الأنسنة الجديدة واللّاعنف

فئة :  أبحاث عامة

الأنسنة الجديدة واللّاعنف

الملخّص:

يعاني العالم المعاصر اليوم من تعدّد الوضعيّات المهدّدة لوجوده نظراً للتحوّلات العلميّة والتقنيّة. وهذا الوضع تتداخل فيه مجموعة من الآليّات والمكوّنات الظاهرة والخفيّة التي تمسّ الوجود الإنساني مباشرة، لكونه أصبح مبرمجاً وموجّهاً بأساليب خفيّة وغير مرئيّة، لكنّها تشتغل وفق استراتيجيّة تسويقيّة ونفعيّة.

ويتميز الوضع البشري في هذا المجتمع المعولم بالارتجاج والعرضيّة واللّاطمئنان، إنّه وضع ممتلئ لانتشار ثقافة الخوف والعنف وبالتالي القتل، وذلك نظراً لأنواع الصراع وتلويناته بين الأفراد والجماعات، وهو صراع يحمل في طيّاته رغبة في السيطرة على الآخر، بالتحكّم في وجوده وممارساته. وأعلى مستويات هذا الارتجاج هي تلك الوضعيّات مجسّدة في الخلاف والصدام المؤديين إلى الإقصاء والتهميش...والمشترك بين هذه الممارسات هو فعل واحد، وهو الممثل في العنف، الذي يتخذ تلوينات متعدّدة إمّا مباشر أو غير مباشر، إمّا مادي أو رمزي. فما العنف إذن وما أشكاله؟ وبأي معنى يمكن تجنّب مآسيه أو خرابه المدمّر؟ هل هو نتيجة طغيان سلطة المعرفة بمعناها المنغلق؟ وأيّ حقل من الحقول المعرفيّة يمكن اعتباره مدخلاً وأرضاً لتخطّي العنف إلى مضادّه الذي هو اللّاعنف؟

ما ينبغي التأكيد عليه هو أنَّ العنف يلتقي ومعاني الرفض والإقصاء والنبذ، واللّاعنف يعادل التسامح والتعاون والرحمة، وبهذه المعاني يكون اللّاعنف متجذراً ومتأصلاً في التجارب الروحيّة، وبالتالي الصوفيّة بأشكالها المتعدّدة، فهناك مجالات متعدّدة يتمّ فيها ممارسة العنف أو رفضه، والأكثر شيوعاً هما حقلا الدين والسياسة.

إنَّ العنف هو نظرة عدائيّة للذات والآخر، فهو خالٍ من تجربة الشعور بوجود الآخر، وتبخيس لمكانته في الوجود، فهل تجاوز قهريّة العنف اليوم يتطلب إعادة التفكير في حقيقة الإنسان كائناً قادراً على التعايش مع الآخر وعلى التآزر، أي كائناً يعيش وفق روابط التواصل القربي بالآخر؟ وهل هذا التواصل القربي يستدعي تربية روحيّة متجذرة في التجارب الصوفيّة، كما هو الأمر في الروحانيّة الإسلاميّة والشرقيّة (البوذيّة والطاويّة)؟... إنَّ الإنسان في هذه التجارب الروحيّة هو ذلك الشخص الذي ينتظر باستمرار ذلك النور الآتي من الآخر لاستكمال وجوده (كماله). إنَّه إنسان باحث عن الاستنارة، ويسعى إلى نشرها من أجل محاربة العنف السائد بين الأفراد والجماعات، واستبدال ذلك بالتلطيف الوجودي. ولهذا فاسم اللطيف مكانة وجوديّة، لأنَّ له دوراً أساسيّاً متمثلاً في القوّة على التحوّل والتبدل من حال إلى حال من مقام إلى آخر، خارج أيّ تمركز أو تأكيد هووي (هويّة).

إنَّ العنف كأعلى أشكال الإقصاء والرفض والنبذ والاستعباد لا يخدم سوى الإيديولوجيا (الكليانيّة) الشموليّة بتمركزه على فكرة التعصّب، وفي الخبرة الصوفيّة يعني الإنسان نوعاً من الدراما الوجوديّة، وهو ما يجعله ممارساً للعنف تجاه ذاته، وذلك برغبته في التسامي بكينونته، بحثاً عن هويّته الإلهيّة المتعالية، الأجمل والأفضل والأكمل. إنَّ الغرض العرفاني من فكرة التسامي بالذات الإنسانيّة هو تحيين للحقانيّة الإلهيّة في العالم (الحضور- التجلّي). وكما يقول "أبو مدين": "ما رأيت شيئاً، إلّا رأيت الباء فوقه"، إنَّها رؤية الله في كلّ شيء. ويشترط هذا الحضور توسيعاً للذات القابلة (المتلقية)، تلك هي الأنسنة الممكنة اليوم، والأقوى على مواجهة قهريّة العنف باتساعها، المخالف لإنسيّة الحداثة الأداتيّة المتمركزة حول العقل وحده، بينما الإنسيّة الجديدة منفتحة وجامعة بين العقل والشعور. ومن خلالها يمكن تأسيس ما يسميه "جيوسيبي جاستالوني" بالحوار البين إنساني والبين ديني، فهل بهذا الحوار المزدوج يمكن تخطي العنف إلى اللّاعنف؟ وفي تاريخ التجارب الروحيّة الصوفيّة، هناك مديح لهذه الأعماق الوجدانيّة للإنسان، كما هو الأمر في تجربة غاندي في مواجهته للمستعمر الإنجليزي، وتجربة الأمير عبد القادر الجزائري في حماية المسيحيين؛ فهل اللّاعنف اليوم بمعانيه المتعدّدة، كتسامح وتآزر وتعاون وتضامن... هو المسلك الممكن لإخراج البشريّة من ويلاتها ومآسيها؟ ألا يتطلب هذا عودة مستمرّة إلى التجارب الصوفيّة، لتجسيد ما هو جميل وخير؟

للاطلاع على البحث كاملا المرجو  الضغط هنا