذات صلة بما هو فنّي بالأساس، في حين أن البحث السّوسيولوجي هو مجال عمليّ، ولأنّ البحث ينتمي إلى الإبداع، فأنا مهووسة بهذا الجانب، لأن البحث الأكاديمي يساعدنا على فهم البيئة التي نعيش فيها، وفهم العلاقات التي تتحكم فيها وفهم الإنسان والآخر وما يحيط به، كما يجعلنا على بيّنة من عدّة أشياء؛ ولذلك فأنا الشّاعرة والباحثة في مجال علم الاجتماع.

د. نادر الحمّامي: لنأخذ الجانب الثّاني المتعلّق بالبحث في علم الاجتماع، وهذا الأمر الذي بحثتِ فيه منذ سنوات حول علاقة الدّيني بالسّياسي ما فتئ اليوم يطرح نفسه بأكثر قوّة. وقد بدأتِ منذ سنة 2006 بالبحث حول التوتّر في التّجربة التّونسية منذ الاستقلال بين الدّيني والسّياسي، ولعل مسألة البحث هذه هي التي أوصلتك لاحقاً إلى مزيد التعمّق في ما يسمى اليوم الإسلام السّياسي والبحث فيه. وهنا نتساءل لماذا لم ينقطع النّظر حول الإسلام السّياسي، فبعد الثّورات أو التحوّلات السّياسية التي حدثت في بعض المجتمعات العربيّة أصبحت هذه المسألة تطرح نفسها بأكثر حدّة؟

دة. آمال موسى: نعم، نجد أن هذه المسألة تطرح نفسها بحدّة أكثر خاصة في السّنوات الأخيرة، لأن الإسلام السّياسي دخل إلى ما يسمّى بالمشاركة السّياسية لذلك كانت الأمور أكثر عنفاً وتوتّراً وأكثر توجّساً وريبة بين النّخب المختلفة داخل المجتمعات العربيّة. بالنسبة إلى الكتاب الأول، وكما تعلم، فإنّ كل بحث يطلّ على بحث آخر ففي كتاب ''بورقيبة والمسألة الدينية'' حاولت أن أفهم كيف كانت علاقة بناء الدّولة الوطنيّة الحديثة في تونس بما هو ديني، على اعتبار خصوصية بورقيبة الثقافية والدينية أوّلاً، ونظرته إلى المجتمع وإلى كيفية بناء الدّولة ثانياً، فعندما نتحدث عن الحداثة وعن المشروع التّحديثي فهذا يعني أن القائد أو النّخبة السّياسية التي تحكم ستجد نفسها أمام هياكل تقليدية ملتصقة بما هو ديني، ويبرز التّساؤل من ثمّ؛ كيف أمكنها أن تتواصل مع هذه الهياكل وكيف كانت سياستها معها؟ وعندما نتحدّث عن المشروع التّحديثي فنحن نبحث في علاقة ذلك المشروع بالهياكل الدّينية في المجتمع، هذا البحث كان بوابة جدّ مهمة بالنّسبة إليّ أوّلاً لأنّني لم أعش في تلك الفترة وقد استرجعتها معرفيّاً، وهنا دور المعرفة ككل، وقد عدت إلى الخمسينات والستّينات من خلال هذا البحث المعمّق والدّقيق، والذي كان فيه فضول حقيقي للتعرّف على هذه الفترة والإمساك ببعض المفاتيح؛ فقد راهن بورقيبة كثيرا على الخطاب وكان آليته الأولى في الاتّصال والتّواصل مع المجتمع التّونسي، لذلك فهو تحليل خطاب وبحث في ملامح خطاب بورقيبة في توتّره وفي تواصله، مع الدّيني من سنة 1956 إلى 1987، لا يمكن طبعاً في ظلّ متابعة هذا الخطاب ألاّ نعثر على حركة النّهضة أو الاتّجاه الإسلامي أو كما كانت تسمّى أيضاً عندما كانت في الطّور السرّي ''الجماعة الإسلامية''، فقد كانت هذه الجماعة حاضرة بقوّة منذ أوائل السّبعينيات سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعد أن تعرّفت في الكتاب الأوّل على كيفية بناء الدولة الحديثة وكيف كانت العلاقة بما هو ديني، وعلى الإصلاحات التّحديثية مثل إلغاء الأحباس (الأوقاف) وإلغاء التّعليم الزّيتوني وإصدار مجلة الأحوال الشّخصية وجعل القضاء مدنيّاً وإلغاء المحاكم الشّرعية... وعندما نصف هذا كلّه بالإصلاحات فهذا فيه خلفية أيديولوجية معيّنة، لأن الإيديولوجية الأخرى لا ترى فيه إصلاحات، بل ترى فيه أشياء أخرى. وقد توقّفت عند هذه الإصلاحات وقفة معمّقة بعض الشّيء، وبعد تمكّن معرفي بالدّولة الوطنيّة في علاقتها بما هو ديني وبأهمّ أسس المشروع التّحديثي ظهر فضول آخر هو الإسلام السّياسي في تونس، وكيفيّة ظهور الحركة الإسلامية في تونس ودواعي ظهورها وكيف كانت علاقتها بالدّولة الوطنيّة الحديثة، وقد ذهبت إلى الجانب الآخر من الفضول المعرفي.

د. نادر الحمّامي: سنعود إلى مسألة الإسلام السّياسي، ولكن تجربة الدّولة الحديثة ودولة الاستقلال التي قادها بورقيبة، الذي كانت علاقته بالمسألة الدّينية علاقة مهمّة ولكن أظن في ما قرأت أنّ بورقيبة وعلاقته بالمسألة الدّينية، وهو العنوان الذي اخترتِ لم يكن موقفا واحداً في الحقيقة، فكأنّه كان هناك توظيف للمسألة الدّينية دون إنكار الجانب التّحديثي طبعاً، ولكن إذا قارنّا موقف بورقيبة من الدّين زمن الاستعمار مثلاً نلاحظ أنّه يختلف تماماً عن موقفه من الدّين بعد الاستقلال، نذكر مثلا موقفه من قضية التجنيس، وموقفه حتى من قضية الحجاب فهو متغيّر لأنّه ربّما كان يعتبر الدّين مرتكزاً من مرتكزات المقاومة القائمة على الهويّة ليصبح لاحقاً مدار المسألة الإصلاحيّة. فما موقفك من هذا؟

دة. آمال موسى: نعم هذه قراءة صائبة جدّا وأتبنّاها شخصيّا، فلا يجب أن ننسى أن بورقيبة قبل الاستقلال هو المناضل وبورقيبة في الستّينيات ليس نفسه بورقيبة السّبعينيات فعندما كان في بداية الاستقلال كان أكثر قوة، والخطوات الإصلاحية والتّحديثية التي قام بها كانت في فترة مجده السّياسي وكان يتمتّع بالمشروعية السّياسية، وهي مشروعية الاستقلال والكاريزماتية والزّعامة، وهذه الجوانب كانت موجودة بقوّة لأنّه استطاع أن يسيّر المجتمع التّونسي، وقد كان في أوج قوته السّياسية، وكان من القوّة حتى ليدعو إلى الإفطار في رمضان، وهذا مظهر علماني قويّ جدّا في تلك الفترة، لكن في السّبعينيات وبعد فشل تجربة التّعاضد الذي أضعفه اجتماعيا وشعبيّا، ونمّى حضور الجماعة الإسلامية في تونس، كانت هناك مجموعة من التّوازنات الجديدة التي تعامل معها بورقيبة ووظّفها ببراغماتية عالية، فأجبر هذه الجماعة على أن تكون موجودة بطريقة مُعلنة في سنة 1981، عندما تم تسميتها "الاتّجاه الإسلامي"، وقد كان هناك تواصل مع هذه الجماعة بما أنّه قد تم اشهار حضورها، وبمعنى آخر، فإن بورقيبة في النّهاية هو صاحب مشروع تحديثي وبالنسبة إليه، فإن مكانة الدّين في هذا المشروع هي مكانة ضئيلة جدّاً، وما هو ديني يدخل ضمن الفضاء الشّخصي. ولكن في الوقت نفسه لا نستطيع، مثلاً، أن نقول إن بورقيبة هو كمال أتاتورك تونس، على الرّغم من أنه كان معجباً جدّا به وتأثره به كان بالغاً، ففي إحدى رسائله تحدّث عن أتاتورك؛ وقال بأنّه أوغل في العَلمانية. فقد كانت لديه انتقادات لأتاتورك، وإن كان يتقاطع معه في كيفية بناء الدولة الحديثة، وبورقيبة لديه من الذّكاء السّياسي ما جعله لا يتناسى في المناسبات الدّينية أن يظهر في مظهر رجل يحكم في دولة دينها الإسلام، وكان يستحضر الآيات القرآنية في خطبه، وفي المناسبات الدّينية يحضر في المساجد ويرتدي اللّباس الديني (التّقليدي)، وفي النّهاية أظنّ أنّه كان يوظّف الدّيني في لحظات ضعف الدّولة الاقتصادي، ومنها خاصة لحظة فشل تجربة التّعاضد التي قسمت ظهر الدّولة الوطنيّة الحديثة في فترة معيّنة وقوّت من حضور الإسلام السّياسي في تونس.

د. نادر الحمّامي: لعلّ أهمّ تحوّلات الإسلام السّياسي التاريخية في تونس تلك التي وقعت بداية من سنة 1972 مع الجماعة الإسلامية واجتماع "مُرناق"، ثم التحوّل الثّاني، الذي ذكرتِه، وكان سنة 1981 وأدّى إلى الاعتراف بالاتّجاه الإسلامي. ولكن أنا في تقديري هناك قراءات أخرى للإسلام السّياسي من خلال ذلك التحوّل الطّارئ على الجماعة بعد سنة 1979، أي بعد الثورة الإيرانية، وتحوّل الإسلام السّياسي إلى إسلام احتجاجي بعد أن كان في السرّيّة، وذلك على الرّغم من اختلاف المرجعيّات بين المرجعية السنية للإسلام السّياسي في تونس والمرجعيّة الشّيعيّة للثّورة الإيرانيّة؛ فما الفرق بين الجماعة الإسلاميّة الأولى في أوائل السّبعينيات والاتّجاه الإسلامي في أوائل الثّمانينيات في تونس؟

دة. آمال موسى: هناك أوّلاً ما يسمى بتقاطع الأيديولوجيات، وأنا أؤمن بهذا جيّداً خاصّة وأن الجماعات الإسلامية بشكل عام لديها قدرة كبيرة على التنظيم وعلى التّكتيك السّياسي وحتى عندما تبالغ في نبرتها الاحتجاجيّة أو النّقدية؛ فذلك أيضاً موظّف على اعتبار أنّها حركة نضاليّة، ويكفي أن نراقب مدى تراجع تلك النّبرة عندما يدخل الإسلاميون في المشاركة السّياسية لأنّهم ينضبطون بتلك المشاركة، وأعتقد دائما أن أيّ حزب سياسي عندما نريد أن نقيم مدى راديكاليته أو اعتداله فلابد أن ننظر من ثلاثة جوانب أساسية؛ الجانب الأوّل هو نظرته إلى الدّولة وتصوّره لها ومفهومه عنها، وهذه مسألة مهمّة جدّا، وهنا نذكر أن الجماعة الإسلامية في تونس كانت ضد البند الأوّل من الدّستور التّونسي لسنة 1959 ''تونس دولة دينها الإسلام...''، وقد عرفت المفاوضات في المجلس التأسيسي جدلاً واسعاً استقال على إثره النّيفر لأنّه كان ضد هذه التسمية ''تونس دولة دينها الإسلام'' فقد كان فيها نوعٌ مما يسميه محمد الشّرفي ''الغُموض المقصود'' والمخاتلة، ولكن بعد الثّورة كان هناك أخذ ورد حول هذا البند الأول وفي النّهاية تم تبنّي الصياغة الأولى لهذا البند كما في دستور دولة الاستقلال، هذا في حد ذاته يُدْرس ويُنظر إليه في مستوى القبول بعد أن كان مرفوضاً. النقطة الثّانية، إلى جانب تصوّر الحركة الإسلامية لمفهوم الدّولة، تهمّ المرأة وهي مسألة مهمّة جدّا لأن مقاربة حقوق المرأة في النص القرآني وفي البراديغم الإسلامي وفي التناول الفقهي تراوح بين الثّبات والحركة. أمّا النقطة الثالثة، فهي العلاقة بالآخر وهنا تمّ التّقاطع مع الأيديولوجية الثوريّة الإيرانيّة والعلاقة بالولايات المتّحدة الأمريكية؛ وقد اهتم الاتّجاه الإسلامي في تونس بالثّورة الإيرانيّة، ونذكر أن مجلة المعرفة آنذاك صدرت بغلاف يحمل صورة تجسّد الثّورة الإيرانية وفي ذلك نوع من التبنّي لهذا المعجم الاحتجاجي، وهذا المعجم استفادت منه الجماعة الإسلامية تماماً كما استفادت من المعجم الإخواني وتعاملت معه، إلا أن مع المعجم الإخواني هناك علاقة انتماء بينما مع الثورة الإيرانية هناك تقاطع أيديولوجي.

د. نادر الحمّامي: الثّورة الإيرانيّة ربّما أعطت للإسلاميّين من الاتّجاه السنّي إمكانيّة أن يصلوا إلى الحكم، فتحوّلوا من مجرّد إلى الفعل، ومن دلائل تلك الاستكانة أن مجلّة المعرفة كانت تُطبع في دار الحزب الحاكم، فلا يوجد تعارض، وأصبح من ينتمي إلى الاتّجاه الإسلامي في نهاية الثّمانينات لا يقال عنه إخوانيا في وإنّما يسمّى خُمينياً... سأعود إلى النّقطة الأولى ممّا ذكرتِ، فما يبدو من خلال ثنائية الدّولة/الوطن أن الحركات الإسلامية لا تؤمن بالدّولة الوطنية في قرارة نفسها، وإنّما تؤمن بالأمّة، ومفهوم الأمّة هو الذي سيولّد الصّراع مع دولة الاستقلال في تونس كما في غيرها من الدّول، لأنّه يطرح نظرة أخرى لمفهوم الاستقلال، ودولة الاستقلال لدى الكثير من المنتمين إلى الجماعات الإسلامية دولة مرفوضة وينبغي العودة إلى ما قبلها، لذلك فإنّ الاشتراك البنيوي بين الإسلاميّين جميعاً هو عدم الإيمان بالدّولة القُطريّة.

دة. آمال موسى: نعم، وهذه مسألة مهمّة جدّا لأنّ الخريطة بالنسبة إلى الحركات الإسلاميّة هي خريطة إسلامية؛ فهي تنظر إلى المجتمعات الإسلاميّة كلّها من جاكرتا إلى طنجة، وهي تنظر إلى هذا الامتداد الجغرافي بوعي آخر مختلف عن وعي الدّولة القوميّة بالمعنى الأوروبي للكلمة؛ أي الدّولة التي لها تاريخ مشترك وحدود جغرافية معيّنة، فتصوّرهم للدولة يعني بلاد الإسلام المفتوحة، في حين أن الدولة الوطنيّة في تونس تعني تونس فقط، أي أنّها تعني الدّولة القومية بالمفهوم الأوربي.

د. نادر الحمّامي: وهذا هو مفهوم الأمّة التّونسيّة كما رسّخه النّظام البورقيبي بالخصوص.

دة. آمال موسى: وهنا كان أوّل تصادم مع بورقيبة بسبب هذا النّوع من الخلاف حول تصوّر الدّولة، واعتبروا هذا التّصور البورقيبي للدولة تغريبيّاً بالنّسبة إليهم، ولا يمتّ بصلة إلى التّصوّر الإسلامي للدّولة وللمجتمع؛ إذن فهذا خلاف بنيوي موجود تقريباً في كل الحركات الإسلاميّة لأن المشروع الإسلاموي عموماً هو مشروع جامع لكل المجتمعات الإسلامية، أي هذه البلاد الإسلامية، بينما يقطع نمط الدّولة القوميّة حسب المفهوم الأوربي مع التصوّر الإسلاموي ويختلف معه بنيويّاً، فتعريف الدّولة القوميّة بالمعنى الأوروبي لا يركّز على المعطى الدّيني، بل يركّز على التّاريخ المشترك والعادات والتّقاليد واللّغة. لذلك فمقوّمات الهويّة بالنّسبة إلى مجتمع ينتمي إلى دولة وطنيّة قوميّة تختلف عن مقوّمات الهويّة ومركّباتها بالنّسبة إلى مجتمع ينتمي إلى دولة إسلاميّة، فلا جامع غير الإسلام بالنسبة إلى التصور الإسلاموي للدولة عموماً.

د. نادر الحمّامي: ولكن لو عدنا مثلاً إلى الحركة الإصلاحيّة في القرن التّاسع عشر وتمثّلها لقضية الحكم سنرى نزوعا عن هذا التصوّر الإسلامي للدّولة، وقد دعت حتى إلى الإفادة من الاقتباس الغربي. ولكن ما أعاد هذه النظرة الأمميّة لمفهوم الدّولة الأمّة هو سقوط الخلافة، فلكأنّ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1924 هو الذي أعاد الدّعوة إلى الخلافة والأمّة، ليظهر ذلك مع صعود الحركات الإسلاميّة فيما بعد بدايةً من سنة 1928 مع الإخوان المسلمين وحسن البنّا.

دة. آمال موسى: صحيح، ولكن أعتقد أن هناك محطّة أخرى أيضاً مهمّة وقريبة، لو ننظر إليها من خلال هذه اللّحظة، وهي أزمة الخليج الأولى، حيث عاد الإسلام السّياسي ينشط بقوّة على اعتبار أنّ تلك الحرب أخذت في بعد من أبعادها، بناءً على بعض زلات اللسان من الآخر الغربي، طابعا صليبيا بمعنى يجعلها كأنها حرب ضدّ الدّولة الإسلاميّة أو ضد الإسلام، ولو نتابع القاعدة والتّنظيمات الأخرى فكلّها استغلّت هذا الجانب واستنفرت من خلاله مفهوم الأمّة الإسلامية، ودعت إلى الاصطفاف الإسلاموي من أجل مواجهة الغزو والعولمة، وكانت تلك هي البيئة التي هيّأت لعودة الإسلام السّياسي إلى الاشتغال على هذه المفاهيم، ولكن بعد الثورة (2011) خفت هذا المطلب لأن الفرصة أصبحت سانحة للإسلاميين للمشاركة السياسيّة داخل حدود جغرافية معيّنة وداخل حكم معيّن، وأصبح متاحاً لها بالتّالي أن تدخل إلى التّسابق ضمن تجربة ديمقراطية حديثة العهد، وأن لا تتبنى مفهوم الأمة الإسلامية من جديد، لذلك نلاحظ مثلاً، بالنّسبة إلى حركة النّهضة، أنّها في مؤتمرها التّاسع المنعقد سنة 2012، وفي حملتها لانتخابات المجلس الوطني التّأسيسي أعلنت عن تبنّيها لمفهوم الدّولة الوطنيّة التّونسية. وأصبح هناك استحضار لرموز الحركة الإصلاحيّة في تونس، رغم أن ذلك كان غائباً في أدبيّات الحركة من قبل، بل كان ثمّة نوع من القطيعة وكان هناك حضور لأسماء أخرى بقوة تمثل الهاجس الإسلاموي عامّة. وكان الابتعاد عن كل ما يتبع الإصلاح التونسي أو التجربة التّونسية، وكان هناك نوع من التّباعد أو المحو؛ فكأنّنا بالحركة في جزء منها بدأت تعيد كتابة أديبّاتها أو نظرتها، فكان الحديث عن الطّاهر الحدّاد وزيارة قبر بورقيبة، وهذه كلّها أشياء تُلتقط، حتى بالنّسبة إلى الانتخابات فهناك صورة لامرأة محجّبة وصورة لامرأة غير محجّبة، والحال أنّ في البدايات لم يكن يتمّ انتداب المرأة داخل الحركة، إلاّ عندما تكون محجّبةً، واليوم أصبحت الحركة مفتوحة للمحجّبات ولغير المحجّبات. وهذا التّعاطي فيه الكثير من الرغبة في الاستيعاب، فالتّكتيك السّياسي والاتّصالي تغيّر، رغم أن البعض يرى أن هذا التغيّر شكليّ، وأن المرجعيات لم تتغيّر. لذلك أرى أن هذا يدخل في إطار النّوايا، فيجب أن نتعامل مع الوقائع كما هي وندرسها، ونتساءل لماذا لم تدرك الحركة هذا التغيّر من قبل وانتبهت له اليوم، لا يوجد أي شيء اعتباطي، وعلينا أن نتعامل مع هذه الأشياء بمراقبة وبمتابعة أيضا على اعتبار أن هذه التغيّرات تنخرط ضمن المشاركة السّياسية لأنّها هي الضّغط الحقيقي على أي حركة إسلامية، وأي حركة إسلاميّة ستتغيّر بالضّرورة عندما تدخل إلى الحكم؛ أوّلاً لكي تستطيع الحكم بدليل أنّها لم تدخل في انتخابات المجلس التّأسيسي إلاّ بعد أن قدّمت وعوداً غير مباشرة للشعب التّونسي، سواءً في مسألة المرأة أو غير ذلك، ثمّ أن هذا الأمر كان حصل أيضاً حتى بعد نهاية الحكم البورقيبي وفي مرحلة التّواصل الأولى..

د. نادر الحمّامي: ما أسميته بـ ''الأخطاء الأربعة للإسلام السّياسي'' في البداية، وما تلاها من مراجعات تحت وطأة الحكم أو تحت الوعي بتلك الأخطاء، ومسألة المراجعات...ربّما هذا ما سيكون محوراً أساسيّاً من محاور حوارنا المتواصل معك في جزئه الثاني.

الجزء الثاني:

"الإسلام السّياسي وإكراهات الواقع والحكم"

د. نادر الحمّامي: نجدّد ترحيبنا بالأستاذة آمال موسى في هذا الجزء الثّاني من حوارنا معها، وقد كنّا وصلنا في نهاية الجزء الأول إلى ما أسمته في أحد مقالاتها بـ ''مأزق الإسلام السّياسي''؛ هذا المأزق الذي بدأ في حدود سنة 2013، وقد أرجعَته إلى أربعة "فخاخ" أساسية؛ تمثّل الفخّ الأوّل في تلهّف الإسلام السّياسي على الحُكم والتّكالب عليه، وتمثّل الفخّ الثّاني في ارتباط الإسلام السّياسي بالمسائل الدّينية، فكثيرا ما يركز الإسلاميون على المسائل ذات الصلة بالدّين. أمّا الفخّ الثّالث، فقد تمثًل في المراوحة بين الخطاب الدّيمقراطي من جهة، فنجدهم يركًزون على الانتخابات والمشاركة السّياسية، وبين الخطاب الشّمولي من جهة أخرى، ما أوقعهم أخيراً في العنف.

دة. آمال موسى: صحيح، لكنني لا أريد هنا أن أتحدّث عن الإسلام السّياسي بشكل عام، وإنّما سأتحدّث عن حركة النّهضة بشكل أساسي، بُعيد الثّورة، فقد كانت متلهّفة على الحكم. ولكن هل كان ذلك من أجل الحكم فقط؟ وهل كان لا بد من تلك اللّهفة؟ ما أقصده من وراء طرح هذين السؤالين، أن التّجربة السّياسية التّونسية من خلال الدّولة وهياكلها وإداراتها ومؤسّساتها كانت حداثية بالأساس، وقد تربّت على الحداثيّين، وقادها الحداثيّون، وكل هذا جعل هناك مخاوف لدى حركة النّهضة، فلو أجّلت لهفتها على الحكم إلى حين، لن تكون لديها ضمانات ألاّ يسترجع الدّستوريّون دواليب الدّولة، وإن حصل ذلك فلن تحلم بالحكم مستقبلاً. إذن يمكن القول إنّها كانت لهفة طبيعيّة، بمعنى أن الطموح الأوّل لكل حركة سياسية إسلامية أو غير إسلامية هو الحكم، وهذا أمر طبيعي. وأعتقد أيضاً أنّها كانت لهفة اضطراريّة من حيث التّوقيت، وقد كان هناك نوع من الرّهان على توظيف هذه اللّحظة الشّعبية بعد الثّورة، حيث ظهر في أوساط الشعب نوع من الاستقطاب؛ فالتونسيون عاشوا تجربة مع التجمّعيين عليها الكثير من المآخذ، وقد خرجوا من تجربة صعبة لِما قبل الثورة، وكانت تمثّلات غالبيّة التّونسيّين للإسلاميّين تمثّلات تغلب عليها صورة الضحيّة، وحصل نوع من التّعانق والتّعاطف بين أفراد الشعب، أضف إلى أن الصّورة التي كان يحملها أغلب التّونسيّين أن الإسلاميّين ''قريبين من الله''؛ فهذا الرّصيد الوجداني الدّيني كان الرّهان، وقد استثمرت حركة النهضة هذا التّعاطف وهذه اللّحظة، فكان فوزها بالأغلبيّة النّسبية في انتخابات المجلس التّأسيسي. لذلك أعتبر أن تلك اللهفة كانت طبيعيّةً واضطراريّةً توظيفيّةً، وكان من الصّعب تجاوز هذا الأمر، والتّعامل إيجابيًّا مع هذه اللّهفة كلّف الحركة ممارسة للحكم طُبعت بالكثير من الأخطاء، فكان التّعبير العمليّ على هذه الخسارة في الانتخابات التّشريعية والرّئاسية، وتراجع حضور النّهضة في الانتخابات، رغم أنّها كانت الثّانية، وأعتقد أن هذا التّراجع ليس كارثيّا وليس خطيراً خاصّة عندما ننظر إلى تلك اللّحظة؛ فقد كان الإسلام السّياسي يعيش في أسوأ لحظاته، من ذلك سقوط نظام محمد مرسي في مصر وأحداث رابعة العدوية التي رافقت ذلك السّقوط، وكان يمكن أن تسقط حركة النّهضة في تونس، ولكنّها تماسكت وكانت في المرتبة الثّانية في الانتخابات التّشريعية. وهذا له دلالاته؛ فبالنّظر إلى الأحداث وإلى الصّعوبات والتحدّيات الداخلية والخارجية والسّياق السّياسي، فكأنّها كانت الأولى قياساً بذلك كله.

لقد كانت هناك الكثير من الأخطاء في ممارسة الحكم ولم تكن حركة النّهضة موفّقة جدّا في امتحان الحكم، لأنّها كانت بلا تجربة في الحكم، فهي حركة نضاليّة بالأساس، وأخذت الدّولة في فترة صعبةِ وواجهت احتجاجات اجتماعية. فالثّورة قامت في حقيقتها من أجل أسباب اقتصاديّة وذهب في ذهن الكثير أنها لأسباب لديها علاقة بالهويّة وبالدّين، وهذا غير صحيح، فإلى أي مدى استطاعت النهضة باعتبارها حركة دينية أن توقف هذه الاحتجاجات وأن تتعاطى مع الملفات الحقيقية؛ أي تلك الملفّات الاقتصاديّة والتنمويّة، والتي لها علاقة بالفقر وبالبطالة وما إلى ذلك؟

لقد وضعت حركة النهضة نفسها في خندق الحكم في لحظة صعبة جدّا، وهذا ما أثّر على أدائها، ولو بقيت خارج الحكم واكتفت بالمعارضة لكانت النّتيجة أفضل ربّما. لكن هناك معطى آخر أيضاً، فالنهضة قدّمت نفسها باعتبارها حركة مدنيّة ولكنّها سقطت في الكثير من الأخطاء والكثير من زلاّت اللّسان، وفي النّهاية لم تكن لها تلك الحِرفيّة السّياسية في التّعاطي مع لحظات حرجة. وقد رأينا فائدة تلك الخبرة السياسية لدى الطرف المقابل، فليس من باب الصّدفة مثلاً، وفي أوّل مرّة يترأّس فيها السيد الباجي قائد السّبسي منصب رئاسة الحكومة، يعود بخطاب بورقيبي وبنبرة بورقيبّة، ويُرجع التّعاطف الذي كان غادر الفضاء الإسلاموي ليرجع إلى الفضاء المخالف. وإلى الآن يظلّ الشّعب التّونسي مشتّتا بين هذين الفضاءين؛ أي الفضاء الإسلامي الذي بقي يجد التّعاطف من الذين ينتمون إليه ويتبنّون الحركة في إخفاقاتها ونجاحاتها، لأن هناك علاقة انتماء وليست علاقة تقاطع مثلما حصل بعد الثّورة مع بعض التونسيّين، وأظن أن الحركة قد انتبهت لكل تلك الجوانب، وحاولت أن تتعامل معها، ولكنّ إصرارها على خوض التّجربة السّياسية والبقاء في الحكم، أجبر حتى الكتلة الأخرى الحاكمة على أن تتوافق معها، وأن تتعامل معها، وأظنّ أن هذا كلّه في صالح تونس بشرط أن يكون التّوافق عقلانيّاً ومدروساً، ويكون كبيراً وألاّ ينحصر في لحظات عابرة تمرّ بها البلاد، فهذا التّوافق يمكن أن يكون منتجاً ومُربحا للشّعب التّونسي إذا كان في إطار مشروعٍ وضمن رؤية مجتمعيّة تهتمّ بتقدّم هذا البلد.

د. نادر الحمّامي: ما تتحدثين عنه يتنزّل في الإطار السّياسي، وهو جزء من الواقع الملموس، ولو نظرنا إلى النّاحية الثّانية؛ أي النّاحية الفكريّة، فسنجد الإشكال الحقيقي بين الفكر والممارسة، إذ هناك مرجعيات فكرية وثقافية وعقائدية لحركة النّهضة تختلف مع واقعها الحالي، ما يجعلنا نتحدّث عن اختلال توازن، أو ربّما عن مأزق حقيقيّ، بين مرجعيّات من الصّعب التخلّي عنها من جهة وإكراهات الواقع السّياسي من جهة أخرى؛ ذلك أن التّعامل مع الواقع من خلال تغيير المستوى الإجرائي أسهل بكثير من التّعامل معه من خلال تغيير مستوى الأفكار والمرجعيّات. ولن يُحلّ هذا الإشكال بمجرد إعلان نوايا الفصل بين الجانب الدّعوي والجانب السّياسي، وهو ما تنعتينه في كتابك بالانتقال من الإخوانية إلى التّوْنسة، فهل يمكن فعلاً أن تتخلّى حركة النّهضة أو غيرها من الحركات الإسلاموية عن بعض مرجعيّاتها الفكريّة؟

دة. آمال موسى: أكيد أنّنا هنا نتحدّث عن عمليّة جراحيّة صعبة؛ فحركات الإسلام السّياسي هي حركات تقدّم مشروعاً للتّغيير الاجتماعي، والتّغيير يقوم على قيم ثقافية مختلفة، إلا أنّ الإسلاميّين يرتكزون على الجانب الدّيني فقط. ذلك أن مرجعيّات الحركة دينيّة بالأساس، وهي تريد أن تقترح مشروعا للتّغيير وللتقدّم والرّخاء الاجتماعي، انطلاقا من مرجعيّة دينية إسلاميّة. ولكن هذا الانتقال إجرائي، وهو لذلك ليس سهلا ويحتاج إلى كثير من الوقت، لذلك فأنا أميل هنا للحديث عن مخاض داخل الحركة عوض انتقال، فلا يمكن الحديث عن انتقال لأنّ ذلك ينسف هويّة الحركة ومرجعيّاتها وفكرها، وعندما يتمّ تغييب هذه الهويّة، فنحن حينها نتحدّث عن حركة أخرى مختلفة تماماً، ولا نتحدّث بالضّرورة عن الاتّجاه الإسلامي ذي المرجعية المُعلنة والتّاريخ والموافق المعروفة من القضايا المهمّة. فالمشاركة السّياسية تفرض ما يسمى المخاض، ولكي تضمن حركة النّهضة المشاركة السّياسية كانت على وعي بوجوب تقديم تنازلات فكريّة ومرجعيّة لابد منها، ودليل وجود هذا المخاض هو تغييب بعض الوجوه المتمسّكة بمرجعيّات الحركة مثل الصّادق شورو والحبيب اللّوز، ونذكر جميعاً أن الصّادق شورو مثلاً تحدّث عن تطبيق حدّ الحرابة وهو في المجلس التّأسيسي، فلم اختفت تلك الوجوه الآن؟

د. نادر الحمّامي: نذكر أيضا من بين تلك المواقف المرجعيّة للحركة مسألة التمسّك بالشّريعة في لحظات كتابة الدّستور، وقد تجاوزت عن ذلك في ما بعد.

دة. آمال موسى: وهذا التصوّر الشّمولي بالنّسبة إليهم مرجعيّ؛ وبعض القيادات في النّهضة تُبدي تمسّكاً بتصوّر الحركة ووفاءً لمرجعيّاتها، ومن هنا كان أحد الحلول هو ما سمّي بالفصل بين الدّعوي والسّياسي، إذ إن الحركة دعويّة في أساسها، وهي تدعو إلى تبنّي أفكار معيّنة واسترجاع مبادئ ثقافية ودينيّة وسياسيّة تتصوّر أن المشروع التّحديثي للدّولة الوطنيّة قد اعتدى عليها وألغاها، لذلك فهي تمارس الدّعوة من أجل استرجاع ما تتصوّر أنّه الملامح الهُووية للمجتمع الإسلامي كما تراه. لكنّها اليوم تعيش مخاضاً يجعلها تبحث عن صيغ أخرى لإعادة التّشكّل، لأنّها وجدت نفسها في مأزق أمام إكراهات الواقع وممارسة الحكم والعراقيل القسريّة التي تواجهها في سبيل التّموقع السّياسي.

د. نادر الحمّامي: هل يعني ذلك أن ما يسمى مراجعات هي قسرية وليست اختيارية؟

دة. آمال موسى: بالتّأكيد، والدّليل على ذلك أنّها لم تبدأ إلاّ بعد الثّورة عند دخول الحركة في مشاركة الحكم، وهذا شبيه بما قامت به بعد نهاية الحكم البورقيبي عندما تمّ التّوافق مع نظام بن علي، فقد قبلت حركة النهضة في الفترة الأولى بحكمه وأمضت على الميثاق الوطني الذي فيه تمسّك بمجلة الأحوال الشخصية وقبول بما جاء فيها، لأنها تلقّت وعداً بالمشاركة السّياسية، رغم أن ذلك يتناقض مع أدبيّاتها وما قامت به؛ ففي أعداد مجلة المعرفة كان هناك رفض لمجلة الأحوال الشّخصية ودعوة للقيام باستفتاء حول قانون منع تعدد الزّوجات، وكانوا يعتبرونها مجلة قسريّة فُرضت على المجتمع التّونسي بإرادة فوقيّة، وأنّها لا تمثّل المجتمع، ولكنّهم بعد ذلك أبدوا تنازلاً على كل ما يتعلّق بالمرأة في الأدبيّات الإسلامية، وهذا مهمّ جدّا ويجب الانتباه إليه، لأنّ المرأة هي قلب الدّين وهي تطلّ على تصوّرنا للجنسانيّة وتصوّرنا للإرث وللأدوار داخل المجتمع، فالمسألة أساسيّة ومن خلالها يمكن النّظر في مرجعيّة الحركة وآرائها وتقييماتها ومبادئها. ففي بداية الحركة كان يُنظر إلى مجلة الأحوال الشخصية وإلى مشروع الدّولة الوطنيّة، باعتبار أنّه مشروع تغريبيّ؛ ونذكر مثلاً أن من بين ما قيل خلال النّدوة الأولى التي أقامتها حركة الاتّجاه الإسلامي بعد سنة 1981، أي أوّل ندوة صحفيّة أقامها راشد الغنوشي بعد تقديم القانون الأساسي لحركة الاتّجاه الإسلامي، وقد عبّر فيها عن رفضه لمجلة الأحوال الشّخصية وأكّد أنّه لا يعترف إلاّ بالمرجعيّة الإسلامية وأنّه يرفض اللائكية إلى غير ذلك... يعني ذلك أن المواقف والأفكار كانت أيّام النّضال عاريةً وواضحةً، ولكن التّجربة الأولى بعد انتهاء حكم بورقيبة وبداية نظام بن علي، وبالتّالي الوعد بالدّخول إلى الحياة السّياسية والمشاركة في الحكم، أحدثت الكثير من التّنازلات. فعندما ننظر إلى أدبيّات الحركة في البداية ومرجعيّاتها ورؤيتها من جهة، وما هي عليه الآن من أفكار ومواقف نلاحظ أنّها لا تختلف كثيرا عن مواقف الحداثيين والعلمانيين في جانبها الإجرائي من جهة ثانية، يبدو لنا أن الأمر لم يكن متوقّعا. ولكن لننظر مثلاً من كتب هذا الدّستور التّونسي الجديد الذي يتضمّن حرّية الضّمير وحرّية المعتقد والمساواة بين الجنسين...

د. نادر الحمّامي: هنا، اسمحي لي بنقاشك، فالمسودّة الأولى والمسودّة الثّانية اللتان سبقتا دستور جانفي/ يناير 2014 كانتا مختلفتين تماماً عن النّسخة النّهائية، ولو لم يكن ضغط المجتمع المدني من جمعيات ومن أحزاب معارضة للإسلاميين لما كنّا لنصل إلى كتابة دستور على هذه الشّاكلة.

دة. آمال موسى: بالضّبط، ونحن لا نختلف في ذلك، فالضّغط والمحافظة على البقاء داخل الحقل السّياسي في تونس كان وراء كتابة هذا الدستور.

د. نادر الحمّامي: ولكن حتى بهذا التّغيير القسري، نجد في خطابات الإسلاميّين الكثير من المخاتلة، ومن الصّعب أن يغيّروا مفاهيمهم الأساسيّة، ولعلّنا نذكر مثلاً مواقفهم من الدّيمقراطيّة، وقد كتبتِ حول الديمقراطية الإسلامية ...

دة. آمال موسى: نعم، أذكر أن في مسودّة الدّستور كان هناك حديث عن التّكامل والدّيمقراطية الإسلاميّة وتأصيل الدّيمقراطية في الشّورى... وهذه مخاتلة وهذا شيء من القناعات وشيء من إملاءات المرجعيّة، ولكن في النّهاية تمّت المصادقة على المساواة بين الجنسين وحرّية الضّمير وحرّية المعتقد... فالحركة كانت تحت ضغط المجتمع المدني والمجتمع السّياسي ولكن في الحقيقة لقد كانت تحت ضغط نفسي وضغط البقاء في الحكم.

د. نادر الحمّامي: الإشكال بالنّسبة إلىّ هو التالي: لنضع فرضيّة أن الإسلاميين يكونون في الحكم بنسبة كبيرة من الأصوات تؤهّلهم للانفراد بالحكم مستقبلاً، ونحن نعلم أنّهم قبلوا بالكثير من التّحوّلات الحداثيّة تحت الضغط، فما الضّامن ألاّ يتراجعوا عن كلّ ما قبلوا به؟

دة. آمال موسى: نعم، طبعاً، وهنا مصدر ريبة الحداثيّين والنّخب السّياسية في تونس؛ فالمشروع الإسلاموي يعلن عن نفسه فكريّا انطلاقا من مجموعة مبادئ وأفكار مرجعيّة واضحة، ولكنّه عندما تراجع عمّا أعلن عنه في البدايات، كان تراجعه سياسيّا ولم يكن فكريّا ولا مرجعيّا، وهذا يجعلنا نتساءل دائماً إلى أي مدى يمكن الوثوق بمراجعات ومصادقات وبمواقف أُخذت تحت ضغط سياسي؟ هذا هو المأزق الذي تعيش فيه تونس اليوم، وهنا مكمن التوتّر والرّيبة في علاقة التونسيين بالإسلاميين. فإلى حدّ الآن لم تقم حركة النّهضة بأيّ تراجع فكريّ أو مرجعيّ، وما تزال مدوّناتها الفكرية الأساسية كما هي، وما زالت وثيقة 86 قائمة الذّات، وقد تمّ تبنّيها في مؤتمر سنة 2007، بل إنّ هناك بعض البيانات القديمة تمّ تبنّيها في سنة 2010؛ أي قبل الثّورة ببضعة أشهر، وهي تعيد الخطاب التأسيسي ذاته، ولم تُراجَع بالمرّة.

د. نادر الحمّامي: ولنا أمثلة أخرى عن الكتب التي أعاد رموز حركة النّهضة نشرها، ولم يتغيّر فيها شيء، رغم إعادة طبعها سنة 2012 و2013 و2014، بل إنّ بعض تلك الكتب عليها إهداءات إلى روح سيد قطب والمودودي، وكان يمكن على الأقل عند إعادة طبعها أن يتمّ التّخلّص من تلك الإهداءات.

دة. آمال موسى: نعم، وهذا يؤكّد الطّابع السّياسوي في صفوف الحركة والتشبّث الأعمى بالحكم، وإهمال جوانب أخرى مهمّة جدّا، وربّما ذلك من الإرهاصات التي جعلت الحركة تنخرط في ما يسمّى بالفصل بين الدّعوي والسّياسي، ولا ننسى أن هذا قد خلق مشكلًا ليس في علاقة النّخبة الإسلامويّة بالنّخبة الحداثوية في تونس فحسب، بل أيضاً داخل النّخبة الإسلامويّة نفسها، فهذا الفصل لم يتم اتّخاذه إلاّ مؤخّرا، ففي البداية كانت هناك أصوات تنادي بالاستفتاء حوله، ولكن الحركة تجنّبت ذلك وأقرّت الفصل في النّهاية، رغم أن الغالبيّة كانت ضد هذا الفصل بين الدّعوي والسّياسي لاعتقادها أن النّهضة ستصبح حركة أخرى وليست هي ذاتها بعد الفصل. وهذا يجعلنا نقول بوجود مأزق هويّة تعيشه حركة النهضة اليوم، وهو مأزق حقيقيّ في العلاقة بالمرجعيّة، ينتج عنه نوع من التوتّر أو عدم التواصل الشّبيه بالخيانة للمرجعيات والأصول والروافد الأولى. وهذا المأزق الموجود اليوم يجعلنا لا نستطيع أن نكون متأكّدين حقيقةً من أنّ النّهضة تطوّرت فكريّاً وأنّ المواقف السّياسية والبنود الثّورية التي صادقت عليها نابعة عن موقف فكري ومراجعات حقيقيّة، وهذا سرّ اللّخبطة والرّيبة والتّوتّر الذي أعتقد أنّه سيتواصل وسيكون سمةً لاصقةً وثابتةً في العلاقة بين النّخب اليوم في تونس. فهناك خوف من أن استئثار الحركة بالحكم سيُظهر وجهها الحقيقي، وأنّها حركة تمارس التّقيّة والبراغماتيّة. ولكن في النّهاية كيف يمكن أن نتجاوز هذا هنا السؤال؟ هنا أيضا مأزق آخر خاصّة أنّنا لا نستطيع أن نتعامل إلاّ مع الوقائع، ولعلّ ما يجب أن تشتغل عليه تونس اليوم، أو النّخب الحداثية في تونس، هو المحافظة على صلابتها وقوّتها، وأن تتغلغل أكثر في المجتمع التّونسي، وهكذا فقط يتم ضمان أن تكون حركة النهضة، أو الإسلام السّياسي بشكل عام، غير مؤثّر، وبالتّالي لا يكون في منطقة المركز، وإنّما يكون مكوّناً من مكونات الحقل السّياسي في تونس لا أكثر ولا أقل. وهكذا يجب أن تعمل النّخب الحداثيّة على أن تمسك دائما بالمركز، ولكن أنا شخصيّاً لست راضية على الآليات التي تستعملها النّخبة الحداثيّة للبقاء في المركز، لأنها آليات ظرفيّة ولا تضمن الدّيمومة والتّغلغل المعمّق والحقيقي في المجتمع وفي السّياسة.

د. نادر الحمّامي: خطاب النّخب الحداثيّة بدوره يحتاج إلى مراجعة عميقة جدّا، فللأسف مع كل النّكسات التي وقعت له يبدو لي أنّ المحسوبين على تلك النّخب لم يستوعبوا أنّ عليهم فهم آليّات اشتغال هذا المجتمع من ناحية بنيته الفكرية وعلاقته بالمسائل الثّقافية والدّينية، وربّما يكون البحث الذي أنجزتِه حول مسألة ''التديّن وعلاقته بالمعيش'' لدى الشّباب التّونسي خاصةً، جانباً من الجوانب التي يجب الانتباه إليها؛ إلاّ أن النّخب الحداثيّة لم تنتبه إلى هذه المسائل لتعيد الاعتبار إليها بكل جدّية بغاية احتلال المركز في المجتمع، وربّما يكون هذا منطلقاً أساسياً في حوارنا معك في الجزء الثالث منه.

الجزء الثالث:

"النّخبة الحداثيّة وطرق التّفكير والمواجهة"

د. نادر الحمّامي: مرحبا بكم مجدّدا في حوارنا مع الأستاذة آمال موسى، ونحن نأتي إلى جزئه الثّالث، وقد تحدّثنا عن مواضيع كثيرة من شأنها أن توصِلنا إلى طرق للتّخفيض من التوتّر، هذه الكلمة التي تردّدت كثيراً في هذا الحوار، وربّما ليس أمامنا الكثير من الحلول لتحقيق ذلك إلاّ وعي النّخبة الحداثيّة في مقابل التيّارات المحافظة ذات المرجعيّة الدّينيّة. ولعلّ الإشكال الأساسي بين هذين الطرفين المتنازعين الحداثي والإسلاموي، أنّه لم تكن بينهما تجربة حقيقيّة في ما يمكن أن نسمّيه بالحوار الفكري الجاد للتقدّم نحو أفكار تصلح للمجتمع، عوض الانغماس في الصّراع السّياسوي الصّرف؛ فما هو مفقود في تقديرنا إنّما هو الحوار الفكري الجاد.

دة. آمال موسى: نعم وهو كذلك، فنحن نسجّل غياب النّقاش الفكري الوطني في تونس، وفكرة النّقاش مهمّة جدّا، فالمجتمع يجب أن يتناقش في قضايا رئيسية ومهمّة حول أسس التّوافقات في تونس الجديدة، فمجتمع ما بعد الثّورة أصبح أمام عقد اجتماعي جديد بين الثّقافي والدّيني والسّياسي، وهذه الأسس قد تناقشت حولها أمم سبقتنا، وعاشت هذه المحطّة، وطرحت على نفسها أسئلة من قبيل؛ كيف تكون هويّة الدّولة في علاقتها بما هو ثقافي وما هو ديني؟ ونحن لم نعش بعد نقاشاً في هذا الصّدد، لأنّنا لا نمتلك بعد مع الأسف تقاليد النّقاش أو الحوار الوطني، وأعتبر أن المعالجة السّياسية لظاهرة الإسلام السّياسي في تونس منذ ظهورها إلى اليوم، قد أضرّت بتجربة الحوار بين النخبتين الحداثية والإسلامية، وأنتجت الكثير من التوتّر، مع العلم أن ''التّوتّر'' مفهوم سوسيولوجي رئيسي، وهناك محور كامل في علم الاجتماع حول سوسيولوجيا التّوتّر. إنّ هذه الحالة المتمثّلة في الرّيبة والعنف اللّفظي والرّمزي والشّتائم المتبادلة وحالات الإقصاء المتبادل المسكوت عنه من طرف النّخب الإسلاموية والظاهر من طرف عناصر كثيرة من النّخب الحداثيّة، سببه أنّ النّخبتين، في تونس رغم عراقتهما، لم يحدث بينهما حوار فكري ونقاش عميق على امتداد العقود الأخيرة؛ ففي فترة الحكم البورقيبي ومن بعدها فترة حكم بن علي حُلّت المسألة سياسياً؛ فكانت كلّ نخبة تتحاور مع ذاتها مما أنتج حواراً إسلاموياًّ/إسلامويّا وحواراً حداثيّاً/حداثيّاً، ولكن لم يحصل ذلك الحوار بين النّخبتين، فكانت اللغة متوتّرة بينهما. فكأننا اليوم في مرحلة ما قبل الحوار، لأننا لا نجد أي تاريخ للحوار المشترك يمكن أن تتّكأ عليه النخبتان. وكل ذلك ساهم في إنتاج نوع من "المراهقة" في الحوار وزلاّت اللسان من الطّرفين. والإشكال اليوم هو أن النّخبة الإسلامية التي تريد أن تحافظ على موقعها في الحقل السّياسي والتي تريد المشاركة في الحياة العامّة تُظِهرُ على مستوى السّلوك ومستوى الصّورة نوعا من الانفتاح، ولكن بالنسبة إلى النخبة الحداثية هناك إشكال بين من يريد أن يواصل في سياسة عدم الاعتراف بالإسلاميين، ويعتبر أنّهم خارج المرجعيّة التّونسية، وأنّهم يتبنّون مرجعيّة لا تمتّ لتونس بأي صلة، فهناك إقصاء ورفض راديكالي تام، يعتبرون من خلاله أن حتّى التّعامل مع الخطوات التي تقوم بها هذه الحركة هو خيانة، وهناك أيضاً أطراف أخرى داخل الحركة التّحديثيّة تريد أن تستفيد من تجربة الماضي وأن تقيم نوعا من الحوار كي تفهم الجانب الآخر بشكل أفضل، وكي يتمّ التوصّل فعليّاً إلى توافقات حقيقيّة، وكي تتمّ السّيطرة على حجم المساحة التي يمكن أن تهيمن عليها النّخبة السّياسية اقتصاديّاً وثقافياً واجتماعياً، فلا توجد استراتيجية واحدة، وهناك نوع من التّخبّط، ودليلنا على ذلك سياسيّ، فمعظم الانتقادات التي توجّه إلى حركة نداء تونس اليوم، رغم إخفاقات هذه الحركة سياسيّاً، هي من جراء علاقتها مع حركة النّهضة وجرّاء التّوافقات التي تقيمها اليوم معها، ففي النّهاية هناك إلى اليوم رفض حداثي للنّخبة الإسلامية في تونس، وهو رفض مبرّر ولكن ما ينقصه هو أن يُعقلن، لأنّه يُعبّر عن نفسه بكثير من الانفعاليّة وينقصه الكثير من النّضج.

د. نادر الحمّامي: قد لا نختلف حول هذا الأمر كثيراً، ولكن لنقم أيضا بنوع من النّقد الذّاتي، فهذه النّخبة الحداثيّة تنطلق من إيمان بعلمنة المجتمع وقيم الإنسان الكونية، وهي قيم لا هويّة لها كالمساواة والحرية... ولكن الإشكال حين تُصبح هذه العلمانية نوعا من الدوغمائية المضادّة لدوغمائية أخرى، فنكون في صراع دوغمائيات، وصراع إيديولوجيات، وعوض أن تؤمن النّخبة الحداثيّة بقيم الحداثة نفسها، على اعتبار أن الحداثة لا نموذج لها، وأنّها مستمرّة ومتطوّرة دائماً، نجد أنّها تؤمن بنموذج ثابت للحداثة على مثال ما أسميته أنتِ "سلفية حداثية".

دة. آمال موسى: وهو كذلك، فهناك نوع من التكلّس في النّخبة الحداثيّة في تونس، وأظنّ أن ذلك ليس في صالح أي طرف، وفيه ردّة على قيم الحداثة في حدّ ذاتها، وفي نهاية الأمر لابد من النّقد المستمر، والمشكلة أن النّخبة الحداثيّة لا تنقد نفسها، وهي تعاني من النّرجسيّة العالية جدا، وأظنّ أن أهم شيء كان ممكنا أن تفيد به النّخبة الحداثية تونس هو أن تنتصر لقيمة الحوار، وأن تدافع عن قيمة العقلانية وأن يكون الحوار مثمراً، وأن تطيح بالخصم الأيديولوجي بطريقة معقلنة وبمقارعة الحجّة بالحجّة، وهذا غائب وقد حل محلّه الرّفض والإقصاء والتّعامل مع النّوايا، فهناك الكثير من اللّغة الانفعاليّة، رغم أن النّخبة الحداثيّة تمتلك الكفاءة المعرفيّة التي تجعلها قادرة على إقامة مناظرات حقيقيّة وقويّة مع الخصم الإسلاموي، ومع ذلك فهي تترفّع عن الحوار وتُعرض عن النّقاش وعن المناظرات، وهذا الترفّع تخسر به العقلانية في تونس، وتخسر به النخبة الحداثيّة، وتخسر به تونس في النّهاية الشيء الكثير.

د. نادر الحمّامي: نعم، هذا هو الإشكال الحقيقي الذي علينا أن نواجهه اليوم، فلا يكفي أن نؤمن بقيم الحداثة والحوار والعقلانيّة، ولكن لا بدّ من محاولة تنزيلها اجتماعيّاً. وليس من السّهل أبداً، تحقيق تلك القيم في مجتمع يحمل بنية ذهنيّة وثقافيّة قديمة، وله إرث ثقافي وديني واجتماعي يتحكّم فيه، فكيف يمكن مثلاً أن نحقّق قيم الحداثة في هذا المجتمع، والحال أنّها ليست من تراثه ومن أفكاره؟ لقد جعلني ذلك أفكّر في كتابة شيء ما حول ''لا دستورية البنية الذهنية''؛ فنحن لدينا دستور جديد ينصّ في فصله السّادس على حرّية المعتقد والضّمير، ولكن هل البنية الاجتماعية والدّينية والثّقافية التونسيّة قابلة لهذا البند من الدّستور؟ وكيف يمكن بالتّالي أن نجعل ذلك مستساغا اجتماعيا؟ وبخصوص مسألة المساواة في الإرث التي وردت في خطاب رئيس الجمهورية يوم 13 أوت الماضي، كيف سنقنع هذا المجتمع بضرورة المساواة التّامة؟ وكيف سنجعله يُدركُ أنّ ذلك لا يتنكّر لا لإرث ولا لثقافة ولا لهويّة. هذا هو الإشكال الذي يجب أن ينتبه إليه الحداثيّون، حسب رأيي، فمَا أسهل أن يضرب الإسلاميّون قيمة المساواة مثلاً، وما أصعب أن يعمل الحداثيّون على تكريسها في المجتمع.

دة. آمال موسى: صحيح، أظنّ أنّ النّخبة الحداثيّة قد انشغلت كثيراً بالخصم الأيديولوجي أكثر ممّا يجب، في حين أن الانشغال الأساسي كان يجب أن ينكبّ على النّسق الثقافي للمجتمع التّونسي، وأن يبحث في كيفيّة إعادة ترتيب هذا النّسق ومعالجته، فمشروع بناء الدّولة الوطنيّة في حدّ ذاته جاء ليعيد صياغة النّسق الثقافي للمجتمع التونسي، وإلاّ فما معنى مثلاً إلغاء التّعليم الزّيتوني؟ وما معنى إلغاء المحاكم الشّرعية وما معنى إلغاء الأحباس؟ فهذا كلّه شُغل جديد على العقل التّونسي، وهو محاولة لجعل هذا العقل يتغيّر في كيفيّة تفكيره ومقاربته للأشياء، ولكنّ النّخبة الحداثيّة في تونس قد أدارت ظهرها للمجتمع ولهذا النّسق ولم تضطلع بدورها كما يجب، وأظن أنّ الوقت حان كي نبدأ في عمليّة التّغيير الثّقافي من خلال النّخبة الفكريّة وليس فقط النّخبة السّياسيّة. وحتّى نكون أكثر موضوعيّة، ففي مثال إعلان رئيس الدّولة مؤخّرا، في العيد الوطني للمرأة التّونسية، عن الدّعوة إلى مراجعة عدم المساواة في الميراث بين الجنسين في اتّجاه تحقيق المساواة التّامة، لم تكن الأصوات التي عارضت هذا الأمر إسلاميةً كلّها وليست كلّها تنتمي إلى حركة النهضة، بل إنّ جانبا هامّا من الذين عارضوا مبدأ المساواة التّامة ليسوا إسلاميّين، وإنّما هم ينتمون إلى رصيد شعبي لسنا في حالة انتباه إليه، بل إنّنا لا نعيره اهتماماً، وهو رصيد مهدور في اهتماماتنا، وما نظنّ أنّه صحيح حين نعتبر أن المجتمع التّونسي متصالح مع مبدأ المساواة التّامة، وأنّه لا يمانع في المساواة بين الجنسين في الإرث، وأنّ الإشكال يتأتّى من الإسلاميين ومن حركة النّهضة تحديداً، على اعتبار أنّ النص القرآني صريح في هذه المسألة... ذلك كلّه لا يعدو أن يكون سوى وهم. لذلك علينا أوّلاً، أن نتخلّص من أوهامنا، ومن ثمّ أن نواجه الواقع القيمي والعقلية الثقافية التّونسية بشجاعة وبجرأة فكريّة.

د. نادر الحمّامي: فعلاً، هذا ما لا يتم الانتباه إليه وهو المسألة الاجتماعية، وأنا أرى وجوب التّركيز على هذه النّاحية لأن النّخبة الحداثيّة لم تستطع اكتساب المجتمع، وتلك خسارة كبرى، وهي في تقديري نقطة ضعف فادح، وأذكر أنّكِ لاحظتِ في قسم البحث الميداني من أطروحتكِ حول الشّباب التونسي، وكان ذلك قُبيْل ثورة 2011، ظهور أشكال تديّن احتجاجيّ، على غرار الأشكال الفنّية الاحتجاجيّة من "غرافيتي" و"راب" وغير ذلك، ولو كان هناك انتباه من النّخب الحداثية إلى تلك الظّواهر الاجتماعية في وقت مبكّر، ربّما لكنّا اليوم في حال أفضل بكثير. وقد انتبهتْ في المقابل النّخب الإسلاموية إلى تلك الأشكال، وعملت على توظيفها، ولا أدلّ على ذلك من أنّها استعملت أشكال الفن الاحتجاجي ومن بينها "الرّاب" مع أنّه ليس من تراثها ولا من مرجعياتها.

دة. آمال موسى: نعم، ولعلّ ذلك ينطبق أيضا على حدث آخر، فعندما فشلت تجربة التّعاضد في تونس في نهاية الستّينيات توسّع اتجاه الحركة الإسلامية مستغلاّ الرّصيد الشّعبي من الاحتجاجات الاقتصادية ضد النّخبة الحاكمة وضد بورقيبة، وقد أحسن الإسلاميّون التقاط اللحظة واستثمار ذلك المخزون الاحتجاجي الشّعبي. وهكذا يمكن القول، إن الحركات الإسلاموية دائما ما تستفيد من هذا الجانب، في حين أن النخبة الحداثية لديها نوع من الترفّع أو عدم الانتباه لما يجري من حولها، ولعلّ ذلك راجع أيضاً إلى أنّها غير ميدانيّة، أضف إلى أنّها نرجسية وأخشى أنّ النرجسية في النّهاية ستقتل الحداثة في تونس.

د. نادر الحمّامي: بالضّبط، فحين تثار مسألة المساواة مثلاً، فيجب أن نتفاعل مع المسألة في حدّ ذاتها بقطع النّظر عن الجهة السّياسية التي قامت بذلك، أو عن الغايات السّياسية الظرفية المتعلّقة بها، فبما أنّني أهدف إلى تحقيق هذه المساواة، فلا يهمني ما هي الخلفيات أو المرجعيات التي جعلت طرفاً من الأطراف يدعو إليها، وإنّما المهم لدي هو أن ألتقط تلك الفرصة لأنها لا تتكرّر كثيراً.

دة. آمال موسى: وأنا أعتبر أنّ الدّعوة إلى المساواة بين الجنسين في الميراث أكثر أهمّية مقارنة بقرار منع تعدّد الزّوجات، لأنّ إلغاء تعدّد الزّوجات كان فيه اجتهاد سمحت به الآية القرآنية ذاتها، بينما مسألة المساواة في الميراث مقيدة أكثر بوضوح النصّ، وبالتّالي أظن أنّها أكثر ثوريّة، وإن كانت استفادت من تطوّر المجتمع ونموّ نسب التّمدرس وأهمّية مشاركة المرأة في الحياة الاقتصادية. ومع ذلك لا يمكن القول، إن مسألة المساواة في الإرث تأتي في إطار صراع ضدّ الدين، فالمسألة هنا ليست دينية محضة، كما أنّه من الخطأ التفكير في أن رفض مسألة المساواة بين الجنسين في الميراث ناتج عن موقف ديني بحت، فالمعركة اقتصادية بالأساس حول من يمتلك، لأنّ من يمتلك أكثر في المجتمع هو الذي يحكم والذي يقرّر ويدير الشؤون ويبني المعنى، وهو من يهيمن رمزيّا داخل المجتمع. وهذه هي المعركة في النّهاية وأعتقد أنّنا أكثرنا من ارتداء جبّة الدّين في سياقها وفي غير سياقها، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على غياب رؤية وعدم وجود لحظة تفكير صافية في المشاغل وفيما يُجرّب في المجتمع اليوم، ثم إن لا شيء اليوم يمكن تفسيره وفهمه انطلاقا من بعد واحد حتّى الظّاهرة الدينية نفسها، فكل شيء مركّب.

د. نادر الحمّامي: الظّاهرة الدّينية نفسها هي ظاهرة اجتماعية قبل كل شيء.

دة. آمال موسى: نعم، هي ظاهرة اجتماعية معقّدة ومركّبة في الوقت نفسه، ولا نستطيع أن نفسّرها وأن نفهمها إلاّ إذا احتكمنا إلى أبعادها المختلفة، يعني أن نفسّر الأشياء من عدّة جوانب، فكلّ ظاهرة ناتجة عن أسباب عدّة وليس عن سبب واحد، والاقتصار على واحد منها والتّركيز عليه فيه نوع من مجانبة الحقيقة، ومن شأنه أن يوصل إلى نتائج غير سليمة ومبالغ فيها.

د. نادر الحمّامي: نعم، هذا صحيح بالنّسبة إلى المجتمع التّونسي وغيره من المجتمعات الإسلامية، ويمكن أن نلاحظ ذلك من خلال ما أثير حول هذه القضية تحديداً، فلقد تابعتُ ردود الفعل في مؤسّسات دينية كمؤسّسة الأزهر في مصر ومؤسسة الزّيتونة في تونس التي تعرّف نفسها بأنّها مؤسسة وسطيّة معتدلة، وكانتا رافضتين لمبدأ المساواة التّامة بين الجنسين في الميراث، ومن سمّوا أنفسهم علماء الزّيتونة قد ردّوا على ذلك. لكنني استغربت شيئا ما من الأهمّية الكبرى التي أُعطيت لهذا الموضوع في المجتمع المصري. ونستنتج من ذلك أنّه لا يمكن أبداً التّعويل على المؤسّسة الدّينية في بناء منظومة قيميّة حديثة، مهما أعلنت عن وسطيّتها واعتدالها.

دة. آمال موسى: بالنّسبة إلى موقف مؤسّسة الأزهر في مصر، فأظنّ أنّه محكوم بالخوف من العدوى، أي أنّها حالة دفاع عن النّفس ضد انتقال مثل هذه الدعوة في يوم ما إلى مصر، ويمكن أن نفهم أنّه دفاع استراتيجي عن النّفس. ولكن الأمر مختلف بالنّسبة إلى جامعة الزّيتونة في تونس، وربّما أفاجئك فقد استحسنت إعلانهم عن موقفهم، فمن الجيّد أن تنخرط الجامعة في الشّأن العام خاصة في مسألة حسّاسة كهذه، ثمّ أنّهم كانت لهم قراءة في الموضوع وذلك من حقّهم، ولكن نحن في النّهاية لا يجب أن نُنصت أو أن نبارك أو أن نقبل إلاّ المواقف التي تساند هذه الدّعوة، ولا تكون ضدّ الحداثة، وهذا مهم جدّا لأن لكلّ موقفه الخاص، وهذا هو الاختلاف، لكن كيف يمكن أن ندير هذا الاختلاف؟

عندما عاينت موقف المؤسّسة الدّينية من مسألة منع تعدّد الزّوجات مثلاً، انتبهت إلى أنّها مسألة تتنزّل في إطار الاجتهاد، وقد تمّت بمباركة المؤسّسة الدّينية، فمجلّة الأحوال الشّخصية عندما صدرت سنة 1956 كانت تحمل ختماً دينيّاً، وقد ذكر لي ذلك في إحدى الحوارات المعمّقة السيد أحمد المستيري عندما كان وزيرا للعدل آنذاك، فقد كانت هناك مباركة دينية لمجلة الأحوال الشّخصية، ولذلك تمّ إقرار منع تعدد الزّوجات. وقد جعلني ذلك أعيد طرح مسألة الاجتهاد وشروطها، وكيف نطوّر اجتهادنا في التفكير الإسلامي؛ فالاجتهاد يكون انطلاقاً من النّص الدّيني، وعندما لا يكون هناك وضوح في النّص القرآني وليس هناك حكم واضح يحدّد لنا ما يجب أن نقوم به بالضّبط، فلابدّ أن نجتهد حسب الشّروط الموضوعة للاجتهاد لدى الفقهاء والعلماء المسلمين، ولكن ذلك لا يتوفّر في مسألة المساواة بين الجنسين في الميراث، لأنّ الحكم في النص القرآني واضح، ولا يستجيب إلى الشّروط التي تجعل من عملية الاجتهاد انطلاقا من النصّ عملية مقبولةً. لذلك، أظنّ أن من الضّروري اليوم أن نعيد طرح مسألة الاجتهاد وأن نعيد النّظر فيها؛ أي أن نعيد قراءة شروط الاجتهاد وأن نقوم بتوسيعها. وهذه مسألة مهمّة حتّى لا نقع في تطبيق الاجتهاد بشكل متكلّس. أنا تابعت القراءة التي قدّمها المفكر المرحوم محمد الطّالبي في هذه المسألة، وهو يقول إن الحديث عن الإرث في الآية القرآنية بتلك الطّريقة وبذلك التّوزيع يُعتبر متقدّما جدّاً في تلك المرحلة، على اعتبار أنّ الأنثى لم يكن لها الحقّ في الإرث أصلاً، فأن يكون لها حق ولو أقل من الرّجل في ذلك الوقت، فيجب أن نفهم من ذلك انتصار الإسلام للمرأة. ويمكن البناء على هذه القراءة، باعتبار أن مشاركة المرأة الاقتصادية اليوم قد تغيّرت، وأن توزيع الأدوار داخل المجتمع قد تغيّر أيضاً، ولدينا مثلاً في تونس نظام الاشتراك في الملكيّة بين الزّوجين، وهناك ظاهرة أخرى أيضاً، وهي إيجابية، وتتمثّل في أن الأب يمكن له أن يوصي بتوزيع الميراث بين أبنائه الذّكور والإناث بالتّساوي، وتلك المبادرات الفردية تعبّر عن نضج اجتماعي وتغيّر في مسألة التمييز بين الجنسين في المجتمع، ولكنّها تبقى قليلةً ولا يمكن أن نبني عليها.

وأظن أن المطلوب اليوم هو إعادة النّظر في مسألة الاجتهاد وتبنّي مقاربات تجعل الإسلام يستفيد من الحداثة، وأن نعبّر عن روح الإسلام الحداثيّة من خلال أشياء ذات قيمة، لأنّنا في نهاية الأمر لا مهرب لنا من الاعتراف بقيم المواطنة والسّير في مسارها العقلاني، والمواطنة تعني في النّهاية أن يكون الجميع في حالة تساوي أمام الدّولة، وأن لا يتمايزوا على أساس عرقيّ أو دينيّ أو جنسيّ؛ إن قبلنا بالمواطنة وأصبحنا نستعمل كلمة مواطن، وتمّت المصادقة على الاتّفاقيات الدّولية وقبول مرجعيّات حقوق الإنسان الموجودة في ديباجة الدّستور التّونسي، فهذا يعني أننا نسير في الطريق الصحيح نحو المواطنة، لأن عدم التّمايز بين الجنسين في مسألة الميراث هو شرط من شروط المواطنة، وليس من حقّنا التّراجع عنه أو التّفريط فيه.

د. نادر الحمّامي: يبدو أن حواري معك لن يكون سوى نقطة انطلاق لأعمال أخرى، فعلى الرّغم من وصولنا إلى نهاية الحوار، فإنّني لا أودّ أن أنهيه، ولذلك أشكرك جزيل الشّكر أستاذة آمال موسى على هذا الحوار راجياً أن يكون منطلق أعمال قادمة بيننا.

دة. آمال موسى: شكرا لكم.