الإسلام والحريّة: الالتباس التاريخي لمحمّد الشرفي

فئة :  قراءات في كتب

الإسلام والحريّة: الالتباس التاريخي لمحمّد الشرفي

 الإسلام والحريّة: الالتباس التاريخي

لمحمّد الشرفي([1])


تتّجه عنايتنا، في هذا العرض، إلى تقديم كتاب (الإسلام والحريّة: الالتباس التاريخي) للناشط الحقوقيّ، ورجل القانون، والأكاديميّ التونسيّ، المفكّر محمّد الشرفي (1936-2008م)، لما وقفنا عليه، في هذا التأليف، من رؤية حداثيّة في تجديد الفكر الدينيّ الإسلاميّ، ومن جدّة في مقاربة أهمّ شواغل المسلم المعاصر، ومن حسّ نقديّ في التعامل مع الظواهر المدروسة، ومن دقّة علميّة لا تخطئها عين الناظر في محتويات هذا الكتاب.

يحسن بنا أن نذكر أنّ محمّد الشرفي انتهى من تأليف هذا الكتاب عام (1997م)، لكنّه صدر، في طبعته الأولى، في الدار البيضاء في المغرب الأقصى، سنة (2000م)، عن دار الفنك للنشر، ثمّ طبع مرّتين أخريين في تونس، عبر دار الجنوب للنشر، ضمن سلسلة (معالم الحداثة)، التي يديرها الدكتور عبد المجيد الشرفي. لقد ظهرت الطبعة الأولى سنة (2002م)، وبعد وفاة هذا المفكّر بسنة واحدة، أعادت دار الجنوب نشر الكتاب في طبعة جديدة منقّحة هي التي نُعنى بتقديمها في هذا العرض.

يتكوّن الكتاب المذكور من (271 ص) -باعتبار فهرس الموضوعات الوارد في الصفحة الحادية والسبعين بعد المئتين- وقع توزيعها على النحو الآتي:

- المقدّمة، وتحتوي على 18 صفحة (ص5-23).

- المتن، ويضمّ أربعة فصول تمسح اثنتين وأربعين ومئتي صفحة، جاءت موزّعة على هذه الشاكلة:

- الفصل الأوّل عنوانه (الأصوليّة الإسلاميّة)، وهو يحتوي على 28 صفحة (ص25-53).

- الفصل الثاني موسوم بـ (الإسلام والقانون)، وهو أكبر الفصول، فقوامه 108 صفحات (ص55-163).

- الفصل الثالث المعنون بــ (الإسلام والدولة)، ويضمّ 48 صفحة (ص165-213).

- الفصل الرابع عنوانه (التربية والحداثة)، ويمسح 52 صفحة (ص215-267).

- الخاتمة تتكوّن من صفحتين (ص268-269).

نلاحظ، أوّل ما نلاحظ، أنّ المقدّمة من الحجم الكبير (18ص)، وهذا الطول له ما يبرّره؛ ذلك أنّ الباحث جعل المقّدمة حجر الزاوية؛ التي أسّس عليها سائر فصول الكتاب؛ لذلك قامت، بدورها، على جملة من المداخل، أراد من خلالها محمّد الشرفي توصيف الوضع العربي الإسلامي في العصر الحديث، توصيفاً دقيقاً تدلّ عليه المصطلحات المنحوتة في المقدّمة، لتشخيص المشهد السياسي، والديني، والثقافي، والاقتصادي، القائم في البلدان العربيّة المسلمة، قبيل الاستقلال، وبعده، من قبيل مصطلحات (الحداثة المتردية)، و(الحداثة الخفية)، و(التوفيق بين الإسلام والحداثة).

إنّ إثارة قضيّة الإسلام والحريّة معزوّة إلى وجود سوء فهم، على مرّ التاريخ، للإسلام، ولقضيّة الحريّة فيه؛ ذلك أنّ الحركات الأصوليّة ما فتئت تقدّم فهماً للإسلام ينافي روحه وجوهره، ولا يتماشى مع مقاصده السامية القائمة على تكريم الإنسان، بمنحه الإرادة في كسب أفعاله، والحريّة الشخصيّة الموصولة بمفهوم المسؤوليّة، طالما أنّ الهدف من خلق الإنسان استخلاف الله في الأرض، وتعمير الكون، وبثّ كلّ أسباب الحياة في أرجائه، بوساطة العقل البشريّ؛ الذي خاطبه النصّ القرآنيّ بشكل مكثّف، داعياً أصحابه إلى إصلاح الأرض، بالاعتماد على هذا العقل، وعلى الحريّة؛ التي وهبها الإسلام انطلاقاً من مبادئه السمحة للإنسان.

إنّ الفكر الأصوليّ يقدّم الإسلام على أساس كونه ديناً يقوم على الإكراه والجهاد، وإلزام الآخر باعتناق الدين، ومقولاته، بمنطق القوّة، لا بقوّة المنطق، فأنتج هذا الفكر الأصوليّ مسلمين تقليديّين دائرة تفكيرهم محدودة جدّاً؛ لذلك كانوا -ولا يزالون- ينظرون إلى القرآن، والسنّة، وتجربة الخلافة، نظرةً مثاليّةً منغلقةً مفارقةً للتاريخ البشريّ المبنيّ، في الحقيقة، على وقائع ماديّة ملموسة قابلة للدراسة والتحليل، ومن هنا شرع هذا الفكر في ترويج أفكار غريبة بين الشباب المسلم في العصر الحديث، ترتّب عليها إنتاج آراء دينيّة متزمّتة ورجعيّة أسهمت في انتشار التعصّب الديني؛ الذي تُرجم، في بعض البلدان المسلمة، إلى أعمال إرهابيّة طالت الأبرياء، تحت مظلّة الدفاع عن الإسلام، على غرار ما جرى في مصر، وفي كلّ من أفغانستان، والجزائر، على وجه الخصوص(المقدمة ص5).

لهذا، يرمي هذا الكتاب إلى إماطة اللّثام عن هذا الفكر الأصوليّ الاستئصاليّ القائم، في منطلقاته، على العنف والظلاميّة، والذي شهد مدّاً متنامياً في نهاية القرن الماضي شوّه، بممارساته الإرهابيّة، الإسلام الذي يدعو إلى التحابب بين البشر، وإلى التعايش في كنف السلم، والحريّة، كحريّة المعتقد والرأي. وعليه كان الباعث على تأليف هذا الكتاب إعطاءَ فهم جديد للإسلام يجعله مبنيّاً على احترام حقوق الإنسان، وعلى القيم العليا، كالحريّة والديمقراطيّة، حتّى يصبح قادراً على التكيّف مع متغيّرات الواقع، متواشجاً مع مقتضيات العصر الحديث.

يرى الشرفي، في مقدّمة الكتاب، أنّ العالم العربيّ عاش، في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ضرباً «من التمزّق الناجم عن وجود خطابات سياسيّة متضاربة» (ص12)، فحزب البعث كان، في منطلقه، حزباً لائكيّاً حديثاً لم يكن المعطى الدينيّ أساساً لقيامه، ولكنّه، مع ذلك، فشل في تحديث المجتمع؛ لأنّ جهوده كانت منصبّة، أساساً، على توحيد العالم العربيّ، حتّى يصبح قوّة عالميّة ضاربة يُحسب لها ألف حساب. ومن أجل تحقيق هذا الهدف المنشود «انصرف الجهد إلى تصفيف الكتائب المدرّعة يواجه بعضها بعضاً» (ص13)، الأمر الذي نجم عنه تكرار الانقلابات العسكريّة، والانفصال بين البعث السوري والبعث العراقي؛ لهذا وقعت التضحية بمشروع التحديث الحقيقيّ لصالح مشروع الوحدة القوميّة؛ الذي فشل بسبب القطريّة الضيّقة، وحبّ الزعامة.

وفي مصر والمغرب العربي، كان الخلاف قائماً بين عبد الناصر (1918-1970م)، وبومدين (1932-1978م)، وبورقيبة (1903-2000م)، ما جعل الصراع الإيديولوجيّ السياسي سبباً رئيساً في إجهاض مشروع التحديث، لاسيما في المجتمعين المصريّ والجزائريّ، فعبد الناصر، على الرغم من نزعته الحداثيّة الواضحة، عجز عن تحديث القوانين المصريّة، وإكسابها طابعاً مدنيّاً؛ إذ كان يعمل على كسب ودّ الشريحة الشعبيّة التقليديّة، بتقديم تنازلات لفائدة تعبئة للجماهير لمساعدته على بلوغ هدفين استراتيجيين: تحقيق الوحدة العربيّة، وتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيونيّ. ومن هنا، خسر عبد الناصر المعركة الحقيقيّة المتمثّلة في تحديث المجتمع قوانينَ، وفكراً، وسلوكاً، ومعرفةً، ما جعل المجتمع المصري يتقهقر «خطوات عديدة إلى الوراء» (ص15).

ولم يكن بومدين، من صنيع عبد الناصر، ببعيد، فقد أرضى الشريحة التقليديّة، من أجل تحقيق المشاريع الكبرى، كالوحدة العربيّة، ونصر الاشتراكيّة العلميّة، والنضال ضدّ الإمبرياليّة؛ لذلك وقع التخلّي عن قطاع التربية لرجال الدين؛ الذين عملوا على نشر الفكر الأصولي، فعادوا بالمجتمع الجزائري إلى العصر الوسيط، فلم تظهر قوانين وضعيّة تحدّث البنى العائليّة، وتحرّر المرأة، وتنشر قيم المجتمع المدني الحديث، وحقوق الإنسان، ومن ثمّ فضّل مبدأ القيادة والزعامة الضيّقة على تحديث المجتمع الجزائري.

لكنّ الأمر كان مختلفاً في تونس، مع بورقيبة؛ الذي كان يحاول توعية شعبه لمواجهة أسباب التخلّف، ليلتحق بمصاف الدول المتقدّمة؛ لذلك كان يلحّ، في خطاباته، على ضرورة نشر التعليم، وتعميمه في كامل ربوع الوطن، وتحرير المرأة (إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة)، وتحديد النسل، والإيمان بقيمة العمل، ونقد الذات، وتغيير الذهنيّة التقليديّة؛ لذلك قطعت تونس أشواطاً معتبرة في تحديث المجتمع، إلّا أنّ نزعة بورقيبة الفردية الاستبداديّة في الحكم أنتجت «حداثة منقوصةً نظراً لافتقارها إلى الديمقراطيّة» (ص17).

يَعُدُّ الشرفي، في مقدّمة كتابه، أنّ إشكال العالم الإسلاميّ ماثلٌ في الحداثة الخفيّة، التي شهدتها هذه المجتمعات، ما عدا تركيا، وتونس، التي عاشت حداثة صريحة واضحة تجلّت، أساساً، في الانقطاع عن الأحكام الدينيّة والعرفيّة، وفي استبدالها بقوانين وضعيّة ألغت تعدّد الزوجات، وتزويج البنات القاصرات، والميراث الذي يهضم حقّ المرأة. وفي المقابل، لا تزال أغلب الدول الإسلاميّة تحتكم إلى المنظومة التشريعيّة التقليديّة، التي تكرّس الأحكام الرجعيّة المترجمة لوضع رديء للمرأة المسلمة في العصر الحديث، بما في ذلك المرأة المتعلّمة صاحبة المنصب الرفيع في الدولة، ويضرب محمّد الشرفي، على ذلك، مثال وزيرة الشؤون الاجتماعيّة في مصر، عائشة راتب، التي كادت تُمنع من السفر على متن الطائرة في بعثة حكوميّة رسميّة؛ لأنها لم تحصل من زوجها على ترخيص في هذا الصدد، لاسيّما أنها كانت في وضع انفصال عنه، في انتظار البتّ النهائيّ في حكم الطلاق؛ لذلك بدت الحداثة الصريحة الحقيقيّة غير راسخة في البنى الاجتماعيّة، وفي العقليّة السائدة المسكونة برواسب الماضي، أثناء تعاملها مع متغيّرات الراهن، وفي الممارسات السياسيّة النفعيّة؛ التي كثيراً ما تستغلّ نفوذ رجال الدين لتحقيق المآرب الشخصيّة، كالاستمرار في الحكم، وقهر الشعب، وإنفاذ القوانين الزجريّة بمباركة رجال الدين؛ الذين ترفدهم الدولة، نظير خدماتهم تلك، بمشروعة رمزيّة يرسّخون، من خلالها، بعض الفتاوى، التي تتنافى وروح العصر، وتعطي للحكّام ذوي النزعة الحداثيّة والعلمانيّة، أحياناً، «سياسة سلطويّة، ما يعطي هذه الحداثة مظهراً بشعاً أمام الجماهير الشعبيّة» (ص20).

ومن ثمّ، تغيب الحريّة، وقيم الحوار، باعتبارهما أسس الديمقراطيّة، عن هذه المجتمعات؛ التي بقيت تتأرجح بين الأصالة والحداثة، فغلبت النزعة التوفيقيّة بين الإسلام والحداثة، لاسيما في خطاب الحكّام العرب؛ الذين كان همّهم الأوحد «البقاء في الحكم، مهما كان ثمن ذلك» (ص21). ومن هذا المنطلق، اختاروا الخطاب، والمواقف الديماغوجيّة، ما اضطرهم، أحياناً، إلى محاربة الأصوليّة بالأصوليّة، ففشلت هذه التوفيقيّة بين الإسلام والحداثة، في أغلب الدول الإسلاميّة -باستثناء تونس تقريباً- لأنّها لم تأخذ بعين الاعتبار جوهر الدين الإسلاميّ القائم على التجديد، والمشجّع على الابتكار والإبداع والتطوّر، لاسيما أنّ الوقائع التاريخيّة، في ماضي المسلمين، شاهدة على إمكانيّة التوفيق بين الإسلام ومستجدّات الواقع والعصر.

يرى الشرفي، في الفصل الأوّل، أنّ الأصوليّة الإسلاميّة، في العصر الحديث، بوصفها مشروعاً سياسيّاً، لم تنتج سوى العنف والظلاميّة، وما حدث في مصر، ما بين سنتي (1992 و1995م)، وفي التسعينيات في الجزائر، وفي فترة تقلّد حسن الترابي حقيبة وزير العدل في السودان في حكومة النميري، خير شاهد على هذا الفكر الظلامي الدمويّ؛ الذي ميّز الأصوليّة الإسلاميّة. ولعلّ ما جسّمته السلطة الإيرانيّة من ممارسات وحشيّة، باسم الدين، أمارة واضحة على طبيعة هذا الفكر، الذي لا يؤمن بالديمقراطيّة، وحقوق الإنسان، وقيم الحداثة، إلّا في المستوى الدعائيّ، أثناء الظهور في وسائل الإعلام أمام الرأي العامّ، لاسيما العالميّ.

بيد أنّ أفعاله على أرض الواقع تعبّر عن تخلّف هذا الفكر، ورجعيّته، فإيران، على سبيل المثال، اخترعت «آلة كهربائيّة لبتر أيدي المختلسين» (ص27)، مثلما «كرّست المجلّة الجنائيّة الإيرانيّة الجديدة، التي دخلت حيّز التنفيذ في (9 يوليو/تموز 1996م)، الجلدَ، بصفة رسميّة، وذلك باعتباره عقوبة سعاديّة» (ص28). ثمّ إنّ النزعة التقليديّة المناضلة، في بداية القرن العشرين، وجدت صدّاً عنيفاً -على الرغم من تواضع اجتهادها في مسائل الدين- من المؤسسة الدينيّة؛ التي تمارس نشاطها باسم الله، ومن ذلك ما وقع للمصلح الزيتونيّ التونسي محمّد شاكر؛ إذ اجتمع المجلس الشرعي، في صفاقس، ليسحب منه شهاداته العلميّة المتحصّل عليها من الزيتونة، بسبب بعض أفكاره التقدميّة، وكذا الأمر كان مع المصلح الطاهر الحدّاد (1899-1935م)، عندما ثار عليه شيوخ الزيتونة، وحاكموا أفكاره، ولم يسلم في مصر علي عبد الرازق (1888-1966م)، عند نشره كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من قبل شيوخ الأزهر (ص41).

إنّ مقاومة مثل هذه النزعة التقليديّة في الفكر الإسلاميّ، المؤمنة بقيم الحداثة، وبحركة التاريخ، وبسنن التطوّر في الكون، أسهمت في ولادة فكر أصوليّ عنيف، في النصف الثاني من القرن العشرين، مطلبه الوحيد «تأكيد الصبغة الدينيّة للدولة، وتطبيق أحكام الفقه» (ص45)؛ لذلك، تحرير الإنسان، وحقوق المرأة، وتنمية الشعوب، وتحديث المجتمع، مسائل ليست مطروحة بالمرّة في مشروع الأصوليّة الإسلاميّة.

عالج الشرفي، في الفصل الثاني، موضوع (الإسلام والقانون) عَادّاً أنّ القانون الإسلاميّ الكلاسيكيّ كان له دور كبير في تنظيم المدينة، بداية من القرن الثاني من الهجرة إلى غاية القرن التاسع عشر، في بعض البلدان الإسلاميّة؛ لذلك يُعَدُّ هذا القانون، في مجال القانون المقارن، مصدراً من مصادر استلهام القوانين اليوم. غير أنّ القانون الموصول بالعبوديّة والرقّ يتناساه، في عصرنا، الفقهاء، وزعماء الإسلام السياسيّ؛ لأنّه يتعارض مع حقوق الإنسان، ناهيك عن أنّ الأصوليين الإسلاميين، إلى يومنا هذا، يتمسّكون بالقوانين المرتبطة بالأحوال الشخصيّة، والقانون الجنائي، وحريّة المعتقد، ومن ذلك الإلحاح على حقّ الرجل في الزواج بأربع نساء، فضلاً عن كون هذا الفقه يناهض حريّة المعتقد؛ التي كفلها النصّ القرآنيّ بصريح العبارة، في الآية (256) من سورة البقرة: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ}، ويشجّع العقوبات البدنيّة، وإقامة الحدود التي ولّى زمانها، متجاهلين أنّ الفقه لا يعدو أن يكون اجتهاداً وعملاً بشريّاً يحتمل الخطأ والصواب، ومن هنا، نستنتج أنّ الفقهاء حرصوا، دائماً، على «ربط القواعد التي ابتدعوها بالتعاليم الدينيّة» (ص138)، فتُقدّم آراؤهم على أنّها نفوذ إلهيّ لا يمكن مسّه ومناقشته. على حين أنّ عمر بن الخطاب (ت 23هـ)؛ الذي يُعدّ حجّة قويّة لدى المسلمين، بما في ذلك الأصوليون، أبطل، زمن خلافته، العديد من الأحكام القرآنيّة، التي لا تتماشى مع الوضع القائم (تعليق العمل بحدّ قطع اليد في سنة القحط - عدم توزيع الغنائم على المقاتلين عند فتح العراق - عدم تطبيق أمر منح المؤلفة قلوبهم قسطاً من الغنائم لمّا صار المسلمون قوّة ضاربة لا تحتاج إلى كسب قلوب الناس بالمال- منع تزوّج المسلمين، أثناء الفتوحات، بالمسيحيات واليهوديات، استجابةً لتذمّر النساء المسلمات من هذا الصنيع)، ولم يخرق عمر ما جاء في القرآن من أحكام إلّا مراعاة لمصالح المسلمين، وظروفهم القائمة، انطلاقاً من فهم عميق لمقاصديّة الشريعة الإسلاميّة، فمن المفارقات أن يتشبّث الفكر الإسلامي الحديث بهذه الأحكام المرتبطة بمعطيات تاريخيّة قديمة، في عالمنا المعاصر، الذي يسير على إيقاعات سريعة قوامها التغيّر، والتطوّر، جرّاء التقدّم العلميّ الهائل؛ الذي حقّقه الإنسان في مختلف مجالات الحياة.

خصّص الشرفي الفصل الثالث لتناول قضيّة الإسلام والدولة، ولعلّ أهمّ ما انتهى إليه، في هذا المضمار، أنّ الإسلام، بعد البحث والتمحيص في القرآن والسنّة، وتجربة الخلافة، لا يعدو أن يكون ديناً قائماً على جملة من العقائد، شأنه، في ذلك، شأن اليهوديّة والمسيحيّة، فالإسلام ليس سياسة، وليس انتماء؛ بل هو مسألة ضمير، وهو عمل أساسه الإيمان بالله، لا القوّة والترهيب، ثمّ إنّ مؤسّسة الخلافة، منذ تأسّست على يديْ أبي بكر الصديق (ت 13هـ)، في تجربة المدينة، حتّى اندثارها في العصر الحديث على يديْ مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938م) سنة (1924م)، لم تكن ذات طابع دينيّ؛ بل كانت ذات توجّه دنيويّ خالص بعيد عن الدين، وهذا الذي لم يستوعبه الفكر الأصوليّ الإسلاميّ إلى حدّ الآن (ص184-185).

اهتمّ الشرفي، في الفصل الأخير، بقضيّة التربية والحداثة في المجتمعات الإسلاميّة، منطلقاً من حادثة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيليّ إسحاق رابين -وهو من المقتنعين بضرورة إحلال السلام مع الفلسطينيّين-، سنة (1995م)، على يد يهوديّ متطرّف تبيّن، فيما بعد، أنّه ذو تعليم دينيّ تلقّاه في جامعة بارايلان الدينيّة في تلّ أبيب؛ لذلك ربط الشرفي بين العنف، والإرهاب، والتطرّف، وطبيعة التربية الدينيّة من جهة، وبين التسامح، والاعتدال، والتعايش السلميّ، والتربية الوضعيّة الحديثة القائمة على تعليم العلوم العقليّة، وعلى رأسها الفلسفة؛ التي تطوّر الحسّ النقديّ لدى الناشئة، من جهة أخرى.

فهذا التعليم القائم على الروح العلميّة، والشكّ، والنقد، يحول دون أن يكون الشاب المسلم طعماً سهلاً لأصحاب الفكر الدينيّ الأصوليّ المتطرّف؛ لذلك لا بدّ من تحديث مناهج التربية ومحتويات التعليم، حتّى ننتج مجتمعَ معرفة متقدّماً يؤمن بحقّ الإنسان في العيش السلميّ، وفي الإبداع والابتكار في مختلف مجالات العلوم، والفنون، والإنسانيات، مثلما «يتفتح على الثقافة الكونيّة» (ص267)، على حدّ تعبير الشرفي.

وهكذا، يخلق هذا الضرب الحديث من التربية والتعليم كفاءات شابّة قادرة على الاجتهاد، والتجديد، وتطوير المعرفة الإنسانيّة، ومؤمنة بحقّ الآخر في الاختلاف، وبنسبيّة المعرفة؛ التي تحتاج، دائماً، إلى المراجعة والتعديل، وفق روح علميّة قوامها «الشكّ الخلّاق... والروح النقديّة الحقّ» (ص259).

جاءت الخاتمة في صفحتين أجمل فيهما صاحب كتاب (الإسلام والحريّة) أهمّ النتائج؛ التي استخلصها في الفصول الأربعة المخصّصة لمعالجة قضيّة الحريّة في الإسلام، ولعلّ النتيجة الجديرة بالتذكير أنّ الإسلام دين، وليس سياسة، وهو، إلى ذلك، مسألة إيمان وضمير لا انتماء، انطلاقاً من دراسة بعض الآيات القرآنيّة، ومنتخبات من السنّة النبويّة، ثمّ إنّ النتيجة المهمّة الأخرى المثبتة في البحث تؤكّد أنّ مؤسّسة الخلافة في الإسلام لم تكن، البتّة، مؤسّسة دينيّة؛ بل هي مؤسّسة سياسيّة قامت على المكر والدهاء، وإعمال العقل في شؤون الدنيا، وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة والرعيّة.

لقد بيّن الشرفي أنّ الحكّام العرب يعيشون الحداثة، ويعلّمون، في الآن نفسه، الناشئة التقليد، بغية المحافظة على التوازن الوهميّ والسلطة المغتصبة بالانقلابات، وتزوير الانتخابات، ومنع المعارضة، وسجن الغاضبين، وتعذيب المتمرّدين (ص269)، فهذا الصنف من السياسة النفعيّة القمعيّة لا يساعد إلّا على إنتاج التطرّف، وعلى اقتراح حلول مؤقّتة لتحسين الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لا تعدو أن تكون -في نظر الشرفي- «مسكّنات تؤخّر المواعيد، ولكنّها لا تستأصل الداء» (ص269).

ويرى الشرفي، في نهاية الخاتمة، أنّ استتباب السلام والوفاق بين الأشخاص والشعوب متوقّف على الفصل الواضح بين السياسة والدين، وعلى تعليم الناشئة، في مجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة، أسس ذلك الفصل.


[1] نشر ضمن مشروع "تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية (2) محاولات تجديد الفكر الإسلامي مقاربة نقدية"، تقديم بسام الجمل، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.