الإرهاب المدنّس

فئة :  مقالات

الإرهاب المدنّس

كثيرًا ما تتّجه مقاربات العنف المبرَّر بالخطاب الدّينيّ إلى إدانة الحركات الأصوليّة الّتي أشهرت أشكالًا من القتل والتّعذيب والتوحّش، مثّلت صدمة للرّأي العامّ العالميّ، وقدّمت صورة قاتمة عن المرجعيّة الإسلاميّة الّتي برّرت بها تلك الجماعات عنفها[1]، وغالبًا ما يقع أصحاب تلك المقاربات في تعميم أحكامهم، لتصير عامّة تشمل الإسلام بصيغة الإطلاق وجميع المسلمين، بالمقابل، شاعت المقاربات الّتي اعتمدت منهج المقارنة، وحاولت إظهار العنف طبيعة إنسانيّة لا يُدان به الدّين الإسلاميّ؛ إنّما تشترك في تشريعه كلّ الأديان السّماويّة[2]؛ بل إنّ الحداثة ذاتها متّهمة بأنّها وفّرت أسلحة دمار شامل، وطرائق أكثر ذكاء في الفتك بالبشر، وما الحروب العالميّة والإقليميّة - الّتي حدثت في القرن الماضي - إلّا أدلّة قاطعة على انتشار هذا العنف وتعقّد أساليبه، فهل تكون تلك المقاربات تبريرًا لظاهرة العنف، وتأكيدًا على حتميّة قتل الإنسان لأخيه الإنسان، وتحويل التوحّش إلى حقيقة بديهيّة يقبلها البشر صاغرين وكأنّها حكم الطّبيعة؟ ألم تكشف التّجارب الإنسانيّة وجود وجوه أخرى للعلاقات بين البشر أساسها التّعايش والتّسامح وقبول الاختلاف؟ فعلى قدر ما قدّمته تلك المقاربات من عيّنات تحاول إظهار البشر عنيفين، فإنّ مقاربات أخرى تؤكّد أنّ البشر كانوا - في كثير من مجالات التّعامل الإنسانيّ - متسامحين ومتعاونين.

لقد كان سلوك الإنسان البدائيّ أقرب إلى الحيوانيّة، لذلك؛ فلا غرابة أن تروي قصص الخلق الأولى حكاية قتل الأخ لأخيه، لكن ليس معنى الأرضيّة الميثولوجيّة للعنف أنّه شرّ لا بدّ منه؛ فقد تمكّن البشر من تأسيس وجودهم دون عنف، وما الوعي البشريّ الّذي يَطمح إلى استكمال إنسانيّة الإنسان، سوى تأكيد على أنّ مقاصد البشر صارت التّعايش والتّسامح بدل الكراهيّة والاقتتال، فقد ازدادت الإنسانيّة يقينًا - بعد أن خاضت الحربين العالميّتين - أنّ العنف يمكن أن يهدّدها بنهاية وشيكة، فكيف يمكن أن نفكّك بنية العنف ونفسّر حضوره المتواتر باسم الدّين؟ وما مدى صحّة القول بوجود عنف مقدّس؟

1 - العنف ومثلّث الرغبة:

لا شكّ في أنّ العناصر الثّلاثة الّتي يقوم عليها العنف - وهي: الرّاغب والمرغوب فيه والمنافس - هي التي يمكن أن تفسّر - إلى حدّ كبير - التبادل العنفيّ الّذي تبرّره المحاكاة[3]؛ فمثلّث الرّغبة يمكن أن يقدّم لنا بعض الوسائل المنهجيّة لتفكيك مفهوم العنف الدّينيّ، الّذي بدأ صداه العالميّ يثير اهتمام البشر مع هجمات تنظيم القاعدة على الولايات المتّحدة الأمريكيّة يوم 11 أيلول 2001، وبلغ ذروته مع وصول تنظيم "داعش" إلى تأسيس دولة تمتدّ على رقعة جغرافيّة تتجاوز مساحة بريطانيا العظمى.

فما هو محور الرّغبة الّذي يمكن أن يبرّر كلّ هذا العنف؟ ومن المنافس الفعليّ على المرغوب فيه؟ وهل يمكن القول: إنّ الغاية تبرّر الوسيلة العنيفة؟

تعدّ السّلطة المحور الأساسيّ الّذي يحرّك العنف في جميع اتّجاهاته، ومن البديهيّ القول: إنّ للسّلطة وجوهًا سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ورمزيّة، ولئن وجد الكثير من الدّاعين إلى العنف باعتماد الخطاب الدّينيّ مبرّرات وسمّوها بالمقدّسة، وحاولوا شرعنتها بالإرادة الإلهيّة وبجميع المسمّيات الدّينيّة الّتي وظّفوها؛ كالكتاب والسّنّة وسيرة السّلف الصّالح وشريعة الله، وذلك لا يمكن أن يحجب عنّا المقاصد السّلطويّة الّتي يهدفون إلى تحقيقها، وهم يستعيدون الأسس النّظريّة للإسلام السّياسيّ والدّعوات التّاريخيّة إلى تأسيس دولة الإسلام.

فكيف وجد الرّاغبون في السّلطة الظّروف الملائمة للبدء في تنفيذ مشاريعهم؟

لعلّ أهمّ ما يمكن أن يمهّد الطّريق أمام التّنظيمات الإرهابيّة، سقوط أجهزة الدّولة أو إضعافها؛ إذ تظلّ حركة تلك التّنظيمات محدودة وهامشيّة في ظلّ وجود سلطة مركزيّة قويّة، لها أجهزتها الأمنيّة والعسكريّة المتماسكة، وإنّه مهما تمكّنت تلك التّنظيمات من تنفيذ عمليّات تفجيريّة في دول تحافظ على تماسك بنيتها السّلطويّة، فهي تظلّ حركات عنف هامشيّ لا تستطيع تحقيق الحدّ الأدنى من أهدافها السّلطويّة المضمرة أو المعلنة؛ بل إنّ آثار ذلك العنف تظلّ دومًا مرتبطة بردود الأفعال الدّوليّة، الّتي كثيرًا ما تسارع إلى إدانة الإسلام بدل إدانة المذنبين، لذلك؛ لم ترتق تلك الحركات إلى مستوى التّنظيم أو "الدّولة"، إلّا في ظلّ انهيار أنظمة ووجود فراغ سلطويّ، ذلك ما حدث في العراق؛ حيث كان سقوط النّظام ميدانًا خصبًا لفتح الحدود، كي تكون ممرّات آمنة للسّلاح، ومكّن دعاة التّنظيم من العمل بحرّيّة فوضويّة تمنح أعداء الحرّيّة حقّ نشر ثقافتهم الدّاعية إلى العنف والكراهيّة والإقصاء، وقد وجد هؤلاء الدّعاة أرضيّة دينيّة خصبة في ظلّ توقّف علماء الدّين الرّسميّين عن أداء وظائفهم التقليديّة، المتمثّلة في جعل الخطاب الدّينيّ يمنح الشرعيّة للحاكم، بعد أن لحقت بهم لعنة أولياء أمرهم من الحكّام الّذين أُزيحوا عن السّلطة.

أمّا المنافس؛ فقد تحوّل من العدوّ الأمريكيّ الّذي احتلّ العراق وحاول تعويض الفراغ السّلطويّ، إلى الأخ/ العدوّ من الشّيعة، ورغم ما يضفيه زعماء التنظيمات العنيفة على هذا التحوّل من تبريرات دينيّة أو استراتيجيّة، أساسها جعل الحرب الدّاخليّة ضدّ من - عدّوا - بغاة مقدَّمَة على محاربة العدوّ الخارجيّ؛ فإنّه يؤكّد وجود عناصر خارجيّة: إسلاميّة أو غربيّة، تتدخّل دومًا في توجيه الحروب وتنظيم الأولويّات في القتال، ولعلّها لا ترتبط بقرارات القادة المؤسّسين بقدر ما ترتبط بالأطراف الدّاعمة، الًتي تجد مصلحة في إزاحة خصوم من ساحات التّنافس العقديّ والاقتصاديّ.

إنّ هؤلاء الأعداء هم الأقدر على اكتساب شرعيّة الزّعامة والاستيلاء على الخيرات الرّمزيّة للإسلام، بينما يظلّ العدوّ الخارجيّ معتديًا - مهما شرّع غزوه بالدّفاع عن الحرّية - وغير قادر على الاستيلاء الرّمزيّ على الخيرات العقديّة والأماكن المقدّسة، لذلك؛ خاض تنظيم "داعش" حروبًا ضدّ الشّيعة في العراق، أو "ضدّ الجماعات المسلّحة المنافسة له، مثل: جبهة النصرة - والجبهة الإسلاميّة - والجيش الحرّ، وكان يرى أنّ حماية ظهره، وتمهيد الأرض، وترسيخ الأقدام مقدّمات واجبة قبل الدّخول في مواجهة مع النّظام السّوريّ"[4]، ونتيجة لهذا الاختيار؛ فقد كان تنظيم داعش تنظيمًا طائفيًّا تأسّس على أرضيّة انهيار النّظام العراقيّ، ووجد في الأوضاع السّياسيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة عوامل مساعدة لتوسيع دائرة نفوذه، وإقناع أعداد كبيرة من الشّباب بالانضمام إليه، "لقد نجح تنظيم داعش - حقًّا - في استثمار فشل النّظام السّياسيّ، لكنّ ذلك لا يجعل منه قبلة التّطلّعات السّنّيّة، فغزو العراق واحتلاله اللّذان قادتهما الولايات المتّحدة الأمريكيّة، إلى جانب الحرب الأهليّة السوريّة كانتا اللّحظة المناسبة لصعود شعور بهويّة سنّيّة شاملة في البلدين والمنطقة عمومًا"[5].

الخطاب الدّاعشيّ ظاهرُهُ دينيّ يتمثّل في الدّفاع عن شريعة الله في وجه البغاة والطّواغيت، وتطبيق لأحكامه الّتي قد تختزل في اضطهاد النّساء وقهر الرّجال، وحملهم على سلوك اجتماعيّ ودينيّ محدَّدٍ قد لا يفرض على السّجناء في زنزاناتهم، وتحويلهم إلى قنابل موقوته أو مقاتلين عنيفين يتفنّنون في قطع الرّقاب وتنفيذ الأحكام، أمّا باطنه؛ فسعي وراء السّلطة السّياسيّة والغنائم المادّيّة، وليس الوضع في الرّقّة أو الموصل أو سائر المناطق الّتي استولى عليها تنظيم داعش سوى شاهد يؤكّد هذه الحقيقة.

قد لا يتصوّر المنتمون إلى التّنظيم وزعماء الحركات الّتي تتبنّى الاختيار العنيف الإسلام بغير حلُّة سلطويّة، فليس في متخيّلهم إسلام حرّ لا ترعاه أيدي المتسلّطين، لذلك يبحثون - دومًا - عن خصم يضمن لهم شرعيّة دينيّة، ويبرّر عنفهم، فهو المنافس الذي لا بدّ منه، وهو حامل صفة الكافر دومًا، لكنّه - في الحقيقة - خصم سياسيّ يقف عثرة في طريق السّلطة.

وقد تجد تلك التنظيمات في اندفاع الشّباب وحماستهم الدّينيّة وقودًا لأعمالها التّفجيريّة، تغذّيه الخطب الحماسيّة لدعاة الجهاد، أو المواقع الإلكترونيّة الّتي باتت وسيلة فعّالة لاستقطاب المقاتلين وهجرة الحالمين بدولة الخلافة وشريعة الإسلام، لكنّ أزمتها الحقيقيّة ليست في إدارة العنف الّذي قد يجعل ميليشيات من المقاتلين تنجح في هزم جيوش منظّمة وقويّة؛ إنّما في إدارة الدّولة وتحقيق طموح إنسانيّ متجدّد إلى الحرّيّة واحترام حقوق الإنسان، فهي - في النّهاية - مشروعات أنظمة فاشيّة، تصادر حقوق الأحزاب الأخرى والمجتمع المدنيّ والأفراد في النقد والمشاركة البنّاءة في تسيير شؤون الدّولة.

إنّ كلّ مشروع يؤسّس على احتكار السّلطة ومصادرة حقّ الآخرين في العيش والتّفكير والحرّيّة، هو مشروع استبداديّ يدّعي أصحابه إصلاح وضع سياسيّ قائم على الدّكتاتوريّة وعداء الإسلام، ويعد بدولة إلهيّة عادلة، ويشرّع في الحقيقة لدولة أكثر استبدادًا؛ إذ يبدو الخطر الكبير فيه أنّه يدّعي لنفسه المرجعيّة الإلهيّة المقدّسة، لذلك؛ فهو يصف كلّ مختلف عنه بالكفر والشّيطنة، وإن كان ذلك الاختلاف جزئيًّا، وتلك - لعمري - أسوأ أنواع الدّكتاتوريّة في التّاريخ، فهي اندماج بين صورة الإنسان والإله من حيث تصوّر الحكّام أنهم يطبّقون شرعه، ولا غرابة في أن يكون أعداء الحاكم باسم الله هم أعداء الله؛ إذ لا يمكن لشعارات المقدّس أن تحجب المقاصد السّلطويّة والعنف الإنسانيّ المتستّر بإرادة الإله.

2 - كيف نفكّك العنف المدنّس؟

قد يبدو من الصعب تحديد معنى العنف المدنّس في ظلّ اختلاف وجهات النّظر، لكن يمكن أن تتوافق الإنسانيّة حول قيم مشتركة أساسها التّعايش السّلميّ والاحترام المتبادل لحقّ الإنسان في الحياة، إنّه العنف الّذي يتّجه إلى أطراف غير منافسة، اعتمادًا على مغالطة إيديولوجيّة أساسها الإيهام بعداوته وبأنّه الطّرف المعنيّ بالعنف، من ذلك - مثلًا - الإقناع بأنّ تفجير المدنيّين العزّل في الأسواق أو في المزارات الدينيّة أو المساجد، هو مواجهة للمنافس الّذي يمكن أن يعيق سعي الجماعات المسلحة نحو السّلطة.

إنّ المغالطة الكبرى الّتي يؤسّس عليها العنف المدنّس؛ هي محاسبة النّاس على ما اكتسبوه من ثقافة دينيّة وبيئة تربويّة، حدّدت مسارات اعتقادهم ووجّهت رؤيتهم المذهبيّة، وهم لا يمثّلون السّاسة؛ إنّما يمارسون سلوكًا مدنيًّا اكتسبوه بحكم العادة والانتماء الاجتماعيّ، ذلك أنّ سلوك محاسبة السّنّيّ على سنّيّته أو الشّيعيّ على تشيّعه، باعتماد وسائل العنف الهمجيّ، هو تعبير عن عنف غير منظّم أهدافه غير إنسانيّة؛ إذ كيف يضع المنتمون إلى مذهب من المذاهب الدّينيّة هدفًا أساسه إبادة فرقة منافسة على الخيرات المادّية والرّمزيّة، وذلك المقصد مستحيل التحقّق؛ إذ مهما بلغت حدّة العمليّات التّفجيريّة وتضاعفت أعداد القتلى؛ فإنّ ذلك لن يؤدّي - حتمًا - إلى زوال مذهب المقتولين وسيادة مذهب المنتصرين.

إنّ فكرة أعداء الله بدورها تقوم على مغالطة مركّبة؛ فكيف يمكن أن نتصوّر جماعة تنطق باسم الله وتحتكر الحقيقة الدّينيّة، والحال أنّ سمة الإنسان، هي: التّعدّد والتنوّع والاختلاف، ولو كانت حكمة الخلق في التّماثل لخلق الإنسان كالحيوان، وقد ركّبت غرائزه وتحدّدت نوازعه وميولاته، فمقاصد هذه الجماعات: هي تحويل الإنسان إلى كائن فاقد لحقّ الاختيار سُطّرت مسارات حياته مسبقًا، وما عليه سوى الائتمار بأمر دعاتها والانضباط لتأويلهم دون اعتراض، ويفضي هذا الوهم إلى حلقة مفرغة من العنف المحاكي، فمثلما يتّخذ فريق من المقاتلين لنفسه مبرّرات دينيّة لقتل الآخرين أو التّنكيل بهم، فإنّ ذلك لن يمنع فرقًا أخرى من أن تعتمد نفس السّلاح، لذلك؛ فإنّ خطورة المحاكاة لا تقتصر على مجرّد تبرير العنف، إنّما تحويل مفهوم المقدّس إلى أداة لتبرير القتل المدنّس.

فالأكيد؛ أن الحياة هي الغاية الأسمى الّتي قام عليها الفكر الأسطوريّ؛ إذ اعتمد الإنسان الأساطير ليواجه المخاطر الّتي اعترضته، ولم يجد لها تفسيرًا وتبريرًا، و"إذا أشكلت عليه آنيّة أحاسيسه، أدرك أنّ هناك مشاكل تتعدّى الظواهر المجرّدة، لقد أحسّ بمشكلة الأصل ومشكلة الغاية - غاية الوجود - وأدرك أنّ هناك نظامًا للعدل لا تراه العين، ترعاه عاداته وأعرافه وتقاليده، وقرن هذا النّظام المحجوب بالنّظام المرئيّ، بما فيه من تعاقب اللّيل والنّهار، والفصول والسّنين"[6]، وكانت الغاية الّتي ينشدها من وراء ذلك؛ تحقيق توازن وبناء كون متماسك، وظهرت الأديان لتكمّل هذا الدّور، وتعطي الحياة معنىً بفتح آفاق ما بعد عالم المو،. فجوهر الأديان التوحيديّة؛ تمديد الحياة، وبعث الأمل في وجود دائم لا يبلى، إنّه الأمل في فراديس الجنان والجزاء والعيش في نعم الخلود، تلك القوّة السّحريّة - الّتي منحت المقدّس طاقته المتجدّدة - ولّدت الحلم الإنسانيّ بالنّعيم الأبديّ، وصار الوثوق في حياة أخرى يبعث فيها الإنسان، ويحقّق ما لم يستطع تحقيقه في الحياة الدنيا، إنّها قوّة الرّمز الّذي مكّن الإنسان من قهر الزّمن، وما التّشريعات الّتي قدّمتها الأديان شرطًا لنيل الجزاء وتجنّب العقاب، سوى وسيلة لتنظيم حياة البشر، وتجاوز حالة الفوضى والعنف الحيوانيّ.

يتمثّل الانحراف الكبير الّذي شهده الخطاب الدينيّ مع الجماعات العنيفة في تحويل طاقة الدّين الأنطولوجيّة لترسيخ قيمة الحياة الّتي لا حدود لها إلى وسيلة لمصادرة حقّ النّاس في الحياة، فقد قلب الفكر المتشدّد الخطاب الدّينيّ رأسًا على عقب، وحوّل سيف الدّين المسلَّط على العدم إلى سيف مسلَّط على الوجود والحياة، لذلك؛ فقد ألغى عن الدّين احتفاءه بالحياة وقهره للموت والفناء، وصيّره احتفاءً بطقوس الموت وتعذيب البشر اعتمادًا على شتّى أشكال العنف، فأضحى نشرًا للرّعب وترهيبًا وزراعة للموت، فإذا كان المقدّس ارتباط بقيمة الحياة؛ فإنّنا لا يمكن أن نصف ضدّه إلّا بالمدنّس، لعلّنا نعيد - بشكل أو بآخر - قول كانط (Immanuel Kant): "كلّ من يظنّ الإنسان أنّه مازال بإمكانه أن يفعله، خارج السّيرة الحسنة، من أجل أن يصبح مرضيًّا عنه عند الله، هو مجرّد وهم دينيّ وخدمة باطلة لله"[7].


[1] يقدّم علي حرب- مثلًا- قراءة تربط بين الإسلام والإرهاب على المستويَين (الفكريّ والمجتمعيّ)؛ المستوى الأوّل: يبرز من خلال إيمان أتباع الدّين الإسلاميّ، بأنّهم أصحاب دين مقدّس ينطق بالحقيقة المطلقة والنهائيّة، وهو ما يؤدّي إلى إنتاج التّعصّب والتّطرّف والعنف، أمّا المستوى الثّاني؛ فيبرز في ما يمثّله المجتمع الإسلاميّ من بيئة حاضنة يتحرّك فيها النّشاط الإرهابيّ. انظر: علي حرب، الإرهاب وصنّاعه، المرشد- الطّاغية- المثقّف، ط 1، الدّار العربيّة للعلوم ناشرون- بيروت، 2015

[2] انظر، مثلًا: كارين آرمسترونغ، حقول الدّم الدّين وتاريخ العنف، ترجمة: أسامة غاوجي)، ط 1، الشّبكة العربيّة للأبحاث والنّشر- بيروت، 2016م، ص ص 506- 546

[3] انظر: ريني جيرار، العنف والمقدّس، (ترجمة سميرة ريشا)، ط1، المنظّمة العربيّة للتّرجمة- بيروت، 2009، ص 8

[4] فؤاد إبراهيم، داعش من النّجديّ إلى البغداديّ "نوستالجيا الخلافة"، ط1، مركز أوال للدّراسات والتّوثيق- بيروت، 2015م، ص 15

[5] فواز جرجس، في "جحر الأرنب": بحثًا عن تاريخ "داعش"، ضمن مؤلّف جماعيّ؛ بين السّلفيّة وإرهاب التّكفير أفكار في التّفسير، ط1، مركز دراسات الوحدة العربيّة- بيروت، 2016م، ص 15

[6] هـ. فرانكفورت، هـ. ا. فرانكفورت، جون.ا. ولسن، توركيلد جاكبسون، ما قبل الفلسفة الإنسان في مغامرته الفكريّة الأولى، تعريب: جبرا إبراهيم جبرا، ط1، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر- بيروت، 1982م، ص 19

[7] إمانويل كانط، الدّين في حدود العقل، ترجمة: فتحي المسكيني، ط1، دار جداول- بيروت، 2015م، ص 270