الإسلاموفوبيا وهمٌ أم حقيقة؟

فئة :  مقالات

الإسلاموفوبيا وهمٌ أم حقيقة؟

تلجأ الدراسات التي تعنى برصد الوجود الإسلامي بالغرب إلى استعمال مفهوم الإسلاموفوبيا، لتوصيف حالة الخوف التي تقبع داخل السياسات الغربية، التي تكرس واقع العداء مع الإسلام والمسلمين، وهو وصف قد ينسحب على كل القرارات التي تمتطي هذا السلوك خارج هذه المناطق على الصعيد العالمي.

وربما يجد العديد من المحللين في هذا الخوف المزمن تفسيراً لمجمل السياسات الأمنية التي تنتهجها الدول الغربية في المنطقة العربية، من توجيه للسياسات الخارجية للعرب، والتحكم في مصادر الثروة والقوة في المنطقة.

بل إنّ زرع بعض القلاقل وسط الشرق الأوسط، من قبيل الرعاية الفائقة التي تحظى بها إسرائيل في الأوساط الغربية، لدليل قاطع على وجود طفرة في نفسية الغرب، يطبعها الرهاب والتوجس من الحراك الذي بدأ يدب في هذا المجال الجغرافي ومن القوى الصاعدة فيها، والتي يطلق عليها اسم الأصوليات التي تستدمج الدين في مجالات الحياة اليومية.

ولضبط هذه التحركات الحثيثة، لجأ الغرب إلى استحداث جملة من القرارات والسياسات التي من شأنها إعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية بالمنطقة، للحفاظ على المكتسبات التي تسترعي اهتمام الغرب في هذا المجال الحيوي.

وما مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا قرار استباقي لضمان دخول السياسات الأمنية والاقتصادية إلى المنطقة دون عراقيل، لتفادي حدوث مناعة اجتماعية تلفظ الوجود الغربي، وتتمخض عن مقاومات مدنية ذات طابع احتجاجي، تروم انتزاع القرار الذاتي وفك الارتباط مع الغرب.

وعلى مستوى الداخل الغربي، وفي إطار تفعيل مخطط التخويف من الإسلام، يمكن إدراج تلك الحملات الإعلامية التي تهدف إلى تقديم صورة غير مقبولة عن العرب والمسلمين، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعزز ببعض الكتابات الغربية عن الإسلام التي تسعى إلى انتزاع بعض الحالات والمواقف لتعميمها، وتكريسها كمذهب عام في الشريعة يُظهر المسلمين وكأنهم كذلك في الواقع[1].

ولمّا كانت الغاية هي تشويه هذا المكون العقدي والتنقيص من معتنقيه، فإنّ الوسيلة إلى ذلك، مهما كانت، مبررة لأجل تلك الغاية، وهكذا تجتهد الدول الغربية أو بعضها في فرض بعض القوانين، بدعاوى إمّا لها علاقة بمبدأ علمانية الدولة أو حيادية مؤسساتها، أو حماية الحريات الشخصية وإطلاق عنانها في التعبير.

ومن تمظهرات هذه القرارات ما يتعلق بمنع الحجاب والأزياء الدينية للمرأة المسلمة، ثم تطور الأمر إلى مراقبة شديدة للمدارس الإسلامية، التي يقضي فيها أبناء المسلمين أيام العطل لتعلم بعض مبادئ الدين واللغة العربية، وانتقل هذا التعسف إلى مراقبة مالية هذه المؤسسات ومصادر دعمها.

لكنّ هذه السياسة بلغت ذروتها مع تواصل الإهانات لنبي الإسلام، عبر قضية الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها العديد من الصحف والمجلات الغربية، وتناولت بعض الأفلام السينمائية جوانب من حياة الرسول الكريم بشكل مبتذل وخسيس.

وهذه الصور النمطية عن الإسلام ونبيه تنبع في نظر المحللين من تواتر العنف، الذي يبدو كأنه يميز حياة المسلمين على جميع الأصعدة الاجتماعية والسياسية والدينية، والذي يعكس هو نفسه طبيعة القيم التي تنظم حياتهم، وتجعل منهم مجتمعات مختلفة في توجهاتها وقواعد سلوكها وأهدافها عن بقية مجتمعات العالم.

وسبق للبابا المستقيل بنديكت السادس عشر أن وصف في إحدى محاضراته سنة 2006 الإسلام بأنه رديف العنف، مشككاً في صدقية مفهوم السلام والتسامح عند المسلمين[2]، لوجود نصوص قرآنية تحرض على الجهاد والقتال، وهذا ما سعى بعض المثقفين إلى تأكيده، عندما شددوا على أنّ نبي الإسلام بعكس المسيح وموسى -عليهم السلام- زحف بجيوشه فاتحاً بالسيف والترويع لأجل الغنيمة[3].

ولا تكتفي هذه المواقف بتقديم هذه الصورة للإسلام ورسوله فحسب، بل تذهب أبعد من ذلك لتنتقد الغرب على ضعفه وتهاونه تجاه المسلمين، ولتحرض على الحرب وتطالب الغرب بالرد على "العنف الإسلامي" بعنف أشد، أو تحتل أوروبا وتتحول إلى أرض يغزوها المسلمون وتنقلب إلى إمارة تابعة لهم.

ولم يتخلف عن مثل هذه التصريحات، ولو بلغة أكثر حذراً، العديد من رؤساء الدول الغربية، الذين أطلقوا صرخات الإنذار نفسها في أوقات مختلفة، ومن هنا يعتقد قسم كبير من الغربيين أنّ النزاع بين العرب والغرب، هو النتيجة الطبيعية والحتمية للتناقض العميق بين منظومة القيم التقليدية الإسلامية، وبين منظومة القيم الغربية الكونية الحديثة المرتبطة بالكرامة والمساواة والتسامح والتعددية.

هكذا أصبح الخوف والشعور بالخطر المرتبط به يشكلان اليوم منطلق أي تفكير غربي حول المنطقة، وأي موقف تجاه ما يجري فيها، بما في ذلك الموقف من الاحتلال والاستيطان، وانتهاك حقوق الإنسان وإعاقة الديمقراطية ومشاكل التنمية والعلاقات الدولية.

وهكذا تنقلب الإسلاموفوبيا عندهم إلى مجرد رد فعل طبيعي على عدوان قائم، أو منتظر من قبل العرب والمسلمين الذين يكنون العداء للآخر، وفي هذا المجال تلتقي الإسلاموفوبيا مع فكرة الحرب الاستباقية وتبررها، فهي تفترض أنّ أصحاب الثقافات الأخرى خطر محدق بنمط الحياة الغربية، بسبب تناقض قيمهم الخاصة النافية للعقل والتحرر والتنوير مع قيم الثقافة الغربية الإنسانية.

والحقيقة أنه ليس للإسلاموفوبيا صلة قائمة بالخوف بل بالتخوف أو الاستخواف إن جاز هذا التعبير، إذ هي تشخيص لصنف من المخاوف المرضية المزمنة، التي لا تدلل على قدوم أو حصول مخاطر ما، ولا تشكل تعبيراً صحيحاً وصادقاً عنها.

فهي حاصل تركيب ذهني عجيب يخلط بين واقع ومتوقع، وخوف وتخوف، وعقل وتخيل، إنها إذن استنتاج ثقافي مقصود لمسبقات مواقف ومشاعر متعددة عن الآخر، الغرض منها صناعة رأي عام لتعزيز الخوف واختلاق التهديدات، وتضخيمها تجاه شريك غير مرغوب فيه.

فهي دعاية مغرضة لا تفسر الخوف من الإسلام، إنما توظف هذا الخوف لتبرير سياسات عدوانية مأصولة فكرياً، تتخذ كذريعة لتمرير اختيارات سياسية لا يمكن تبريرها في أي منطق أخلاقي أو قانوني، وهي مقطوعة الصلة مع فكر الأنوار الذي حرر أوروبا من الظلام والاستبداد والتخلف.

ولهذا لا يوجد عدو حقيقي للغرب، بمعناه الذي يحيل على ذلك الفضاء الجغرافي المتقدم تكنولوجياً والمتطور قانونياً والمبدع فنياً، بل إنّ ما يقلق دول الجوار، هو ذلك الغرب الذي تحركه نزوات الاستعمار وأطماع التفوق العسكري، وأحلام الكيان الذي لا يتوانى في توسيع ثرواته وآماله ولو على حساب آلام الآخرين.

وربما هذا ما يدفع بعض المسلمين إلى توجيه نقده للسياسات الغربية في بلادهم، وهو موقف يستوي فيه المعتدلون والمتشددون، وحتى بعض المثقفين النزهاء من داخل الغرب، فإنهم كثيراً ما ينبهون على فداحة السلوك الغربي تجاه دول الجنوب.

لكن حصل فعلاً أن تطور النقد في المنظومة الإسلامية، فاتجه نحو تبني مواقف أكثر عدوانية وراديكالية من الغرب، بل إنّ هذا الإحساس بالظلم هو الذي عمل على تأسيس خلايا جهادية، تتخذ العنف المادي وسيلة لإيصال الرسائل إلى من يهمه الأمر.

وليس خافياً على أحد أنّ تنظيماً مثل "القاعدة" من خلال أدبياته الفكرية، جعل من أهدافه الاستراتيجية الجهاد ضد الأعداء، وتحرير الأرض الإسلامية وتنقيتها من الصليبيين واليهود.

ومثل هذا الموقف يكفي سبباً لتأليب الغرب المسكون بالخوف، لبلورة رد فعل ينحو منحى التحذير من المكون الإسلامي عقيدة وشعباً، لأنهم يعتبرون أنّ هذا الرأي مسنود بنصوص من القرآن والحديث، فلا يمكن إذن بناء سلام وجوار مع المسلمين كيفما كانوا.

ومن الأمور التي تعقد نظرة الغربيين إلى المسلمين الوافدين، المناداة بتطبيق الشريعة والعودة إلى أنماط العيش الموجودة إبان عصر الإسلام المبكر، وما يصاحبها من المظاهر في الشارع الغربي، من ارتداء البرقع والصلاة في الشوارع المجاورة للمساجد وطقوس الذبح في العيد، أدى كل ذلك إلى اعتبار المسلمين الوافدين إلى الغرب عناصر خطيرة وغير مرغوب فيها، ويمكن أن تكون في المستقبل القريب مصدراً لكل اضطراب ينشأ في البلاد.

وعلى إثر ذلك، تكونت حركات معادية للوجود الإسلامي في الغرب، تنادي بطرد المسلمين وإعادتهم إلى أوطانهم، ولم تكتفِ بعض هذه الحركات بالبيان السياسي أو الإعلامي، بل لجأ بعضها إلى استعمال العنف ضد المسلمين بالقتل وحرق البيوت والمساجد والمتاجر.

ولا شك أنّ بعض المهاجرين بنقلهم الخلافات الناشئة من بلادهم الأصلية إلى أرض المهجر[4]، زاد من تخوف الغربيين من الوجود الإسلامي، وممّا سيحمله في المستقبل من المخاطر المجهولة.

وقد نتج عن هذا الهوس تصاعد الحملة المناوئة للإسلام والمسلمين بعد أحداث 11 شتنبر، واتخذت طابعاً ممنهجاً بفعل تسييس الدعاية الإعلامية الغربية التي يتحكم فيها اللوبي الصهيوني، أو التي يملكها رجالات المسيحية المتصهينة، وقد كانت مسنودة بمواقف وآراء جملة من المثقفين الكبار، الذين ما فتئوا يوجهون سهام النقد والنقض لجهود المصالحة بين الشرق والغرب.

وقد غدا الإسلام بعدها موضع دراسة وبحث من قبل العديد من المؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية، بيد أنّ كثيراً من هذه الدراسات كان نتيجة طبيعية لعواطف المركزية الغربية المدعومة بمصالح سياسية معينة، أو بسبب الانجرار وراء خلفيات إيديولوجية خاصة.

وبفعل أفكار مفكرين من أمثال "برنارد لويس" أحد منظري السياسية الخارجية الغربية، صار من الممكن والمستساغ في الثقافة الغربية أن يقارن الإسلام - لا المسلمون- بنزعات التطرف والإرهاب وعدم الاستقرار، وبات معه الإسلام المتهم الأول في أي نازلة تحدث في أرضهم، إمّا بشكل مباشر أو غير مباشر.

زد على ذلك الفوارق بين الإسلام والثقافة الغربية، التي تستمد أصولها من خليط من اليهودية والمسيحية وغيرها من الأفكار التحررية، التي على العموم تناقض خصوصية المجتمع الإسلامي، ولذلك يمثل هذا الدين مصدر قلق وانزعاج يهدد استمرارية الثقافة الغربية، التي تعسر عليهم إدماج المسلمين في بنيتها.


[1] قارن موقفي كلّ من الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون ومساعد بابا الفاتيكان الأسبق الكاردينال بول بوبار، حيث يقول الأول في كتابه الفرصة السانحة: "إنّ الإسلام والغرب متضادان، وإنّ نظرة الإسلام للعالم تقسمه إلى قسمين دار الإسلام ودار الحرب، حيث يجب أن تتغلب الأولى على الثانية، وأنّ المسلمين يوحدون صفوفهم للقيام بثورة ضد الغرب، وعلى الغرب أن يتحد مع الاتحاد السوفياتي ليواجه هذا الخطر الداهم بسياسة واحدة". فيما ينتفض الثاني في تصريح لجريدة الفيغارو الفرنسية ونشرته جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 1/10/1999 مؤكداً على أنّ "الإسلام يشكل تحدياً لأوروبا وللغرب عموماً، وإنّ المرء لا يحتاج إلى أن يكون خبيراً ضليعاً لكي يلاحظ تفاوتاً متزايداً بين معدلات النمو السكاني في أنحاء معينة من العالم...". المصدر: مسلمو الغرب تطلعات ومخاوف، صلاح الدين النكدلي: الدار الإسلامية للإعلام بألمانيا، الطبعة الشبكية الأولى، 1431-2010، ص 57

[2] وعلى النقيض يدلي ويل ديورانت بشهادة تاريخية حينما بين أنّ المسلمين "كانوا رجالاً أكمل من المسيحيين، فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام 1099، وقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي بالقتال أو الماء أو النار، في الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع فيه طائفة من المبادئ القانونية الراقية ينفذها قضاة مستنيرون"، قصة الحضارة، ويل ديورانت: ترجمة محمد بدران، الجزء الثاني من المجلد 4، دار الجيل ببيروت، بالتعاون مع المنظمة العربية للثقافة والعلوم، 1408-1988، 13/383

[3] فند علماؤنا الأقدمون قضية الإجبار في اعتناق الإسلام، فقال ابن قدامة: "وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن فأسلم، لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعاً"، المغني: موفق الدين بن قدامة المقدسي: ت عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو، دار عالم الكتب بالرياض، ط3/1417-1997، 12/291. وتعرض الكثير من المحدثين لفرية انتشار الإسلام بحد السيف، كما صنع الباحث ناصر محمدي محمد جاد في كتابه: التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي: دار الميمان للنشر والتوزيع بالرياض، ط1/1430-2009، ص ص 351-361

[4] تطرق لأمر الخلافات الناشئة بين أبناء الأقليات المسلمة بشيء من التفصيل الأستاذ سيد عبد المجيد بكر، فليرجع إليه في كتابه: الأقليات المسلمة في أوروبا: ضمن سلسلة شهرية تصدر في مطلع كل شهر عربي عن إدارة الصحافة والنشر برابطة العالم الإسلامي، ص 53 إلى 55