من التنمر التقليدي إلى التنمر الإلكتروني

فئة :  مقالات

من التنمر التقليدي إلى التنمر الإلكتروني

الـمقدمـة:

لقد أدّت تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، إلى إحداث تحولات جذرية في مفاهيم الاتصال والمكان والزمان والفضاء الاجتماعي، وبدأت تسيطر على مجالات الثقافة والفن والتعليم والتواصل الحضاري الإنساني والإعلام والتسلية والترفية، ومختلف مكونات الاجتماع البشري، بما فيها الانحراف أيضًا، فلقد دعم الإنترنت القيام بأشكال جديدة من الانحراف، كما أنّه ساعد على الإتيان بأشكال قديمة من الانحراف بطرق جديدة.

وتعد شريحة الأطفال والشباب من أكثر الشرائح الاجتماعية انجذابًا للتعامل مع الإنترنت وتطبيقاته، وذلك بفعل جاذبيته وقدرته على إتاحة نطاق واسع من الحرية والاختيار، والإنترنت وما شابهه من مجتمع افتراضي لا يؤثر على رؤية الشباب والأطفال عن العالم فحسب؛ بل يؤثر على تصوراتهم عن ذواتهم وعن الآخرين، وعلى طريقة حياتهم وأفكارهم، وأشكال انحرافهم، فتلك الوسائط التي يستخدمونها لتساعدهم على أداء وظائف التواصل تفعل كل هذا وأكثر؛ إذ تصبح جزءاً من هوية مستخدميها، وتتدخل في إعادة إنتاج المعنى الوجودي والثقافي، الأمر الذي يعظم من دورها في تشكيل هوية هذه الأجيال القادمة، ولقد باتت وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت وتليفونات محمولة، تمهد وتجذر لثقافة يصنعها الأطفال والمراهقون والشباب، ومنحتهم القدرة على التغلب على الثقافة التقليدية، ولعلهم يجدون فيها خصوصية مفقودة، ويعبرون من خلالها إلى عوالم افتراضية، تشحذ خيالهم وتسليهم وتشعرهم بالمتعة، وهم يقودون تلك العوالم بأطراف سباباتهم الصغيرة.

وبجانب كل هذا، منحت وسائل الاتصال الحديثة وتطبيقاتها عبر شبكة الإنترنت، بعض من الشباب والأطفال القدرة على ممارسة العدوان والتحرش بأقرانهم بواسطة التليفونات المحمولة والرسائل الإلكترونية، وهذا السلوك هو ما يطلق عليه "التنمر الإلكتروني" Cyber Bulling، ومع انتشار ممارسة عديد من الأطفال والشباب للتنمر الإلكتروني، أصبحت بعض الدول والمجتمعات تتعامل معه باعتباره مشكلة خطيرة، ويجب على الباحثين رصده وتفسيره، والكشف عن المعلومات الخاصة بحدوثه، وذلك بهدف إكساب الآباء والمعلمين المعرفة اللازمة به، وهذا بالأساس هو هدف هذه الدراسة، إضافة إلى الكشف عن التباينات والتقاطعات ما بين التنمر المدرسي التقليدي والتنمر الالكتروني، وتحليل العوامل والمحفزات التي تقف خلف التنمر، والاتجاهات النظرية المفسرة له.

أولاً: التنمر المدرسي، والتنمر الإلكتروني : مقارنة مفاهيمية.

كانت بداية ظهور مفهوم التنمر Bullying)) لدي طلاب المدارس، حتى أن معظم الباحثين ربطوا بينه وبين البيئة المدرسية، بوصفها المكان الأكثر صلاحية لنشأة هذا السلوك وممارسته، والذي يترتب عليه عديد من التداعيات السلبية، سواء من الناحية النفسية أو الانفعالية أو الأكاديمية أو الاجتماعية، كما أنه يترك انعكاساته على كل من المتنمر والضحية، على حد السواء ومع تزايد استخدام طلاب المدارس والشباب لمختلف أدوات التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الإنترنت، ظهرت إعادة إنتاج التنمر عبر الفضاء الإلكتروني، ولهذا وجب أن تقدم الدراسة الراهنة مقاربة مفاهيمية مقارنة بين كلٍّ من التنمر المدرسي التقليدي والتنمر الإلكتروني.

1. التنمر المدرسي التقليدي:

يعد التنمر المدرسي School Bullying)) شكلًا من أشكال التفاعل العدواني غير المتوازن، ويحدث بصورة متكررة باعتباره فعلًا روتينيًّا يتكرر يوميًا في علاقات الأقران في المجال المدرسي، ويقوم على السيطرة والتحكم والهيمنة والإذعان بين طرفين؛ أحدهما متنمر، وهو الذي يقوم بالاعتداء. والآخر الضحية، وهو المعتدى عليه. تسبقه نية وقصد متعمد تعكسه ثقافة الأقران، باعتبارها سلوكًا ثابتًا لتلك الثقافة، التي تعاملت مع مفهوم التنمر بوصفه مصطلحًا خاصًّا للعنف المدرسي[1].

ولقد بدأ الاهتمام بالتنمر المدرسي بداية من السبعينيات، وتم اعتباره مشكلة اجتماعية – نفسية، كما أنه بالأساس مشكلة مدرسية - تربوية، ويحدث عادة أمام جماعة من الأقران، سواء في فناء المدرسة، أو في أي مكان آخر بالمدرسة، وعلى الرغم من أنه قديمًا تم معادلة التنمر بالتحرش البدني، إلّا أنّ هناك من الباحثين من يعتبره اليوم نوعًا من "الاستعراض" أو "الفضح" المتكرر من جانب طالب أو أكثر نحو زميل لهم، وهذه الأفعال تعتبر مقصودة، ومن خلالها يقوم المتنمرون بإيقاع الأذى أو الضرر بزميل آخر[2].

ويعرف بيرماستر (Burmaster) التنمر المدرسي بأنه "سلوك عدواني، عادة ما يتضمن تباينات في القوة بين المتنمر والضحية، ويتكرر مع مرور الوقت" ويتضمن التنمر المدرسي ثلاث سمات رئيسة، هي[3]:

أ- فعل عدواني بواسطة شخص ما، تجاه شخص آخر "الضحية" بهدف إيقاع الضرر به.

ب- هذا الفعل يتكرر عبر الوقت والسياقات.

ت- وجود تفاوت في القوة بين المتنمر والضحية، مع عدم قدرة الضحية على الدفاع عن نفسه بسهولة، وقد يرتبط هذا التفاوت في القوة بالقوة الجسدية، العمر الزمني، الحالة المالية، المستوي الاجتماعي .. إلخ[4].

ويتجسد التنمر المدرسي التقليدي في سلسلة من الأشكال منها؛ الضرب، دفع الشخص والإمساك به، الإيماءات العدوانية، التهديد، التحقير، استثارة الآخر والسخرية منه، إطلاق الأسماء القبيحة أو المضحكة على الضحية، وهناك أيضًا التجاهل، ونسج الحكايات والأكاذيب حول الضحية ... إلخ[5].

ولقد صنف سميث (Smith) التنمر المدرسي إلى أربعة أنماط رئيسة[6]:

أ- التنمر المدرسي الانفعالي: ويتضمن (التهديد، السب والقذف، السخرية، الإذلال، الاستبعاد من قبل الأقران، ترويج القصص والحوارات المزيفة المخزية عن الضحية).

ب- التنمر المدرسي البدني: ويتضمن (الدفع، الضرب، التحرش الجسدي العنيف، سرقة أو إخفاء الممتلكات الخاصة بالضحية كأدواته المدرسية).

ت- التنمر المدرسي الجنسي: ويتضمن (التعليقات المخجلة على الضحايا، التحرش الجنسي بهم).

ث- التنمر المدرسي العنصري: ويتضمن (الإيماءات العنصرية، وسبّ الضحايا بكلمات عنصرية، السخرية من انتماءاتهم الدينية أو الإثنية).

من خلال الطرح السابق، تؤكد الدراسة الراهنة على أن التنمر يشير إلى ممارسة فرد أو جماعة للسلوكيات غير المقبولة، تعبر عن ممارسات عدائية متكررة، من شأنها استبعاد الآخرين، والتقليل من شأنهم، ومكاناتهم وإهدار إنسانيتهم، ويمكن أن يتضمن التنمر الإساءات اللفظية، أو المكتوبة، أو التنابز بالألقاب، أو الاستبعاد من النشاطات الجماعية والمناسبات الاجتماعية، أو الإساءة الجسدية، أو الإكراه على فعل معين، على هذا الأساس فإن جوهر مفهوم التنمر هو إيذاء شخص آخر بطريقة ما، يعجز هو عن مواجهتها، نظرًا للتباين في القوة بين الشخص المتنمر، وشخص الضحية.

2. التنمر الإلكتروني:

تأكد من خلال عرض تعريفات التنمر المدرسي التقليدي، أن هناك عديدًا من الأطفال والمراهقين قد يتعرضون من خلال علاقاتهم بأقرانهم وزملائهم في المدرسة إلى صور من العدوان، ومع انتشار وسائل الاتصال الحديثة، وتواجد الأطفال والمراهقين والشباب على شبكة الإنترنت، وحيازاتهم للموبايلات، أصبح هناك أطفال قادرين على التحرش والتنمر على أقرانهم من خلال هذه الوسائل الاتصالية الحديثة، ويعبر هذا عن إعادة إنتاج ممارسة منحرفة تقليدية بأدوات جديدة، وبصور تختلف أحيانًا عن شكلها القديم.

وممّا لا شك فيه، أنّ الأطفال والشباب في هذا العصر يمتلكون قدرات عالية في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات وتطبيقات شبكة الإنترنت وأدواتها المختلفة، ويستطيعون عبر هذه القدرات تكيف التكنولوجيا الجديدة مع استخداماتهم ونشاطاتهم اليومية، ومع ذلك فإن ذكائهم التكنولوجي وقدراتهم ومهاراتهم المرتبطة بأن يكونوا (أون لاين) بدون الكثير من رقابة الآباء (الكبار) يمكن أن يؤدي إلى مخاطر مرتفعة، ومن هذه المخاطر؛ مشاهدة البورنو، التعرض للمخدرات الرقمية، والعنف والتنمر الإلكتروني[7].

ويعرف التنمر الإلكتروني بأنه "شكل من العدوان، يعتمد على استخدام وسائل الاتصال الحديثة وتطبيقات الإنترنت (الهواتف المحمولة، الحاسوب المحمول، كاميرات الفيديو، البريد الإلكتروني، صفحات الويب ...إلخ) في نشر منشورات (بوستات) أو تعليقات تسبب التنكيد للضحية، أو الترويج لأخبار كاذبة، أو إرسال رسائل إلكترونية للتحرش بالضحية، بهدف إرباكه وإصابته بحالة من التنكيد المعنوي والمادي"[8].

ويشير أحد الباحثين إلى أن التنمر الإلكتروني هو "أيّ سلوك يتم القيام به عبر الميديا الإلكترونية أو الرقمية، وذلك بقصد إيقاع الضرر بالآخرين وعدم راحتهم، واعتبر هذا الباحث التنمر الإلكتروني بمثابة امتداد للتنمر التقليدي"[9].

ولقد ميزت الدراسات بين سبعة أشكال مختلفة للتنمر الالكتروني، وذلك على النحو التالي[10]:

أ- الغضب الإلكتروني: ويشير إلى إرسال رسائل الكترونية غاضبة وخارجة عن شخص الضحية، إلى جماعة ما (أون لاين) أو إلى شخص الضحية نفسه، عبر البريد الإلكتروني، أو الرسائل النصية الأخرى، التي يمكن إرسالها عبر وسائل الاتصال الحديثة.

ب- التحرش الإلكتروني: ويشير إلى إرسال رسائل مهينة بشكل متكرر عبر البريد الإلكتروني إلى شخص أخر.

ت- الحوار الإلكتروني: وهو التحرش (أون لاين) ويتضمن التهديد بالأذى، والإفراط في الإهانة والقذف من خلال الحوار والمحادثات الافتراضية.

ث- التحقير الإلكتروني: وهو إرسال عبارات مهينة ومؤذية وغير حقيقية أو ظالمة عن شخص الضحية إلى الآخرين، أو عمل منشورات (بوستات) من مثل هذه المادة (أون لاين).

ج- التنكر: وهو تظاهر المتنمر بأنه شخص آخر، ويقوم بإرسال رسائل أو منشورات (بوستات) تجعل الآخر يبدو سيئًا.

ح- الفضح وانتهاك الخصوصية: وذلك من خلال إرسال أو طبع منشورات (بوستات) تشتمل على معلومات أو رسائل أو صور خاصة بالشخص.

خ- الإقصاء: وهو قيام المتنمر بكل المحاولات الممكنة لطرد الضحية من جماعة (الأون لاين) أو حذفه من مواقع التواصل الاجتماعي، وحثّ الآخرين على ذلك، دون وجود مبرر لذلك، سوى ممارسة القوة على الضحية والتنكيد عليه.

ومما سبق، يمكن التأكيد على أن التنمر الإلكتروني هو استخدام شبكة الإنترنت وأدوات الاتصال الحديثة في توجيه إساءة متعمدة ومتكررة للآخرين، وقد يتضمن ذلك إرسال رسائل إلكترونية مسيئة، أو صور وفيديوهات، تشتمل على صور من السب والإهانات التي تحط من شأن الآخرين وقدرهم، وتسبب لهم مقدار من الألم المعنوي أو المادي.

3. التنمر المدرسي التقليدي والتنمر الإلكتروني؛ تباينات وتقاطعات:

من المحقق عبر عديد من الدراسات، أن الإيذاء من خلال التنمر المدرسي والتنمر الإلكتروني، يمثل مشكلة عالمية منتشرة عبر دول ومجتمعات مختلفة، ويحمل تداعيات سلبية عديدة ومركبة، سواء من الناحية السيكولوجية أو الانفعالية أو الاجتماعية أو التعليمية على صحة كلًّا من المتنمر والضحية، ومما يزيد من خطورة هذه المشكلة ارتفاع معدلات الإيذاء بالتنمر، وتعدد صوره خلال السنوات القليلة الماضية.

والأطفال الذين يتعرضون للتنمر في المدرسة، قد يعانون من عدة آثار سلبية، تلقي بتداعياتها عليهم وعلى قدراتهم التحصيلية، ومن هذه الآثار؛ القلق، الميل إلى الوحدة، الإفراط في الخضوع، تنامي الشعور بالظلم، الخوف وفقدان الشعور بالأمان، إضافة إلى معاناتهم من مشكلات خارجية مثل؛ النشاط المفرط، التسرب من الدراسة، تكرار الغياب، ضعف التركيز، تدني مستويات التحصيل الدراسي. ومن المرجح أن هناك تقاطعات بين التنمر التقليدي والإلكتروني في هذه الآثار، حيث أن الأطفال الذين يتعرضون للتنمر الإلكتروني يعانون من نفس الآثار السلبية السابقة، وقد تزداد خطورة هذه الآثار مع التنمر الالكتروني؛ لأنه قد يحدث دون أن يكون معروفًا أو مرئيًّا من قبل المعلمين والآباء[11].

ويعتبر التنمر الإلكتروني شكلًا غير مباشر للتنمر المدرسي التقليدي، حيث أن المتنمر لا يتحرش بالضحية عبر التفاعل معه وجهًا لوجه، ولكن يتنمر عليه عبر شاشة الحاسب أو الهاتف المحمول، ومثل سلوكيات التنمر المدرسي يكون التنمر الإلكتروني عامًّا، ويشاهده بعض المعارف والأقران والغرباء، ولهذه الأسباب يرتبط التنمر المدرسي بالتنمر (أون لاين).

ويختلف التنمر الإلكتروني عن التنمر التقليدي وجهًا لوجه، حيث أنه يكون من الصعب الهروب منه، فطبيعته الإلكترونية تجعله يحدث بدون جذب انتباه المعلمين أو الآباء، وإذا تم إرسال المعلومات أو عمل منشور (بوست) على الويب، ربما يكون من الصعب على الضحية أن يمنعها أو يحذفها من كل المواقع التي ظهرت فيها.

ويعلق ماسون (Mason) على الطبيعة القاسية للتنمر الإلكتروني بقوله: "يمكن التحرش بالأفراد، حتى عندما لا يكونوا في المدرسة أو حولها" هنا وعلى العكس من أشكال التنمر التقليدي، لم يعد المنزل ملاذًا للابتعاد عن المتنمر[12].

ومن السمات المتفردة أيضًا للتنمر الإلكتروني؛ قدرة مرتكب التنمر على أن يكون غير معروف، وأن يقوم بالتنمر بعدد كبير من الأقران، وذلك بأقل مجهود وفي أي مكان وزمان خلال اليوم، وعبر التنمر الإلكتروني من الممكن للمتنمر أن يصل إلى جمهور (أون لاين) أكبر مما هو موجود في المجال المدرسي[13].

ثانياً: عوامل التنمر والاتجاهات النظرية المفسرة.

لقد دفعت التداعيات الخطيرة لكل من التنمر المدرسي والتنمر الإلكتروني، إلى تزايد الاهتمام برصد ووصف وتفسير التنمر وأسبابه، وظهر هذا الاهتمام في عدد من فروع العلوم الاجتماعية مثل؛ علم النفس وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، ولقد أنتج هذا الاهتمام تراثًا بحثيًّا متعددًا ومتعمقًا حول عوامل التنمر والاتجاهات النظرية المفسرة له.

1. عوامل التنمر ومحفزاته:

يرتبط وقوع التنمر المدرسي أو الإلكتروني بعدد من العوامل والمحفزات، ولقد تكررت عدد من العوامل عبر عديد من الدراسات، وذلك على النحو التالي:

أ- المناخ المدرسي:

أكدت عدد من الدراسات على ارتباط المناخ المدرسي، وعلاقة الطفل بالمدرسة والمعلمين بكلّ من التنمر التقليدي والإلكتروني، ويعرف المناخ المدرسي بأنه: "المعتقدات غير المكتوبة والقيم والاتجاهات والأطر الثقافية، التي تحكم أسس التفاعل بين الطلاب وبعضهم البعض من ناحية، وبينهم وبين والمدرسة والمعلمين والإدارة من ناحية ثانية، ويعتبر المناخ المدرسي بمثابة المستوى السياقي للرابطة المدرسية، بينما الرابطة المدرسية هي بمثابة ارتباط انفعالي وعاطفي للطفل بالمدرسة، وبمعني آخر درجة إحساس الطفل بالانتماء للمدرسة التي يرتادها"[14].

ويمكن التأكيد في هذا السياق على أن ضعف المناخ المدرسي (ومؤشراته؛ ضعف إحساس الطالب بالانتماء للمدرسة، تدهور مستويات الاحترام المتبادل بين الطلاب وبعضهم البعض وبين مختلف مكونات المدرسة، سوء المعاملة وغياب العدالة ... إلخ)، يرتبط بالإيذاء بالتنمر التقليدي والإلكتروني، ومن المحتمل أن المناخات المدرسية السلبية سوف تزيد أيضًا من انتشار حالات الإيذاء بالتنمر بين طلاب المدارس.

ولقد ربطت عدد من الدراسات بين البيئة المدرسية البعيدة عن الإنترنت والخبرة المدرسية بسلوك التنمر بواسطة الإنترنت والهاتف المحمول، وهناك من قال: "ما يحدث بين الطلاب بواسطة الأجهزة الإلكترونية يمكن أن يؤثّر على ما يحدث في المدرسة (بعيدًا عن الإنترنت) وما يحدث في المدرسة يمكن أن يؤثر على طبيعة ومحتوى التفاعلات الطلابية عندما يكونوا (أون لاين) خارج المدرسة" وهذا الرأي لا يؤشر على وجود علاقة بين التنمر المدرسي والتقليدي والتنمر الإلكتروني، ولكن يؤشر أيضًا على أن خبرة الطفل المدرسية، يمكن أن توفر الأساس، وتتأثر بواسطة، لكلا من التنمر التقليدي والإلكتروني[15].

ب- جماعة الأقران والعوامل الفردية:

تؤثر جماعة الأقران على تعرض الطفل للتنمر؛ من خلال نوعية العلاقات بين جماعة الأقران وسماتهم الفردية، ورفض الأقران وكراهيتهم، ترتبط أيضًا بالتعرض للتنمر، وكذلك الدعم السلبي من الأقران، ومن النتائج المؤكدة أن الارتباط بالأقران أصحاب الممارسات اللاجتماعية يمكن أن تزيد من فرص العنف والسلوك اللاجتماعي، ويمكن أن يصبح الأقران في المجتمع الافتراضي متفرجين أيضًا على التنمر الإلكتروني، ويتشابه ذلك مع ما يحدث بعيدًا عن الإنترنت في المجتمع الواقعي، وتؤدي هذه التفاعلات السلبية بين الأقران إلى زيادة مستويات التنمر الإلكتروني؛ وذلك من خلال تنمية الثقافة الجماعية التي تكافئ السلوك المتنمر[16].

ت- العوامل الأسرية:

تشكل العوامل الأسرية مجموعة متنوعة من الممارسات والسلوكيات التي تؤثر على خبرات الطفل، بما في ذلك مدى تعرضه للتنمر؛ فالأطفال الذين يعيشون في سياقات منزلية تتسم بالعنف والصراع والمادي، ويتم معاملتهم على نحو سيئ، يزداد احتمال تعرضهم للتنمر، وأيضًا حياة الطفل مع والدين يعانون من اضطرابات على أي مستوى، قد يؤدي إلى تعرض الطفل للتنمر في المدرسة، وتوضح الدراسات أن معرفة الآباء بالمناقشات والحوارات الخاصة بأبنائهم على الإنترنت، ترتبط بتدني فرص تعرض الأبناء للإيذاء بالتنمر الإلكتروني[17].

2. الاتجاهات النظرية المفسرة للتنمر:

يتضمّن التراث البحثي الذي اهتم بتفسير ظاهرة التنمر في عدد من المجتمعات، الاعتماد على عدد من الرؤى والاتجاهات النظرية، ومن هذه الاتجاهات النظرية نظريتين أساسيتين هما:

أ- نظرية الرتب الاجتماعية وممارسة القوة:

تفترض هذه النظرية أن جماعة الأقران عبارة عن بنية هيراركية، يستخدم من خلالها بعض الأقران العدوان ضد عدد من أقرانهم بهدف السيطرة عليهم وممارسة القوة، والوصول إلى الرتبة والمكانة الاجتماعية بين جماعة الأقران، وحيازة أكبر رصيد من القوة، والوصول للموارد المتاحة، وعندما يخضع الأقران لهذه السيطرة بواسطة الخوف الشديد أو الهروب أو البكاء، يتم فرض القوة عليهم والتحكم فيهم، وقد يستمر هذا لفترات طويلة، حيث أن الضحية لا تمتلك رصيد القوة أو المكانة الاجتماعية التي تمكنها من المقاومة أو الدفاع عن نفسها[18].

ب- نظرية الضغوط العامة:

تفسر نظرية الضغوط العامة (General Strain Theory) عمليات الانحراف وخرق القانون، من خلال القوى والدوافع الكامنة في البناء الاجتماعي، أو من خلال الاستجابة للحوادث والظروف البنائية، التي تعمل كضغوط أو مقلقات، خاصة عندما لا تتاح للأفراد الفرصة لتحقيق أهدافهم المقبولة اجتماعيًّا، ولا تتوقف مصادر الضغوط على الإحباط الذي يعيشه الفرد عندما تسد أمامه الطرق لتحقيق هدف ما، وإنما تتضمن أيضًا المشاعر السلبية التي تحدث في المواقف الاجتماعية المتنوعة[19].

وبالرغم من أن وقوع الفرد ضحية للتنمر يكون متوافقًا مع المفهوم الواسع لنظرية الضغوط العامة، إلّا أنّ الاهتمام بذلك ظهر من وصف أجنيو Agnew)) لنظرية الضغوط العامة، والذي حدّد فيه أن الضغوط تكون سببًا من أسباب الجريمة، وهناك أربعة شروط تصف هذه الضغوط التي تتلازم مع ما يأتي نتيجة لها، مثال التنمر، وهذه الشروط هي:

- يجب إدراكها على أنها غير عادلة (لأن التنمر ينتهك في الغالب معايير العدالة الأساسية للإنسانية).

- يجب إدراكها على أنها كبيرة الحجم والتأثير (فالعلاقات بين الأقران تكون محورية وذات أهمية وتأثير في حيوات المراهقين).

- يجب عدم ربطها بالضبط الاجتماعي التقليدي (لأن التنمر سوف يحدث بعيدًا عن سلطة الآباء والمعلمين).

- يجب أن تعرض السبب الضاغط على الآخرين والمتنمرين أنفسهم، والذين يكونون نماذج للسلوك العدواني.

خاتمة:

الأطفال والمراهقون في عصرنا الراهن هم بحق جيل "الإنترنت والهاتف المحمول" فهم يمتلكون القدرات والمهارات التي تمكنهم من التفاعل والتآلف الاجتماعي وبناء الهوية الرقمية، ويستطيعون قضاء جزء كبير من وقتهم داخل العالم الافتراضي بلا كلل أو ملل.

ومن المؤكد أن الإنترنت وكافة وسائل الاتصال الحديثة وتطبيقاتها المختلفة يمكن أن تستخدم بشكل إيجابي ومثمر، ويمكن أن تستخدم بشكل سلبي ومنحرف، ولهذا تعددت صور الانحراف التي ظهرت من خلال هذه الثورة الاتصالية، سواء من خلال ظهور ممارسات منحرفة جديدة، أو إعادة إنتاج صور وممارسات منحرفة قديمة، من خلال الأدوات التي وفرتها ثورة الاتصال والمعلومات، ولعل التنمر الإلكتروني من الممارسات المنحرفة التي ظهرت وبرزت من خلال التعاطي السلبي لبعض الأطفال والمراهقين مع أدوات التواصل الحديثة، ولقد أصبح التنمر الالكتروني مشكلة مركبة، أثارت قلق عديد من المجتمعات، نظرًا لتزايد حجم انتشار التنمر الإلكتروني بين أطفالها، وتعدد صورة، وخطورة تداعياته، ولهذا كان يجب الوقوف عند ظاهرة التنمر الإلكتروني، والكشف عن طبيعتها وسماتها، وذلك بهدف تزويد أصحاب الشأن بالمعرفة التي تمكنهم من مواجهة هذه المشكلة التي يمكن أن تهدد مستقبل أطفالنا في العالم العربي، خاصة أن المجتمع العربي يعاني من نقص حقيقي في المعرفة بهذه المشكلة ومدي تجسدها في الواقع ومعدلات انتشارها، وذلك بعكس المجتمعات الغربية التي تشهد اهتمام واسع وحقيق بهذه المشكلة، ويمتلكون عدد من المسوح العلمية الواسعة التي رصدت أبعاد هذه المشكلة وتطورها في واقعهم، ووضعوا استراتيجيات وطرق لمواجهتها.

وبالإضافة لذلك، يجب على الآباء والمعلمين في بلادنا الانتباه إلى هذه الممارسة، ومحاولة التركيز على إكساب الطلاب ثقافة الاستخدام الآمن للإنترنت، وتوجيهم إلى خطورة أن يقوم بعضهم باستهداف أقرانهم بالرسائل الإلكترونية المسيئة، وما يترتب على هذه الرسائل من تداعيات نفسية واجتماعية وتربوية خطيرة، يمكن أن تصل إلى تدمير البنية النفسية لمن يقع ضحية هذه الرسائل.


[1] حنان أسعد خوج، التنمر المدرسي وعلاقته بالمهارات الاجتماعية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية بمدينة جدة، مجلة العلوم التربوية والنفسية، المجلد (13)، العدد (4)، ديسمبر 2012م، ص 191

[2] Tanya Beran and Qing Li, The Relationship between Cyberbullying and School Bullying, Journal of Student Wellbeing, December 2007, Vol. 1(2), p p. 16- 17

[3] Sheryl A. Hemphill, PhD, and others, Predictors of Traditional and Cyber-Bullying Victimization: A Longitudinal Study of Australian Secondary School Students, Journal of Interpersonal Violence, Vol. 30(15), 2015, p. 2568

[4] حنان أسعد خوج، التنمر المدرسي وعلاقته بالمهارات الاجتماعية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية بمدينة جدة، مرجع سابق، ص 193

[5] Tanya Beran and Qing Li, The Relationship between Cyberbullying and School Bullying, Op. Cit, p. 17

[6] حنان أسعد خوج، التنمر المدرسي وعلاقته بالمهارات الاجتماعية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية بمدينة جدة، مرجع سابق، ص ص 193-194

[7] Patricia W. Agatston, and others, Students’ Perspectives on Cyber Bullying, Journal of Adolescent Health, December 2007, p. 41

[8] Tanya Beran and Qing Li, The Relationship between Cyberbullying and School Bullying, Op. Cit, p. 17

[9] Sheryl A. Hemphill, PhD, and others, Predictors of Traditional and Cyber-Bullying Victimization: A Longitudinal Study of Australian Secondary School Students, Op. Cit, p.p 2568-2569

[10] انظر في ذلك:

Tanya Beran and Qing Li, The Relationship between Cyberbullying and School Bullying, Op. Cit, p.p 17-18

[11] Ibid, p. 19

[12] Carter Hay, and others, Traditional Bullying, Cyber Bullying, and Deviance: A General Strain Theory Approach, Journal of Contemporary Criminal Justice, Vol. 26(2), 2010, p. 133

[13] Sheryl A. Hemphill, PhD, and others, Predictors of Traditional and Cyber-Bullying Victimization: A Longitudinal Study of Australian Secondary School Students, Op. Cit, p 2569

[14] Sara Pabian, Heidi Vandebosch, Short-term longitudinal relationships between adolescents’ (cyber)bullying perpetration and bonding to school and teachers, International Journal of Behavioral Development, 2016, Vol. 40(2), p. 163

[15] Ibid, p. 163

[16] Sheryl A. Hemphill, PhD, and others, Predictors of Traditional and Cyber-Bullying Victimization: A Longitudinal Study of Australian Secondary School Students, Op. Cit, p 2570

[17] Ibid. p. 2570

[18] Tanya Beran and Qing Li, The Relationship between Cyberbullying and School Bullying, Op. Cit, p. 18

[19] عبد الرحمن السميري، اتجاهات المحكومين نحو نظام العدالة الجنائية في المملكة العربية السعودية، رسالة دكتوراه، غير منشورة، جامعة مؤتة، 2009م، ص ص 35-36

Carter Hay, and others, Traditional Bullying, Cyber Bullying, and Deviance: A General Strain Theory Approach, Op. Cit, P. 132