الإسلام السياسيّ: من أوهام الحاكميّة إلى الصلح المشروط مع الديمقراطيّة

فئة :  مقالات

الإسلام السياسيّ: من أوهام الحاكميّة إلى الصلح المشروط مع الديمقراطيّة

 1- الوسطيّة وطقوس العبور إلى الدّيمقراطيّة:

تجدر الإشارة إلى أنّ عوامل موضوعيّة أحدثت تحوّلا جذريّا في مواقف دعاة الإسلام السياسيّ من الديمقراطيّة، وأهمّها هيمنة الأنموذج اللّيبرالي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وما تداعى عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر من بروز نظريّة صدام الحضارات، التي فرضت مراجعات جذريّة للأسانيد الإيديولوجيّة، وقضت بفصل بين التيارات الأصوليّة المتشدّدة التي تجاهر الغرب بالعداء، وتيّارات أخرى بدأت تنتهج ما وسمته بالوسطيّة التي اقتربت في موقعها الفكريّ من الغرب. فضلا عن عولمة الديمقراطيّة التي أضحت من ضمن المقدّسات السّياسيّة والوسيلة التي يمكن لأيّ نظام في الكون أن يكتسب بها شرعيّته الدوليّة، فضلا عن توظيفها وسيلة مزايدة على الأنظمة الاستبداديّة التي تواجهها الحركات الإسلاميّة. ولكنّ ما يبدو اليوم قبولا باسم الوسطيّة بالديمقراطيّة يحتاج إلى تفهّم مساراته، وإدراك حدود هذا القبول وخلفيّاته.

لقد عبّر بعض دعاة الإسلام السياسيّ عن ضرورة قيام مراجعة للمفاهيم التي أقام عليها روّاد حركتهم دعواتهم السياسيّة. ولعلّ أصدق الأقوال في هذا السياق، ما كان شهادة شاهد من أهلهم. فقد تحدّث «القرضاوي» عن انتقال الصحوة الإسلاميّة من "المراهقة إلى الرشد". وكان يقصد قيام نظرة موضوعيّة إلى المواقف والأشياء والأقوال بغضّ النظر عن الأشخاص. "فتحرّرت الصّحوة الإسلاميّة من النزعة العاطفيّة والذاتيّة والتبريريّة والتمجيديّة والخياليّة، لتتّجه إلى النزعة العقلانيّة الموضوعيّة الحياديّة الواقعيّة في تقدير الأمور، وفي تقويم الأعمال وفي تفسير الأحداث وفي تفسير التاريخ وفي النظر إلى الأنصار والخصوم وفي تحديد المواقف واتّخاذ القرار."[1]

ولئن شهد هذا الانتقال تحوّلا تدريجيّا، قام على محاولة الإقناع بوجود تماه بين الشورى الإسلاميّة والديمقراطيّة، رغم البون الشاسع بين المفهومين؛ فقد ظلّ الحرج قائما من قبول مصطلح الديمقراطيّة بسبب منظومة فكريّة قامت أسسها على عداء كلّ ما اعتبرته "تغريبا". ولهذا، فقد نحا «محمد عمارة» في مرحلة أولى مثلا إلى الحديث عن التعدّدية وإدماج المرجعيّة النبويّة لدولة المدينة، باعتبارها البراديغم الذي يحتكم إليه منظرو الدولة الإسلاميّة بقوله: "وفي رعيّة الدولة الإسلاميّة الأولى - دولة المدينة، على عهد رسول الله صّلى الله عليه وسلّم... كانت هناك تعدّدية في إطار وحدة الأمّة."[2]، وهي خطوة أولى نحو تأصيل الديمقراطيّة وكسر الحواجز النفسيّة التي وسمت مواقف الدعاة الأوائل منها. فالمشكلة الأساسيّة التي عانى منها دعاة الإسلام السياسيّ هي إقناع جمهور من المتأثّرين بخطابهم آمنوا بأنّ "الإسلام هو الحلّ"، وهم يقصدون سلطة الحاكميّة وتطبيق الشريعة، فإذا بهم يتلقّون خطابا - قد يصدمهم ويخيّب آفاق انتظارهم- بدّل أصحابه القول، فصارت "الديمقراطّيّة هي الحلّ".

ولكن رغم الشعور العميق بتهافت مقولة الحاكميّة، فإنّ عقدة الخوف من الخصوم الغازين وذاكرة الحملة الفرنسيّة وغزو «نابليون بونابارت» والاعتداد ببطولات الأسلاف قد ظلّت تلقي بظلالها على تصوّر «محمد عمارة»، فوحدها التعدّدية تحت مظلّة الرابطة الإسلاميّة هي التي تؤسّس مشروع التنوير الإسلاميّ وما دون ذلك خرط القتاد. وساد اليقين بالمؤامرة وبأنّ الغزو الفكري قد جاء طالبا من الأمّة الإسلاميّة "التخلّي عن تميّزها الحضاريّ، وتبنّي النموذج الغربيّ في التقدّم والنهضة والتحديث، وتقليد المذهب الوضعي الغربي في الحكم والإدارة والتشريع...؛ أي طالبا منّا التخلّي عن التعدّدية الحضاريّة، والإيمان بواحديّة الحضارة بدلا من تعدّديتها. ولقد استوت في ذلك مذاهبه الشموليّة مع مذاهب الليبراليين."[3] ولكنّ هذه النظرة تطوّرت في فكر دعاة الإسلام السياسيّ تطوّرها في فكر «محمد عمارة»؛ فالإسلام في نظره ليس مغلقا في الأمور الحياتيّة، والنظم والآليّات التي تحقّق مقاصده وفلسفاته. وينتفي التناقض بين الشّورى والديمقراطيّة؛ ولكنّ ذلك لا ينفي الاختلاف بين المفهومين، رغم ما يبديه تمييزه بين المفهومين من تأكيد التناقض بينهما؛ إذ يفضي فهمه للشورى إلى إقرار الحاكميّة. "فالديمقراطيّة تجعل السيادة في التشريع ابتداء للشّعب والأمّة، إمّا صراحة، وإمّا في صورة ما أسماه بعض مفكّريها "بالقانون الطبيعيّ" الذي يمثّل بنظرها أصول الفطرة الإنسانيّة. أمّا في الشورى الإسلاميّة، فإنّ السّيادة في التشريع ابتداء هي لله سبحانه وتعالى، تجسّدت في الشريعة التي هي وضع إلهيّ. وليست إفرازا بشريّا ولا طبيعيّا."[4] وتظلّ السّلطة الممنوحة للبشر محكومة بإطار فلسفة الإسلام في التشريع. وفصول الشريعة ومبادئها وثوابتها وفلسفتها إلهيّة تتمثّل فيها حاكميّة اللّه. وما مساحات الحاكميّة البشريّة مثلما سمّاها هو سوى فقه مسيّج بحدود الاجتهاد الشرعيّ.

إنّ الحديث عن التشريع مفض لا محالة، إلى اختلافات تظلّ جميعها داخل سياقات افتراق الفرق. ولذلك، فإنّ إدارة الاختلاف بين من يعدّون أنفسهم ناطقين رسميين باسم الكتاب والسنّة ليس أمرا هيّنا. ولعلّ ما تشهده الدول الإسلاميّة من صراع طائفيّ يظلّ شاهدا على يقين كلّ طائفة بامتلاك الحقيقة الدينيّة المطلقة، وإنكارها حقّ الفرق الأخرى في تبنّي تصوّرات مختلفة وتأويلات متباينة. فمفهوم الديمقراطيّة لا يمكن أن يتحقّق في ظلّ الحاكميّة التي تعدّ وسيلة سلطويّة تمنح بعض البشر شرعيّة النطق باسم الإرادة الإلهيّة وتسلبه من غيرها. والحاصل من تطبيق هذا المفهوم، احتكار الشرعيّة السياسيّة بدل مسارات الصلح والاعتراف بالآخر والحديث بلغة دينيّة بدل الجدل على أرضيّة اختلافات سياسيّة.

لقد شهد قبول الديمقراطيّة مخاضا عسيرا مرّت به المفاهيم عبر مقاربات أسلمة الديمقراطيّة ومماهاتها مع الشورى، وتلك كانت مسألة تشريعيّة لا غنى عنها في ظلّ قيام فكر الإسلام السياسيّ على تلوين كلّ المصطلحات بصبغة إسلاميّة، وإن كان ذلك رسما لمتخيّل قد يتحوّل في بعض المقاربات إلى تفضيل الديمقراطيّة الإسلاميّة على كلّ الديمقراطيّات لكونها تقوم على المسؤوليّة الفرديّة وعموم الحقوق وتساويها بين النّاس ووجوب الشّورى على ولاة الأمور والتضامن بين الرعيّة على اختلاف الطوائف والطبقات. وتصوّر شريعة الإسلام أسبق الشرائع إلى تقرير الديمقراطيّة الإنسانيّة.[5]

أخيرا فرض الفراغ السياسيّ الذي أقامت عليه إيديولوجيا الإسلام السياسيّ بنيانها مراجعة جذريّة لآليّات العمل السياسيّ؛ فقد ترسّخ اليقين من تهافت مقولة الحاكميّة من منظور إبستمولوجيّ والخلافة من منظور تاريخيّ وتطبيق الشريعة من منظور سياسيّ. فقد لقيت تلك المفاهيم مواجهة كبيرة في إطار تعدّد حزبي شهدته الحياة السياسيّة مراجعة جذريّة لآليّات العمل السياسيّ، وليس أدلّ على ذلك من الموقف العالمي من دولة الخلافة التي أقامتها داعش على أرض سوريا والعراق، إذ جسّدت في المتخيّل العالميّ وفي متخيّل أغلبيّة المسلمين مثالا للتنظيمات الفاشيّة التي تختصّ في قطع الرؤوس وسجن النساء وسلب الأموال، بل لم يكن هذا التنظيم سوى مثال للدولة التي شوّهت الإسلام وألحقت به تهم الإرهاب، فآلت نتائجها إلى عكس ما طمح إليه مؤسسوها، وزرع عناصرها الخراب والموت، حيثما حلوا بدل أن يكونوا مثالا للقيم الإنسانيّة الفاضلة والسياسة التي قد تمثّل منافسا حقيقيّا لمفاهيم الديمقراطيّة؛ فقد كان شعارها الأساسيّ الذي أقامت عليه أسانيدها النظريّة إدارة التوحشّ، ثمّ استطاعت أخيرا أن ترسم صورة قاتمة للخلافة ليس في الرأي العالميّ فحسب، وإنما في تصوّر المسلمين أنفسهم.

لقد كانت الحاكميّة ردّ فعل انفعاليّ على واقع عاش فيه المودودي الاستعمار، وتمثّله عدوّا غازيا، فأنتجت مشاعر الظلم والسخط مفهوما استحضر فيه قوّة ميتافيزيّقيّة تعلي العجز وتستجير بالإله معينا في محنة شعبه ضدّ المستعمر. فالله تعويض عن حالات العجز وقوّة نفسيّة تستحضر متخيّل العدل زمن الظلم، وتستعين برمز القوّة زمن الضعف. ولكنّها بالمقابل، ترسم للذات آفاقا من الوهم، لأنّ الإله ليس ملكا لجماعة واحتكاره باسم الحاكميّة إن هو إلاّ مناورة نفسيّة بالخطاب واستراتيجيّة لغلبة العدوّ وقهره. ولكنّها استراتيجيّة احتكار ما لا يحتكر وملكيّة ما لا يمكن أن يكون ملكا لشخص. فالقول إنّ "الحاكميّة للّه وحده وبيده التشريع وليس لأحد، وإن كان نبيّا أن يأمر وينهى من غير أن يكون له سلطان من الله."[6] محاولة لانتزاع السلطة من يد المحتل وآليّة لاكتساب شرعيّة إلهيّة بديلة عن الشرعيّة القائمة. وليس أدلّ على ذلك من قول "المودودي" في سياق حديثه عن العقيدة: "هذه العقيدة هي روح ذلك النظام الذي أسّس بنيانه الأنبياء عليهم السلام ومناط أمره وقطبه الذي تدور رحاه حوله، وهذا هو الأساس الذي ارتكزت عليه دعامة النظريّة السياسيّة في الإسلام أن تنزع جميع سلطات (powers) الأمر والتشريع من أيدي البشر منفردين ومجتمعين، ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره في بشر مثله فيطيعوه، أو ليس قانونا له ويتبعوه، فإنّ ذلك أمر مختصّ بالله وحده ولا يشاركه فيه أحد غيره."[7]

ليست المسألة سوى ترجمة دينيّة لصراع يدور على أرض الواقع بين فريقين؛ أحدهما يحتلّ الأرض والآخر يسعى إلى التحرّر. وما توظيف الله في هذه المعركة سوى آليّة أسطوريّة تفتقد إلى الفاعليّة العقلانيّة، لأنّ تفويض الأمر إلى الذات الإلهيّة لتكون بديلا من العقل الإنسانيّ إنْ هو إلاّ وسيلة للتهربّ من المسؤوليّة الإنسانيّة التي تقتضي آليّات منطقيّة للمواجهة وتصورات متجدّدة للبناء السياسيّ. ولذلك، فالحاكميّة تفضي من خلال هذا المسار إلى مجموعة من الأوهام لعلّ من أهمّها: التعالي من خلال الاعتقاد الراسخ بالنطق باسم الإرادة الإلهيّة، وهو ما يمكن أن يولّد إعادة إنتاج مستمرّة لعقليّة الانغلاق وافتراق الفرق، والتواكل نتيجة تصوّر الصياغة الإلهيّة للحلول الإنسانيّة نهائيّة وجاهزة وإعفاء الذات من المساءلة النقديّة وتطوير آليّات التفكير والعمل، وأخيرا زراعة الوهم من خلال خلق مسارات التديّن اللاعقلانيّ الذي يفضي إلى التهرّب من المواجهة وإلغاء دور العقل في مواجهة المشاكل السياسيّة.

ونتيجة لذلك، فقد استندت الحاكميّة إلى شرعيّة المقدّس بكلّ ما يثيره من مشاعر الخوف والرهبة. وجعلت الانتقال من طور استعداء الديمقراطيّة إلى طور قبولها يشهد ولادة عسيرة أسبابها نفسيّة، وهي الخوف من الاصطفاف في معسكر الكفر وخيانة معسكر الإيمان والحاكميّة. وأضحت طقوس العبور نحو فكر الآخر محفوفة بمخاوف المدنّس وآثامه. ولكنّ أكثر ما حفّز تلك النقلة هي الحاجة البراغماتيّة إلى آليّة للوصول إلى السلطة. ففي ظلّ عجز عن المواجهة المسلّحة أو افتقاد لآليّات عسكريّة لانتزاع السلطة، لم تبق غير مسالك الديمقراطيّة سبيلا للوصول إلى الحكم.

لقد وجدت الأحزاب التي صنّفت نفسها وسطيّة مضطرّة للتحالف مع أحزاب أخرى معارضة تختلف مرجعيّاتها الإيديولوجيّة؛ ولكنّها صارت أقرب إليها من التنظيمات التي صنّفت عالميّا في خانة الإرهاب. وقامت هذه الأحلاف من أجل مواجهة استبداد السلطة. فقد أضحت الشريعة والخلافة من المفاهيم التي لا تتناسب مع ضمان حقّ الاختلاف، بل صارت علامة مميّزة للتنظيمات الإرهابيّة المنبوذة دوليّا. وصار القبول بالنّظام الديمقراطيّ أمرا حتميّا تواجه به تلك الأحزاب على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجيّة استبداد السّلطة الحاكمة. فتضمن شرعيّة دوليّة وتُقدّم ضمانا للأحزاب المعارضة الأخرى التي تشاركها مسيرة النضال ضدّ الاستبداد بأنّها لا تمثّل مشروع استبداد بديل، ثمّ إنّ القبول بالديمقراطيّة يمنح الإسلاميين حقّ المشاركة السياسيّة؛ فقبولها هو في وجه من وجوهه موقف براغماتيّ يجعلها أداة للوصول إلى السلطة لا غير. ومن هذا المنطلق، نشأ رفضهم لبقيّة الأسس التي قام عليها الفكر الديمقراطيّ وإيمانهم بمفهوم "الديمقراطيّة الأداتيّة"[8]. غير أنّ سؤال النجاعة والفاعليّة يظلّ مطروحا: هل يعدّ القبول بالديمقراطيّة آليّة سياسيّة تمثّلاً لجوهرها وتحقيقا لمبادئ الحريّة وحقوق الإنسان وإنهاء لتوظيف المقدّس في السياسة واتخاذه ذريعة لمحاكمة ضمائر الناس وحراسة نواياهم باسم سلطة الأغلبيّة وعقيدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

2- شروط القبول بالديمقراطيّة:

لقد كان قبول الديمقراطيّة في فكر دعاة الإسلام السياسيّ جزئيّا؛ فالقرضاوي مثلا يقبل بالديمقراطيّة السياسيّة، ولكنّه يرفض الديمقراطيّة الاقتصاديّة، وهي بحسب رأيه معادل للرأسماليّة والديمقراطيّة الاجتماعيّة التي تعني في نظره الليبراليّة.

ولئن كانت مقاربة القرضاوي للديمقراطيّة من منظور فقهيّ، فإنّ راشد الغنّوشي قد تمكّن من صياغة رؤية صلح مع الديمقراطيّة وسمها بالديمقراطيّة الإسلاميّة في إطار ما سمّاه الوسطيّة الإسلاميّة، بل إنّه اعتبر أنّ أصول الديمقراطيّة وحقوق الإنسان أرسخ في الدين الإسلاميّ.[9] وتقتضي صيغة الصلح تلك رفض العلمانيّة الشاملة التي ترفض تدخّل الدّين في السياسة وقبول العلمانيّة الجزئيّة التي ترفض سلطة رجال الدين، وكأنّ الدين في نظره يمكن أن ينفصل عن رجاله وينطق من تلقاء نفسه!

كذلك يشترط في عقد الصلح هذا أن لا يكون من آثاره ديمقراطيّة تروّج لثقافة وإعلام وفنون فيها تحلّل وفساد وتمرّد من ربقة الدّين والأخلاق وتدمير مفاهيم الشرف والعائلة. ولذلك، فقد وضع للديمقراطيّة إطارا تتحرّك داخلة. فصيّرها ديمقراطيّة على مقاس متخيّله الإسلاميّ ومقيّدة بضوابط الدّين والأخلاق؛ فهي "في الواقع لا يمكن أن تعمل وتتحرّك إلاّ في إطار ثقافيّ معيّن، ثمّ التصريح به في توطئة الدستور إن كان متضمّنا، من مثل الجمهوريّة ومبادئ حقوق الإنسان، فأن يكون الإسلام إطارا مرجعيّا في ديمقراطيّة إسلاميّة. فليس ذلك بدعا في الفكر السياسيّ الديمقراطيّ."[10] ولا شكّ أنّ هذه الصّيغة المقيّدة والمشروطة بإطارها الإسلاميّ تظلّ مخالفة للأسس النظريّة التي قامت عليها الديمقراطيّة. ويمكن أن تضيق دوائر تأويلها من سقف الإسلام إلى أحكام الفرقة. فرؤية السائس الناطق باسم الدين. فهي تستعيد ذاكرة الطاعة والحدود، وما تزال مرتهنة داخل إطار تحدّده سلفا اجتهادات من عدوّا أصحاب الرأي الأقدس والفكر الأسمى.

إنّ النّاظر في ما آلت إليه الحركات الإسلاميّة الأصوليّة، ليلحظ انقساما حادّا بينها؛ فالديمقراطيّة فرضت تنازلات عن مقولات كانت تمثّل جوهر دعواتهم وعمدتها مثل الحاكميّة والشريعة. وإنّ اختيار تسمية الديمقراطيّة الإسلاميّة عند من وسموا أنفسهم بتيّار الوسطيّة الإسلاميّة لدالّ على أنّ اعتماد هذه الصّيغة التي صار فيها الإسلام صفة ملحقة بالديمقراطيّة (الديمقراطية الإسلاميّة) وليست الديمقراطيّة هي الملحقة بالإسلام (الإسلام الديمقراطي) يجعلها مجرّد شعار يمنح أصحابه شرعيّة العبور من سياق دينيّ أساسه الخلافة والشريعة والحاكميّة إلى سياق وطنيّ (الدولة الوطنيّة) دوليّ (الشرعيّة الدوليّة) صارت فيه الديمقراطيّة شرطا لاكتساب الشرعيّة.

إنّ مصطلح الديمقراطيّة الإسلاميّة يظلّ استرضاء لمتخيّل لا يستطيع أصحابه العبور من طور إلى آخر دون إذن مسبق من التراث وأعلامه مجازا. وإنّ عقدة استرضاء التراث هي التي تجعل من الإسلام عنوانا لهذه المشاريع غير المنتجة، وهو ما يؤدّي حتما إلى الاستيلاء على منجزات الآخر، واعتبارها من جوهر التراث الإسلاميّ بميراث الغزو الإسلاميّ الكامن في اللّاوعي. وبين هذا المسار ومسارات التأصيل بون شاسع. ولكنّ الحاصل من كلّ هذا أنّ تصوّر ديمقراطيّة مشوّهة قدّت على مقاس متخيّل يعزل السّياسية عن الاقتصاد والمجتمع والثقافة، ويشترط أن يدخل الجميع بيت الإسلام السياسيّ آمنين يظلّ حدّا من فاعليّتها وإجهاضا لمقاصدها وعودة مؤجّلة إلى لغة تكلّم فيها أصحابها باسم الفرقة الناجية، واعتبروا الآخر المختلف من أهل الذمّة أو المارقين.

لا ريب أن التنظير لديمقراطيّة أداتيّة يختلف اختلافا جوهريّا عن تصوّراتها الفلسفيّة، إذ إنّ الاكتفاء بالنظر إلى هذا المفهوم باعتباره وسيلة لإدارة الاختلاف السياسي وضمان حقّ الشعب في اختيار ممثّليه، ليس سوى هيكل مفرغ من روح احترام المفاهيم الديمقراطيّة كالحريّة والقانون الوضعي والمساواة وحقوق الإنسان. ولعلّ تمثّل الديمقراطيّة بروحها الفلسفيّة هو الذي استطاع أن يبعد مفاهيم مثل الحاكميّة والشريعة من الخطابين الفكريّ والسياسيّ لدعاة الإسلام السياسيّ. فمقتضيات السياسة في عصرنا صارت تتعارض معها. ولكنّ تلك المفاهيم لم تندثر ولا كفّ بعض المؤمنين بها والمنظرين لأسسها عن الدعوة إليها. وإنما ارتحلت هذه التصورات من فكر الدعاة الذين وسموا أنفسهم بالوسطيّة، ورضوا بالديمقراطيّة إلى فريق آخر ممّن عدّوا "متشدّدين" و"متوحّشين"، وحملوا راية حاولوا بها احتكار الشرعيّة الإسلاميّة وتكفير من لم يؤمنوا بها وبسائر المفاهيم الأخرى التي تمثّل عدتهم الإيديولوجيّة كالشريعة. فكانت المفاهيم التي ولدت في رحم الإسلام السياسيّ ووجدت قوّتها في دعوة الدّاعين إليها وإيمان فريق من المسلمين بأنّها الحلّ ترتحل إلى فريق آخر، ولكنّها تظلّ بنات فكرهم، ويظلّ أتباعها أتباعهم. وإن ادّعى القائلون بالوسطيّة إنّهم قطعوا مع الحاكميّة والتكفير، فإنّهم لا يستطيعون إنكار أنّ هذه الأفكار التي يدين بها "المتشدّدون" و"الإرهابيّون" ناشئة من رحم مقولاتهم وغلوّ تصوّراتهم في فهم الدّين؛ فهي كالألغام لا يبطل مفعولها بتقادم السنين، وإنّما تظلّ قابلة للانفجار في كلّ وقت وحين.

[1] يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلاميّة من المراهقة إلى الرشد، ط3، مصر، دار الشروق، 2008، ص 106

[2] محمّد عمارة، التعدّدية الرؤية الإسلاميّة والتحدّيات الغربيّة، ط1، مصر، دار نهضة مصر، 1997، ص 8

[3] المرجع نفسه، ص ص 28، 29

[4] محمّد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، ط1، مصر، نهضة مصر، (دت)، ص ص 124، 125

[5] انظر: عبّاس محمود العقّاد، الديمقراطيّة في الإسلام، ط3، مصر، دار المعارف، (دت) ص 43

[6] أبو الأعلى المودودي، نظريّة الإسلام السياسيّة، ط1، دمشق، دار الفكر، 1967، ص 27

[7] المرجع نفسه، ص ص 26، 27

[8] يقول إسماعيل الشطيّ: "بعد الضربات المتتابعة والمتلاحقة للإسلاميّين من خلال العقود الماضية، اكتشفوا أنّ العدوّ الأوّل للدعوة الإسلاميّة هي الأنظمة الشموليّة في العموم، وانّ أكثرها قسوة وشراسة تلك التي تجلبها الانقلابات العسكريّة، ولكنّهم كذلك اكتشفوا أنّ الدعوة الإسلاميّة تحظى بحريّة واسعة وأمانا موثوقا في ظلّ الأنظمة الغربيّة الديمقراطيّة، وكانت إذا ما ضاقت عليهم بلادهم أو ضيّقت عليهم نظّموا لقاءاتهم أو اجتماعاتهم أو مؤتمراتهم في تلك البلاد، وإذا ما اضطهدتهم حكوماتهم لجأوا للدعوة الإسلاميّة في ظلّ النظام الدولي المعاصر، لذا سعى الإسلاميّون لتثبيت دعائم الديمقراطيّة في بلدانهم ليس خدمة لناس فحسب بل حماية لدعوة الإسلاميّة كذلك." إسماعيل الشطي، الإسلاميون وحكم الدولة الحديثة، ط1، الكويت / المغرب/ لبنان، آفاق/ دار الأمان/ منشورات ضفاف، 2013، ص207

[9] انظر: راشد الغنوشي، الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في الإسلام، ص 125

[10] نفسه، ص 130


مقالات ذات صلة

المزيد