الإسلام والعلمانيّة: ملاحظات أوليّة حول موقف محمد أركون

فئة :  مقالات

الإسلام والعلمانيّة: ملاحظات أوليّة حول موقف محمد أركون

 الإسلام والعلمانيّة

ملاحظات أوليّة حول موقف محمد أركون*


احتلت العلمانية مكانة مركزية في مشروع محمد أركون. يؤكد هذا مجموع الدراسات التي خصها منذ بداية مشروعه الذي اصطلح عليه في البداية بمصطلح (الإسلاميات التطبيقية) سيراً على نهج روجيه باستيد في كتابه: الأنثربولوجيا التطبيقية، ثم بمصطلح (العقل الإسلامي) تماثلاً وتقابلاً مع (العقل العربي) للجابري. ولمناقشة بعض أفكاره حول العلمانية فإننا سننظر في العناصر الآتية:

أولاً: في مفهوم العلمانية

منذ أبحاثه الأولى قدّم محمد أركون مخططاً نظرياً يتكون من أربعة عناصر هي:

1. التجربة التأسيسية وظهور العقل الإسلامي ومصلحة/عقل الدولة 610 -661.

2. العلاقة بين الدين والدولة والدنيا.

3. انفجار العلاقة بين الدين والدولة والدنيا.

4. الإكراهات المتراكمة والتجاوز المطلوب (1982).

وحلل هذا المخطط العام في الدراسات المبينة أدناه[1]، وأشار إليه بشكل مباشر أو غير مباشر في مختلف نصوصه، وعمل على تفكيك نصوص التراث الإسلامي المؤسسة منها والشارحة من خلال الإجابة عن السؤال الآتي: "كيف تتبدى لنا العلاقة بين الدين والسياسة في القرآن وفي عمل النبي"؟[2] وأجاب عن ذلك بخطوة منهجية تمثلت في ضرورة: "اختراق هذا الحجاب السميك من المفردات والتشكيلات التيولوجية والحكايات التاريخية-الميثولوجية والممارسات الشعائرية، ثم المؤسسات التي أدت تدريجياً إلى ولادة الإسلام السنّي والشيعي والخارجي بكل تلويناتها الحنفية والحنبلية والزيدية والإسماعيلية، إلخ..."[3].

ومن خلال تحليل مفهوم السلطة في القرآن، خلص إلى "أنّ المعاني التي قد كررت ورددت دون ملل أو تعب في القرآن، قد أوجدت ورسخت سيادة عليا متعالية، هي تلك السيادة المتعلقة بالله الواحد، الحي، المتكلم إلى البشر (...). هذه السيادة هي التي سوف تسوغ وتشرع السلطة السياسية للنبي ولخلفائه من بعده"[4].

من هنا، فإنه لا يمكن الحديث عن العلمانية ما لم يتم تفكيك مسألة السيادة العليا والسلطة السياسية التي تتماثل مع مسألة المعرفة والسلطة كما صاغها ميشيل فوكو، وذلك من أجل: "إعداد نظرية شاملة للروابط بين الدين والسياسة من خلال النموذج الإسلامي"[5].

ووفقا لتحليله، فإنّ التراث الإسلامي قد سارع إلى تحويل الفترة النبوية والفترة الخاصة بالخلفاء الراشدين إلى عصر أسطوري وتأسيسي. كما أصبحت السلطة المنبثقة عن الأحداث الدامية التي عرفتها الخلافة تمتلك وتدير الأوضاع وتحافظ على النظام القائم بواسطة الإكراه والتقييد. وعندما تلجأ إلى الإقناع فإنّ هذه السلطة تخفي الآليات والرهانات الحقيقية من أجل إنتاج أيديولوجية تبريرية تستخدم قليلاً أو كثيراً المصادر الأساسية للسيادة العليا وتستفيد ممّن يمتلكونها بالفعل[6].

تتكون السيادة العليا من ثلاثة عناصر هي:

1. الأيديولوجية من أجل الشرعية.

2. الأسطورة من خلال شخصيات نموذجية كبرى للسيادة العليا.

3. الشخصية الأصلية كأنموذج مثالي. ويعتقد أركون أنّ هذا الجانب هو الأكثر عمقاً في مسألة السيادة العليا.

وفي تقديره، فإنّ علاقة السيادة العليا بالسلطة السياسية قد تحققت في مرحلة تدوين العلوم العربية. يقول:

"لتوضيح السيادة العليا وبلورتها احتاجت الدولة لكل السيادة التقنية أو العلوم التقنية الخاصة الإخبارية (عالم الأخبار وعالم اللغة والنحويّ وعالم الكلام التيولوجي الفقيه). إنّ الفضائل والخصال المتجمعة تحت مفهوم العدالة (محدث عدل) كانت تمثل الشرط المشترك والضروري المطلوب توافره في كل ناقل أو قاضٍ أو مجتهد أو إمام أو خليفة. هنا نجد أنفسنا إزاء مجموعة ذات مغزى ودلالة من الصفات والوظائف وأنواع السلوك الخاصة بمفهوم السيادة العليا في الإسلام"[7].

لا يمكن الفصل بين السيادة العليا والسلطة السياسية، مثلها مثل المعرفة والسلطة، وذلك على الرغم من تمايزهما واختلافهما. يقول: "إنّ السيادة والسلطة (...) شيئان مترابطان، وأزمة إحداهما تؤدي إلى أزمة الأخرى"[8]. وعبّر عن الفكرة نفسها في موضع آخر بقوله: "إذا استطعنا أن نفهم كيف يتمفصل ويتعاضد عقل إسلامي معين مع عقل/مصلحة دولة منذ بداية ظهورهما في طور التجربة التأسيسية، فسوف يكون سهلاً علينا فيما بعد أن نتتبع المغامرات الديالكتيكية لهذين العقلين في السياقات الاجتماعية -الثقافية الشديدة التنوع"[9].

بعد هذه التحديدات الأولية، حاول أركون كتابة تاريخ العلاقة بين السيادة العليا والسلطة السياسية، تاريخ شبيه بذلك التاريخ الذي تحدث عنه ميشيل فوكو في التراث الغربي والخاص بالقياس في المرحلة اليونانية، والتجريب في عصر النهضة، والسؤال في العلوم الإنسانية في العصر الحديث، بحيث رسم تاريخاً لتلك العلاقة القائمة بحضور النبي وهيبتها كانت من هيبته التي كانت بادية للعيان مع حضور مباشر للخطاب القرآني. وبعد موته تفرعت هذه السيادة إلى فرعين: القرآن والحديث، وبعد جمعهما وكتابتهما شكّلا مجموعة نصية ضخمة من التراث الكتابي المقدّس، وستستغل الدولة هذا المعطى لتمارس سلطتها.

يظهر هذا التوجه في التجربة التأسيسية والدولة الأموية ثم الدولة العباسية، لكن مع فارق في الأولوية المعطاة لأحد العنصرين. لقد كانت السيادة الروحية خلال المرحلة التأسيسية سابقة على السلطة السياسية، ولكن في المرحلة الثانية، أي زمن الأمويين والعباسيين، أصبحت السلطة السياسية هي التي تتلاعب بالسيادة العليا. ولأنّ هذه المسألة ليست مقطوعة عمّا يجري اليوم في المجتمعات الإسلامية، فإنّ أركون ناقشها ضمن مظهرين أساسيين هما: العلمنة، وإعادة تقييم الإسلام باسم الحداثة.

يربط أركون بين العلمنة والحداثة سواء من حيث التعريف أو التحليل. فالحداثة عنده هي: "موقف للروح أمام المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع"[10]. والعلمانية: "هي موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة"[11]، وذلك من خلال وظيفتين: الأولى كيف نعرف الواقع بشكل مطابق وصحيح؟ والثانية خاصة بدور المدرسة، أو كما قال: "هكذا أفهم العلمنة: أقصد العلمنة المعاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في العالم الواقعي، وتساعد على نشر ما نعتقد أنه حقيقي في الفضاء الاجتماعي"[12]، أو هي: "موقف محدد للإنسان أمام مشكلة المعرفة"[13]. وما عدا هذه المعاني، فإنّ العلمانية تصبح: "رهاناً سياسياً بائساً"[14].

وتختلف الحداثة عن التحديث الذي لا يعدو أن يكون إجراء شكلياً أو خارجياً لا يرافقه أي: "تغيير جذري في موقف المسلم للكون والعالم"[15]. ولكن ما يجب التنويه إليه هو عدم وجود حداثة واحدة في التاريخ، فالإسلام في زمانه كان يشكل حداثة ويمثلها، كما أنها لا تخضع في تقدمها إلى نوع من الخط المستقيم، ولا يجب النظر إليها من خلال التقدم في الزمن أو التسلسل الخطي وهو ما يؤدي إلى فكرة انعدام نموذج واحد وأحادي للحداثة، ويفتح المجال بالتالي للاختلاف والتجديد والإبداع، على أن تكون عملية متكاملة فكراً وتقنية، لأنها تعبير عن: "الموقف المتوتر واليقظ الذي تقفه الروح البشرية أمام الواقع والتاريخ الذي يولده البشر في المجتمع أو على هيئة المجتمع"[16].

وإذا كانت الحداثة تتميز بأشكالها التاريخية فكذلك الحال بالنسبة للعلمانية. ولأنّ أهم جانب تظهر فيه الحداثة هو الموقف من العلمنة التي لا يجب اختزالها إلى مجرد التفريق البسيط بين الشؤون الروحية والشؤون السياسية. وهذا يعني أنّ العلمنة تفيد ما ذهب إليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وهو رفع الغلالة السحرية عن العالم، ثم لأنّ تفريقاً كهذا في نظر أركون موجود عملياً في كل المجتمعات حتى عندما ينكر وجوده ويحجب بواسطة المفردات الدينية. وبهذا المعنى، فإنّ المجتمعات الإسلامية منخرطة في: (تاريخ علماني معلمن)، وحتى الحركات الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى الأصول وتعمل على إقامة الدولة الدينية فإنها: "علمانية في حياتها اليومية ومهنها ووظائفها وحاجياتها الأساسية"[17]. وعليه، فإنّ المشكلة بالنسبة إليه ليس في غياب واقع علماني في المجتمعات الإسلامية، وإنما المشكلة تكمن في انعدام: "نظرية معقولة ومقبولة عن ظاهرة التقديس والعامل الروحي والمتعالي والأنطولوجيا"[18]. بالإضافة إلى فراغ ثقافي مهول يمنع من انتشار ثقافة علمانية وحوار وصراع الأفكار في هذه المجتمعات.

والواقع، أنه على الرغم من مراكمة هذه المجتمعات للوسائل المادية الحديثة، فإنّ ثقافتها وفكرها مازال تقليدياً، مع أنّ مستقبل العلمنة سيعتمد دون أدنى شك على الحداثة العقلية أو الفكرية. من هنا جاءت مساهمته الفكرية في قضية العلمنة والعلمانية، ومشروعه المسمّى (نقد العقل الإسلامي) إنما هو محاولة لـ(علمنة الإسلام). ويمكن أن نوجز مفهومه للعلمانية في النقاط الآتية:

1. ينطلق أركون من فرضية أساسية هي: "أنّ العلمنة لا يمكن لها أن تكون غائبة عن التجربة التاريخية لأيّة جماعة بشرية حتى ولو تجلت في صور ضعيفة وغير مؤكدة"[19]. ويفهم من العلمنة كما قال: "العلمنة كما نفهمها تتركز في مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان ووسائل تحقيق هذه الحرية"[20].

2 . يتطلب مناقشة العلمانية طرح مسألة الخلافة كما طرحها علي عبد الرازق، وكذلك في ضوء الإنثربولوجيا السياسية، وضرورة ربطها بالخليفة والإمام والسلطان. يقول أركون: "هكذا نلاحظ أنّ معاني المصطلحات واضحة الاختلاف. إنّ المصطلحين الأولين يتضمنان مسؤوليات روحية وزمنية، في حين المصطلح الثالث يعني فقط ممارسة السلطة المكتسبة عن طريق القوة. هكذا نكون قد حققنا التمييز ما بين الخلافة والسلطنة اللتين كثيراً ما يخلط بينهما، وذلك بسبب أنّ السلاطين الأتراك كانوا قد ادّعوا ميراث الخلافة"[21].

3.الدولة الأموية أو العباسية دولة علمانية وليست دولة دينية. أمّا التنظير الأيديولوجي الذي قام به الفقهاء فيعتبر إنتاجاً عرضياً محكوماً بظروف وقته، والهدف منه تغطية واقع سياسي وتاريخي معين بمحاجات دينية ذات مصداقية. وقد قامت القوة العسكرية في وقت مبكر بدور كبير في نظام الخلافة ونظام السلطنة وكل أشكال الحكم اللاحقة المدعوة إسلامية.

4. إنّ محاولات عقلنة العلمنة الممارسة واقعاً في المجتمعات الإسلامية، ولكن غير المنظر لها، وتطوير موقف علماني كانت قد حصلت من قبل الفلاسفة المسلمين في الماضي: ابن المقفع، الجاحظ، المعتزلة. لهذا السبب ينبغي كتابة تاريخ جديد للفكر العربي - الإسلامي.

5. إنّ أشكال الإسلام المدعوة مستقيمة أو أرثوذكسية (كالاتجاه السني أو الشيعي أو الخارجي)، أي الأشكال التي تحتكر (الإسلام الصحيح)، هي عبارة عن انتقاء وتوظيف أيديولوجي لمجموعة من العقائد والأفكار والممارسات المقدمة والمصورة على أساس أنها دينية.

6. ينبغي إعادة فحص مكانة العامل الديني والتقديسي والوحي ودراستها على ضوء النظرية الحديثة في المعرفة.

7. كل الأنظمة السياسية التي ظهرت في المجتمعات العربية والإسلامية بعد تحررها من الاستعمار هي أنظمة علمانية بحكم طبيعة الأشياء أو علمانية واقعاً وتسيطر عليها النماذج الغربية في الإدارة والحكم، ومقطوعة عن النظرية الكلاسيكية للمشروعية العليا الدينية وعن الحداثة العقلية في آن معاً.

8. إنّ العلمانية بهذه الصفة المطروحة، أي باعتبارها مصدراً للحرية الفكرية وفضاء تنتشر فيه هذه الحرية من أجل افتتاح نظرية جديدة في ممارسة السيادة العليا والمشروعية هي إمكانية ينبغي الشروع فيها كذلك داخل المجتمعات الغربية الأوروبية المعاصرة أيضاً[22].

9. من شروط الحداثة تحقيق العلمانية أو ضرورة الفصل بين السيادة الروحية العليا والسلطة السياسية، مع ضرورة التمييز بين العلمانية كمكسب من مكاسب الحداثة والعلمانية الأيديولوجية بحيث يجب الأخذ بالأولى وترك الثانية، أو كما قال: "أنا اعتقد أنّ الفكر العلماني المنفتح والممارس بصفته موقفاً نقدياً تجاه كل فعل من أفعال المعرفة، وبصفته البحث الأكثر حيادية والأقل تكويناً من الناحية الأيديولوجية من أجل احترام حرية الآخر وخياراته هو أحد المكاسب الكبرى للروح البشرية"[23]. وانطلاقاً من هذا الفهم، انتقد أركون تجربة أتاتورك رغم تثمينه لها، لأنها جعلت تركيا تدخل عصر الحداثة، ولكن أتاتورك في نظره كان محكوماً بنمط معين من الإسلام هو إسلام القرن التاسع عشر، وبنمط معين من العلمانية ذات المنزع الأيديولوجي وليست العلمانية ذات المنزع العلمي والفكري.

10. إذا كانت الحداثة مشروطة بالعلمانية فإنّ العلمانية مشروطة هي الأخرى بحقوق الإنسان. وفي تقديره، فإنّ حقوق الإنسان تبدأ عندما نتوقف عن التمييز بين المؤمن والكافر وبين المسلم وغير المسلم، فكل واحد من هؤلاء إنسان وله حقوق بصفته تلك. وتعتبر هذه المسألة من المسائل غير المفكر فيها في الفكر الإسلامي. وأنّ ما يُعقِّد مسألة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية هو الكيفية والطريقة التي تشكلت بها الأنظمة السياسية القومية بعد الاستقلال، تلك الكيفية التي تعرقل عملية تطبيق الحد الأدنى من حقوق الإنسان واحترامها بالشكل اللازم، لذلك رأى أنّ مسألة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية من المسائل الأساسية التي يجب أن يتحملها الفكر الإسلامي المعاصر. صحيح أنه مع ظهور الإسلام ظهرت بوادر لحقوق الإنسان، إلا أنه يجب أن نعرف الطابع الجديد لهذه الحقوق بعد الثورة الفرنسية. وإذا كان أصحاب القرار في المجتمعات الإسلامية يحاولون محاكاة الغرب في هذه المسألة وفي الوقت نفسه الاختلاف عنهم، فإنهم لم ينتبهوا إلى أنّ ظاهرة الثورة الفرنسية تمثل قطيعة تفصل العصور الحديثة عن العصور القديمة، وأنّ هذه القطيعة "أصابت المستوى الرمزي والديني في الصميم، ولم تصب فقط القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حياة المجتمع"[24].

ثانياً: ملاحظات أولية

لا يغطي التحليل السابق مختلف عناصر مفهومي العلمانية والعلمنة عند أركون، ولكنه يقدم العناصر الأساسية التي تسمح في تقديرنا بمناقشته على ضوء التطورات التي عرفها مفهوم العلمانية. ويمكن حصر هذه المناقشة في النقاط الآتية:

  1. شدد أركون في مفهومه للعلمانية[25] على ثلاثة عناصر هي: حرية الفكر، والمدرسة الحرة، وأولوية العقل، بحيث تصبح العلمانية بمثابة نظرية في المعرفة. والعنصران الأول والثاني يحيلان، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى المادة الحادية عشرة من بيان الثورة الفرنسية: بيان حقوق الإنسان والمواطن[26]، وكذلك إلى الاستعمال القاموسي الذي أدخله فردينان بويسون (Ferdinand Buisson) في العام 1883، وفي كتابيه: المدرسة اللائكية، والأخلاق اللائكية حيث جمع بين المعنى الزمني أو الدنيوي أو العلمنة (laïcisation /sécularisation)، وبين العلمانية من حيث هي حرية الفكر، مع الإعلاء من قيمة العقل أو القول بسيادة العقل.

وفي هذا السياق يجب أن نشير إلى أنّ بويسون يرى أنّ العلمانية عملية تاريخية تتفق والخروج من الحكم الديني (الثيوقراطية)، وتتشكل من عنصرين متلازمين هما الفصل بين الفضاءات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية، وتحرر هذه الفضاءات والمؤسسات من الحكم الديني بحيث يصبح الدين نفسه مجالاً خاصاً ومحدداً. وفي تقديره، فإننا نستطيع الحديث عن العلمانية عندما تبلغ عتبة معينة. وتطبيقاً لذلك، ذهب إلى القول إنّ تلك العتبة لم يتم بلوغها قبل ثورة 1789. لماذا؟ لأنّ الدين في صورته الكاثوليكية كان يؤثر في مختلف الفضاءات الاجتماعية والسياسية، ويفرض من قبل السلطة، ثم بلغت العلمانية تلك العتبة عندما قامت الثورة وتمّ الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، بحيث تمّ استبدال السيادة الشعبية بمبدأ القانون الإلهي مع إقرار حرية الضمير والمساواة والتمييز بين المواطنة وبين الانتماء الديني. وعليه، فإنّ العلمنة كانت قبل الثورة تشكل نوعاً من الفصل المتمثل في استعمال الدين لأغراض سياسية، وأنّ الدولة بعد الثورة وبالنظر إلى شدة الصراع بين أنصار الثورة وأنصار الكاثوليكية لم تتمكن من تطبيق العلمانية، وإنما قامت ببعض الخطوات التي توصف بالحق الملكي أو حق الدولة (régalisme)، أي أنّ من حق الدولة أن تراقب الدين وتفرض في الوقت نفسه نمطاً دينياً معيناً، ويستعمل لهذا الغرض في فرنسا اسم: الغاليكانية (gallicanisme)[27].

يعني هذا أنّ أركون يعيد بطريقته الخاصة وبشكل غير مباشر مخطط بويسون، ومن جهة أخرى يستبعد معاني أخرى ملازمة للعلمانية في سياقها الفرنسي، ومنها ما ذهب إليه جيل فيري (Jul Ferry) من أنّ العلمانية تعني مناهضة الإكليروس أو الكنيسة، أو تعني الحياد، حياد الدولة، ولكن يجب فهم الحياد في ذلك الوقت كنوع من الدفاع عن العلمانية، والاستقلال تجاه كل الطوائف الدينية.

2. يطرح العنصر الثالث الخاص برفع العلمانية إلى مستوى نظرية المعرفة مشكلات وأسئلة إبيستمولوجية، ومنها: على أي أساس يتم تحويل مفهوم سياسي كمفهوم العلمانية إلى مفهوم معرفي؟ وإذا كانت العلمانية تقتضي إعطاء الأولوية للعقل، فهل هذه الأولوية نظرية أم عملية؟ وعلى أي أساس يتم الربط بين العلمانية والحقيقة، أو كما قال: "العلمانية موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة" أو "نعرف الواقع بشكل مطابق وصحيح"[28]. فما هي هذه الحقيقة التي ترتبط بها العلمانية؟ وأي واقع تتطابق معه؟ وهل عدم اتخاذ العلمانية مقاربة يحول دون التوصل إلى الحقيقة والتطابق مع الواقع؟ لا يلتفت أركون إلى هذه الأسئلة رغم أهميتها، وإنما اكتفى بعرضها كبدهيات عامة.

3. إذا كان يحق لأركون أن ينتقي المعنى المناسب لمشروعه، فإننا نعتقد أنّ استبعاده لواحد من المعاني الأساسية للعلمانية هو أمر يجانب الطرح الموضوعي للمسألة، وبخاصة أنه يستحضره في تحليله لتاريخ العلمنة في الإسلام. ونعني بذلك أنّ العلمانية تعني الفصل بين الدولة والدين، وأنّ تأسيس وتنظيم الدولة لا يقوم على الأساس الديني، وهو ما سبق أن أقرته نظريات العقد الاجتماعي والميراث الليبرالي. وهذا يعني أنّ العلمانية لا يمكن فصلها عن الديمقراطية الليبرالية، وعن سياق تاريخي وثقافي معين يمكن تشخيصه في ثلاثة معالم:

المعلم الأول هو ارتباط العلمانية بالحداثة والعقلنة ونزع الغلالة السحرية عن العالم وتراجع النظرة أو الرؤية الدينية للعالم، وهو ما توقف عنده ماكس فيبر وبينه مارسال غوسيه، والمعلم الثاني هو ضرورة التمييز بين التقليد الأوروبي والأمريكي في مفهوم العلمانية، وبخاصة في مسألة تحديد العلاقة بين الدين والسياسية، فمنذ القرن التاسع عشر بيّن ألكسي دو توكفيل أنّ ما يميز النظام الأمريكي هو حضور الدين في المجتمع، بل يمكن القول إنّ الدين يُعدّ عاملاً أساسياً في التجربة السياسية الأمريكية، ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أنّ الدين في أمريكا يعرف حدوده، أو يضع لنفسه حدوداً في علاقته بالسياسة وتدبير شؤون الدولة، وأنّ الروح الدينية لا تتعارض مع روح الحرية، والمعلم الثالث هو أنّ العلمانية قد اتخذت في أوروبا شكلين عامين: شكل العلمنة بواسطة الدولة ونموذجه الأكبر هو فرنسا ومعظم البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية، والعلمنة من خلال المجتمع المدني وميزت البلدان ذات الأغلبية البروتستانتية كألمانيا[29].

يفيد هذا التصور الأولي لمفهوم العلمانية أنّ علمنة العالم ورفع الغلالة السحرية عنه قد أدت في الحقيقة إلى علمانيات مختلفة، ولكن النخب الفكرية في العالم العربي، ومنها أركون على وجه التحديد، قد تأثرت أكثر بالنموذج الفرنسي الذي تحولت فيه العلمانية من طريقة في تدبير الدولة وتصريف الشؤون السياسية إلى هويّة ميزت التاريخ الحديث لفرنسا منذ حدث الثورة إلى يومنا هذا[30]. من هنا يمكن القول إنّ عملية التأسيس التي قام بها أركون لم تهتم بالعلمانيات المختلفة، وإنما اقتصرت على العلمانية الفرنسية، وبأحد عناصرها، وقد فاتها النظر في عناصر أخرى كان بالإمكان أن تثري عملية التأسيس.

4. في تركيزه على عملية الفصل والربط بين السيادة العليا والسلطة السياسية، قدّم تأويلاً للتاريخ السياسي في الإسلام. وإذا كان هنالك نقاش حول طبيعة الدولة في الإسلام من حيث هي دولة مدنية أو دولة دينية، فإنّ من البيّن أنّ تلك الدولة كانت تخضع للشريعة، وبخاصة في علاقتها بالرعية. ويبدو في تركيز أركون على العلمانية، بما هي معرفة أو كما قال الوظيفة المعرفية والنقدية، تقليل للجانب السلطوي من العلمانية. وإذا كان هذا التقليل مفهوماً من ناحية التحليل، فإنه يجانب الصواب من حيث المفهوم، إذ أنّ العلمانية هي أولاً وقبل كل شيء تدبير سياسي حديث لم تعرفه المجتمعات القديمة، ومحاولة تأصيله إنما هي عملية تأويلية لا يمكن فهمها إلا في سياق الصراع السياسي بين الفاعلين الاجتماعيين سواء داخل أوروبا، وبخاصة فرنسا حيث تعرف الجالية المسلمة تحولات سياسية فرضت إعادة النظر في بعض معاني العلمانية الفرنسية، أو في العالم العربي والإسلامي حيث ما يزال الصراع قائماً بين أنصار الدولة المدنية والدولة الدينية.

5. لا نستطيع فهم تحليل أركون للعلمانية وتاريخها في الإسلام بعيداً عن السياق الثقافي العام، وبخاصة ما يعرف بـ (الإسلام السياسي)، وما يطرحه من مشكلات ومنها الموقف من العلمانية[31]. ويبدو واضحاً أنّ إحدى غايات أركون هي كتابة تاريخ للعلمانية في الفكر الإسلامي، وإجراء نوع من التأصيل لهذا المبدأ، وذلك وفقاً لمبدأ المماثلة والقلب. فإذا كان الإسلام السياسي ينكر وجود عملية فصل بين السياسي والديني في الإسلام، فإنّ أركون قد عمل ما بوسعه لإثباتها. ولكن ما يجب ملاحظته هو أنّ هذه العملية قد لا تحتاج إلى كل هذا الجهد النظري، وإلى تلك العدة المنهجية التي استحضرها لإثبات قضية الفصل أو على الأقل الطابع الدنيوي للحكم. لماذا؟

لأنه إذا كان خطاب أركون موجهاً في جزء منه على الأقل إلى الإسلاميين، فإنّ هؤلاء وعلى اختلاف مشاربهم إنما يميزون مثل ما يميز أركون المرحلة التأسيسية أو تجربة المدينة التي ارتبطت فيها السياسة بالدين أو السيادة العليا بالدولة، وأنّ الفصل قد حصل منذ قيام النظام الملكي، وبالتالي فإنّ الاختلاف بينه وبينهم إنما يتمثل في الموقف. ففي الوقت الذي يرى فيه الإسلاميون أنّ ذلك الانفصال كان علامة على الانحراف عن الدين ومقاصده، فإنّ أركون يرى أنّ ذلك من طبيعة الأمور، وأنّ إمكانية العودة إلى تجربة المدينة من خلال نموذج مثالي هو وهم وأسطورة.

6. إنّ عملية الفصل هذه قد سبق ونبّه إليها القدماء، وبخاصة ابن خلدون الذي ميز بين الخلافة والإمامة وبين الملك، وتوقف بشكل خاص عند الملك العضوض[32]. وإذا كان الإسلاميون ينكرون عملية الفصل أو بالأحرى (الانحراف) الذي استحدثه الملك العضوض، فإنّ أركون يجري على تلك العملية تحليلاً يطرح أكثر من سؤال، ومن هذه الأسئلة: بأي معنى يمكن أن نصف ما حدث باسم الملك العضوض بأنه نوع من العلمانية أو العلمنة، سواء فهمنا من العلمانية حرية الفكر والضمير أو نوعاً من العقلانية (أي العلمنة)؟ فهل كان الملك العضوض الذي يعني الاستبداد والطغيان يحترم الحرية الفكرية؟ ثم كيف نفهم تحليل أركون للعقلانية وهو الذي ميز في كتابه: الفكر العربي، بين العقلانية الحديثة التي قطعت مع العقلانية الأرسطية ومنها بالطبع العقلانية الإسلامية[33]؟

7. إنّ بعض استنتاجاته تطرح أكثر من مشكلة علمية، ومنها على وجه التحديد رأيه في أنّ ما أقره الفقهاء من قواعد في الفقه الإسلامي، وهي: القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس إنما يدخل في باب: "الحيلة الكبرى التي أتاحت شيوع ذلك الوهم بأنّ الشريعة ذات أصل إلهي"[34]، ومن أنّ تلك القواعد الأربعة: "غير قابلة للتطبيق"[35]، ومن أنّ "الشريعة التي يتحدثون عنها بكل تبجح ليست واحدة في أصولها عند السنّة وعند الشيعة"[36].

يصعب القبول بهذه الأحكام التي لم يتم إسنادها بدليل، وتزداد الصعوبة إذا نظرنا إلى ما انتهى إليه البحث التاريخي في شأن الفقه الإسلامي. وإذا كان المجال لا يتسع لمناقشة هذه الأحكام، فإننا نرى من الضروري أن نشير إلى رأي أحد الباحثين في تاريخ الفقه الإسلامي وهو وائل حلاق الذي بيّن أنّ الفقه الإسلامي لم ينبثق: "من آلة السلطة السياسية، وإنما ظهر باعتباره مؤسسة مستقلة أنشأها رجال أتقياء وطوروها، وهم الذين شرعوا في دراسة الفقه وبلورته باعتباره نشاطاً دينياً. ولم يكن بإمكان السلطة الإسلامية الحاكمة أي الجهاز السياسي أن يحدد مطلقاً أحكام الشرع"[37]. وبيّن الفرق الأساسي بين السلطة السياسية وسلطة القانون ممثلة بالفقه الإسلامي بقوله: "إذا كان الجهاز السياسي قد حظي بالطاعة تحت وقع نفوذه السياسي القائم على العسف، فإنّ المذهب (المذهب الفقهي) حظي بشكل من الطاعة أوضح لأنه تكلم باسم الله من خلال المجتهدين المطلقين..."[38]. وأنّ الخلفاء ومن ينوبهم كانوا: "يذعنون للشرع كما تبين مصادرنا، وذلك لدعم مشروعيتهم السياسية على أقل تقدير. رغم أنه من المعقول أن نعتبر أنّ إذعانهم نابع من قبولهم للشريعة الدينية سلطة قانونية عليا منظمة للمجتمع والدولة، ويتضافر ذلك مع اقتناعهم بأنهم ليسوا بأي حال من الأحوال خصوماً لوظيفة الدين التشريعية. وتشهد الأدبيات بوضوح على عدد من القضاة الذين قضوا لفائدة أشخاص اشتكوا من بعض الخلفاء والولاة الذين قبلوا هذه الأحكام وانصاعوا لها"[39].

8. لعل ما دفع أركون إلى تلك الأحكام التي تحتاج إلى مناقشة معمقة هو إقراره بأنّ هنالك تجارب يمكن وصفها بالعلمانية، رغم أنها لم تصل إلى درجة الوعي الواضح بذاتيتها، ولم يتم تنظيرها. ومن هذه التجارب ما ذهب إليه بشأن الخلافة العثمانية حيث قال: "في الواقع إنّ نظام السلطنة العثمانية كان يشكل نوعاً من العلمنة، ولكن العلمنة لم تنتظر مجيء هذا النظام لكي تتشكل في المجال الإسلامي. فالحقيقة أنها قد ابتدأت منذ 661 م، أي بعد ثلاثين عاماً من وفاة النبي. ففي ذلك التاريخ استطاع معاوية أن يستولي على السلطة (...)، ولكنّ (الخلفاء) الأمويين في دمشق راحوا يخلعون رداء الشرعية الدينية على ما فعله بعد أن انتصر"[40].

قد يكون القصد من القول إنّ السلطنة العثمانية علمانية أنها أصبحت دنيوية، وهي كذلك بلا شك، يؤكد ذلك ليس فقط ما ذهب إليه علي عبد الرازق الذي يحيل إليه أركون، وإنما، وبشكل خاص، الحركة الإصلاحية التي وقفت من تلك الخلافة موقفاً متقدماً عندما تم إلغاؤها من قبل أتاتورك. يقول عبد الحميد بن باديس:

"إن الخلافة هي المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع الإسلامي وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحل والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة من الجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع (...)، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزاً ظاهرياً تقديسياً ليس من أوضاع المسلمين في شيء. فيوم ألغى الأتراك الخلافة، ولسنا نبرر كل أعمالهم، لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي، وإنما ألغوا نظاماً حكومياً خاصاً بهم وأزالوا رمزاً خيالياً فتن به المسلمون لغير جدوى. وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة والمتخوفة من شبح الإسلام"[41].

9. انتقد أركون العلمانية المناضلة المرتبطة بالمشروع الوضعي والماركسي، وذلك لأنها ترى أنّ: "الموقف الديني لا يتوافق أبداً مع موقف العقل المستقل"[42]. وهو ما يفيد أنّ أركون يدعو إلى نوع من حضور الدين سواء في المؤسسات العلمية أو في المجال العام. يؤكد هذا إقراره بأهمية الوحي: "فمن الناحية التاريخية لا يمكن لأحد أن يهمل الوحي بصفته عاملاً تاريخياً ساهم في صناعة ما ادعوه (بمجتمعات الكتاب)"[43]. وأنه من الضروري إخضاعه لبرنامج علمي حيث يمثل مشروعه: الإسلاميات التطبيقية أو العقل الإسلامي واحداً من تطبيقاته، ولكن ما يجب الإشارة إليه، بل التأكيد عليه، هو أنّ محمد أركون يرى في الوقت نفسه أنّ النموذج الفرنسي للعلمانية هو النموذج الأصح والأجدر. يقول: "ويبدو لي أنّ التجربة الفرنسية أو المثال الفرنسي يبقى الأصح والأجدر والأكثر تحريضاً على التفكير والتأمل فيما يخص العلمنة والتعلمن"[44].

يطرح هذا الحكم الإيجابي حول هذه العلمانية التي تحولت إلى نوع من (الهويّة الفرنسية) أو إلى نوع من (الدين المدني/religion civile)[45] سؤال الأزمة الذي يواجهه هذا النموذج الذي وقف عنده فلاسفة وعلماء اجتماع فرنسيون ومنهم: مارسيل غوشيه في كتابه: الدين في الديمقراطية، حيث قال: "العلمانية مصدر من مصادر القلق التي تشغل بال فرنسا القلقة"[46]. ووصفها عالم الاجتماع والمختص في العلمانية الفرنسية جون بوبيرو بالعلمانية المزيفة[47].

والحق، فإنه لم يعد خافياً أنّ النموذج الفرنسي في العلمانية يواجه أزمة، وذلك منذ ما يعرف بقضية الحجاب[48] التي تعكس في الحقيقة أزمة متعلقة بعملية الاندماج وحقوق الأقليات سواء داخل فرنسا أو خارجها. وعملاً على تجاوز الصعوبات التي يواجهها هذا النموذج، فإنّ الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة تميز بين نوعين من العلمانية: علمانية كليّة تقوم على رؤية كونية، ورسالة تنويرية، واهتمام خاص بمصير الهويّة المشتركة الذي يفرض عليها استبعاد الانتماءات الدينية وحصرها في المجال الخاص، وعلمانية الاعتراف بما هي طريقة في الحكم أو أسلوب في التدبير السياسي، وظيفته إيجاد التوازن بين احترام المساواة وحرية الضمير، وقبول بحضور الدين وممارسته في المجال العام وفق تشريعات منصفة[49].


* نشر هذا المقال في مجلة يتفكرون، العدد السابع، 2015، التي تصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[1]. يمكن حصر هذه الدراسات في الآتي:

ـ قراءات في القرآن 1982، الفصل الرابع: مدخل إلى دراسة العلاقة بين الإسلام والسياسة.

ـ الإسلام الأخلاق والسياسة (1986).

ـ تاريخية الفكر العربي الإسلامي (1986) الفصل الخامس: السيادة العليا والسلطات السياسية في الإسلام، والفصل الثامن: الإسلام والعلمنة.

ـ العلمنة والدين: الإسلام المسيحية الغرب، 1996

[2]. محمد أركون، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، ترجمة هاشم صالح، مركز الإنماء القومي والمركز الثقافي العربي، بيروت - لبنان، ط2، 1996، ص 145

[3]. المصدر نفسه، ص ص 145-146

[4]. المصدر نفسه، ص 147

[5]. المصدر نفسه، ص 143

ملاحظة: تفاصيل هذه النظرية - المشروع تتمثل في دراسة النقاط الآتية: 1. التجربة التأسيسية، نشوء عقل إسلامي وعقل دولة بين عامي 610-661. 2. العلاقة بين مفاهيم: دين - دولة - دنيا. 3. انفجار العلاقة السابقة. 4. الاكراهات السابقة المتراكمة والتجاوز الضروري لها. (انظر ص 144 من: الفكر الإسلامي قراءة علمية)، وص 164 حيث يطرح نقاطاً أخرى للبحث متعلقة بالسيادة العليا في الفكر الإسلامي، ومنها: 1. انبثاق المفهوم من خلال القرآن وتجربة المدينة. 2. دراسة مفاهيم: سلطان، ملك /خلافة، إمامة، حكم أمر... الفترة التأسيسية. 3. العقيدة والسيادة العليا الفكرية: دور الاجتهاد.4. التراث والسيادة العليا أو المشروعية العليا. 5. الإيدولوجيا والسيادة العليا.

[6]. المصدر نفسه، ص 191

[7]. محمد أركون: الفكر الإسلامي، قراءة علمية، مصدر سبق ذكره، ص 170

[8]. المصدر نفسه، ص 192

[9]. المصدر نفسه، ص 145

[10]. محمد أركون، الإسلام، التاريخ، الحداثة، في جريدة: النهار، العدد 158، يوم 11 سبتمبر 1991

[11]. محمد أركون، العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، ط 3، بيروت - لبنان، 1996، ص 10

[12]. المصدر نفسه، ص 11

[13]. المصدر نفسه، ص 36

[14]. المصدر نفسه، ص 36

[15]. المصدر نفسه، ص 36

[16]. محمد أركون، الإسلام، التاريخ، الحداثة، في جريدة النهار، مرجع سبق ذكره، ص 09

[17]. محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، مصدر سبق ذكره، ص 181

[18]. المصدر نفسه، ص 180

[19]. المصدر نفسه، ص 293

[20]. المصدر نفسه، ص 294

[21]. المصدر نفسه، ص ص 279- 280

[22]. المصدر نفسه، ص ص 182 - 183

[23]. محمد أركون، الفكر الإسلامي، قراءة علمية، مصدر سبق ذكره، ص 57

[24]. المصدر نفسه، ص 316

[25]. كلمة العلمانية تحمل مفارقة، لأنّ أصلها اليوناني LAOS يعني الشعب المؤمن في مقابل النخبة الدينية.

[26]. Marcel Gauchet, La révolution des droit de l'homme, Paris, Gallimard, 1989, p.2.

[27]. حركة دينية فرنسية دعت إلى استقلال الكنيسة الإداري عن الفاتيكان.

[28]. محمد أركون، العلمنة والدين، مصدر سبق ذكره، ص 10

[29]. يجب الإشارة إلى أنّ معظم الدساتير الأوروبية لا تتضمن مادة أو مواد للفصل بين الدولة والدين، بل بعضها يؤكد على العلاقة بينهما. فقد ورد في الدستور الألماني ما نصه: "إنّ الشعب الألماني واع بمسؤوليته أمام الله"، وأقرّ الدستور الإسباني ضرورة: "التعاون مع الكنيسة الكاثوليكية". انظر:

- علي بن مخلوف ومحمد جنجار(إشراف)، مفردات الفلسفة الأوروبية، الفلسفة السياسية، ترجمة "الحسين سحبان وآخرون"، المركز الثقافي العربي، بيروت - لبنان، 2012، ص ص 143-153

[30]. من هنا يرى بعض المختصين في الإسلام السياسي وهو اليفيه روا أنّ العلمانية بالصيغة الفرنسية إنما تتفق مع المسيحية الكاثوليكية، وذلك نظراً للدور الذي تقوم به الكنيسة كوسيط، في حين أنّ الإسلام أقرب إلى البروتستانتية من حيث غيبا هذا الوسيط، وهو ما يتفق وطرح الإسلاميين من أنّه لا كهنوت في الإسلام. ويتصل مفهوم العلمانية الفرنسية بطبيعة الدولة التي توصف باليعقوبية ومن مميزاتها مقارنة بالدولة في البلدان الإنجلوسكسونية التي تعتمد على القانون العام أو العرف (COMMUN LAW) بأن: 1. الدولة تمثل حقيقة المجتمع.2. ضعف المجتمع المدني مقارنة بالمجتمعات الإنجلو سكسونية. 3. المركزية الشديدة. 4. الاعتماد على القانون الروماني وليس على القانون المشترك. انظر:

- Olivie Roy, Islam mondialise, Paris, Seuil, 2002.

- Olivie Roy, La laïcité face a l'Islam, Paris, Stock, 2005.

[31]. يرى بعض الباحثين في الإسلام السياسي أنّ المشكلة الكبرى تتمثل في تقديم تصور خالص للدين، تصور خارج عن كل مرجعية ثقافية أو اجتماعية، وبالتالي لا جدوى من الحديث عن التاريخ. انظر:

- ألفييه روا، الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة، مرجع سبق ذكره، ص 27

[32]. جاء في الحديث النبوي: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكاً عضوضاً".

[33]. كما تطرح مسألة صلاحية التأويل الذي أسبغه على بعض النصوص التراثية، ومنها على وجه التحديد نص رسالة الصحابة لابن المقفع؟ فهل يمكن القول إنّ الآداب السلطانية قد شكلت أساساً للعلمانية؟

[34]. المصدر نفسه، ص 297

[35]. المصدر نفسه، 297

[36]. المصدر نفسه، 298

[37]. وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي وتطوره، ترجمة رياض الميلادي، دار المدار الإسلامي، بيروت - لبنان، 2007، ص 278

[38]. المرجع نفسه، ص 278

[39]. المرجع نفسه، ص 261

[40]. محمد أركون، العلمنة والدين، مصدر سبق ذكره، ص ص 89-90

[41]. عمار طالبي (جمع ودراسةابن باديس حياته وآثاره، الجزء الثالث، الشركة الجزائرية، ط 3، الجزائر، 1997، ص 410

[42]. محمد أركون، العلمنة والدين، مصدر سبق ذكره، ص 72

[43]. المصدر نفسه، ص 75

[44]. المصدر نفسه، ص 79

[45]. Jean Baubérot, La laïcité en crise, une conquête toujours en devenir, in, Informations sociale, N° 136, 2006, p 48-59.

[46]. Marcel Gauchet, La religion dans la démocratie, Parcours de la laïcité, Paris, Gallimard, 1998, p.9.

[47]. Jean Baubérot, La laïcité falsifiée, Paris, La Découverte, 2012.

[48]. Valérie Amiraux, L'"affair du foulard" en France: retour sur une affaire qui n'en est pas encore une, in, Sociologie et société, 2, 2009, 273-298.

[49]. حول هذا الموضوع انظر على سبيل المثال:

- سكوت هيبارد، السياسة الدينية والدول العلمانية، ترجمة الأمير سامح كريم، عالم المعرفة، رقم 413، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2014

- مايكل بيري، الدين في السياسة، ترجمة عربي ميقاري، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت - لبنان، 2014