الآثار النفسية للهجرة واللجوء.. درب شائك مليء بالصدمات!

فئة :  مقالات

الآثار النفسية للهجرة واللجوء.. درب شائك مليء بالصدمات!

الآثار النفسية للهجرة واللجوء..

درب شائك مليء بالصدمات!([1])


عندما نقوم بنقل نبتة ما من تربة إلى تربة جديدة، وبغض النظر عن نوعية التربة الجديدة، ستتعرض هذه النبتة إلى انتكاسة في نموها، في المرحلة الانتقالية على الأقل. هذا ينطبق بشكل مباشر على جميع الكائنات الحية، التي تضّطر إلى تغيير موطنها، بإرادتها أو قسراً؛ فقد تشعّبت جذورها وتمدّدت إلى مصادر الطّاقة، وأما نقلها، فهو بالضرورة تقطيع لبعض هذه الجذور.

هذه الصورة يمكن سحبها بشكل مباشر على شخص تشرّدت أسرته وغادر أهله وموطنه. فالتركيبة الاجتماعية والدوائر التي بناها الفرد حتى هذه اللحظة ستتفكك وستبرز الحاجة إلى بناء بدائل، هذا البناء ليس فقط من خلال التعرف على الأصدقاء وبناء علاقات اجتماعية، بل يتطلب تغيير الـ "أنا"، حسب التعريف الفرويدي، ووضع جملة تجربته في مخبر جديد له مقاييس ومعايير مختلفة، فيما يتعلق بالأفكار المسبقة، التوقعات، طريقة التعبير عن المشاعر، تعريف الأدوار الاجتماعية، كدور الأب ودور المرأة، وجوانب أخرى لا يمكن حصرها ببساطة.

في نهاية العام 2014 وصل عدد اللاجئين في العالم، حسب إحصائيات (UNHCR)(1) إلى (60) مليون شخص، منهم حوالي (11) مليون سوري، (4) ملايين سوداني، (2) مليون صومالي، وحوالي (4) ملايين عراقي، ونقصد باللاجئين هنا من نزح في داخل البلاد أو هاجر إلى خارجها مضّطراً.

لا تنتهي معاناة اللاجئين والهاربين من الحروب بمجرد مغادرتهم مكان الحرب؛ فبالإضافة إلى الندبات والكدمات الجسدية والنفسية التي تركتها الحرب، نتيجة التعرض للعنف مباشرة، مشاهدته أو سماعه، تعترض سبيل هؤلاء مصاعب جمّة، سواء على طريق اللجوء أو في الملجأ ذاته. هذه المصاعب تضاف إلى الخبرة السلبية، التي جلبها معه الشخص "مكسور الخاطر" إلى ملجئه الجديد.

لذلك يمكن تقسيم جملة المصاعب والمشكلات النفسية التي تعترض اللاجئين إلى ثلاثة أقسام والجدول التالي يوضح أهمها:

مشاكل النزوح واللجوء
قبل الهجرة أثناء الهجرة في الموطن الجديد

1. مصائب طبيعية (زلازل...)

2. الحروب والصراعات المسلحة

3. المجازر

4. السجن والتعذيب

5. الاعتداءات الجنسية

6. فقدان الأقارب أو الخوف من فقدانهم

7. مشاهدة مناظر القتل والموت

8. الفقر والحرمان

1. الفقر والجوع والتشرد

2. التعذيب والسّجن

3. نقص المعلومات عن الأهل وصعوبة التواصل معهم

4. الترحيل أو الخوف من الترحيل

5. الجهل بالمستقبل وعدم الإحساس بالسيطرة على الظروف والقدر الغامض

6. العيش اللاشرعي أو العيش في مخيمات لجوء تفتقر مقومات العيش البشري

7. تعرّض الحياة للخطر

....

1. فقدان الدوائر الاجتماعية

2. صعوبات ثقافيه ولغوية

3. الغربة بمعناها العريض

4. مخاطر الترحيل

5. التمييز العنصري

6. متطلبات التأقلم والاندماج

......
النزوح واللجوء يحتوي في طياته على مصاعب تراكمية

آثار الحرب والمصاعب ما قبل اللجوء

قبل الحديث عن الآثار النفسية للحروب والهجرة، يجب علينا توضيح مفهوم الصحة النفسية بصورته العامة أولاً؛ إذ يعرّف "انتونفسكي" الصحة النفسية بـ "سيال بين جملة المدخرات وجملة الوظائف أو المتطلّبات"؛ فالمدخرات هي جملة من العناصر البيولوجية، السيسولوجية والخبرات المكتسبة، هذه التي تحدد المصطلح. هذا المصطلح هو مجرّد، وهو يعني الإحساس الشعوري واللاشعوري بالتجانس والتماسك بما يخص الفرد كوحدة في نظام بيئي أعلى وأعقد تنظيماً (Antonovsky1997).(2)

يمكن تقسيم المتطلبات والوظائف النفسية زمنياً؛ أي متطلبات من الماضي ومتطلبات راهنة، الأولى هي خبرة سلبية مازال فعلها قائماً وهذا يعني، أنّ الشخص عليه التعامل معها في حاضره بينما تنبع هي من الماضي، كخبرات الحرب والفقر أو الحرمان ...إلخ، ومتطلبات راهنة تقسم إلى متطلبات تطورية حسب نظرية إريكسون لتطور الشخصية (Erikson1959)(3)، ومتطلّبات مرتبطة بالوظائف اليومية، كالأدوار والعلاقات الاجتماعية؛ ولا ننسى هنا أيضاً متطلبات فيزيائية أساسيّة وجوديّة.

إذن تصبح محصلة هاتين القوتين المتعاكستين بالاتجاه، مؤشّر الصحّة النفسية للفرد، وعليه يعاني الشخص نفسياً، إذا مال هذا الميزان لصالح المتطلبات والوظائف. وهنا لابد من توضيح، أنّ جملة الضغوطات النفسية، التي يمكن تجاوزها، هي عامل في صقل المناعة النفسية. أما الخبرات القاسية كالحروب مثلاً، وهذه التي تتجاوز قدرة الفرد على التعامل معها، فهي تترك ندبات، سنسميها "عثّاً" فهي تفترس الطاقة النفسية شيئاً فشيئاً وباستمرار.

أثبتت الدراسات والأبحاث النفسية، أن الحرب والتهجير، بالإضافة لما يعنياه من تهديد لحياة الفرد بشكل مباشر يؤديان إلى اضطرابات نفسية متنوعة، مثل: الاكتئاب، الوسواس القهري، القلق، اضطراب كرب ما بعد الصدمة، اضطرابات شعورية وسلوكية، والمشاكل الجسدية ذات المنبع النفسي كوجع الرأس، البطن والظهر، كما تتوسّع مروحة الاضطرابات النفسية لتبلغ مشاكل في الهويّة الذاتية والهوية الاجتماعية (قارن: Ermann 2004)(4.أ)

في دراسة أجراها الباحث نادر السيوفي بعد حرب الكويت، أظهر أن 70% من الأطفال المشاركين في الدراسة لديهم أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة (Nader، Pynoos، Fairbanks، al-Ajeel، وal-Asfour، 1993).(5). بينما أظهر94% من الأطفال الذين هجّروا في حرب البوسنة هذه الأعراض (Goldstein، Wampler، وWise، 1997).(6)

تعد الصدمة النفسية أهم ما يعترض نفسية البشر في حالات الحروب؛ فظواهر الحرب الحسّية كالقصف والموت، أو حتى سماع أخبار الحرب هي حوادث صادمة نفسيا. الصدمة النفسية حسب (فيشر وريدزر) هي "تناقض (حيوي) بين العوامل الظرفية، التي تحتوي خطر الموت ومحدودية إمكانيات الفرد في التعامل مع هذه الظروف، هذا التناقض يحمل في طيّاته الإحساس بالعجز و(اللاحماية أو اللاأمان)، كما يقود إلى اهتزاز التركيبة النفسية بما يخصّ الإدراك الذاتي وإدراك العالم المحيط" ((Gottfried Fischer 2009.(7)

تُظهر الدراسات، أن حوالي نصف من يتعرّضون لهذه الحوادث يطوّرون اضطراب كرب ما بعد الصدمة. في دراسة مشابهة أجريتُها العام الماضي (ستنشر قريباً) في مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا، لمحاولة مقاربة الآثار النفسية على الأطفال، حيث إنّ المجموعة المستهدفة في الدراسة هي الأطفال من سن 6 سنوات إلى 18 سنة، أظهر 76% من الأطفال المشاركين في الدراسة من اللاجئين في لبنان اضطراب كرب ما بعد الصدمة، وحوالي 80% منهم أعراض الاكتئاب، و92% أعراض القلق والخوف.

كما قارنت الدراسة بين اللاجئين في الداخل واللاجئين في لبنان، وبينت الدراسة، أنّ شدّة الإصابة بهذه الاضطرابات وانتشارها بين الأطفال، هي أكبر بين اللاجئين في لبنان قياساً بالداخل السوري.

إذن تنتج الحرب بنية نفسية مهزوزة، مضطربة، هذه الاضطرابات بحدّ ذاتها تعتبر (عثًاً) ـكما سميناهاـ يستهلك الطاقة النفسية ويحدّ من قدرة الفرد على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

استطاع بروفسور التحليل النفسي الألماني إيرمان، الذي ولد أثناء الحرب العالمية الثانية، أن يؤصّل لمصطلح "هوية الحرب". ويقصد بها، الهوية النفسية للبشر، الذين عاصروا الحروب. فالحرب تؤسس لواقع جديد وتصبح ثقافة تمتد إلى أجيال. يقول واصفاً هذه الهوية: "هذه تعبر عن نفسها من خلال النقص في فهم الذات، الابتعاد عن فهم المشاعر الذاتية، تظهر من خلال إهمال محدّد للذات، من خلال غلاظة بارزة في طريقة العيش، وعدم بروز وظائف التأقلم الاجتماعي، هي تقوم على غربة ذاتية، هذه التي تؤدي إلى إحساس الشخص، حاملها، بالغربة تجاه الآخرين والبقاء غريباً بالنسبة لهم" (Ermann 2004).(4.ب)

إذن هي هوية مغرّبة في ذاتها ومغرّبة عن الآخرين، تفترض السيئ بما يتعلق بالمستقبل، وبما يقصده الآخرون، حالة شعور بالذنب وعدم الثقة بالنفس، خبرت جوانب الحياة السيئة، ولا يسعها إلا رؤية هذا الجانب المظلم. يمكن ملاحظة هذه الهوية عند الأطفال من خلال ممارستهم الرياضات الخطرة، الميل إلى إيذاء النفس، وغيرها من السلوكيات الهدامة.

تكمن الخطورة في إطلاق مصطلح "هوية الحرب" بشكل أساسي في بعده الزمني؛ فالاضطراب النفسي أو السلوكي هنا، أو حتى شذوذه، بشدات مختلفة، يصبح صفة شخصية وأحد عناصر هوية الفرد التي سترافقه مدى الحياة، بل يمكن القول، إنّ مفعول هذا (الشذوذ) سيمتد إلى جيل لاحق على الأقل. هناك دراسات عديدة تثبت، أنّ الخبرات السلبية للحروب والعنف وما يرتبط بها من عناصر نفسية كالصورة الذاتية، الأحلام، التخيّلات، أو محددات السلوك اللاواعية، قد تمّ توريثها إلى الأطفال والأحفاد بطرق لاشعورية. (قارن: 1979 (Grubrich,Simitis.(8)

الأطفال والنساء، الخاسر الأكبر

يعد الأطفال الخاسر الأول على الصعيد النفسي؛ فهؤلاء لم يكملوا بعد مسيرة بناء الشخصية والتركيبة النفسية مازالت غضّةً ويمكن طبعها بكل جديد. يُعتبر "التعلم الاجتماعي" من أهم الوسائل التي تلعب دوراً مهما في بناء شخصية الطفل (قارن: 1977(Bandura(9). فالطفل يقلّد الأقران والقدوة الاجتماعية كالوالدين والإخوة الأكبر، وهكذا يصبح العنف والسلوكيات (اللااجتماعية)، التي تزدهر في مثل هذه الظروف، هي محددات ودليل السلوك للطفل في مراحل عمرية لاحقة.

كما تكمن الخسارة في فقدان الأشخاص المقربين؛ الأصدقاء، والمدارس، والذين يعتبرون مصادر الطاقة النفسية للطفل. في الدراسة التي ذكرتُها أعلاه في مخيمات اللجوء في لبنان وسورية، أظهر الأطفال المشاركون في الدراسة، أنّ هناك ارتباطاً بين فقدان المنزل وأماكن اللعب وغيرها من الماديّات (المعنوية)، بالنسبة إلى الطفل بأعراض الاضطرابات النفسية، أقوى من ارتباط الأعراض النفسية نفسها بفقدان شخص قريب.

لا تنتهي سلسلة الأضرار هنا، بل تتشعّب وتزداد من خلال المسؤوليات الجديدة التي تقع على الأطفال، فعلى الأولاد في أحايين كثيرة مرافقة الأب أو أخذ دوره في تلبية الاحتياجات المادية للأسرة، كما سيقع على البنات، منهم، مسؤوليات منزلية ومهمة رعاية الأخوة الأصغر. تعرف هذه الحالة في الأوساط الاجتماعية العامة بـ (النضوج المبكر)، ولكي نوضّح هذه الحالة نعود إلى مثال النبتة الذي سقناه في بداية المقال؛ فالنبتة التي تتعرّض إلى ظروف بيئية تهدّد حياتها ستتوقف عن النمو، وستحاول إنجاز ثمار بأسرع وقت ممكن، وذلك كردّ على خطر انقراضها، هذا الإنتاج المبكّر سيكون على حساب جودة ثمارها.

تعد النساء كما الأطفال حلقة ضعيفة في الحروب وتزدهر تجارة الرقيق الأبيض، كما حدث مثلاً في أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي بعد انهياره، حيث أصبحت النساء سلعة رائجة، ويعود ذلك ليس فقط للثقافة الذكورية، التي ترى في المرأة سلعة وعنصراً للمتعة، بل أيضاً بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، التي تعترض البشر في هذه الحالات، وبسبب الانحلال الأخلاقي والتربوي الذي يرافق حالات الحروب والظروف السياسية الملائمة لذلك. وقد خرجت مثلاً الكثير من التقارير الإعلامية إلى الضوء، التي كشفت عن تجارة الجنس بين اللاجئين في لبنان وغيرها من بلدان استقبال اللاجئين (BBC 2016)(10)

توضح الدراسات النفسية، أنّ الإناث أكثر عرضةً لاضطراب كرب ما بعد الصدمة قياساً بالذكور، بل أيضاً من حيث مدة الإصابة، فالنساء تستمر معاناتهن أكثر من الذكور.(Anthony 2007)(11)

يختلف الوضع بالنسبة إلى الحروب الأهلية أو في الحروب التي يتم فيها تجنيد الأطفال كما حصل في أوغندا، وفي جنوب السودان، أو في سورية، ففي هذه الحروب ترجح كفة الإصابة بالأمراض النفسية لصالح الأولاد على حساب البنات.

تجد النساء أنفسهن في أوقات الحروب في أدوار متعددةٍ؛ فبالإضافة الى أدوارهن المعتادة، تنشأ من المعطيات الجديدة متطلبات ووظائف إضافية، كما يحدث مثلاً عندما تفقد الأسرة معيلها، أو عند إعاقة أو إصابة أحد أفرادها. يعتبر تعدد الأدوار هذا، عاملاً نفسياً ضاغطاً، ويؤدي إلى اضطرابات نفسية متعددة كآلام الظهر، الاكتئاب والمشاكل الجنسية.

آثار الحرب والمصاعب في الطريق وفي بلد اللجوء

بأثقال الحرب هذه، وربما أيضاً بأثقال ما تبقى من عائلة وما تحويه صرّته، التي جمع أشياءها على عجل محاولاً جمع ماضيه وشتاته، يطرق الهارب درباً لم يألفه، لا يعلم ما قد يصادفه وما يخبئ له القدر، فتبدأ رحلة شقاء أخرى، في أحايين كثيرة.

تبدأ الرحلة بمصاعب تتعلّق بطريقة اجتياز الحدود، وهذه الأخيرة مستهدفة بشكل خاص ودائماً من الأطراف المتصارعة. ويضمر اجتياز الحدود الموت في ذاته، ليس فقط باستهدافه، بل رأينا أيضاً كيف قذف البحر جثث كثير ممن ركبوه هرباّ.

يقع الهاربون فريسة المتاجرين بالبشر، وفريسة التشرد والجوع وقد أخبرني أحد الواصلين إلى ألمانيا، أنّه اضّطر للمبيت في غابات هنغاريا ثلاث ليالٍ، بينما كانت سماكة الثلج تبلغ نصف المتر. فتاة أخرى لا تقرب الماء بعد أن قطعت المتوسط من ليبيا إلى أوروبا أربع ليال، من خوف الموت خلخلت بناءها النفسي وأصابتها باضطراب كرب ما بعد الصدمة.

في مالطا يحشر اللاجئون في أماكن ضيقة، لا يحصلون إلّا على الفتات أو ما يبقيهم على قيد الحياة، كذلك يتعرض المهاجرون إلى الضرب والإهانة كما تفعل السلطات الصربية والهنغارية مثلاً مع اللاجئين القاصدين غرب أوروبا.

بعد عبور حدود منطقة أو بلد الصراع، تصبح احتمالات الموت أضعف ولكن تبدأ رحلة أخرى في المجهول؛ ففي الموطئ الجديد تعترض اللاجئ صعوبات لغوية، مجتمعية واقتصادية متعددة.

تختلف معاناة المهاجرين باختلاف الحالة الاقتصادية والثقافية للبلد الجديد؛ فبينما يعاني اللاجئ في الأردن مثلاً من صعوبات اقتصادية، يعاني اللاجئ إلى الغرب من صعوبات ثقافية ولغوية.

تثبت الدراسات، أنّ المعاناة من الاضطرابات النفسية للهاربين من الحروب تختلف باختلاف الحالة السياسية والثقافية للبلد المضيف، فبينما تكون الحالة الاقتصادية والثقافية المتطوّرة للبلد المضيف ذات أثر إيجابي في التقليل من آثار الحرب، يعاني اللاجئون في البلدان الفقيرة من مشاكل إضافية. قارن (Paardekooper، 1999)(12)

كما ترتبط الحالة النفسية للمهاجرين بعوامل أخرى للهجرة. وقد أثبتت الدراسات أنّ الأطفال، الذين يهاجرون مع آبائهم لا يعانون كأقرانهم الذين يطرقون هذا الدرب بدونهم. (Drury، 2012)(13)

يفرض الموطئ الجديد متطلبات ووظائف نفسية، لا تقل أهميةً أو صعوبة عما حصّله اللاجئ حتى هذه اللحظة، فعليه بناء دوائر اجتماعية جديدة، هذه لا تتطلب فقط تعلم لغة البلد المضيف، بل تتعدّى الصعوبات هذا المستوى، إلى مستويات تتعلق بالهوية، وكل البنية الفكرية والشعورية. ففي الثقافات الجديدة تتغير الأدوار الاجتماعية، كدور المرأة أو دور الأم والأب، فهذه الأدوار هي محصّلة ثقافية واقتصادية ومجتمعية بالنتيجة.

إذن يعيش المهاجر حالة تناقض، أو (لا تجانس)، بين الخبرات المكتسبة في الماضي، بما تعنيه على الصعيد الشعوري؛ الفكري والسلوكي، وبين المعطيات الجديدة. ويقع على عاتقه التوفيق بين هذه المتناقضات، فما يتوقّعه الصديق من صديق له مثلاً، يختلف باختلاف الثقافة المجتمعية.

هذا ما يفسّر مثلاً نزوع بعض الفئات المهاجرة إلى التجمع في مناطق محددة وبناء (جزر ثقافية) في المجتمع الجديد. طبعاً هذا ليس حلّاً ويؤدي إلى مزيد من الغربة، بل ينتقل إلى مستوى العائلة، فبينما يعيش الجيل الأول في هذه الجزر هارباً مما تفرضه الثقافة الجديدة، يعيش الجيل الثاني حالة اغتراب أخرى تتمثل في الفارق الثقافي بين الجيلين؛ فالأطفال سيذهبون إلى المدرسة وسينشؤون علاقات اجتماعية، فضلاً عن سرعتهم ومرونتهم في تعلم لغة البلد الجديد واكتساب ثقافته. وهكذا ينشأ شرخ بين جيلي الأسرة ويعيش الجيل الثاني أزمة هوية، فتتوزّعه ثقافة بيتية وأخرى مجتمعية.

يعتبر الاندماج Integration)) بمفهومه الواسع من أهم الوظائف النفسية التي تعترض المهاجرين، ولكن هذا المصطلح فضفاض، وهو مجحف في حق المهاجرين، فهو يستبطن في أذهان (المضيفين) التخلّي عن جملة ضخمة من العناصر السلوكية وخلفياتها النفسية من أجل التجانس مع الوسط الجديد. يعتبر هذا المصطلح في أحايين كثيرة الغطاء الشرعي لعنصريه مباشرة أو مستبطنة، لتمييز فردي أو مؤسساتي، فهو يفرض إحداثيات اجتماعية معطاة مسبقاً، على المهاجر تبنيّها والقبول بها بغض النظر عن فرديته أو خلفيته الثقافية. يطرح علم النفس الاجتماعي الحديث مفهوماً بديلاً يطلق عليه (Acculturation) (Johannes Kopp، 2010).(14)

هذا المفهوم يعتبر الاندماج محصلّة لتفاعل معطيات ثقافية متعددة، وتكمن خصوصيته في اعتباره، أنّ على الوسط الاجتماعي مهمّة ملاقاة عميلة الاندماج، التي تقوم بها الأقليات الثقافية المنضمّة إليه، بتغيير ذاته بشكل فاعل وخلق إحداثيات مجتمعية جديدة تناسب التنوع الجديد ولا يؤمن بأن عملية الاندماج هي مهمة الوافدين الجدد فحسب.

من المهم التوضيح هنا أنّ جملة المصاعب والمشاكل النفسية التي تعترض المهاجر هي عملية تراكمية تبدأ في الموطن الأصلي الذي تحلّ به الكارثة، ولا تنتهي بالوصول إلى الموطن الجديد. هذه الخبرة هي سلاح ذو حدين فبينما ستغني صاحبها ثقافياً ومعرفياً في حالات، تخلخل التركيبة النفسية في أحيان كثيرة. وتبقى الإضاءة النظرية هي الخطوة الأولى للبحث عن الحلول والتخفيف من آثار الحروب والهجرة.

 

هوامش:

1. https://www.uno-fluechtlingshilfe.de/fluechtlinge/zahlen-fakten.html

.2 Antonovsky, A. (1997). zur Entmystifizierung der Gesundheit. Tübingen: Dgvt.

 .3Erikson, E. H. (1959). Identity and the Life Cycle. New York: International. Universities Press.

4. Ermann, M. (2004). Wir Kriegskinder. Lindauer Psychotherapiewochen, S. 19

 .5Nader, K. O., Pynoos, R. S., Fairbanks, L. A., al-Ajeel, M., & al-Asfour, A. (1993). A preliminary study of PTSD and grief among the children of Kuwait following the Gulf crisis. The British journal of clinical psychology / the British Psychological Society32 Pt 4, S. 407–416

 .6Goldstein, R. D., Wampler, N. S., & Wise, P. H. (1997). War experiences and distress symptoms of Bosnian children. Pediatrics 100 (5), S. 873–878

 .7Gottfried Fischer, P. R. (2009). Lehrbuch der Psychotraumatologie. München: Ernst Reinhardt, GmbH & Co KG.

.8 Grubrich-Simitis, I. (Grubrich-Simitis, Ilse (1979): Extremtraumatisierung als kumulatives Trauma. Psyche – Zeitschrift für Psychoanalyse 33, 991–1023 1979). Extremtraumatisierung als kumulatives Trauma. Zeitschrift für Psychoanalyse 33, S. 991–1023

9. Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. General Learning Press.

  1. BBC. (2016).  القبض على أكبر شبكة دعارة في لبنان وتحرير75 امرأة.

.11 Anthony, N. B. (1997). Gender Differences in the Sensitivity to Posttraumatic Stress Disorder: An Epidemiological Study of Urban Young Adults. Michigan State University. Anthony, N. B. (116, No. 3 2007).

.12 Paardekooper, B. J. (1999). The psychological impact of war and the refugee situation on South Sudanese children in refugee camps in Northern Uganda: an exploratory study. Journal of child psychology and psychiatry, and allied disciplines, S. 529–536

13. Drury, J. &. (04. 25 2012). Children and young people who are refugees, internally displaced persons or survivors or perpetrators of war, mass violence and terrorism. Current opinion in psychiatry., S. 277–284

14. Johannes Kopp, B. S. (2010). Grundbegriffe der Soziologie. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften.

مصادر أخرى:

-       Neugebauer, R., Fisher, P.W., Turner, J.B., Yamabe, S., Sarsfield, J.A. &Stehling-Ariza, T. (2009). Post-traumatic stress reactions among Rwandan children and adolescents in the early aftermath of genocide. International journal of epidemiology, .38 (4), 1033–1045

-       Maercker, A. & Horn, A.B. (2013). A socio-interpersonal perspective on PTSD: the case for environments and interpersonal processes. Clinical psychology&psychotherapy, 20 (6), 465–481

-       Maercker, A. (2013). Posttraumatische Belastungsstörungen. Berlin: Springer.


[1] نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 30، 2016