الإصلاح التعليمي بالمغرب خلال القرن التاسع عشر

فئة :  مقالات

الإصلاح التعليمي بالمغرب خلال القرن التاسع عشر

تميز القرن التاسع عشر بتحولات مهمة، في بلاد المغارب عمومًا والمغرب على وجه الخصوص، حيث شهدت الجزائر الحملة الفرنسية، فيما عرفت تونس تحولات في نظام الحكم، وتغييرات في النظم الاجتماعية والرؤى التعليمية والقيم الثقافية، فقد قاد الوزير خير الدين التونسي مجموعة من الإصلاحات السياسية والإدارية والاقتصادية، وعرف المغرب بدوره خلال القرن التاسع عشر تجربة إصلاحية، امتدت لفترة طويلة نسبيًّا على عهد السلطان محمد الرابع والسلطان الحسن الأول، قبل أن تعرف كبوتها في فترة وصاية "باحماد"، وضغط الدول الأوروبية على المخزن العزيزي إلى حدود مؤتمر الجزيرة الخضراء. كان المغرب في أواخر هذه الفترة أمام تحديات الفتن والتمردات الداخلية من جهة، وتحديات الأطماع الأجنبية من جهة أخرى. فانصب الاهتمام على حماية البلاد من المخاطر الخارجية، وتمّ إدخال إصلاحات على أجهزة الدولة ووظائفها ومحاولة إصلاح المخزن شملت كذلك الميدان التعليمي.

فما هي الظروف الداخلية والخارجية التي أدت إلى ظهور المحاولة الإصلاحية خلال القرن التاسع عشر عامة والإصلاح التعليمي خاصة؟ وماهي مظاهره وهل يمكن اعتبار الإجراءات التي تم اتخاذها إصلاحًا؟ وماهي العوامل التي ساهمت في فشل هذه التجربة الإصلاحية؟

أوّلاً: الظروف التي أدت إلى ظهور فكرة الإصلاح بمغرب القرن التاسع عشر

تم احتلال الجزائر من طرف فرنسا ونفي حاكمها وإلغاء حكومتها، وفرض الاستعمار المباشر القائم على إلحاقها إداريًّا وسياسيًّا بفرنسا، وتسييرها عسكريًّا لمواجهة المقاومة التي قادها الأمير عبد القادر الجزائري الشهير، ولم يستطع المغرب البقاء بعيدًا عن أحداث الجزائر المجاورة، حيث ساند المقاومين الجزائريين استجابة لما تقتضيه الشريعة الإسلامية وما تنص عليه من واجبات القيام بأمر الجهاد لحفظ الدين وحمايته من غزو الكفار، وتحقيقًا لإرادة المغاربة والجزائريين، أكثر من كونه تنفيذًا لخطة سياسية معينة أو رغبة في التوسع حسب بعضهم. وأدى ذلك إلى مواجهته غضب الفرنسيين وكانت سنة 1844م سنة حاسمة في تاريخ المغرب، إذ انهزم جيشه في معركة إيسلي على يد القوات الفرنسية التي عاقبته على تدخله في شؤون الجزائر.

شكلت هذه الهزيمة، التي لم تكن متوقعة حتى بالنسبة إلى الخصوم، صدمة للنخبة السياسية المغربية، التي اعتبرها الناصري صاحب الاستقصا "مصيبة عظيمة وفجيعة كبيرة لم تفجع الدولة الشريفة بمثلها"[1]. وزادت الهزيمة في حرب تطوان أمام إسبانيا سنة 1959 الأوضاع الداخلية تأزمًا، وفقدت الدولة المغربية هيبتها الدولية وانكسرت شوكتها، وفقدت مركزها القديم كدولة قوية استطاعت هزم البرتغال في معركة وادي المخازن واستطاعت أن تكون الدولة العربية الوحيدة التي بقيت خارج التبعية العثمانية.

فقد كشفت معركة إيسلي عن قدم النظم السياسية والعسكرية والتعليمية المغربية التي اعتمدتها البلاد عبر صيرورتها التاريخية، بسبب العزلة والاكتفاء الذاتي والإعراض عمّا لدى الآخر من نظم وتقنيات وأفكار، وتأكد تفوق العالم الأوربي، وأميط اللثام عن تأخر المغرب ونظمه التقليدية ووقوعه تحت منافسات الدول الأوربية؛ كل دولة تتوغل تجاريًّا، وتبحث عن مَنْح حمايات للمغاربة، وعن امتيازات لرعاياه ومؤسساته، وبالتالي أصبح الإصلاح ضرورةً ملحة، وهَمّ بالخصوص الجانب العسكري. إلا أنّ الجانب التعليمي، نال حظه، من خلال تأسيس مجموعة من المعاهد الحديثة، بغاية تكوين أطر إدارية وإرسال بعثات طلابية إلى الخارج، تمكّن المخزن من مقوّمات الاستمرار. هذا الموقف عبّر عنه علال الفاسي بقوله: "وقد انتبه المغاربة منذ الساعة (هزيمة إيسلي) إلى أنّ الأنظمة العتيقة في الجيش وفي الدولة لم تعد مجدية إزاء التقدم الأوربي الحديث، وتكوّن في نفوس القادة شعورهم بالحاجة إلى التجديد وانتحال وسائل النهوض... وصارت في البلاد ثورة الألم من الهزيمة... ودعا عدد من العلماء إلى إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية..."[2].

لقد قام العديد من رجال المخزن برحلات سفاريّة إلى البلاد الأوربية خلال القرن التاسع عشر، جاءت في إطار حركة دبلومسية مكثفة من خلال توجه دبلوماسيّين مغاربة إلى بلدان أوربية في إطار مهام خاصة، وشكّلت شكلاً من أشكال الاتصال بالأوربيين، واكتشاف حجم تمدنهم وتأخّرنا في شتى مناحي الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية والثقافية، وهو ما تحتفظ لنا به رسائلهم وما كتبوه عن إعجابهم وانبهارهم بما وصلت إليه أوربا من تقدم، وساهم تدوين هذه المشاهدات في بلورة نظرة جديدة وقلقة خلال القرن التاسع عشر للذات والمصير، ومن ثمّ التفكير في التحديث والإصلاح والاستفادة من العلوم الأوربية وابتكاراتهم في مختلف المجالات. ولا يسعنا المجال في هذه الدراسة للحديث عن أمثلة من تلك المشاهدات، بل سنكتفي بذكر أهم الرحلات السفارية خلال القرن التاسع عشر، والتي كان لها تأثيرها في بلورة فكر جديد، يروم الإصلاح، وهذه أمثلة أبدى أصحابها إعجابهم وانبهارهم لما وصلت إليه أوربا من تقدّم وتمدّن على كافّة المستويات:

رحلة محمد بن عبد الله السفار التطواني إلى فرنسا في سفارة القائد أشعاس عامل تطوانبعد هزيمة إيسلي سنة 1845.

رحلة محمد بن عبد الله الكردودي والتي سمّاها "كشف الغمة في أنّ حرب النظام حقّ على هذه الأمّة".كانت هذه الرحلة سنة 1848.

"رسالة العبد الضعيف إلى السلطان الشريف" المنسوبة لابن عزوز المؤلفة سنة 1849 وتوجد مخطوطة لها بالخزانة الملكية تحت رقم 1623.

رحلة الوزير الكاتب إدريس بن إدريس العمراوي إلى فرنسا سنة 1860 عنونها بـ "تحفة الملك العزيز بمملكة باريز".

إلا أنّ ما يلاحظ على هذه الكتابات، اكتفاؤها بالتعبير عن الانبهار والإعجاب بثقافة الآخر، ولم تصل إلى عمق مشكلات المجتمع المغربي بنقد بنياته التقليدية وإبراز مظاهر تخلفها مقارنة بما شاهدوه في الدول الأوربية، وهو ما يعكس عدم قدرتهم على الخروج من دائرة المثقف المخزني إلى دائرة المثقف اللامخزني[3]. ومما زاد من تعميق الوعي بضرورة الإصلاح ما تناقله الحجّاج من أصداء للحركات الإصلاحية التي كانت آنذاك بالمشرق في عهد محمد علي.

نستخلص، ممّا سبق، أنّ ظهور فكرة الإصلاح بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، جاء تحت ضغط الدول الأوربية على المولى عبد الرحمان وسيدي محمد بن عبد الرحمان والمولى الحسن الأول، وليس برغبة ذاتية أو ثمرة تطوّر داخلي عرفه المجتمع المغربي، بل إنّ مشروع الإصلاح لم يجد مكانه ضمن اهتمامات النخبة السياسية والثقافية إلا بعد الاصطدام بالأجنبي والإحساس بالضعف أمام الآخر القوي على مختلف الأوجه، وذلك على عكس التجربة الأوربية في التحديث والإصلاح، التي كانت نتاج تفاعل داخلي شهدته المجتمعات الأوربية منذ بداية التاريخ الأوربي الحديث مثلته النهضة الأوربية وعصر النهضة والثورة الصناعية.

ثانيًا: مظاهر الإصلاح التعليمي بمغرب القرن التاسع عشر

اهتم الإصلاح بالمغرب خلال القرن التاسع عشر بالمجالات العسكرية والاقتصادية والإدارية والثقافية بهدف تهييء البلاد لمواجهة الضغوطات الأجنبية، واهتم السلطانان محمد الرابع والمولى الحسن الأول في مبادراتهما الإصلاحية بالمجال التعليمي حيث ركّزا على النقط الآتية:

- الاهتمام بإدخال تدريس بعض العلوم من رياضيات وفلك وهندسة، بفاس وطنجة ومراكش ومكناس.

- إحداث مؤسسات تعليمية حديثة، كمدرسة المهندسين بفاس ومدرسة الألسن بطنجة.

مدرسة المهندسين بفاس:

مقرّها مدينة فاس، لم تكن تابعة للأحباس، ولا لنظام التعليم المتبع بالقرويين. فقد كانت خاضعة لتوجيهات حديثة. وتحت إشراف السلطان محمد الرابع المباشر. بل إنّه ناب عن بعض الأساتذة في إلقاء بعض الدروس. وقيل إنّها تقوم بتكوين المهندسين، وتم التدريس بها في الفترة من 1844 وحتى 1879م. ومن المواد المدرّسة بها نجد: الهندسة والتنجيم والموسيقى والحساب والتوقيت. وهي تعكس رغبة المخزن في الربط بين التكوين وامتلاك خبرات، تساعد على تجاوز الثغرات التي اعترت آليات التسيير داخل المخزن، ونجد السلطان محمد الرابع ناب عن بعض الأساتذة في إلقاء بعض الدروس. إلا أنّه من حيث نتائج مدرسة المهندسين، على مستوى إمداد المخزن بموظفين قادرين على التحديث والعصرنة فإنّه (.. لم يكن لها مفعول يذكر)[4].

مدرسة الألسن بطنجة:

مقرها مدينة طنجة، أسسها المولى الحسن الأول. واختار لها هذه المدينة، باعتبارها مقرًّا لاستيطان النواب الأجانب والجاليات الأوروبية وباعتبارها بابًا مشرعة على العالم. تأسست هذه المدرسة، بهدف إعداد البعثات الطلابية الموجّهة نحو الخارج. وعن ذلك يقول محمد المنوني: (.. الغالب أنّ هذه المدرسة كانت تكميلية، حيث يقع إعداد طلبة مدرسة المهندسين، الذين سيذهبون لإكمال دراستهم بأوروبا)[5] وكانت يدرّس بها الحساب والتنجيم والجغرافية واللغة العربية والمبادئ الدينية الأولية واللغات الأجنبية.

من خلال ما سبق، نستخلص أنّ المدارس المحدثة خلال القرن التاسع عشر بالمغرب، الخاصة بالعرب المسلمين، جاءت في إطار الحركات الإصلاحية التي عرفها العالم الإسلامي، وخاصة دول المغارب. لكنها لم تكن شاملة ولا جذرية. وكادت تقتصر على الناحية العسكرية، دون مساسها بأنظمة الحكم ومؤسساته، أوحدّها من تعسف الحكم المطلق ولم توفّق إلى إنقاذ العالم الإسلامي من التبعية، لتقف في وجه السياسة التوسعية للدول الأوربية الاستعمارية، لكون هذه المحاولات الإصلاحية، كانت موجّهة نحو المظاهر، أكثر منها نحو الانفتاح على العالم المعاصر. وكان التعليم بهذا الشكل يضمن استمرارية الدولة، لذلك لم يكن الحكّام بحاجة ماسة إلى بديل عنه. ويتضح ذلك في كونهم لم يعملوا على عصرنته كله، بما في ذلك المؤسسات العريقة، في إطار تحديث وعصرنة شاملة للاقتصاد والمجتمع. بل اكتفوا بإحداث مؤسسات هي نسخة من مثيلاتها الأجنبية ركبت على الجسد الاجتماعي، فلم تندمج فيه، ولم تكد تتفاعل معه وتغيره، مما نتج عنه إغلاقها. حيث توقفت مدرسة المهندسين بفاس سنة 1879م. ومدرسة الألسن بطنجة.

إرسال البعثات الطلابية إلى الخارج

شكلت البعثات التعليمية في عهد السلطان محمد الرابع والسلطان مولاي الحسن الأول، لحظة تاريخية مهمة في الاتصال بالتعليم العصري، وفي الاحتكاك بين المدنية الأوربية التي أفرزتها عوامل شتى كالنهضة الأوربية وعصر الأنوار والثورة الصناعية، والحالة الحضارية التقليدية المتوارثة بالمغرب في قرن كانت فيه البلاد مغلقة في وجه التيارات الفكرية والحضارية الخارجية، ويعيش في عزلة تامة فرضها على نفسه، تحت ضغط عدة عوامل في مقدّمتها حرصه على المحافظة على استقلاله.

وكان الهدف والمقصد من إرسال البعثات، هو توفير الكفاءات الوطنية اللازمة لتنفيذ المشاريع التي تبناها السلطان أو فكّر في إنجازها[6]، ما يعكس أنّ الاستعانة بالخبراء الأجانب في الإصلاحات، كانت فكرة ظرفية، فقد كان يعوّل على هذه البعثات بعد عودتها للنهوض بالمرافق الحيوية من أشغال عمومية ودفاع وغيرها، وذلك تبرزه الرغبة في تنويع المصادر الثقافية والحضارية المأخوذ عنها، وهو ما يفسّر جغرافية توزيع الطلبة الذين أوفدوا إلى أوربا، حيث وُزّعوا بين دول عديدة منها، ما هو في جنوب أوربا كإيطاليا ومنها ما ينتمي إلى وسطها كألمانيا، ومنها ما هو في صميم الغرب الأوربي إما جنوبًا كإسبانيا أو شمالاً كإنجلترا.

ولن نتطرق في هذا المجال إلى أعداد طلبة هذه البعثات والتي اختلفت حولها الدراسات، وظروف إرسالها وما عاناه الطلبة خلال مقامهم بأوروبا، بل سنركز على ما يلي وهو أنّ نتائج البعثات لم تكن بارزة ومؤثرة في بناء المغرب الحديث. إذ لم يستفد منها، بسبب معارضة النخبة التقليدية لهذه النخبة الجديدة، وتضارب مصالح الأوربيين، وغياب تنظيم الوظيفة العمومية، إلى جانب ضعف الوسائل المادية والتقنية، وغياب البيئة الحاضنة لهذه الفئة ومن ثمّ عدم الاستفادة منها "كانت هذه الجهود في مجموعها ذات أهمية، ولكنّ عددًا كبيرًا من الخريجين لم تسند إليهم مسؤولية عامة في نطاق تخصصهم، فظل التخطيط والتوجيه والرواتب المغرية وقفًا على العسكريين الأوربيين، حتى لا نكاد نجد إلا أفرادًا قلائل برزوا من الخريجين على الصعيد الوطني أو في حسم معركة أو سد نقص تركه الأوربيون وأسوأ من ذلك أنّ الوظيفة العمومية، لم تكن منظمة.. ولم تكن هناك تنظيمات توحّد المهندسين والتقنيين الوطنيين، فحالما يعودون الى أرض الوطن يتوزعون بين المدن ويتركون وشأنهم مع الأيام، حتى يذيبهم اليأس في مهنة أو حرفة بعيدة عن تخصصهم"[7].

هذه هي أهم الإصلاحات التعليمية، التي قام بها المخزن المغربي انطلاقًا من عهد السلطان محمد الرابع إلى عهد السلطان المولى الحسن الأول، والتي لم يكن لها تأثير في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي للدولة المغربية، ممّا يدفعنا إلى التساؤل عن مكامن الخلل وأسباب الفشل للاستفادة منها في إصلاحات اليوم لكون "واجب المؤرخ، أن يعترف رأسًا بهذا الفشل، ويفحص أسباب فشلها أو بطلانها فحصًا صارمًا، حتى لا يكون إصلاح اليوم فاشلًا، لنفس الأسباب التي أفشلت إصلاح الأمس"[8] حسب جرمان عياش.

ثالثًا: العوامل المساعدة على فشل الإصلاح

ساهمت مجموعة من العوامل منها ما هو خارجي ومنها ما هو داخلي، في فشل الإصلاح التعليمي خصوصًا والمحاولة الإصلاحية عمومًا خلال القرن التاسع عشر ويمكن إجمالها في ما يلي:

- اشتداد الضغوط الاستعمارية على المغرب بهدف إضعافه، تمهيدًا لاحتلاله بشكل مباشر من العوامل المساهمة في فشل الإصلاح، وفي ذلك يقول جرمان عياش: "أسرعت الدول الأوربية إلى إحداث عراقيل بل قيود قيدت بها الدولة، وحرمتها إمكانية التحرك كما تشاء. فها هي بريطانيا تحرم السلطان حق التشريع في ميدان الجمارك وحق إنصاف رعيته من الأجانب المقيمين في بلاده، وها هي إسبانيا تغير على تطوان وتحتلها، وتفرض على المغرب غرامة تركت الدولة مثقلة بديون لمدة ربع قرن.. هل يتصور أنّ الدول تدعه يقوم بأي إصلاح من شأنه أن يقوي الدولة المغربية ضد أطماعها"[9].

- جاءت الإصلاحات المخزنية عمومًا والتعليمية خصوصًا تحت الطلب الأجنبي، ومفروضةً قسرًا من الخارج، بهدف فتح المجتمع أمام الأوربيين وحماية مصالح الرعايا الأجانب ولم تأت من منطلق إرادة داخلية، ممّا جعل عبد الرحمن المودن يذهب إلى أنّ: "الإصلاح لم يكن إصلاحًا وإنّما كان سلسلة من المناورات الامبريالية، وأنّ الإصلاح لم يكن سوى وسيلة لزعزعة دولتنا ومجتمعنا واقتصادنا، ولم يكن في أحسن الأحوال سوى إغراء لتفتح أسواق المعمور أمام الرأسمال الأوروبي، وكان في أحسن الأحوال دفعًا مقصودًا بالمجتمعات غير المتصنعة إلى هوّة (عدم) التوازن، وتلك جريمة ما كان ليستفيد منها إلا الذي ارتكبها".[10]

وفعلاً لقد ساهم فتح المغرب في وجه الدول الأوربية في تزايد الحمايات القنصلية وتناميها، وهي التي تعدّ من الأسباب الرئيسية التي عرقلت الإصلاحات، إذ أصبح المَحميون لا يؤدون الضرائب، ولا يخضعون للسلطة الوطنية، وبالتالي فقدان البلاد لجزء من مدا خيلها الكفيلة بتمويل العملية الإصلاحية، وكانت هذه الحمايات الممنوحة للمغاربة، سببًا في عقد مؤتمر مدريد سنة 1880م لحصر قناصل الدول الأجنبية التي تُشرف على توزيع الحمايات على المغاربة؛ إلا أنّه ساهم في تزايدها وفتح المغرب أمام القوى الأجنبية.

- وجود طبقة محافظة تقليدية معادية للانفتاح على أوربا ورافضة لاستلهام حداثته لتحديث المغرب، وبالتالي معارضتها للإصلاح التعليمي بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، ويمثلها عدد كبير من العلماء؛ حفاظاً على الأوضاع القائمة، وخوفًا من كل جديد مستحدث، وعبّر عن ذلك جمال حيمر عند حديثه عن أسباب فشل البعثات التعليمية في عهد المولى الحسن الأول بقوله: "لقد ظل أغلب العلماء متمسكين بمواقفهم المحافظة، ومناهضين لأي مبادرة تحديثية منبعثة من آفاق غريبة، وكانوا يرون في عادات الأوربيين ومن يأخذ عنهم أو يشتبه بهم بدعًا ينبغي محاربتها، وكان من الطبيعي أن لا ينظر العلماء بعين الارتياح إلى مجموعة الشبان المغاربة باعتبارهم درسوا في ديار الأجنبي، وعادوا حاملين لأفكار جديدة وعلوم دخيلة"[11].

وامتدت المعارضة لتشمل حتى رجال المخزن من وزراء وقوّاد وكتّاب، وخلفية موقفهم ترجع لكونهم شبه أميين أو ذوي مستوى ثقافي محدود، وبالتالي تم الحكم على طلبة البعثات على أساس الهوية لا على أساس ما اكتسبوه من علوم من خلال التركيز على مظهرهم لا علمهم وفق الثقافة السائدة بكونهم مجرد "شباب يشربون الدخان ويتزيون بزي النصارى، فرّطوا في دينهم فكيف يعوّل عليهم في الجهاد".[12] ورموهم بالإلحاد، فقد قال أحد الوزراء للسلطان الحسن الأول: "إنّ أعضاء البعثات، بعدما أقاموا بأوروبا سنين عادوا منها جهّالاً متنصّرين، وهكذا حكموا على هاته المبادرة الرائدة بالفشل"[13].

- يرجع فشل الإصلاح بالمغرب عمومًا خلال القرن التاسع عشر ومعه الإصلاح التعليمي، إلى أنّه تم بدون تقديم مقدمات وتمهيد أصول، ويقصد بذلك تطهير جهاز المخزن من الفئات المحافظة المعرقلة للتحديث، ومعرفة طريقة إنجازه وكيفيته، وهو ما عبّر عنه المؤرخ الناصري صاحب الاستقصا، عند تعليقه على مبادرة السلطان الحسن الأول بإرسال البعثات التعليمية إلى أوربا بقوله: "إلا أنّ ذلك لم يظهر له كثير فائدة، إذ كان يحتاج إلى تقديم مقدمات وتمهيد أصول، ينبغي الخوض في تلك العلوم والعمل بها عليها."[14] فضلاً عن أنّ إصلاح التعليم تم بصورة محدودة ومحتشمة من خلال التركيز على التكوين العسكري، وبعيدًا عن تحديث البنيات التعليمية التقليدية القائمة المتمثلة في التعليم الديني، خصوصًا في القرويين بفاس وجامعة ابن يوسف بمراكش، بسبب معارضة رجال الدين لكل فكر دخيل، عكس التعليم الديني اليهودي الذي عرف في نهاية القرن التاسع عشر حركة إصلاحية مهمة قادتها رابطة الاتحاد العالمي الإسرائيلي المعروفة باسم "الأليانس". إضافةَ إلى أن التحول الذي عرفته أوربا من العصر الوسيط حيث سيادة النظام الإقطاعي وسيطرة رجال الدين على الحياة السياسية والاجتماعية والمنظومة الفكرية إلى العصر الحديث، تمّ وفق تحولات سياسية واقتصادية وفكرية مثّلها عصر النهضة وفكر الأنوار والثورة الصناعية، عكس المغرب الذي كان يتسم خلال القرن التاسع عشر بالجمود الفكري والتأخر الاقتصادي، وأنّ بنياته السياسية والاجتماعية لم تكن مؤهلة لدخول مرحلة الإصلاح، وإنّما أُدمج قسرًا من موقع تبعيّ، بل كان يحتاج إلى وقت لإعادة إنتاج ذاته اجتماعيًّا ليس على الأسس التقليدية التي قام عليها منذ قرون مضت، وإنّما على أساس الأنموذج الغربي الذي أبان عن تفوّقه في شتّى المجالات، وهذا يتطلب التوفّر على نخبة داعمة للإصلاح ومتشبعة به وهو ما كان غائبًا خلال هذه الفترة الزمنية من تاريخ المغرب، وهو ما عبر عنه الحجوي بقوله: "مجلس الوزراء، لم ينضج وهو في حاجة إلى الإصلاح".

- النظرة الضيقة والتقنية لمفهوم الإصلاح على المستوى الرسمي، إذ أخذت الدولة المغربية تعمل على تجاوز الأوضاع الداخلية والخارجية، بإدراك سطحي لهزيمتي إيسلي وتطوان وفهم غير شامل لمرتكزات التقدم والتفوق الأوربي، واختارت تجديد المرافق على الطريقة الأوربية، وبالتالي غياب العمق في المشروع الإصلاحي والذي يمكن اعتباره شرطًا ضروريًّا لنجاح أي إصلاح فلا يجوز أن يقتصر على إدخال ترميمات وتعديلات على ما هو قائم، وبالتالي إعادة إنتاج ما هو موجود من تخلف وتأخر بمخرجات أخرى، سواء تعلق الأمر بالإصلاح التعليمي أو الإداري أو الاقتصادي.

- غياب البيئة الحاضنة للطلبة الذين استفادوا من الإصلاح التعليمي خلال القرن التاسع عشر لتفجير طاقتهم، وذلك من خلال تهييء شروط الأرضية المناسبة، التي يمكن الاستناد إليها. وهذا بالضبط ما كان يفتقر إليه المجتمع المغربي وقت إرسال البعثات التعليمية وعودة أفرادها، حيث لم يجدوا بنية تعليمية، تتيح لهم توظيف ما حصلوا عليه من معارف جديدة، إذ لم تكن آنذاك مدارس كان بالإمكان أن يتولّوا فيها مهام التدريس لتعليم اللغات الأجنبية التي لاشك أنّ بعض الخرّيجين كانوا يتقنونها[15]، كما تم تشغيلهم في مهام بعيدة عن تخصصهم[16]، وتعرضوا للإهمال، خصوصًا بعد وفاة مولاي الحسن الأول.

خلاصة تاريخية:

لقد شكّل إصلاح القرن التاسع عشر بالمغرب لحظة تاريخية مهمة لو توفرت له ظروف النجاح لانعكس بشكل إيجابي على صيرورة البلاد الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن لظروف موضوعية وذاتية تطرقنا إليها في دراستنا، عرفت هذه المحاولة الإصلاحية الفشل على الرغم من امتدادها الزمني الطويل من عهد السلطان محمد الرابع إلى عهد السلطان المولى الحسن الأول، واستمرت آثارها في التطور التاريخي للمغرب إلى يومنا هذا.

والخلاصة التاريخية التي يمكن الخروج بها من هذه التجربة الإصلاحية الفاشلة، أنّ نجاح أي تجربة إصلاحية يتطلب أن تكون شاملة تستهدف جميع المستويات الدستورية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية، لا أن يكون الإصلاح جزئيًّا، ويجب أن يكون مدعومًا بإرادة سياسية حقيقية، تمثلها الدولة وأجهزتها، وبنخبة مثقفة داعمة له، وهذه الخلاصة، هي ما عبر عنه إبراهيم القادري بوتشيش، في تقديمه لكتاب "البعثات التعليمية" لجمال حيمر بقوله: "إنّ أي محاولة تريد إدخال بعض عناصر التحديث على بنيات اقتصادية واجتماعية وذهنية تقليدية، دون أن توازيها عملية تحديث شامل وكلي، وأن تكون منبثقة من تطور داخلي، تبقى محاولة عقيمة ومحكومة بإخفاق متواصل وغير قادرة على إحداث تحوّل حقيقي".[17]

 

المراجع المعتمدة

-          أشقراعثمان، العطب المغربي بحث في أصول التحديث وإعاقاته بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003

-          بياض الطيب، مغرب ما قبل الاستعمار لماذا فشل الإصلاح، مجلة زمان، العدد 18، أبريل 2015، ص12

-          حيمر جمال، البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن، منشورات الزمن، مطبعة بن ازناسن، سلا، 2015

-          الحيمر عبد السلام، النخبة المغربية وإشكالية التحديث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001

-     عياش جرمان، إمكانيات الإصلاح وأسباب الفشل في المغرب، ضمن كتاب "الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن 19"، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1986، ص ص 355 - 366

-          المنوني محمد، مظاهر يقظة المغرب الحديث، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، 1985، الجزء الأول

-     المودن عبد الرحمن، استخلاصات عامة عن مفهوم الإصلاح، ضمن كتاب "الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن 19"، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1986، ص ص 415 - 423

-          الناجي محمد، التوسع الأوروبي والتغيير الاجتماعي في المغرب ق 16- 19، ترجمة: عبد الرحيم حزل، جذور للنشر، الرباط، 2004

-          الناصري أحمد بن خالد، الاستقصا، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1956، الجزء 9


[1] أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1956، ص 9، الجزء 53

[2] محمد النية في مقاله إشكالية الإصلاح في المغرب المعاصر بـ: http://www.hespress.com/opinions/26670.html

نقلاً عن الشافعي العلوي، "محاضرات في تاريخ المغرب المعاصر"، كلية الآداب ظهرالمهراز بفاس، 1998، مرقونة.

[3] عبد السلام الحيمر، النخبة المغربية وإشكالية التحديث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001، ص 144

[4] محمد الناجي، التوسع الأوروبي والتغيير الاجتماعي في المغرب ق 16- 19، ترجمة: عبد الرحيم حزل، جذور للنشر، الرباط، 2004، ص 127

[5] عثمان أشقرا، العطب المغربي بحث في أصول التحديث وإعاقاته بالمغرب، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2003، ص 49

[6] جمال حيمر، البعثات التعليمية في عهد السلطان مولاي الحسن، منشورات الزمن مطبعة بن ازناسن، سلا، 2015، ص 83

[7] عثمان أشقرا، مرجع سابق، ص ص 53-52

[8] جرمان عياش، إمكانيات الإصلاح وأسباب الفشل في المغرب، ضمن كتاب "الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن 19"، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1986، ص 356

[9] جرمان عياش، مرجع سابق، ص 356

[10] عبد الرحمن المودن، استخلاصات عامة عن مفهوم الإصلاح، ضمن كتاب "الإصلاح والمجتمع المغربي في القرن 19"، منشورات كلية الآداب، الرباط، 1986، ص ص 422-421

[11] جمال حيمر، مرجع سابق، ص 135

[12] أبريل الطيب بياض، مغرب ما قبل الاستعمار لماذا فشل الإصلاح، مجلة زمان، العدد18، 2015، ص 12

[13] محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، الجزء الأول، 1985، ص 286

[14] نقلاً عن المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ج 2 الناصري، زهرة الأفنان، ج 2، ص 386

[15] جمال حيمر، مرجع سابق، ص 132

[16] نفسه، ص 116

[17] نفسه، ص 8