إشكالية الموت في الديانات السماوية والأرضية دراسة تحليلية


فئة :  مقالات

إشكالية الموت في الديانات السماوية والأرضية  دراسة تحليلية

 إشكالية الموت في الديانات السماوية والأرضية

دراسة تحليلية([1])


‏"يموت الحيّ شيئاً فشيئاً؛ وحين لا يبقى فيه ما يموت، يُقال: مات". (مصطفى صادق الرافعي)

لم تشهد الكتابة صعوبة كما شهدتها مع مفهوم الموت، ومع ذلك تعدّدت الآراء وتنوعت، وحاول العديد من العلماء ورجال الدين والمفكرين إبداء آرائهم حول هذا المفهوم.

الموت: هذا الغامض الخفي، الحاضر الغائب، المعلوم المجهول، القاصي القريب، الكتابة في حضرته تبدو مهيبة حيناً، وبسيطة حيناً آخر.

الفقد، ومن لم تلوعه مرارة الفقد؟ ومن لم يدرك ولو بعد مرور السنين معنى أن لا ترى أخاً، أو حبيباً، أو صديقاً، أو ابناً صغيراً اختطفه ذلك الذي يسمونه الموت؟ وهل غفر أحدنا لهذا الزائر قسوة فعله، وسرقة الحب والشّوق واللّقاء؟

ولعل الكتابة عن هذا المفهوم تبدو محضَ تخيُّلٍ، أو تصوُّرٍ، أو ادعاء؛ فلم يخبرنا كائناً من كان عن تجربته مع الموت، ولم يحي أحد بعد أن مات، فكيف لهذا الزائر غير المرحب به أن يسيطر أحياناً على تفكيرنا، أو يسطو على أقلامنا لنعبر عنه! وإن مفاهيم الموت سوف تؤثر على التوجه الفردي نحو السعي لإنهاء الحياة، عندما يصبح مؤلماً أو مرهقاً.

وترتبط القضايا الفكرية المتعلقة بالتعريف الصحيح ومعيار الموت البشري ارتباطاً وثيقاً بمسائل أخرى. كيف يرتبط موت البشر بموت أشياء حية أخرى؟ هل الموت البشري مجرد حالة من موت الكائنات الحية، أم في نهاية المطاف مسألة تتعلق بعلم الأحياء؟ وإذا لم يكن كذلك، فعلى أي أساس ينبغي تعريفه؟ وأيا كانت الإجابات عن هذه الأسئلة، هل الموت أو الموت البشري على الأقل لهما جوهر - سواء أكان ذلك أم لا، وما يستلزم شروطاً ضرورية ومتكافئة معاً؟ أم أن أنواع الوفاة تكشف عن علاقات "التشابه العائلي" فقط؟ وكيف ترتبط وفاتنا، من الناحية النظرية، بجوهرنا وهويتنا كأشخاص بشريين[2]؟

ومن الجليّ هنا، أن ما كُتِبَ عن الموت وما سيُكتَب يبقى يدور في ساحة فكرية افتراضية تتجمع فيها الرؤى والتوقعات، دون أن تستطيع الإجماع على فكرة واحدة، أو تعريف جامع مانع للموت خلا أنه نهاية محتومة لكل الكائنات الحية.

"ليس هناك أغرب من الموت.

إنه حادث غريب.

أن يصبح الشّيء، لا شيئا.

ثياب الحداد، والسرادق، والموسيقى، والمباخر، ونحن كأننا نتفرج على رواية، ولا نصدق ولا أحد يبدو عليه أنه يصدق".[3]

يعتمد التفكير في الموت على خيال واسع، وربما نلاحظ ذلك واضحاً في الحضارات القديمة، وسنتناول في بحثنا رؤية الشعوب المصرية والسومرية لذلك المفهوم وتعاملها معه، وكانت الحضارة المصرية القديمة تقوم على الدين. إيمانهم في ولادة جديدة بعد الموت أصبحت القوة الدافعة وراء ممارسات جنازة خاصة بهم. وكان الموت مجرد انقطاع مؤقت، بدلاً من التوقف الكامل عن الحياة، وأنه يمكن ضمان الحياة الأبدية عن طريق وسائل مثل التقوى للآلهة، والحفاظ على الشكل المادي من خلال التحنيط، وتوفير التماثيل والمعدات الجنائزية الأخرى. "وقد تأثر موقف المصريين القدماء من الموت بإيمانهم بالخلود. واعتبروا الموت بمثابة انقطاع مؤقت، بدلاً من توقف الحياة. ولضمان استمرارية الحياة بعد الموت، ألقى الناس تحية للآلهة، سواء أثناء حياتهم أو بعدها على الأرض. عندما ماتوا، كانوا محنطين، حتى الروح سوف تعود إلى الجسم، مما يعطيها التنفس والحياة، وقد وضعت المعدات المنزلية والطعام والشراب على تقديم طاولات خارج غرفة الدفن القبر لتوفير احتياجات الشخص في العالم بعد. كما تم تضمين النصوص الجنائزية المكتوبة التي تتكون من نوبات أو صلاة لمساعدة الموتى في طريقهم إلى عالم ما بعد الحرب".[4]

وقد آمن المصريون في حضارتهم القديمة بفكرة البعث، ونحن نقرأ في معتقداتهم بأنه لا تنتهي الحياة عند الموت، بل توجد حياة ما بعد الموت، وهي ممكنة إذا حافظ الإنسان على كينونته. ونقصد بهذا، أن كيان الإنسان عند المصريين يتركب من 4 أجزاء: الاسم (رين)، الروح (با)، الظل (شيوت) والنفس (كا). جميع هذه الأجزاء تولد مع الإنسان، فالاسم والروح والظل والنفس ترافقه مدى الحياة وما بعد الحياة كجزء من كيانه. وعند الموت تبقى هذه المركبات ملازمة للميت، وتبقى الـ “با”؛ أي الروح، حية حتى بعد موت الجسد. وقد صوّرها المصريون في رسوماتهم على هيئة جسد طائر برأس بشري، وهي تطير منتقلة ما بين العالم المادي والعالم الأخروي، تتماهى مع حركة الشمس، تحلق في بزوغها ثم تعود إلى القبر والعالم السفلي عند الغروب. وقد آمن المصريون بأن الـ "با" لا يمكنها العودة إلى القبر ما لم تتعرف على جسد الميت. ومن ثم، لا يمكن للمرء أن يعود إلى الحياة إذا فني جسد الميت ولم تتعرف الروح إليه. ولهذا حرص المصريون على المحافظة على الجسد، فمارسوا مهمة التحنيط التي تخدم المرء في عودة روحه إلى جسده بعد الموت؛ فبدون جسد لا يوجد اسم ولا ظل ولا نفس، وهي أمور يحتاجها الميت للمثول أمام محكمة الآلهة للمحاسبة على أفعاله، ومن ثم يُبعث من جديد في الحياة الأخرى.[5]

ولا تخلو فكرة الموت، من الأساطير التي يتغنى بها شعب أية حضارة بما فيها الحضارة المصرية القديمة؛ ولعل أبرز أسطورة تهتم بمفهوم البعث والحساب هي تلك التي وردت بالتفصيل في ما يسمى بكتاب الموتى الفرعوني، والذي يعرف أيضا ببردية "حونفر". هذا الكتاب يتكون من مجموعة مفصلة من التعاويذ والتمائم السحرية التي كانت تنقش على جدران المقابر أو على التوابيت، وذلك إبان عصر الدولة القديمة (ما بين 2780 ق.م و2263 ق.م)، لتتحول إلى بردية مكتوبة خلال عصر الدولة الوسطى والحديثة (ما بين 2134 ق.م و1069 ق.م)، حيث تكتب نصوص التعاويذ وتوضع البردية في التابوت إلى جانب المومياء.

وقد كان كل مصري قديم ذو شأن معين حريصاً على تكليف الكهنة خلال تحنيطه ودفنه بتجهيز كتاب الموتى الخاص به، حيث يذكر فيه اسمه واسم أبيه واسم أمه ووظيفته في الدنيا، وذلك استعداداً ليوم وفاته وتجهيز طقوس نقله إلى مقبرته، ولم يكن هذا الأمر متوفراً لكل المصريين، ﻷنه مكلف جداً. لذلك، اختصت به طبقة معينة من النبلاء والموظفين وخدام الآلهة في المعبد. تلك التعاويذ والتمائم التي يحملها الكتاب هي تعليمات إرشادية تمكّن الميت من تخطي العقبات والمخاطر التي ستصادف روحه في أثناء رحلته إلى الحياة الأخرى، وتدله أيضاً على الوسائل التي يتعين عليه أن يستخدمها، ليتمم هذه الرحلة بنجاح من دون أن يتعرض لأي سوء.[6]

وتذكر الكتب الخاصة بنظرة المصريين القدماء نظرتهم المتخوفة للموت، والذي يظهر بما يرددونه: لم أقم بشر ضد الناس، لم أطغَ على الضعفاء، لم أقم بأي شيء باطل، لم أترك أي إنسان جائع، لم أرغم أيّ إنسان أن يشتغل أكثر من ما هو قادر عليه، لم أترك أيّاً كان يبكي ويتألم من شيء قمت به، أنا نظيف أنا نظيف أنا نظيف.

وهكذا، فالديانات المصرية لم تحاول حل لغز الحياة والتغلب على الموت، وبدل ذلك جعلت الحياة الدنيا كلها مقدمات للحياة الأخرى، ووقفت من ظاهرة الموت نفسها موقفاً واقعياً، فآمنت بحتميته واستسلمت له، ولم تبحث عن أسباب قدومه أو مبررات هذا القدوم «إذا أتاك رسول لك، وأخذ هبته ليعمل ضدك، فلا تقل إني لا زلت صغيراً، إنك لا تعرف منيتك، فالموت يأتي ويتحكم في الطفل الذي يرقد بين ذراعي أمه كما يتحكم في الرجل الذي بلغ من الكبر عتياً»[7].

وإذا ما انتقلنا للحضارة السومرية وما تذكره الكتابات عن تصورهم للموت، نقرأ مقالاً حول عادات بلاد ما بين النهرين القديمة في الحياة الآخرة، نُشِرت بقلم م. تشوكسي، في 20 حزيران / يونيو 2014، حيث يؤكد فيها الكاتب على: أن مصادر معتقدات بلاد ما بين النهرين في الآخرة تأتي من فترات متميزة في تاريخ بلاد ما بين النهرين، وتشمل الثقافات السومرية والأكادية والبابلية والآشورية. لذلك، يجب أن نكون حريصين على عدم اعتبار معتقدات ما بعد النهر في بلاد ما بين النهرين ثابتة أو موحدة. ومثل كل النظم الثقافية، تحولت أفكار بلاد ما بين النهرين من الحياة الآخرة على مر الزمن. كما تباينت المعتقدات والممارسات المتعلقة بالحياة الآخرة مع الوضع الاجتماعي والاقتصادي وتختلف في النماذج الدينية الرسمية والشعبية. ومع هذا، فإن الاستمرارية الثقافية بين الحضارة السومرية وخلفائها تسمح بتوليف مصادر متنوعة من أجل توفير مقدمة عمل لمفاهيم بلاد ما بين النهرين في الحياة الآخرة."[8]

وتتضح معالم تلك الأفكار من خلال الأساطير في الحضارة السومرية، حيث تقول الأسطورة إن الإله الراعي دوموزي (تموز في الصيغة البابلية) كان قد تجنب الوقوع في شباك الإلهة عشتار، فسلمته عقاباً له لناظر العالم السفلي. وبعد حين شعرت عشتار بالندم على فعلتها، فقررت إنقاذه من الموت. عقدت عشتار صفقة مع آلهة العالم السفلي لإعادة دوموزي، على أن يحل أحد مكانه لبضعة أشهر يعود فيها إلى الحياة، ثم بعد فترة ينزل للعالم السفلي من جديد. تطوعت كوشتينانا (أخت دوموزي) لفدائه، حيث تحل محله في العالم السفلي لستة أشهر من كل عام، ويتمتع هو بحريته في هذه المدة على سطح الأرض. ويتم ذلك عن طريق طائر الفنيق أو العنقاء، كرمز لعودته للحياة.

وقد اعتنق السومريون والكنعانيون هذه الفكرة، وأصبح طائر النار المسمى بطائر الفنيق رمزاً للبعث والعودة للحياة. وبعد هذا أصبح الكنعانيون يحتفلون كل عام في بداية الربيع بعيد عودة دوموزي (تموز) للحياة، حيث تتزامن عودته مع مواعيد الزراعة عندهم، فأصبح عيد عودته رمزاً لانبعاث الزرع وعودة العشب الأخضر إلى الحياة من بعد الموت، رمزاً للخصوبة والتناسل والتجدد، واستعملوا البيض كرمز لقيامة تمّوز، حيث يخرج الكتكوت (الصوص) من البيضة، بمثل ما يخرج الزرع من الأرض وتخرج الحياة من القبر، ويُقال إنّ بعض الديانات السماوية تعلمت هذه الطقوس وتناقلتها فيما بينها[9].

وهذا ينقلنا إلى التعرف على موقف الديانات السماوية من الموت، وكيف عبر معتنقوها عن نظرتهم لذلك المجهول؛ ونبدأ بموقف الديانة اليهودية، حيث ينظر العهد القديم إلى الموت على أنه النهاية الطبيعية للحياة، وأن الموت هو القدر المشترك للناس جميعاً. فقد جاء في سفر صموئيل الثاني: "لابد أن نموت ونكون كالماء المهراق على الأرض" (14: 14). وجاء في سفر أيوب: "يسلم الروح كل البشر جميعاً ويعود الإنسان إلى التراب". (34: 15). وجاء في سفر الجامعة: "لكل شيء زمان ولكل أمر تحت السماوات وقت، للولادة وقت وللموت وقت، ولكل المغروس وقت".

وفي الوقت نفسه، يفسر قاموس الكتاب المقدس الموت هنا بأنه إشارة إلى الموت الروحي، فيقول: "وليس المراد بذلك أنه يجرى حكم الموت عليه في ذلك اليوم بعينه، بل المراد أنه يكون على يقين من نزوله به. إنما في ذلك اليوم عينه أوقع عليه حكم الموت الروحي الذي هو البعد عن الله والانفصال عنه" (قاموس الكتاب المقدس: ص 929).

في رأي اليهودية، الموت انطفاء وتلاشي وعدم، لا فرق بين كبير وصغير وفقير وثري «هذا يموت في عين كماله فكله مطمئن وساكن، أحواضه مملوءة لبناً، ومخ عظامه طري، وذلك يموت بنفس مرة ولم يذق خيراً. كلاهما يضطجعان معاً في التراب، والدود يغشاهما»؛ فالموت في العهد القديم إذن، ارتبط بخطيئة آدم وعصيانه واختياره، عندما خالف وصايا الآلهة وأكل ثمر الشجرة المحرمة فخسر الخلود واستحق الموت.[10]

ولعل هذا ما تتفق فيه كل الأديان السماوية، وإن اختلفت طريقة التعبير، أو زاوية الرؤية، حيث يخبرنا الكتاب المقدس أن الأبرار سينعمون بالحياة الأبدية، والحياة الأبدية التي سينعم بها الأبرار في حالتهم النهائية، تبدأ منذ اختبار الإنسان للقيامة الروحية من موت الخطية؛ أي الإيمان بشخص المسيح ابن الله المخلص. والحياة الأبدية هي بما لا يُقاس أكثر من مجرد وجود أبدي، فهي تُشير إلى نوع وحالة الحياة التي سيحياها المؤمن أكثر مما تُشير إلى مداها وزمانها، إنها حياة الله في نفس الإنسان. إنها الحياة بكل ملئها ومجدها وقوتها، حياة لا تحدها حدود الأرض. إنها حياة الشراكة مع الله، فالحياة الأبدية في صورتها النهائية، تعني أن الله سيسكن وسط شعبه في أرض جديدة وسماء جديدة غير التي نعرفها. وعن هذا المكان الذي أعده الله للأبرار، يقول الرسول بولس: "ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه"، وفي هذه الحالة والمكان الأبديين سيكون المؤمنون كالنجوم المتلألئة، كل مُكلل بأكاليله، ولسوف تكون هناك درجات في السماء، وقد استخدم الرسول بولس تشبيهاً مجازياً لوصف هذا الأمر قائلاً إن: "نجماً يمتاز عن نجم في المجد"، والملاحظ أنه شبه جميع الأبرار بالنجوم المتلألئة، بمعنى أنه لا توجد تعاسة في السماء، فالجميع سيباركون بأكثر مما نستطيع تخيله.

وإذا كانت الحياة الأبدية للأبرار حالة ومكاناً، فهكذا الأمر بالنسبة إلى الأشرار، فالعذاب الأبدي هو حالة ومكان أيضاً، فهو حالة من الحزن والشقاء والبؤس والعذاب، ومع أنه يصعب على اللغة الإنسانية أن تصف الحالة التي يكون عليها الأشرار في عذابهم الأبدي، حيث يمكنهم رؤية الأبرار، وهم يتنعمون في ملكوت الله، فقد قال المسيح عن هذه الحالة: "هناك يكون البكاء وصرير الأسنان متى رأيتم إبراهيم وإسحاق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وأنتم مطروحون خارجاً" (لوقا 28: 13).

ولا يفوتنا أن نقرأ في الكتاب المقدس أن هناك دركات متفاوتة للعذاب يعانيه الأشرار، كل بحسب إدراكه ومسؤوليته عن أخطائه التي اقترفها في حياته على الأرض، يكتب الرسول بولس أن الله "سيجازي كل واحدٍ حسب أعماله" (روميه 6: 2). من هذا ندرك أن الأشرار في عذابهم سينال البعض منهم "دينونة أعظم"، والبعض الآخر سيكون "عقابه أشد"، والبعض الآخر ستكون حالتهم "أكثر احتمالاً"، لكن ما يؤكد عليه الكتاب المقدس أنه مهما اختلف العذاب الذي سيتعرض له الأشرار، إلا أنه بالنسبة إلى الجميع عذاب أبدي ودائم، وأقسى ما فيه هو الانفصال الدائم والأبدي عن الله[11].

فالمسيحي على وعي تام بأنّ أفعاله هي التي ستحدد حياته التي يجب أن يتقبلها بعد الموت. القدّيس الفيلسوف أيوستينوس الشهيد يتكلّم عن هذه النقطة: "تمكث نفوس الأبرار في أفضل مكان، بينما تمكث نفوس الخطأة في أسوأ مكان في انتظار الدينونة العظمى التي ستلي قيامة الأموات العامة"[12].

تغدو حياة ما بعد الموت صنيعة إنسانية فردية، لا يتساوى فيها اثنان، فمثلما نزرع نحصد، ولاريب أن هذه الفكرة قربت مفهوم الموت، وربطته بما بعده، وهذا جلياً في الديانات السماوية، والتي جعلت من فكرة الثواب والعقاب فكرة رصينة، يرسمها الإنسان لنفسه ويختارها بأفعاله، وهذا ما التمسناه في الديانتين اليهودية والمسيحية، وما سنقرأه في الدين الإسلامي أيضاً.

وما ترسمه لنا الديانة الإسلامية من تخوف ورهبة حين تتحدث عن هذا المفهوم، لا يقل عن السكينة والاطمئنان؛ ولعل الإشكالية تكمن في هذه النظرة المزدوجة التي تجتمع في تصورنا عن مفهوم الموت، وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً"(قرآن كريم، الملك، 2).

فالنظرة للموت والحياة عند المسلم تتجلى في ما يقوم به لأجلهما، "الله يتوفى الأنفس عند موتها، والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى" (قرآن كريم، الزمر، 43).

ويرى علماء الدين الإسلامي أننا لا نأخذ الحياة إلا عن خالقنا؛ فخالق الشيء هو الذي يستطيع أن يخبرنا عنه، والله -وهو الذي خلق-، أخبرنا بأنه خلق الإنسان من طين الأرض ومن صلصال من حمأ مسنون، ونحن لم نشهد الخلق، ولكننا نشهد كل يوم الموت، ذلك أمر مشهود لدينا، ونقض أي شيء عكس بنائه، إذن الموت عكس الحياة لأنه نقضٌ لها.[13]

وهكذا تبدو رؤية الإسلام للموت رؤية منهجية ومتكاملة، فهو مفترق الطرق بين سبيلين، والموت في الإسلام ليس انقطاعاً عن الحياة كما يعتقد الكثير من الناس، بل هو الانتقال إلى الحياة الآخرة، والمسلم يحب لقاء الله، والله يحب لقاءه، أما الكافر فيكره لقاء الله، والله يكره لقاءه.

والموت في الفكرة الإسلامية أشبه بمصفاة للخير عند المؤمنين الصالحين، فهم لا يفارقون صلاحهم ولا يتركون الخير الذي قدموه ولا ينقطعون عن الهدى والفضل، إنما الذي يفارقهم هو تبعة الابتلاء الحياتي، وثقلة الجسد الدنيوي، ومسؤولية التكاليف التي سيسألون عنها، أما المتاع الصالح، فلهم مثله وخير منه، فالزوجات الصالحات العابدات، والذرية الصالحة الطيبة معهم في الآخرة: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّ‌يَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّ‌يَّتَهُمْ} (قرآن كريم، الطور: 21)، وكل متاع كريم في الدنيا لهم وأفضل منه في الآخرة: "فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّ‌ةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (قرآن كريم، السجدة: 17)[14].

ولعل من الطريف هنا، أن نذكر بعض الأسماء الخاصة بالموت لدى المسلمين: الموت، والحتف، والمنون، وشعوب، والسام، والحمـام، والـردى، والحين، والثكل، والوفاة، والهلاك. ألفاظ مؤتلفة، ومترادفة.

والآن، وقد استعرضنا أهم الرؤى التي تناولت مفهوم الموت دينيّاً. ما رأينا، نحن المعاصرين، نحن الذين تقاسمنا الفقد، والحزن والفجيعة؟

فما أوردناه قد يكون كلام أساطير، واقعي، تخيلي، عاطفي، لا ندري. ولكنه مع هذا كلّه، لا يجعل الموت جميلاً في عيوننا. "إنه يفشل حتى في الاعتذار لنا عن عزرائيل وأفعاله، حتى ولو كانت في صالح الكون، فمالنا والكون، نحن كون في ذاتنا، وعزرائيل ينتهك أطهر حرماتنا، نفوسنا، أنا، وأنت.

إن أجمل اللحظات في حياتي هي التي أقول فيها: أنا فعلت، أنا قدمت، أنا أنجزت، أنا اخترعت.

لا يوجد شيء في وجودي، أو وجودك، أغلى من هذه الكلمة الصغيرة، أنا، فكيف يمكن أن أتصور أن أموت، إني أستطيع إحداث الموت، أستطيع أن أقتل وأن أنتحر. كيف يكون الموت أحد اختراعاتي؟ أكون أنا أحد ضحاياه في نفس الوقت. أين اللغز الحقيقي؟ أهو الموت؟ أم هو هذه الكلمة الصغيرة أنا؟".[15]

يظل الموت إذن، جاثماً على تفكيرنا كضيفٍ مقيم، ومهما تعددت الآراء حوله، فهي تتفق بأننا لن نعرفه مهما حاولنا استكشافه. وتظلُّ النظرة المعاصرة للموت غير مختلفة كثيراً عما رآه القدماء، بمعنى أن الغموض هو ما يحكم كل مواقفنا من هذا الزائر الذي نمقته، ويرافقنا، نهرب منه ويأتينا متى شاء.


[1]- نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 43

[2]- Stanford Encyclopedia of Philosophy The Definition of Death, First published Fri Oct 26, 2007; substantive revision Tue Aug 9, 2016

[3]- مصطفى محمود، لغز الموت، دار المعارف، ص 2

[4]- Life after Death, http://www.historymuseum.ca/cmc/exhibitions/civil/egypt/egcr04e.shtml

[5]- أحلام رحال، هاجس البعث: الموت والقيامة في الحضارات الإنسانية، مدونة الأجنحة والنور، على الرابط التالي:

https://ahlam002.wordpress.com

[6]- مهدي بو عبيد، كتاب الموتى الفرعوني وأسطورة البعث من الموت والحساب أمام الآلهة، موقع شباب الشرق الأوسط، على الرابط التالي:

http://ar.mideastyouth.com/?p=47790

[7]- جدلية الحياة والموت، مجلــة النبــأ ــ العــدد 35 ــ السنــة الخامســة ــ ربيــع الثــاني 1420

[8]- Ancient Mesopotamian Beliefs in the Afterlife .http://www.ancient.eu/

[9]- هاجس البعث: الموت والقيامة في الحضارات الإنسانية، م. س.

[10]- المرجع السابق.

[11]- القس نصر الله زكريا - زكي جورج، الناشر: مطبوعات نظرة للمستقبل لسنة 2010

[12]- من كتاب الحياة بعد الموت – لسيادة رئيس أساقفة اليونان خريستوذولس..

[13]- محمد متولي الشعراوي، الحياة والموت، مكتبة الشعراوي الإسلامية، ص 18

[14]- رؤية الإسلام للموت، موقع مصراوي:

http://www.masrawy.com/Makalat-Other/Islameyat/details/2014/9/23/351334.

[15]- مصطفى محمود، لغز الموت، ص 18