إشكالية المواطنة بين الحداثة وما بعد الحداثة

فئة :  مقالات

إشكالية المواطنة بين الحداثة وما بعد الحداثة

أخذ مفهوم المواطنة يشقُّ طريقه إلى الخطاب السياسي السوري، وإن بصعوبة لا تخفى، لكي يكشف عن كيفية إدراكنا معنى الوطن والوطنية، وعلاقتهما بالدولة، التي لا تزال تُوصف بأنها »دولة قومية»، على الرغم ممّا في هذا الوصف من التباس. مصدر الالتباس هو كيفية إدراكنا مفهوم الدولة الحديثة ومعنى الحداثة، التي تُوصف بها الدولة، وخلط مفهومي «الدولة القومية» والدولة الديمقراطية، التي نميل إلى وصفها بالوطنية، نسبةً إلى الوطن، بالمعنى الذي سنبيّنه. ومن حسن الطالع، أيضاً، أن مفهوم المواطنة أخذ يشقُّ طريقه إلى الخطاب الفلسفي بقدر ما تسمح الشروط الموضوعية بتداول الأفكار؛ إذ لا تكون الفلسفة ولا تنمو من غير تداول الأفكار.

لا مراءَ في أن المواطنة، في واقعها الفعلي، حيثما هي كذلك، من أبرز منجزات الحداثة بوجه عام، والحداثة السياسية بوجه خاص. ولكن الطابع الإشكالي المفترض للمسألة ناتجٌ من اعتبار الحداثة معطى تاريخياً ناجزاً ومُحدّداً زمنياً بما قبل الحداثة و«ما بعد الحداثة»؛ ما قبل معاهدة ويستفاليا (1846) إلى سقوط الاتحاد السوفييتي (1991)، وزوال القطبية من النظام العالمي[1]، لا سيرورة تاريخية متواصلة، مع انقطاعات وتراجعات واستئنافات.

فإذا كان ثمّة اقتران تاريخي بين الحداثة ونشوء الرأسمالية، أو نمط الإنتاج الرأسمالي، فلا نزال نعتقد أن «الرأسمالية تجدّد نفسها»، بحسب عنوان الكتاب المهم الذي وضعه المفكّر الراحل فؤاد مرسي، ومن نافل القول أنها تحمل نقيضها التاريخي في أحشائها، ومن ثمّ إن الحداثة تجدّد نفسها، أو تحدِّث نفسها، وإن «مرحلة ما بعد الحداثة» لن تكون كذلك إلا حين تكون مرحلة ما بعد الرأسمالية، وبومة منيرفا لا تطير إلا في الظلام.

إلى ذلك، لا نعتقد أن ثمّة وجاهة في اعتبار التناقض بين «الدولة/ المواطنة أو النظام/ المواطنة، وبين اللانظام/ اللامواطنة؛ أي اللادولة/ اللامواطنة» مطابقاً للتناقض الجدلي بين النظام واللانظام، على نحو ما يفترض بعضهم[2]، بحسب فهم مبتسر لنظرية الكاوس (CHAOS)، أو نظرية العشوائية في الفيزياء الحديثة؛ لأن هذه النظرية تفترض وحدة النظام واللانظام كليّةً عينيّةً، إذا استعملنا لغة هيغل. المجتمع المدني والدولة الديمقراطية الحديثة كليّة عينيّة على سبيل المثال، وكذلك المجتمع البطركي و«الدولة» السلطانية، من حيث الخصائص الرئيسة التي تسوغ الحكم، لا من حيث الرواسب الهامشية في الأولى والتحديثات السطحية في الثانية.

ما من شكّ في أن المواطنة مسألة نظرية عندنا على المستويين: المعرفي[3] والوجودي (الأنطولوجي)، علاوةً على المستوى الاجتماعي- السياسي، والمستوى الحقوقي، ومسألة عملية (= أخلاقية) في الدول المتقدّمة. لكن النظري عندنا إيديولوجي أو أقرب إلى الإيديولوجي، حتى عندما يُسمّي نفسه فلسفةً، أو عندما يتوسّل بمنجزات العلوم الحديثة. الإيديولوجيا ليست علماً، وإن استعانت بنظريات علمية وبعض منجزات العلوم، وليست فلسفةً، وإن ادعت التفلسف، وليست ديناً، أيضاً، وإن توسلت بدين. لعلّها تقع على تخوم الفلسفة السياقية. إذا كانت الحداثة قد أنتجت، بالفعل، دولة المواطنة المتساوية، فإنّ ما تُسمّى «مرحلة ما بعد الحداثة» لا تزال في طور الإمكان، ولا ترتسم معالمها إلا باستجماع ما قيل، وما يمكن أن يقال في نقد الحداثة، أو بالإحالة على الحركة النقدية الموسومة بـ«ما بعد الحداثة» في الأدب والفن والفلسفة.

اللافت في بعض المقاربات الفلسفية أمران: أولهما اعتبار ما بعد الحداثة مرحلة قائمة بالفعل، أو محدّدة الملامح والإحداثيات، وليست مجرد إمكان كما أشرنا، والثاني اعتبار «مرحلة ما بعد الحداثة» مجرّد عماه (CHAOS)، بحسب فهم خاص للكاوس، الذي لم يستقر مقابله باللغة العربية بعد، ومن ترجماته: العشوائية والفوضى، ونحن نميل إلى ترجمته بالعشوائية، بحكم السمعة السيئة للفوضى في اللغة المتداولة، مع أن "الفوضى شقيقة الحرية"، وتحمل إمكانات انتظام شتى.

تمتاز نظرية الكاوس بأنها تتناول العالم المباشر الذي نراه ونحسُّه، وتنظر إلى الأشياء على مقياس الإنسان[4]. وبذا تُبيِّن أن النظم البسيطة شديدة الصعوبة، من حيث عدم القدرة على التنبؤ بمساراتها. وفي المقابل ثمة انتظام ينبثق من قلب تلك النظم التي بدا أنها تجمع الفوضى والنظام في الحين نفسه. العشوائية أو الفوضى، كالحرية، علَّة الانتظام، أيّ انتظامٍ كان، والعلة محايثة لمعلولها دوماً (العشوائية المحايثة للنظام الاجتماعي، مثلاً، نعني عشوائية حركة الأفراد في الفضاء الاجتماعي، وأثر المصادفات في العلاقات البينية، وتشكل الانتظامات أو المجموعات الحرة، بالتعبير الرياضي، ووقوع الأحداث، أوضح مثال على ذلك). لهذا، لم نكن نرى في الثورة ولا نرى فيها اليوم سوى حال من الحرية، حال من الفوضى، تنفلت فيها جميع القوى من قيودها، بما فيها قوى الثورة المضادة، ويتزعزع معها النظام القائم، وترتسم ملامح إمكانات جديدة يصعب تحديد أيٍّ منها وترجيحه قبل تعيُّنه، إلا على سبيل الاستشراف أو التوقع، ولا يخلو، بل يغلب، أن يكون الاستشراف والتوقع من قبيل الرغبة، حيثما تكون الرغبة هوى في الرأس، أو إيماناً بحتميةٍ ما، وعطالة في ملكة الحكم، يعوضها هذيان إيديولوجي أو صف كلام.

ومن ثم، إن اعتبار "ما بعد الحداثة" فوضى خالصة وعماء (أو عماهاً) مطلقاً، ينمّ على عدمية لا تخلو منها ما تسمى فلسفة ما بعد الحداثة، علاوة على العنصرية. فالقول بأن «مرحلة ما بعد الحداثة تجعل المواطنة معلقة بين عالمين: بين النظام، أي الدولة / المواطنة وبين اللانظام، أي اللامواطنة»، على نحو ما يفترض الدكتور عماد الشعيبي، ينفي الصفة النوعية للفرد الإنساني (الرجل والمرأة)، المواطن والمواطِنة، وينفي من ثم إمكانية المواطَنة العالمية، أو إمكانية انبساط الروح الإنساني، في المكان - الزمان الكوني، ولا سيما أن مفهوم المواطنة، في نظره، «مفهوم حداثوي (لا أخلاقي)»، عماده المصلحة.

المواطنة علاقة مركَّبة مادية وروحية، علاقة بالأرض الصائرة وطناً، بمن عليها وما عليها، لا بالامتداد أو المكان المجرد عند الفلاسفة والرياضيين، ولا بمجرد الجغرافيا عند الجغرافيين، وعلاقة بالدولة الحديثة والمجتمع المدني في الوقت نفسه، أو علاقة بالحداثة بوجه عام. الوطن هو عماد المواطنة لا المصلحة وحدها ولا المنفعة أيضاً، على أهميتهما، إذا كان ثمة فروق جدية بين المصلحة والمنفعة.

العلاقة بالمكان- الزمان أبدأ من العلاقة بالدولة وأهم منها، لأن الزمان والمكان معاً هما نسيج الوجود. المكان - الزمان هنا هو المكان - الزمان المأنوس؛ إذ افتراض اضمحلال الدولة لا يقتضي اضمحلال الوطن، بصفته قوام الذات المواطِنة، وعماد موضوعيتها. العلاقة بين الوطن والمواطن/ــة هي علاقة ذات بموضوع، بموجبها تتموضع الذات ويتذوّت الموضوع. الوطن مكان مُذوَّت أو مؤنسن، وإنسان مموضع أو متمكِّن، من هنا تنبع قيمته المادية والمعنوية. والدولة هي شكل وجود مواطناتها ومواطنيها وحياتهم النوعية، بتعبير ماركس، والشكل يتغير تبعاً لتغير مضمونه، كما هو معروف.

تفسر الفلسفة السياقية وتخومها الإيديولوجية، التي نحن بصددها، «مرحلة ما بعد الحداثة» بزوال القطبية من النظام الدولي، إثر سقوط الاتحاد السوفييتي السابق، الذي أدى إلى زيادة إنتروبية النظام الدولي، وتحول العالم إلى "عماه" كوني لامتناهٍ. ولكنها؛ أي الفلسفة السياقية، لا تقول شيئاً عن زيادة إنتروبية النظام السوري، وما انتهى إليه من موت ودمار وخراب وفوضى؟!

إذا ما فُهمت الفوضى أو العشوائية في سورية بمعنى (Entropy)، فإن مصير النظام ستحدده القوى الخارجية وحدها؛ لأن زيادة الإنتروبية في نظام مغلق لا تعالَج إلا بفعل خارجي، كتنقية الماء المملَّح أو المحلَّى بتسخينه وتقطيره؛ أي بعاملي الحرارة والبرودة الخارجيين، وفاعل أو فاعلين من خارج النظام. أما إذا فُهمت بمعنى (CHAOS) فإن الفوضى ذاتها تحمل إمكانات انتظام شتى، وذلكم هو الفرق الجوهري الذي لا تلحظه الفلسفة السياقية، بقصورها التفسيري وغايتها التبريرية.

وفق هذه الفلسفة، تبدو العصابة التي تحكم سورية بريئةً مما حدث ولا يزال يحدث، منذ سبع سنوات وأربعة عقود قبلها؛ لأن الفوضى غدت سمة النظام العالمي، ولأن الدول المشرقية رسمت بمسطرة الآخرين (عقدة سايكس بيكو)، وتحمل في أحشائها جنين التفتّت وعدم القدرة على الاستمرار، ما يدفعها، "في لحظة الحقيقة التاريخية"، إلى التذرر المجتمعي والعماهية اللامتناهية؛ بل قد يصل الأمر إلى تفريغها من سكانها، "جراء رفض الرعية مستلزمات المواطنة من حيث الواجبات". هذا يعني أن السلطة الشمولية غير مسؤولة عن التذرر المجتمعي، وغير مسؤولة عن نزوح السكان القسري ولجوء ملايين منهم إلى دول أخرى هرباً من الموت؛ بل إن هؤلاء الرعايا مدانون سياسياً وأخلاقياً، لأنهم "رفضوا مستلزمات المواطنة، من حيث الواجبات"، والواجبات أخلاقية بالتعريف.

الدول المشرقية تحمل في أحشائها جنين التفتّت، الذي كان يتغذى على قطبية النظام الدولي، فما إن زالت القطبية، وتزايدت الإنتروبية، حتى ولد الجنين عماء لا متناهياً. الفلسفة لم تأتِ متأخرة هذه المرة، فهي تبرر ما هو كائن وتنذر بما قد يكون، وفق ثنوية المواطن والعميل.


[1]- راجع/ي: الشعيبي، عماد فوزي، «إشكالية المواطنة بين الحداثة وما بعد الحداثة وما بعد بعدهما»، ورقة مقدمة إلى مؤتمر المواطنة، الذي عُقد في دمشق، أيلول 2017، أُرسلت إلى الكاتب نسخةٌ عنها.

[2]- المرجع نفسه.

[3]- المعرفيّ، عندنا، يتضمن الأخلاقي، ولا ينفك عنه، خلافاً لأيّ تأويل ينسب نفسه إلى الموضوعية والعلمية، لا بحكم تموضع الذات الإنسانية وامتلائها بالعالم، بحيث تغدو الذات ملكوت العالم وبيته الفسيح، فقط، بل بحكم غائية المعرفة أيضاً.

[4]- غليك، جايمس، نظرية الفوضى، علم اللامتوقع، ترجمة أحمد مغربي، دار الساقي، بيروت، 2008، ص 19.