أسئلة الجسد في المجتمع الحساني: (قراءة في المتخيل الشعبي)

فئة :  مقالات

أسئلة الجسد في المجتمع الحساني: (قراءة في المتخيل الشعبي)

 أسئلة الجسد في المجتمع الحساني([1])

(قراءة في المتخيل الشعبي)


تمهيد

تدخل موضوعة الجسد ضمن المكونات الأساسية لجميع الثقافات في جميع الحقب والأزمنة بدون استثناء، وقد اختلف التعاطي مع الجسد من مجموعة بشرية إلى أخرى، ومن حقبة زمنية إلى أخرى، برغم أنه يظل يدور في مجمله حول الحياة والموت كمفصلين أساسيين لموضوعات فرعية ذات الصلة كالغذاء والجنس والسلطة والدين والهوية والثقافة الخ..

هكذا تكتسي موضوعة الجسد طابعا متعالقا مع كل ما يعرض لها، بحيث يمكن التطرق إليها من عدة جوانب وبعدة طرق؛ انثربولوجية، فلسفية، دينية، بيولوجية، سوسيولوجية، سيكولوجية، سيميائية الخ..وتجسيدا لوعيه القديم/الجديد بأن الإنسان يدخل في علاقة مع الآخرين ومع العالم من حوله عن طريق الجسد، شهد العالم منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي انكبابا مكثفا على دراسة هذا الموضوع وتجديد النظر إليه سواء في إطار العلوم الطبيعية والبيولوجية (الاستنساخ، التلقيح الاصطناعي، الجراحة الترميمية، الصحة وتمديد الأمل في الحياة...) أو في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية، خاصة منها ما يتعلق بمسألة الهوية، وتمثل الآخر، والتفاعل، والاستهلاك، والأخلاق، والثقافة الخ...

تنطلق هذه الورقة إذن من فكرة أن موضوعة الجسد هي من أكثر الموضوعات شساعة والتباسا خاصة في المنتوج الفكري العربي الإسلامي، وتركز اهتمامها بشكل خاص على ما يسمى بـ"الرواسخ" التي تصمد بقوة، ظاهرة تارة ومستترة تارة أخرى، في وجه التاريخ، وتظل تهيكل المخيال الجمعي لشرائح مختلفة من المجتمع بدرجات متفاوتة.

وانطلاقا من أن المغرب بلد مثله مثل سائر البلدان العربية وغير العربية يحمل "ذاكرة ثقافية" يمثل فيها الجسد مكونا أساسيا، تتأسس هذه الورقة على ملاحظة مباشرة من الميدان لظاهرة اجتماعية ملفتة للنظر في المجتمع المغربي يتم التركيز فيها على جسد المرأة، ومحاولة فهمها وتشريحها.

هكذا تتغيا هذه الورقة تقديم ملاحظات حول تمثلات الإنسان العربي للجسد والتحديات الثقافية والحضارية التي تواجهه في هذا المضمار، وتنطلق من فكرة أن هذا الإنسان العربي (المأزوم) يبني علاقة ملتبسة بالجسد سواء تعلق الأمر بجسده الخاص أو بأجساد بشرية أخرى، دون أن يهتدي لمصدر هذا الالتباس ومنشئه، وهي الحالة التي وصفها الباحث والمفكر السوري هشام صالح بـ"الانسداد التاريخي". ولعل ذلك ما يفسر إلى حد ما فشل الإنسان العربي في بناء علاقة واضحة مع الجسد يعبر بها من وعي قادم من الزمن الماضي إلى وعي تنويري يتطلع نحو المستقبل.

تقديم

رغم أن الحديث عن الجسد في المجتمعات العربية والإسلامية اقترن دائما بـ"الطابو والمحرم والمسكوت عنه، إلا أن الواقع الفكري والاجتماعي والأدبي على وجه الخصوص، يخلخل هذه الفكرة ويرشقها بأدلة تسقط قطعيتها أو على الأقل توجهها لتكون أكثرَ تركيزا على مكامن القوة والضعف في التعامل مع الجسد..

صحيح أن الجسد كان دائما ولا يزال مصدر قلق بسبب أسئلته المربكة وحمولاته "الثقافية" إلا أن التفكير فيه والحديثَ عنه والكتابة فيه لم يتوقف ولم يسجن في زاوية أو مقاربة يتيمة...

خصوصيات المجتمع العربي أولا والعربي المسلم لاحقا، ورغم سياج العادات والتقاليد والقيود الاجتماعية والدينية، لم تمنع أو توقف الحضور القوي للجسد على مستويات متنوعة أدبية وفكرية وتاريخية. ويكفي أن نلقي نظرة على النصوص الأدبية والتاريخية والحكايات التي تعج بها مصادر التاريخ لأدب على مر عصور التاريخ العربي والإسلامي من شبه الجزيرة العربية إلى الغرب الإسلامي لنتحسس قيمة وغنى هذا الحضور البارز للجسد في الثقافة العربية.

فقد ولع شعراء الجاهلية بالجسد ومفاتنه وتغنوا به في أشعارهم امرؤ القيس والنابغة وطرفة بن العبد وعنترة...وغيرهم كثير استباحوا الجسد الأنثوي شعرا في كل حالاته وتفاصيله. فهذا امرؤ القيس يتحدث عن علاقته بعشيقاته مع التركيز على حالات يكون فيها الجسد في وضعية استثنائية خارج إطار الجسد النموذج الذي تغنى به الشعراء كوصف العلاقة الجسدية مع الحامل والمرضع. وهذا يعزز ما سبقت الإشارة إليه من تعدد صور الجسد.

يقول:

فـقُـلْـتُ لَـهَـا: سِـيْرِي وأَرْخِي زِمَامَـه      ولاَ تُـبْـعـدِيْـنِـي مِـنْ جَـنَـاكِ الـمُـعَـلَّـلِ

فَـمِـثْـلِـكِ حُـبْـلَى قَـدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعِ      فـأَلْـهَـيْـتُـهَـا عَـنْ ذِي تَـمَـائِـمَ مُـحْــوِلِ

إِذَا مَـا بَـكَـى مِنْ خَلْـفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ      بِـشَـقٍّ، وتَـحْـتِـي شِـقُّـهَـا لَــمْ يُـحَـــوَّلِ

هذا الحضور الجسدي لن يتراجع أو يتغير بظهور الإسلام، حتى وإن تمهل قليلا تحت وطأة النقاش الذي دار حول الشعر والشعراء والإسلام بشكل عام، إلا أنه سرعان ما استعاد وهجه وقوة حضوره والتي تميزت في العصور الإسلامية الأولى باتباع أو تقاسم الفضاءات التخييلية الجاهلية والتي ستعرف التغيير والتأثر لاحقا خصوصا في العصر العباسي وما سيليه..

ولم يتوقف الأمر على الشعر بل إن الجسد كان حاضرا في الأخبار والحكايات.. ويكفي الرجوع إلى كتاب "طبائع النساء وما جاء فيها من عجائب وغرائب وأخبار وأسرار.." للفقيه ابن عبد ربه لنبحر في عوالم النساء وطبائعهن وأوصافهن شعرا ونثرا. ويحتل جسد المرأة في هذه الحكايات مكانة كبيرة وهذه بعض النماذج:

- وقال يزيد بن عمر بن هبيرة: لا تنكِحنَّ برشاء (في جلدها نقط تخالف لونه)، ولا عمشاء، ولا وقصاء (قصيرة العنق)، ولا لثغاء، فيجيئَك ولد ألثغ؛ فو الله لولدٌ أعمى أحب من ولد ألثغ.[2]

- ومما ينسب لأعرابي في زوجة له لم تعجبه أخلاقُها ولا خِلقَتها:

ولا تستطيع الكحل من ضيق عينيها****فإن عالجَتْهُ صار فوق المحاجر

وثديان أما واحد فهو مِزْوَدٌ*****وآخر فيه قِربةٌ للمسافر![3]

ودائما في كتاب طبائع النساء

وصف عصام الكِنْدِيّة لأم إياس بنت عَوْف بن مُحَلِّم الشيباني لملك كندة، عمرو بن حجر جد الشاعر امرئ القيس:

"رأيتُ جبهة كالمرآة الصقيلة يزينها شعرٌ حالكٌ كأذناب الخيل المضفورة. إن أَرْسَلَتْه خِلْتَه السلاسل، وإن مَشَطَتْه قلتَ: عناقيدُ كَرْمٍ جلاها الوابلُ، وحاجبين كأنهما خُطّا بقلم، أو سُوِّدَا بحُمَم، قد تقوّسا على عيني الظبية العَبْهَرَة (البيضاء الرقيقة البَضّة)، التي لم يَرُعْها قانص ولم يَذْعَرها قَسْوَرَة (أى الأسد)، بينهما أنفٌ كحَدّ السيف المصقول، لم يخَنْسَ به قِصَرٌ ولم يمض به طول، حَفَّتْ به وَجْنتان كالأُرْجُوَان، في بياضٍ مَحْضٍ كالجُمَان، شُقَّ فيه فم، كالخاتم لذيذ المُبْتَسَم، فيه ثنايا غُرٌّ ذواتُ أَشَر، وأسنانٌ تبدو كالدُّرَر، وريقٌ كالخمر له نَشْر الروض بالسَّحَر، يتقلب فيه لسان، ذو فصاحة وبيان، يحركه عقل وافر، وجواب حاضر، تلتقي دونه شفتان حمراوان كالورد، يجلبان ريقا كالشهد، تحت ذلك عنق كإبريق الفضة، رُكِّب في صدرٍ كصدر تمثال دمية، يتصل به عَضُدان ممتلئان لحمًا..."

طبعا بالإضافة إلى الشعر وكتب الأخبار يحضر عنصر مهم في الكتابة عن الجسد في الثقافة العربية ويتعلق الأمر بالفقهاء أو من أسماهم مالك شبل بفقهاء الحب، نذكر منهم على سبال المثال لا الحصر، محمد بن داوود الظاهري – أحمد بن حزم- ابن القيم الجوزية – أحمد بن الحسين السراج- الشيخ النفزاوي...

هذا الاستهلال عن حضور الجسد في الثقافة العربية يحيلنا على جزء من تاريخنا وهويتنا بشكل أو بآخر لكن "الجسد الخاص" الذي يشكل "الفرق" أو الخروج على "النموذج" ويُترجِم "التنوع". هذا "جسد" قلما نجده في "الثقافة العالمة" أو التاريخ "العام" إلا انه حاضر وبقوة في الخطاب التخييلي الشعبي والطقوس التي يكون الجسد محورُها الأساس والغناء وأعراف الزوج والعادات...وغيرها من تجليات الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.

في تقديمه لكتاب الاسم العربي الجريح لعبد الكبير الخطيبي يتحدث رولان بارت عن ما يميز قراءة الخطيبي واستفادته منها:

"إن ما يمكن أن أسائله على السلم الاجتماعي الذي آخذ مكاني فيه هو الفرنسي الثقافي مصوغاً بالأمواج المتعاقبة للعقلانية للديموقراطية ووسائل الإعلام الجماهيري وما يسائله الخطيبي هو إنسان شعبي كلية هذا الذي لا يتكلم إلا بالأدلة الخاصة به ويجد نفسه دائما مغدورا من طرف الآخرين" ويضيف أن صوته متميز ومتفرد لأن "ما يقترحه بشكل مفارق هو استرجاع الهوية والفرق في آن معا"[4]

وفي هذا الإطار أقترح عليكم موضوعا للتفكير والبحث في صورة وأسئلة الجسد في الثقافة الحسانية من خلال "المتخيل الشعبي" وسنركز على بالتحديد "جسد المرأة" من خلال المحاور التالية:

1- الجسد في ثقافة البيظان: النموذج وعلاقته بالمقدس

2- بين المقدس والشيطان: الصراع على مكامن الغواية في الجسد

3- صناعة الجسد: قراءة في آليتي "لَبلوح" و"التدليك".

1- الجسد في ثقافة "البيظان"

عندما نقول أرض البيظان أو مجال الثقافة الحسانية فنحن نتحدث عن فضاء مكاني شاسع يمتد من وادي نون شمالا إلى حدود نهر السينيغال جنوبا ومن المحيط الأطلسي غربا إلى مالي شرقا "و لكن مفهوم البيظان اتخذ بعدا ثقافيا أكثر مما ارتبط بالعرق أو بلون البشرة. فالبيظاني هو ذلك الشخص الذي يتكلم اللهجة الحسانية ويرتدي زيا مميزا وله هوية ثقافية - بالمعنى الانتروبلوجي - تميزه عن الساكنة المجاورة".[5]

عندما نذكر "الإنسان الصحراوي/ الحسانية" فإن الصورة الأولى التي تتبادر إلى أذهاننا عن الجسد هي اللباس الفضفاض "الملحفة" أو الدراعة التي تخفي معالمه وبالنسبة للمرأة بشكل خاص فإن الصورة النمطية الحاضرة هي تلك التي تربطها بالسمنة وهي أيضا صورة مكتنزة مجهولة أو مغيبة المعالم.

هذه الصور الأولى تحيلنا على "جسد" غائب أو متوار مسجون وكأن كل ما يحيط به يعزز حالة "الإخفاء القسري" وراء اللباس أو في "كتل اللحم والشحم" خلافا للفضاء المفتوح الذي يتحرك فيه: "الصحراء" مكانيا و"السفور" ثقافيا واجتماعيا.

الصحراء على العموم لم تعرف "حجب" النساء. يقول الشيخ محمد الإمام:

"والأغلب في نساء القطر عدم الاحتجاب والأغلب فيهن العفة وعزوف النفس عن الفاحشة طبعا...أما نساء الزوايا فكثير منهن يحتجب تدينا وصونا لأنفسهن عن الابتذال والأكثر خلاف ذلك كما قلنا غفر الله تعالى لنا ولهم"[6]

ولذلك يقول المثل "إذا كان الأسد يقتل فإن اللبوءة تقتل". وفي شهادة للرحالة الفرنسي كاميل دولز الذي نزل المنطقة في نهاية القرن 19 "الرحل مونوغاميون والمرأة عندهم تتمتع بحرية كبيرة ولا تحتجب. وتتقاسم تقريبا نفس الأعباء والمسؤوليات مع الرجل وتحُلُّ محله عندما يغيب"[7]

و قالها ابن بطوطة قبل ذلك عندما زار مضارب صنهاجة في القرن الثامن الهجري "وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات"[8]

إذن، هناك حضور ثقافي اجتماعي مقابل غياب جسدي مادي فيزيولوجي. أو بتعبير مالك شبل، حضور "الجسدي" le Corporel أي الجسد الاجتماعي الوظيفي التواصلي في صوره المتعددة. وغياب "الجسدية" la Corporiété والتي "ليست سوى الصيغة البيولوجية لحياة الجسد"[9]

هذه الصورة المتأرجحة بين الحضور والغياب تطرح سؤال المتخيل الشعبي الحساني والصورة /النموذج التي بناها عن هذا الجسد وإلى أي مدى مالت إلى هذه الجهة أو تلك؟

أول ملاحظة في المجتمع الحساني أن السؤال عن "جمال المرأة" يبدأ من جسدها "اشْنَبْت جفتها؟" (كيف هو جسدها؟)

"لغن" أو الشعر الحساني زاخر بالشعر الغزلي والتغني بالنساء ولكن الملاحظة العامة لأغلب الباحثين والخبراء بهذا الشعر هي التأكيد على طابع "الحذر" الذي يميز حضور الجسد. يقول ولد حبيب الله الباحث والأديب الموريتاني: "النسيب هذا الفن كثير في الشعر الحساني وله جمهوره الواسع في الساحة الأدبية ويفضله نقاد هذا الشعر على الغزل المكشوف تورعا وفيه يتم تغييب صورةِ المرأة أو تكونُ غيرَ بارزة بل قد تحجبها الإيماءات والتوريات البعيدة"[10]

ثقل يالله وذا علاه ***** راع ذلبيه لهانا

اراعي فيه ا لاَرَّاه ***** هاذي هي لِهانة (المعاناة بسبب قرب الحبيب وبعده)

وقد يحضر الجسد ولكن من خلال "الجزء"

شفت الُّ مالي لعد بيه **** طرف لرياح اتلاكفو

ماشي بشور أوذيك فيه **** حاكم بايدِيه حْراكْفُو (وصف حركات الجسد تحت "الملحفة")

أو "الوجه":

شفت اوجيه عليه نيلة **** يامس لصفرار

يا ملانا ذاك لِ لا ***** لَحْكُو حَرْ النار

نلاحظ في النموذج الأخير الحديث عن وجه عليه "النيلة" وهي ذلك اللون الأزرق الخفيف الناتج عن لباس "ملحفة" النيلة.

هذا الوجه الملتحف بالنيلة وتلك "لحْراكَف" الملتحفة بالملحفة يكشف عن هذه المتعة في التغني بالجمال من رواء ستار وهذا من مميزات الخطاب الغزلي الحساني "المقبول" ذوقيا واجتماعيا. إلا انه لا ينفي وجود وجه آخر مناقض تماما، يظهر خصوصا في بعض الطقوس المصاحبة للأعراس والمنفلتة من عقال "المقبول". تتجلى في الأهازيج والتعابير والأوصاف التي تقال أو تغنى في "خيمة الرك" وهي المكان الذي تكون فيه حفلة "ترواح العروس" أي ذهابها إلى زوجها. ولا يحضر إلى هذا المكان إلا من هو مستعد لسماع كل ما يمكن أن يدخل في دائرة "الكروتيسك" وينطبق عليها ما قاله باختين عن حياة الكرنفال في دراسته لأعمال فرونسوا رابليه "وطَوال مدة الكرنفال لا أحد يعيش حياة مغايرة لحياة الكرنفال. يستحيل الانفلات منها. ليس للكرنفال أي تُخُمِ فضائي. وعلى امتداد الاحتفال، لا يمكن العيش إلا وفق قوانينه أي حسب قوانين الحرية".[11]

إلا أن الجسد/ النموذج، حاضر في الشعر الحساني وبتفصيل لكن من مدخل المقدس. يقول الشاعر:

راسك فوكُو زَغبَ سَودَ ودْفوفَتْ عَزْلكْ وكَافَا (وصف الشعر)

جبهة مسرورة فالجدَّا لحواجب خَطَّتْ ظُرافا (وصف الجبهة والحاجبيت)

عينك دعجة فيه ركده النور للبصر خَطَّافا (وصف العينين)

الخد اصْفَر واخْظَر وانْدا وسْقَم مولاتُو عرَّافا (وصف الخدود)

خَشْمك زيْن وفيهْ لعَكْدَ مكيود يْكُود لوصافه (وصف الانف)

................

وتستمر القصيدة في تتبع الجسد في تفاصيله إلى أن يكشف الشاعر عن الموصوفة:

ذيكْ أَلَّا فاطمتو يَوَا منت النَّبيِ المَصْطفى (تلك فاطمة الزهراء ابنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

هذه القصيدة الوصفية المباشرة التي لم تغفِل أي جزء من جسد المرأة من شعر رأسها إلى أخمَصِ قدميها بما في ذلك الأجزاء الحميمة. تدخل في إطار "شعر المديح النبوي" لأنها تمدح فاطمة الزهراء بنت النبي عليه الصلاة والسلام. وعند التغني بها تكرر لازمة "ذيك الا فاطمتو منت النبي المصطفى" لتذكير المتلقي دائما بـ"قداسة الموصوف" فهل هذا المقدس مُدح لشخصه أم لتمرير "الجسد النموذج" بدون كوابح اجتماعية..؟

في هذه القصيدة انطق الشاعر "المسكوت عنه" أو ما تشتهي المخيلة أن يكون عليه الجسد "وهذا يظهر الطابع البلاغي والاستحالة التخييلية للنموذج الجسدي الذي بني في الخطاب حول الجسد بحيث يغدو تركيبُه من المكونات المتناثرة التي يتم تنسيقها في صورة مكتملة"[12]

هذا النموذج أو هذه الفكرة يمكن اختزالها في ما يسمى بالحسانية "خدَّ" وهي لعبة كلامية تعمد إلى تركيب جسد امرأة/ نموذج من أجساد نساء كثيرات. ولذلك توصف المرأة الجميلة بأنها "خدَّة لعليات"

2- بين المقدس والشيطان: الصراع على مكامن الغواية في الجسد

في قصيدة مدح فاطمة الزهراء صورة للجسد النموذج (خدًّ) وقلنا في بداية حديثنا عن الجسد في الخطاب الشعري الحساني أنه غير مرئي. والحقيقة أن الجسد الفاتن / الجميل/ المقدس، الظاهر ورغم التوافق الجماعي، عليه إلا أن حضورَه ضعيف أمام وجه آخر للجسد ولكنه غير "مكتوب" وغير محسوس.

هذا الوجه الآخر كما سنمثل له، لا نجد تفسيره في صورة الجسد كموضوع له حضور مادي مُتحكم فيه يعطي ما هو منتظر منه حسب مقامه في سلم إمكانياته الجمالية المتعارف عليها. هو حياة أخرى ووجه آخر لجسد "حي" يمتلك وجوده وحق التصرف في ذاته من ذاته. جسد ينظر كما ينظر إليه ويؤثر كما يؤثر فيه، جسد مركب وعميق يستحيل على العلم فك رموزه وأجدني هنا في عمق صورة الجسد كما ركزت عليها الفينومينولوجيا خصوصا مع ميرلوبونتي.

فنحن أمام صورة جسد عصي على النمذجة عكس جزءه الظاهر/المادي، الذي يكون مقبولا كلما انضبط وتحققت له صفات النموذج.

هذا "الجسد" الحي المؤثر الذي يملك قوته الخاصة المتملصة من الجمال المقدس وحتى الجمال "المصنوع" والذي سنراه مع البلوح والتدليك، يسمى في الثقافة الحسانية بـ"الشيطان" أو "إبليس".

وهذه بعض النماذج:

خلَّ فِيَّ ظروك كيَّ ***** ابليس لشفتو مَتْكّان

تحت حواجب مريم بيَّ **** عينان نضاختان[13]

(أصابني بالعشق ابليس الكامن تحت حاجبي مريم وعينيها النضاختين وهنا تضمين للآية الكريمة من سورة الرحمان)

سبب العشق لا يعود إلى الحاجبين أو العينين بل قوة "ابليس"

وهذا نموذج أكثر وضوحا:

راصَك يغل غيد النيل ***** ماج من عند الراص كْبَيْل

وكلامك خاسَر وكْلييل **** والتَّوتِ تَحْصيلْ لْحَاصَلْ

غير الاَّ يا سَبَّتْ لَكِتيلْ ***** يكطع ببليس أثرو فاصل

فمنادم راسو ماه طويل **** و كلامُ ماهُ مَتْفاصَل

(شَعْرُك لا محل له من الجمال وكلامك غير مفهوم ومصابة بالتأتأة ولكن يبدو يا قاتلتي أن إبليس يحب هذه الصفات)

"الشيطان" هو التفسير الذي أعطاه الإنسان الحساني لهذه القوة الفاتنة التي تأتي من الجسد ولا مظاهر جمالية تفسرها. وهو المنتصر دائما في لعبة شد الحبل بينه وبين النموذج/ المقدس. وللإشارة هذا الجسد الآخر المرتبط بالشيطان يعبر عنه أيضا بـ"لَحرامْ" فالإنسان الحساني يعبر عن متعته أو افتتانه بالقول:

"هذا حرام".

هذه الصورة حاضرة أيضا في الخطاب النسائي نثرا وشعرا.

وهذه بعض النماذج:

شيطانُ يتجبَّ **** لابس جلابِيَ حبَّ (شيطانه يطل في جلباب جميل)

عندو تبسيمة **** بانِ فيها بليس خويمة (له ابتسامة بنى فيها ابليس خيمته)

زلزال بليسو *** يا ريشتر ماكد يقيسو (زلزال ابليسه أعجز ريشتر قياسه)

3- صناعة الجسد: قراءة في آليتي "لَبلوح" و"التدليك".

البلوح كلمة أصبحت معروفة بحكم تداولها بين وسائل الإعلام وتعني عملية تسمين الفتيات في المجتمع الحساني. فالنموذج الجمالي للفتاة والذي رأيناه في مدح ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم، لا تكتمل إلا بوجود جسد ممتلئ.

والامتلاء هنا لا يعني البدانة أو السمنة المطلقة بل أن يكون الجسد ممتلئا ولكن محافظا على مقاييس معينة لا تجعل الجسد كتلة واحدة (البطن الضامر والعجيزة الممتلئة والخصر النحيل والقدم الصغيرة .......).

وللوصول إلى نتيجة كهذه هناك "آلية" تستعمل في التعامل مع جسد الفتاة منذ ولادتها وتسمى "التفداع" وهو نوع من التدليك لأعضائها لتليين الجسد، فعندما تكبر الفتاة يكون جسدها معدا سلفا لاستقبال عملية لبلوح كما أن هناك عمليات تدليك أخرى تصاحب "لبلوح".

ينظر عادة إلى مسألة "لبلوح" بغرابة واستنكار على أساس أنها تتعامل مع المرأة كأنها "دابة" وأن جسدها ملك للمجتمع لصياغته وفق شروطه "المتخلفة". ورغم اننا هنا لسنا في مقام التحليل أو الحكم الأخلاقي إلا أنه يجب أن نفتح قوسا لنقول، لا شك أن "لبلوح" والذي تراجع اعتماده في المجتمع أو لنقل أصبح في يد الفتاة بالشكل والطريقة التي تفضلها، يشكل خطرا كبيرا على صحة الفتيات ولكنه لا يختلف أبدا عن ما نراه اليوم في العالم المتحضر في عملية "التخسيس" وهو ما أسمته فاطمة المرنيسي بـ"الحريم الذهني" وهي تتحدث عن عارضات الأزياء والراغبات في تحقيق نموذج "كهنة الأزياء الراقية" كما أطلقت عليهم.[14]

فكلاهما (لبلوح والتخسيس) يخضعان لمقاييس "مجتمع" متسلط يريد للمرأة مظهرا منضبطا لقوانينه. ولهذا لم يكن لبلوح مقبولا عند الكثير من علماء المنطقة أو كانوا على الأقل يدعون إلى تقنينه وعدم المبالغة فيه بسبب خطورته.

يرتبط لبلوح بمسالة ضرورية تعتبر من أهم مقاييس جمال الجسد الممتلئ وهي و"لَبْطَطْ" LES VERGETURES ...

يقول الشيخ محمد الإمام متحدثا عن مسألة تغذية الفتيات "... وحتى يتفتق ظاهر جسدها نعومة. وربما يَفعل بعضُهم للجسد كيفيةً يكون لذلك التفتق انتظام حسن كأنه منمق باليد. ويكونُ له بصيص وائتلاق (لمعان) عن كيفية الطبيعة كأحسن ما أنت راء، وهو يغني عندهم عن الوشم المستعمل في كثير من البلاد وذلك الوشي الحادث عن النعومة أحسن وأنضر من الوشم المستعمل وكأنه عندهم هو الوصف الوحيد الذي يمتاز به جسد المرأة عن الرجل."[15]

يقول الشاعر الحساني:

عزبة تتبطط ***** وادير حمالة

يخلك فم البط **** بين الرجالة (منظر امرأة "تتبطط" يثير صراعا بين الرجال)

ويقول آخر:

إلا تمت أميمة *** فذرعتها ذاك التجراح

ياسر من لغيود تركتُ *** ربكم يا الغيد الفتاح. (ما دامت اميمة في ذراعيها تلك الوشوم فلكن الله أيتها النساء)

فهل تبني "لبطط" بدل الوشم في الاحتفاء بالجسد له دلالة دينية؟ على اعتبار الموقف الديني من الوشم؟

ربما ولكن بالتاكيد هناك أسباب أخرى ربما ترتبط بالطبيعة أو ثقافة الجمال عند الحسانيين.

يقول عبد الكبير الخطيبي بأننا لكي نتفق على أن الوشم كتابة بالنقط ، يجب أن نعضد انقلاب القيم التي تربط الكلام بالكتابة..[16]

دراسة الوشم في العالم العربي والمغرب تفتح عالما زاخرا وغنيا بالدلالات والرموز، لغة الجسد التي تخاطب الآخر معلنة حضورها وهويتها وتاريخ آلامها..

وإذا كان الوشم ككتابة، يأتي من خارج الجسد فإن "لبطط" تأتي من داخله.

وهي أول إشارة وعلامة على "انثوية" الجسد وتميزه واختلافه عن الجسد الذكوري وهذا ما عبر عنه الشيخ محمد الإمام بقوله السابق:

"وكأنه عندهم هو الوصف الوحيد الذي يمتاز به جسد المرأة عن الرجل". وهذا يعني أن هذه "الكتابة" قبل أن تعلن عن هوية "ثقافية وانتروبلوجية"

ترسل إشارة تميز عن الآخر /الذكر. تميزٌ تعبر عنه جراح جميلة بليغة ولكنها تحمل أيضا بين أخاديدها تاريخا من "الألم" الذي يصاحب إعداد هذا الجسد ليقدم على مذبح النموذج الجمالي الأعلى..

كانت هذه بعض صور وأسئلة وأشياء أخرى....حول الجسد في الثقافة الحسانية.


[1]- ألقيت هذه الورقة في ندوة: "أسئلة الجسد في المجتمعات العربية"، المنعقدة بالرباط 6 فبراير 2015. تنسيق د. عبد الرحيم العطري وإشراف د. مولاي أحمد صابر. مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[2]- طبائع النساء وما جاء فيها من عجائب وغرائب وأسرار، ابن عبد ربه، ص 63

[3]- طبائع النساء...، ص 169

[4]- الاسم العربي الجريح، عبد الكبير الخطيبي، ص 16

[5]- دراسات صحراوية، رحال بوبريك، ص 1

[6]- الجأش الربيط في الدفاع عن مغربية شنجيط، الشيخ محمد الإمام، ص 116

[7]- VOYAGE AU SAHARA OCCIDENTAL ET LE SUD DU MAROC P.25

Camille douls

[8]- تحفة النظار في غرائب الأمصار، ابن بطوطة، ص 525

[9]- الجسد والصورة والمقدس في الإسلام، فريد الزاهي، ص 28

[10]- تاريخ الأدب الموريتاني، ولد حبيب الله، ص 396

[11]- أعمال فرونسوا رابليه ...، باختين، ترجمة شكير نصر الدين، ص 19

[12]- الجسد والصورة...، فريد الزاهي، ص 86

[13]- شذرات من الأدب الحساني، الطالبويا لعتيك، ص 64

[14]- هل انتم محصنون ضد الحريم؟، فاطمة المرنيسي، ص 21

[15]- الجأش الربيط، ص115

[16]- الإسم العربي الجريح، عبد الكبير الخطيبي، ص 58