إصلاح التعليم المغربي من منظور محمد بن الحسن الحجوي

فئة :  مقالات

إصلاح التعليم المغربي من منظور محمد بن الحسن الحجوي

تعددت محاولات إصلاح التعليم في تاريخ المغرب، غير أنها لم تَلْقَ قبولا، وبقيت قضية إصلاح التعليم تتبوأ مرتبة طلائعية في المشاريع الإصلاحية لمعظم أقطاب السلفية المغربية، أمثال: ابن الأعرج السليماني (1863-1925) ومحمد بن الحسن الحجوي (1874-1956) وأحمد الصبيحي (1882-1944). لقد خَبِرَ الحجوي هذا القطاع جيدا، باعتباره طالبا ومُدَرِّسًا ومسؤولا متمرسا في هذا المجال، هو الذي تَقَلَّدَ منصب مندوب المعارف لمدة عشرين سنة: وتحديدا خلال الفترة الممتدة بين سنتي: 1912 و1914، وعامي 1921 و1939.[1] وسَيَسْتَغِلُّ منصبه هذا لتطبيق مشروعه الإصلاحي على أرض الواقع. فما كانت حالة التعليم المغربي خلال الربع الأخير من القرن 19 وفترة الحماية؟ وما الحلول التي اقترحها الحجوي لإصلاح هذا القطاع؟

I- نظام تعليمي مهترئ:

ظل النظام التعليمي المغربي زمن الحجوي (1874-1956)عقيما وغير متكيف مع الواقع، فهو لا يساعد على تكوين أطر لائقة، لأن البرامج موجهة بالأساس إلى دراسة الشؤون الدينية. فالمتخرج من القرويين لم يكن مُلِمًّا بالسياسة أو التاريخ أو الجغرافيا أو غيرها من العلوم التي لا يستغني عنها إطار المخزن؛ يقول الحجوي׃ "فالموظفون في الخارجية مثلا يجهلون كل اللغات عدا الدّارجة، ويجهلون حقوق الدول وحقوق دولتهم، ولم يَد̊رُسُوا، ولو أقل قليل من المعاهدات التي بين المغرب وبقية الدول. فربما طلبت دولة حقا ثابتا لها منصوصا عليه في المعاهدات، فامتنع منه وما أداه إلا بعد التهديد والحرب، وربما طلبت ما لا حق لها في طلبه فمكَّنَهَا منه. وهكذا أصبحت الحال تأخرا إلى تأخر."[2]، وعزا هذا الفقيه من جهة أخرى، الجمود والركود في مغرب الربع الأخير من القرن 19 وفترة الحماية إلى المناهج التعليمية المتداولة في المؤسسات، وعلى مختلف المستويات. فما خصائص هذه المناهج؟

انتقد الحجوي العملية التربوية التي بقيت وَفِيَّةً لنهجها القديم، والعقيم أيضا، حيث كانت تستمر مدة طويلة لكن نتائجها ظلت هزيلة: إذ كان التلميذ يغادر الكُتَّابَ وسِنُّهُ تُناهز العشرين سنة، وقد لا يتعلم في هذه المدة الطويلة إلاّ "تركيب الكلمات وتحسين الخط إذا كان معه حذق، وحفظ القرآن إن كان معه حفظ"[3]. وحتى يكون بمقدوره مطالعة جريدة أو استيعاب محتوى كتاب، فلا محيدَ له عن ملازمة دروس القرويين لمدة سبع أو ثمان سنوات أخرى. وعندها يكون قد أدرك الثلاثين من عمره، وهو لم يُحَصِّلْ إلاّ على ما يُعتبر عِلْمًا ابتدائيا عند الأمم الراقية، وفي هذا السن يكون قد أدركه الزواج وتربية الأولاد. أما صِبْيَة الأمم المتقدمة، فَيُحَصِّلوُنَ العِلْمَ الابتدائي في سن العاشرة، ويَدخلون منه للتعليم الثانوي. وعندما يَصلون سن خمس عشرة سنة أو ست عشرة يَلِجُونَ الجامعة، ولا يبلغون سن الخامسة والعشرين أو السادسة والعشرين، حتى يصيروا علماء.[4]

لم يكن هذا العلاّمة راضيا عن الأوضاع التي آلت إليها جامعة القرويين بسبب الإهمال وانعدام الضبط والتنظيم، إذ كان الطلبة يذهبون إلى الدروس وقتما شاءوا، ويجلس المبتدئ إلى جانب المنتهي في حلقات الدرس. أما البرامج، فظلت دون قانون يُنَظِّمُهَا، وبقي التعليم بهذه المؤسسة معتمدا على الشحن والحفظ ومطالعة الكتب وحَلِّ مفرداتها. وبَدَلَ تلقين العلوم والكتب القَيِّمَةِ، كان الطلبة يقتصرون على حفظ ما تأخر من المختصرات، فَيُمْضُونَ بسبب ذلك العُمر في محاولات استنباط مقاصد مُؤَلِّفِيهَا الصعبة الإدراك. ناهيك عن هَج̊رِ علوم كثيرة، كالتاريخ، والتفسير الذي تَرَكَهُ الناس مُتَطَيِّرِينَ من درسه، مساندين في ذلك من قِبَلِ السلطة ظنا منها، جَه̊لاً، أن تدريسه يُفْضِي إلى موت السلطان. لكل هذه المعوقات، كان طلبة القرويين أقل مستوى من طلبة جامعتي الأزهر والزيتونة، عِلْمًا أن خريجي القرويين على قِلَؐتِهِمْ مقارنة مع خريجي هاتين الجامعتين، يلازمون حلقات الدروس لِسِتَّ عشرة سنة، أما في الأزهر، فلا تتعدى الدراسة أربع سنوات، وذلك لفساد النظام التعليمي في القرويين.[5]

II- إصلاح بمرجعية فرنسية:

اعتبر الحجوي إصلاح التعليم خيارا أمثلا للانعتاق من الاستعمار والخروج من العزلة والانكماش والركود. لِذا ما انفك ينادي ببناء المدارس وتعميم التعليم بين المغاربة وإصلاح مناهجه لصون الهوية المغربية، عبر الانفتاح على ثقافة البلد المحتل؛ بعد أن أصبحت الحماية أمرا واقعا، وصارت ثقافة فرنسا الحامية تغزو المغاربة. لِذا، تَجِدُهُ يقدم اقتراحاته الإصلاحية مستحضرا على الدوام نموذج التعليم الذي يُقدمه البلد الحامي المجسد للحداثة والنظام والتغيير.

1- تعليم إلزامي وعمومي أسوة بالدولة الحامية:

في رحلته إلى فرنسا سنة 1919 عَبَّرَ الحجوي عن إعجابه بالنظام التعليمي الفرنسي قائلا: "فالتعليم عندهم إجباري على الرجال والنساء؛ فكل صبي بَلَغَ سِنَّ التعلم لا بد له أن يدخل المدرسة ويتعلم التعليم الابتدائي، ثم من كان غنيا وأراد التعليم الثانوي تَقَدَّمَ إليه، ومن كان فقيرا وليس له داعية للعلم، فلابد أن يَعْرِفَ صناعة من الصناعات ... بذلك القَدْرِ ارتقى مجموع الأمة من الحضيض الذي وقع فيه مجموع الأمم غير المتمدنة كالمغرب الأقصى مثلا.".[6]

مُتَأَسِّيًا بمبدأ الإلزام في التعليم الفرنسي، أهاب هذا الفقيه بكل مغربي أن يُقَدِّمَ ابنه للتعليم، وهو ابن ست سنين فأقل، فيحصل على التعليم الابتدائي في مدة أربع أو خمس سنوات.[7] يُمْنَعُ التلميذ فيها من أي عمل كان غير المدرسة، وإن أَف̊لَحَ، أمكنه بعد ذلك الالتحاق بجامعة القرويين أو بالمؤسسات الثانوية الفرنسية. وَمَنْ عَجَزَ عن مسايرة الدروس لمرض أو قصور في الإدراك وَلَجَ القسم الصناعي ليتعلم صنعة يكسب منها قوته، أو يدخل المدارس الفلاحية لأن البلد فلاحي. أما من ظهر نبوغه، فتتعين مساعدته على متابعة دراسته العليا بجامعة القرويين أو بجامعات أوروبا.[8]

ولتعميم التعليم بالمغرب، سعى هذا العَالِمُ منذ تعيينه مندوبا للمعارف - مع الدولة الحامية- إلى تأسيس المدارس والإكثار منها بالمدن؛ غير أن المغاربة - على حد قوله- لم يَقْبَلُوا هذه المدارس التي أشرفت مندوبية المعارف على إنشائها، واعتبروها مجرد حيلة ووسيلة تستعملها فرنسا لتوطيد وُجودها وحماية مصالحها، فرفضوا إرسال أبنائهم للتعلم فيها. ولإقناع المغاربة بعكس ذلك، حَثَّ الحجوي المقيم العام ليوطيLyautey (1854-1934) على إدخال اللغة العربية والمبادئ الدينية، حتى تصبح هذه المدارس مغربية الصِّب̊غَةِ، على حد تعبيره. وقد نجح في خطته، وكان ذلك سببا في إقبال المغاربة على المدارس العصرية الإسلامية حتى اكتظت. وبعدما، تغلغلت فكرة التعليم في أذهان المغاربة، عمل هذا الفقيه بمساعدة سلطات الحماية على تأسيس المدارس بالبوادي.[9] ولمحاربة الأمية، طالب هذا العلاّمة السلطان محمد الخامس (1909-1961) بِجَع̊لِ مدارس ليلية لتعلم القراءة والكتابة، يتعلم فيها الكبار الذين فاتهم التعلم في الصغر، ويكون ذلك مجانا، [10] وناشد التلاميذ تعليم آبائهم وأمهاتهم القراءة والكتابة، إن كانوا يجهلونها، وتعليم كل من هو في العائلة.[11]

2- إصلاح المناهج البيداغوجية:

متأثرا بمظاهر الرقي التي وقف عليها في رحلاته العديدة إلى أوروبا، ولاسيما بالنموذج الفرنسي في التعليم، نادى الحجوي بإصلاح المناهج البيداغوجية بالمملكة الشريفة، سواء تعلق الأمر بطرق التدريس أم بالمقررات، وبالانفتاح على المناهج العصرية. واهتم بإصلاح جميع الأسلاك التعليمية بدءا بالكتاتيب. فاقترح إلقاء محاضرات يَح̊ضُرُهَا معلمو الكتاتيب يُلَقَّنُونَ فيها نظام التعليم وكيفيته على الأسلوب العصري. ودعا المُعَلِّمَ إلى أن يَحْضُرَ مجالس من ظهرت أهليته وممارسته للتعليم، ويراعي مدارك الصبيان قوة وضعفا، ويقف على مقدار قابلية كل تلميذ على حِدَة، ويأخذ بعين الاعتبار عامل السن والوسط، ويُهَذِّبَ أخلاق الصبي ويُحَسِّنَ سلوكه. كما ناشد "قادة الأمة" تأليف كتب تهذيبية للكتاتيب، لأنها غير متوفرة. وفيما يتعلق بعدد التلاميذ داخل الكتاتيب، يرى أن لا يتجاوز عند المُعَلِّمِ عشرين أو ثلاثين تلميذا، مع تخصيص أوقات لِلَّعِبِ لهم، لأن قرائحهم لا تتحمل توالي الجد[12].

إلى جانب الاقتراحات التي تَقَدَّمَ بها لإصلاح الكتاتيب، رأى الحجوي أن أول ما يجب إصلاحه في الأسلاك التعليمية في المغرب هو التعليم الابتدائي، حيث لاحظ أن التلاميذ الوافدين على المدارس الثانوية يكون تكوينهم متباينا؛ فمن تَعَلُّمَ في مدرسة ابتدائية حسنة النظام، كان تلميذا نجيبا، ومن قرأ في مدرسة نظامها ناقص، ولا سيما في العربية، كان تلميذا ناقصا. ويختلط التلاميذ في الثانوي في قسم واحد، مما يُصَعِّبُ مهمة المُدَرِّسِ، فيضطر إلى جعل القسم الواحد ذا مستويين ويَقْسِمُ ساعة التعليم بينهما. وتجاوزا لهذا المشكل، طالب الحجوي بتسوية التعليم في المدارس الابتدائية في المغرب كله وبتوحيد البرامج، وبتعيين مراقب في إدارة المعارف يكون فصيحا ومُلِمًّا بأساليب التعليم الحديثة وبأمور الدين. وحرصًا منه على الرقي بمستوى التعليم الابتدائي، ما فتئ هذا العَلاَّمَةُ يؤكد على أن لا يُقْبَلَ من مُدَرِّسِي العربية إلاّ الحاصل على إجازة الدبلوم من ثانويتي׃ مولاي إدريس بفاس أو بن يوسف بمراكش أو الإجازة العليا من القرويين.[13]

وإذا كان الحجوي - يرى أنه لا حاجة للفتاة المغربية لأن تُتابع تعليمها الثانوي لتنال إجازة أو شهادة باكالوريا، ولأن تَبْلُغَ أرقى مستويات المعرفة؛ طالما أن إعطاءها تعليما ثانويا وعاليا في الطبيعيات والحقوق والرياضيات، وخروجها بَادِيَةً بعد بلوغها سن الحجاب، كما يفعلون في مصر، وسَفَرِهَا إلى أوربا لإتمام دراستها، قد يمكنها من سلاح تَقْلِبُ به مجتمعنا رأسا على عقب، [14] على حد قوله، وأنه لا داعي لأن تصل إلى ما وصلت إليه المرأة في الغرب، حتى تتقلد مناصب الوزارة أو تَشْغَلَ مقعدا في مجلس النواب، فتخلع عنها الحجاب، - فإنه من جهة أخرى لا يريد لها أن تَقْبَعَ في البيت تأكل وتنام إلى أن يُدركها أجلها. لِذَا ارتأى أن تكتفي بالتعليم الابتدائي، مع تنظيمه وترقيته إلى مستوى أفضل مما هو عليه، مادامت مدارس البنات في مغرب الربع الأخير من القرن 19 وفترة الحماية أولية صناعية، ولا ترقى لأن تكون مؤسسات للتعليم الابتدائي.[15]

على أن تتعلم الفتاة المغربية في تعليمها هذا، القراءة والكتابة والخط والرسم، وتُلَقَّنَ أساسيات الدين من عقائد وعبادات، ومبادئ في النحو، والآداب العربية وتتربّى على الأخلاق الإسلامية. وتَضْبِطَ الحساب أو على الأقل قواعده الأربع (الطرح والجمع والضرب والقسمة)، وتَدْرُسَ التاريخ والجغرافيا وعلم تدبير المنزل وفن الطهي والاقتصاد. وتُلَقَّنَ أوليات تدبير الصحة والرياضة البدنية، لِمَا في ذلك من حفظ لصحتها وصحة أولادها، وتتعلم صنعة أو أكثر، وذلك استعدادا لأي طارئ. ولضمان نظام ديني يَصُونُ كرامة الفتيات وحشمة البلاد، شَدَّدَ هذا الفقيه على ضرورة أن تسهر على تعليمهن نساء مُعَلِّماَتٌ ماهرات في التعليم دَمِثَاتْ الأخلاق، وذلك في محلات خاصة بهن غير مختلطات بالأولاد، لِذا نادى عام 1933 بإنشاء مدرسة للمعلمات لتخريج مُدَرِّساَتٍ.[16]

أما نوع الإصلاح الذي اقترحه الحجوي في الثانوي، فيتحدد في أن لا يبقى مُقَسَّمًا إلى قسمين: الدبلوم والباكالوريا، وأن يُجمعا في قسم وإجازة واحدة تعتبر باكالوريا ودبلوما معا. على أن تتوافر في هذا السلك مواصفات البيداغوجية الحديثة، وتتاح للمجاز فرصة ولوج جامعة القرويين أو المدارس العليا في فرنسا. وحدد هذا الفقيه عدد الساعات في كل الأقسام الثانوية في 32 ساعة في الأسبوع موزعة على الشكل التالي: ثمان ساعات في العربية، وثمان ساعات على الأقل لتعليم الفرنسية. على أن لا يُقْتَصَرَ على قراءة هذه اللغة وكتابتها والتكلم بها فقط، بل التَّبَحُّرِ فيها أيضا. وتُجْعَلُ ثلاث ساعات للغة الإنجليزية واللاّتينية، ويشرعون في ذلك من السنة الأولى، مع إضافة بعض ساعات في الحساب والجبر والهندسة، وتلقين علوم أخرى كالتاريخ والجغرافيا. وما فتئ هذا العَلاَّمَةُ يَحُثُّ طلاب المرحلة الثانوية على تعلم العلوم الطبيعية واللغات الحية والترجمة.[17] ولأن العلم العملي أساس تقدم الدول الراقية [18]، ولَمَّا كانت العصرنة في نظر هذا الفقيه تقتضي الاهتمام بالتعليم التقني ودَع̊مِهِ عن طريق نشر المدارس التقنية في جميع أنحاء المغرب، وربط التكوين النظري بالتطبيق، طالب الحجوي بتخصيص محل للتجربة بالمدرسة الفلاحية بفاس يتعلم فيه التلاميذ غرس الخضر والأشجار بنفسهم، ويباشرون فيه علاج الحيوانات لِيَق̊رِنُوا العلم بالعمل[19]. ولقد استطاع إقناع السلطان محمد الخامس بتبني هذا الإصلاح، ففي مرسوم مؤرخ بيونيو 1930نقرأ قول هذا الفقيه: "أصدر مولانا أمره المطاع لتوسيع برامج الدروس وِفْقَ المرغوب فيه... وسيكون في كل المدرستين (الثانويتين) قسم لتخريج طلاب الباكالوريا... ".[20] فما البرنامج الإصلاحي الذي سطره هذا العَالِم لإخراج القرويين من الركود؟

III- إصلاح القرويين:

اهتم الحجوي بالقرويين، لأنها كانت تجسد الشخصية الثقافية المغربية في بعدها العربي الإسلامي، وعنها كتب يقول׃ فهي "أمي وظئري ومن ثديها العذب ارتضعت".[21] لِذا أولى مكانة خاصة لمشروع إصلاح هذه الجامعة وخصص له في كتاباته حيزا كبيرا. فكثيرة هي المناسبات التي صرح فيها بأنه بارتقاء القرويين وانتظامها يتقدم الإسلام والثقافة والأدب، وبتأخرها يتأخر المغرب أدبا وثقافة ودينا.[22]

قدَّم هذا العالِم تقريرا عن المعارف سنة 1913، عَرَضَ فيه تفاصيل برنامجه الإصلاحي الذي يشمل إحصاء عدد طلبة القرويين وتسجيلهم في دفتر خاص بهم، وتحسين تغذيتهم، ومراقبة توزيع الخبز عليهم، وانتخاب مجلس الأساتذة وتنظيم الامتحان ومراجعة البرامج والزيادة في أجور الأساتذة على أساس مداومتهم للتعليم. كما نادى في تقريره هذا بإصلاح مناهج التعليم بهذه الجامعة، وأن تصبح كتلك المتبعة في جامع الزيتونة، فتصير مدرسة ثانوية وانتهائية للعلوم العربية وبعض العلوم الرياضية. فيتم الاستغناء عن فتح مدارس خاصة لهذه العلوم وتَقْتَصِدَ خزينة المخزن مبالغ هامة. وستكون هذه الاقتراحات كما سنرى، منطلقا للنظام الأساسي الذي وُضِعَ للقرويين سنة 1914، وأسهم فيه هذا الفقيه.[23]

في الواقع، كانت فكرة إصلاح القرويين رائجة في المجتمع المغربي منذ بداية الحماية، فلقد التقى السلطان مولاي يوسف (1881-1927) جماعة من العلماء عدة مرات ليستشيرهم في كيفية إصلاحها. وانتهت هذه الاجتماعات بتقديم تقرير تضمن مشروعا لإصلاح القرويين تألف من 19 فصلا، إلاؐ أن الإقامة العامة حالت دون تطبيقه، بذريعة أن الميزانية لا تستطيع أن تتحمل رواتب عدد كبير من المُدَرِّسِينَ. بَيْدَ أن هدفها الحقيقي من العرقلة كان هو تبني هذا المشروع، لتبقى القرويين تحت مراقبتها.[24] وطالما أن التدخل المباشر لم يكن مُم̊كِنًا، نظرا لمعارضة العلماء وبعض أعضاء المخزن لكون المسألة دينية، فقد سعت الإقامة العامة بتنسيق مع المخزن للقيام بالمشروع؛ فانتدبت لذلك المستعرب مرسيي والقبطان ميلي، وصدر الأمر الشريف للحجوي بتكوين مجلس منتظم من العلماء لتحسين حالة القرويين. فاجتمع هذا الفقيه بعلماء القرويين في 21 جمادى الثانية 1332/ 10يونيو 1914، "ورَغَّبَهُمْ" في انتخاب لجنة من بينهم لتحسين حال المؤسسة، وإدخال نظام إصلاحات مادية وأدبية على مناهج التعليم؛ كما نادى بإحياء علوم اندثرت منها، وَسَنِّ قانون أساسي لها على أن لا يُبْرَمَ أمر إلاّ بموافقتهم. فَقَبِلُوا، وشكلوا اللجنة المذكورة بأغلبية الأصوات تحت اسم "مجلس العلماء التحسيني للقرويين"، وعَهِدُوا برئاستها إلى الحجوي.[25]

أصدر هذا المجلس مئة مادة ومادتين خلال الثماني والعشرين جلسة التي عقدها، واستنادا إلى التوصيات التي أعلنها، يَتَبَيَّنُ سعي الحجوي وضع نظام للقرويين مواكب للظروف الجديدة، ومُرَاعٍ للإرث الإسلامي. إذ جاء المشروع باقتراحات شاملة ومتكاملة تُعنى بالجانب المادي والإداري والعلمي والبيداغوجي، وَشَدَّدَ على اختيار الأساتذة عن طريق الامتحان وإعطائهم أجورا قارة، واقترح تقسيم التعليم إلى ثلاث مراحل وتحسين طرائق التدريس وَسَنَّ نظام الامتحان وأدخل علوما ومناهج جديدة إلى جانب العلوم الدينية التي كانت تُدَرَّسُ في القرويين.[26] فما كان مصير هذا المشروع؟

تَعَرَّضَ هذا المشروع لمعاكسة شديدة أدت به إلى الفشل، إذ بمجرد انتهاء الحجوي من وضع هذا النظام حتى أُّمِرَ بالرجوع إلى الرباط. وقد تَحَسَّرَ على ذلك قائلا: "ولكن مع الأسف المُكَدِّرِ، تداخل في القضية ذوو الأغراض الشخصية، فبينما نحن نَبْنِي ونُصْلِحُ ونُرَمِّمُ بفاس، وقد شرعوا في الهدم والتخريب في الرباط بغير فاس"[27]. لم يُفْصِحْ هذا الفقيه كثيرا عن أسماء الذين نعتهم بذوي الأغراض الشخصية، واكتفى بالقول إن هؤلاء كان لهم تأثير قوي على أفكار السلطان مولاي يوسف، وكانوا يوهمونه بأن إدخال النظام للقرويين هو من الكفر والردة.[28] لقد وقف عذال الحجوي في وجه مشروعه أو كما قال: "قاموا ضدي في الرباط وتَقَوَؐى بهم حزب كان في الإقامة العامة"[29]، ناهيك عن معارضة بعض علماء فاس المتشبثين بالتقليد، والرافضين لكل تغيير، لاسيما أن الإصلاح سيكون فيه مساس بامتيازاتهم. وكان هذا الفشل سببا في إعفاء الحجوي من منصبه سنة 1914 كمندوب للمعارف.[30]

ماهي الخلاصات التي تَوَصَّل̊نَا إليها من خلال دراسة هذا الموضوع؟

تبوأ التعليم مكانة متميزة في مشروع الحجوي الإصلاحي، فلقد جعل هذا الفقيه التعليم أساسا للنهوض بأوضاع المغرب واعتبر إصلاح التعليم من واجبات السلطة القائمة الممثلة بكل من السلطان وسلطات الحماية، وَنَظَرَ إلى الحماية كحتمية تاريخية مفروضة يتعين استغلالها واستخدامها وتسخير أدواتها والنهل من معارفها لرقي البلاد، مادامت تُجَسِّدُ الحداثة. فنادى بنشر التعليم وتعميمه بالمملكة الشريفة، ودافع عن تعليم مُوَاكِبٍ للعصر، ومحافظ على ثوابت الهوية المغربية الإسلامية، وتعامل مع التعليم كمنظومة متكاملة متداخلة الأسلاك تبدأ فيها العملية التربوية في سن مبكر لتنتهي في سن مبكر. وركز في مشروعه التعليمي على المناهج العصرية، فدعا إلى الإقبال على كل جديد نافع وإلى النهل من تجارب الأمم المتقدمة. لِذا، أعطى أهمية قصوى لتعلم لغة المستعمر الفرنسي وباقي اللغات الأجنبية، لأنها تبقى بامتياز أداة أي انفتاح. غير أن هذا لا يعني بحال ترك العلوم الشرعية واللغة العربية، بل من اللاؐزم تهذيبها وجعلها لغة حية تُس̊هِمُ في إدخال المغاربة طور التجديد والحداثة.


-[1] حاول الحجوي إدخال النظام إلى القرويين، ولكن علماءها قاموا عليه، فكان ذلك سبب إخفاق المشروع وسبب استعفائه. (انظر الحجوي، مخطوط الخزانة الوطنية، ح 127، ص 270).

-[2] محمد بن الحسن الحجوي، المغرب والحماية، مخطوط الخزانة الوطنية، ح 254، ص 7

-[3] محمد بن الحسن الحجوي، إصلاح التعليم العربي، مخطوط الخزانة الوطنية، ح 115، ص 480

-[4] أسية بنعدادة، الفكر الإصلاحي في عهد الحماية (محمد بن الحسن الحجوي نموذجا)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003، ص 252

-[5] نفسه، ص ص 260-261

-[6] محمد بن الحسن الحجوي، الرحلة الأوربية، مخطوط الخزانة الوطنية، ح115، ص 158

-[7] محمد بن الحسن الحجوي، إصلاح التعليم العربي، مخطوط الخزانة الوطنية، ح 118، ص 5

-[8] محمد بن الحسن الحجوي، أساس التهذيب الإسلامي أو أصول التربية الإسلامية للمدارس الابتدائية، مخطوط الخزانة الوطنية، ح227، ص 18

 - [9]أ. بنعدادة، الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص ص 246-247

-[10] محمد بن الحسن الحجوي، المعارف في المغرب وجهود الحكومة، ح 199، ص 2

 -[11]أ. بنعدادة، الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص 249

-[12] نفسه، ص 253

-[13] نفسه، ص ص 254-255

-[14] مخطوط الخزانة الوطنية، ح205، ص 29

-[15] أ. بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص 287

-[16] نفسه، ص ص 287-288

-[17] نفسه، ص 255

-[18] محمد بن الحسن الحجوي، تفقد مدارس فاس دجنبر1925، مخطوط الخزانة الوطنية، ح 127، ص 10

-[19] أ. بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص ص 259-260

-[20] مخطوط الخزانة الوطنية، ح 156، في مجموع، ص 2

-[21] محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الرباط، مطبعة إدارة المعارف، 1935، الجزء الثاني، ص 194

-[22] مخطوط الخزانة الوطنية، ح 127، ص 192 (صورة ما عرضه الحجوي في الجلسة المنعقدة بالرباط بمجلس التعليم 3 قعدة 1350 هـ).

 -[23]أ. بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص 262

-[24] نفسه، ص ص 262-263

-[25]نفسه، ص 263

-[26] نفسه، ص 268

[27]- الحجوي: الفكر السامي ...، مصدر سابق، ج 2، ص 197

-[28] أ. بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص 270

-[29] يذكر باي (Paye) أن المشروع وقفه ليوطي بدعوى العجز المالي، وعدم ملاءمة الظروف. Paye, Enseignement et société musulmane au Maroc, p.340.

-[30] أ. بنعدادة: الفكر الإصلاحي في عهد الحماية...، مرجع سابق، ص 271


مقالات ذات صلة

المزيد