الإيمان بدون برهان: الدّين عند فتغنشتاين

فئة :  مقالات

الإيمان بدون برهان: الدّين عند فتغنشتاين

رغم أنَّ فتغنشتاين لم يكن متديّناً -ربَّما باستثناء فترة الحرب العالميَّة الأولى والفترة التي تلتها مباشرة-، فإنَّه كان يبالي بالظاهرة الدينيَّة. يقول فيلسوف فيينا في إحدى محادثاته: "لست إنساناً متديّناً، لكنّي لا أستطيع أن أمنع نفسي من النظر إلى أيَّة مشكلة من زاوية دينيَّة"[1]. لقد كان يولي الدين احتراماً كبيراً، ومال في فلسفته المتأخّرة إلى إضفاء طابع أنثروبولوجي عليه، حيث أصبح الاعتقاد الديني واقعة تتعلق بالتاريخ الطبيعي للإنسان[2]. كانت ليوبولدين فتغنشتاين، والدة لودفيغ، تدين بالكاثوليكيَّة الرومانيَّة، ونشأ لودفيغ في هذا الجو الديني؛ لذلك ظلَّ الدين يحظى لديه بأهميَّة بالغة طوال حياته، لدرجة أنَّه تصوَّر في عدَّة مناسبات أنَّه سيصبح راهباً. وظلَّ لمدة طويلة رجلاً تقيَّاً يبحث عن الدين[3]. إلّا أنَّ مشاعره الدينيَّة لم تكن أرثوذوكسيَّة، إذ رغم انتمائه إلى أسرة تدين بالكاثوليكيَّة، فإنَّ فكره كان يتلاءم أكثر مع البروتستانتيَّة، ولاسيَّما تلك الخاصَّة بالفيلسوف الدانماركي سورن كيكيغار (S. Kierkegaard).

1. الإيمان بدون برهان

كان فتغنشتاين يعارض كلَّ لاهوت عقلاني وكلَّ عقلانيَّة أخلاقيَّة، بمعنى أنَّه كان يرفض رفضاً جذريَّاً أيَّة محاولة لتبرير الاعتقاد الديني بالمعطيات التجريبيَّة، سواء كانت تاريخيَّة أو علميَّة. وهذا ما دفع كريستيان شوفيري إلى استنتاج أنَّه أقرب إلى مبدأ أوغسطين القائل: "أومن بذلك لأنَّه عبثي"، من مبدأ أنسيلم (Anselme) القائل: "أومن، لذلك يمكن لي أن أفهم"[4]. وعلى هذا الأساس، يعتقد فتغنشتاين أنَّ إقامة الاعتقاد الديني على البراهين التاريخيَّة وحدها "حماقة خالصة"؛ فبما أنَّ البرهان التاريخي لا يتعلق بالإيمان، فإنَّ إظهار خطأ "المضامين التاريخيَّة للأناجيل" لا يقلل من قيمة الإيمان. وإنَّ ما يجعل النص المقدَّس صادقاً هو فقط كون الناس تلقّوه بإيمان (يعني بحب)[5]. فالمؤمن لا يقيم مع هذا النص المقدَّس العلاقة نفسها التي نقيمها عادة مع الحقيقة التاريخيَّة أو مع أحد مذاهب "الحقائق العقلانيَّة"[6]. إنَّ عبارة "الله موجود" ليست منطوقاً حول شيء يشكّل جزءاً من العالم كباقي الأشياء الطبيعيَّة الأخرى، كما أنَّها ليست ادعاء حول كيان معيَّن: "لا يمكن للاعتقاد الديني إلّا أن يكون شيئاً كالتزام انفعالي بنظام مرجعي معيَّن. وعليه، فحتى وإن كان اعتقاداً، فإنَّه بالفعل أسلوب حياة، أو طريقة في تقييم الحياة. إنَّه مصادرة انفعاليَّة على هذا التأويل"[7].

لا يخفى على قارئ مطلع أنَّ تصوُّر فتغنشتاين للدين ينسجم مع تصوُّر الفيلسوف الدانماركي سورن كيكيغار (S. Kierkegaard). وبالفعل، يدافع هذا الأخير عن الفكرة القائلة إنَّه من الخطأ التفكير في الاعتقادات الدينيَّة كما نفكر في الاعتقادات الأخرى. فالدين ليس نسقاً فلسفيَّاً، لذا يجب ألّا نزن المعتقدات الدينيَّة بطريقة فلسفيَّة. وبالمقابل، يتميز الإيمان بالتزام انفعالي؛ بينما المعتقدات المصاغة "على نحو موضوعي" ليست كذلك، ويمكن ألّا يكون لها أيّ تأثير على حياة الفرد. فأن يعتقد الفرد بأنَّ الله موجود وأن يتعامل مع هذا الاعتقاد كأيّ اعتقاد في أيّ شيء آخر لا يشعر إزاءه بأيّ شيء ليس إيماناً. فالإيمان لا يتعلق فقط بسؤال "في ماذا نعتقد"، وإنَّما بالأساس بسؤال "كيف نعتقد". إنَّ الالتزام الذي يميز الإيمان يتطلب قراراً، "وثبة"؛ إنَّه ليس شيئاً يمكن أن يتحقق "فكريَّاً". فهذه الوثبة تستلزم في الواقع نوعاً من انعدام اليقين الموضوعي: "إذا كنت قادراً على إدراك الله موضوعيَّاً، فلا إيمان لي؛ وبالمقابل، أكون مؤمناً لأنَّني لا أستطيع إدراك الله إدراكاً موضوعيّاً. فإذا أردت أن أحتفظ بإيماني، ينبغي لي أن أستمرّ في النظر إليه بطريقة تجعلني أتشبث بانعدام اليقين الموضوعي"[8].

يرفض كيكيغار إقامة الإيمان على الاستدلال الموضوعي، لأنَّه يعتبر الإيمان مسألة انفعال وليس مسألة تفكير عقلاني. فالعقل لا يمكنه أن يثبت ما إذا كان الله موجوداً أو غير موجود، نظراً لأنَّ الله أراد لنا أن نقيم معه هذا النوع من علاقة الالتزام الانفعالي. فإذا شعر المرء بأنَّه يعرف الجواب عن سؤال وجود الله أو عدمه، فإنَّ شيئاً مهمَّاً سيضيع. لذا يعارض كيكيغار بين البرهان والإيمان، ويشدّد على فكرة أنَّ الإيمان يكون ممكناً فقط عندما يواجه انعدام اليقين، وأنَّه كلما عظم انعدام اليقين عظم الإيمان. وبالتالي فإنَّه لن يكون لليقين الموضوعي على حياة الإنسان التأثير نفسه الذي يمارسه عليها الإيمان وهو يواجه انعدام اليقين. ولإثبات موقفه هذا، يحاجج كيكيغار على أنَّ ادعاء المسيحيَّة بأنَّ الله إنسان ادعاء "عبثي" ومفعم بالمفارقة. لكنَّ تصديق هذه الصورة العبثيَّة لله تقتضي فعلَ إرادةٍ جبَّاراً، التزاماً انفعاليَّاً، وثبةً إيمانيَّةً.

وإذا كان كيكيغار يقول إنَّ الإيمان "مبهم"، فإنَّه لا يعني بذلك أنَّه لا عقلاني. إذ يلاحظ أنَّه "ليس بمقدورنا تصديق الهراء ضدّ الفهم الذي يمكن أن يفزع منه الإنسان، نظراً لأنَّ الفهم سيدرك بنظرته الثاقبة أنَّه مجرَّد هراء وسيمنعنا من تصديقه"[9]. وبمعنى آخر: إذا كان الإيمان مجرَّد هراء، فسيكبح العقلُ قدرتَنا على الوثب. فالإيمان يقيم خارج حدود العقل، لكن يمكن للعقل أن يدرك أنَّ له حدوداً.

إنَّ موقف فتغنشتاين "الإيجابي" من الدين لازمه منذ أعماله الأولى إلى أطروحاته المتأخرة. فعلى الرغم من أنَّ الدين ليس علماً، بما أنَّه لا يضيف شيئاً إلى معرفتنا، فإنَّ "الرغبةَ في قول شيء عن المعنى النهائي للحياة (...) وثيقة حول ميلٍ يوجد في عقل الإنسان، ميلٍ لا يسعني إلّا أن أُكِنَّ له أنا شخصيَّاً احتراماً عميقاً، وألّا أحتقره ما حييت"[10]. هذا الاحترام للدين عبَّر عنه فتغنشتاين في هجومه الشرس على مقاربة السير جيمس فرايزر للظاهرة الدينيَّة في كتابه الغصن الذهبي. إذ يحاجج فتغنشتاين في ملاحظات حول "الغصن الذهبي" لفرايزر (1931) على أنَّه لا يمكن تفسير الممارسات الدينيَّة، وبالتالي فإنَّ تقديمها كأخطاء، كما فعل فرايزر، أمر غير مقبول. فالدين يكون خاطئاً فقط إذا قدَّم نفسه كعلم. وحتى إن كان التفسير ممكناً، فإنَّه لن يعدو أن يكون أكثر من مجرَّد فرضيَّة، نظراً لأنَّ الممارسات الدينيَّة موجودة هناك فقط ولا يمكن سوى وصفها كتعبير عن الحياة البشريَّة.

يريد فتغنشتاين أن يعلّم طلابه أنَّ الاعتقاد الديني لا يقوم على برهان (علمي أو تاريخي)، وبالتالي لا يمكن دحضه ببرهان مضاد. عادةً ما يطلق على الاعتقادات الدينيَّة عقائد أو إيمان أو قناعات، لكنَّ المؤكد في رأي فتغنشتاين أنَّها ليست آراءً. فعلى الرغم من أنَّه يمكن للدين والعلم أن يحاولا تفسير الأشياء نفسها، فإنَّهما يعتمدان على معايير معنى مختلفة. وعلى الرغم من أنَّه ليس هناك بديل عن الإشارة إلى أنَّ المؤمنين يفكّرون بشكل خاطئ عندما يسقطون في التناقض، فمن الممكن أن يتفقوا على نوع مختلف من الاستدلال، نظراً لأنَّ القول إنَّ دينهم يتضمَّن أخطاء أو سخافات يعني في الوقت ذاته أنَّ هناك استدلالاً معيَّناً في نظامهم الخاص.

لا يقوم الاعتقاد الديني على برهان ولا يمكن إخضاعه للتحقق العقلاني. إنَّ اللعبة اللغويَّة الدينيَّة مختلفة منطقيّاً عن الألعاب اللغويَّة الأخرى كاللعبة اللغويَّة العلميَّة أو التاريخيَّة. إذ يلاحظ فتغنشتاين أنَّ المرء عندما ينطق بأقوال دينيَّة، فإنَّه يقول ويفعل شيئاً مختلفاً عمَّا يقوله العالم أو المؤرخ: "مهما كان الاعتقاد في الله، فلا يمكن أن يكون اعتقاداً في شيء يمكن اختباره أو يمكن أن نجد له إجراءات لاختباره"[11]. كما أنَّ الاعتقاد الديني ليس مسألة افتراض حقائق تجريبيَّة وليس مسألة قياس برهان لصالح أو ضدّ قضايا معيّنة؛ لذا فإنَّ القيام بذلك يؤدّي إلى المرور بجانب المغزى الأساسي، و"إنَّ المسألةَ كلَّها ستنهار". إنَّ البحث عن براهين منطقيَّة أو تجريبيَّة لإثبات الاعتقاد الديني أو دحضه سيؤدي إلى استبعاده إلى مستوى الخرافة. والحال أنَّ فتغنشتاين لا يعتبر المؤمنين الدينيين خرافيين، إلّا إذا تعاملوا مع معتقداتهم الدينيَّة كما لو أنَّها من نوع الاعتقادات العلميَّة نفسها. إنَّ ما يريد فتغنشتاين إبرازه هنا هو أنَّ معالجة الاعتقاد في يوم القيامة كمسألة واقعيَّة ذات درجة معيَّنة من المصداقيَّة والمعقوليَّة تعني الخلط بين اللعبة اللغويَّة الدينيَّة واللعبة اللغويَّة العلميَّة. فمن الخطأ الفادح اعتبار أنَّه يمكن معالجة المنطوقات داخل اللعبة اللغويَّة الدينيَّة بالطريقة نفسها التي تعامل بها القضايا التجريبيَّة القابلة للتحقق الموجودة في أشكال أخرى من الخطاب. إنَّ المنطوقات الدينيَّة، حسب فتغنشتاين، غير عقلانيَّة، ولا يمكن أن تكون عقلانيَّة بمجرد حشوها باللغة العلميَّة والتاريخيَّة، ولا يمكن أن تقوم على أسباب عقلانيَّة مطلقاً. لذا لا يجب الترافع لصالح الاعتقاد الديني بالاستعانة بالاستدلال المنطقي أو بما يمكن أن يعتبر أرضيَّات عاديَّة يقوم عليها الرأي. وإذا أقام شخص الاعتقادات الدينيَّة على أرضيَّات وبراهين ملائمة للقضايا غير الدينيَّة، فإنَّه سيدمّر تلك الاعتقادات ويجرّدها من معناها.

2. الدين لا يحتاج إلى مبرّر عقلاني

يورد فتغنشتاين مثال الأب أوهارا ليوضح أنَّه لا يمكن دعم الاعتقادات الدينيَّة بالأسباب العقلانيَّة. ولكي نفهم المغزى الذي أراد فتغنشتاين إبرازه من خلال مثال أوهارا، أقترح عرض مقارنة بسيطة بين موقفَيْ فتغنشتاين من أطروحة أوهارا وأطروحة جيمس فرايزر الذي أدان الاعتقادات الدينيَّة للقبائل "البدائيَّة" باعتبارها خرافات لأنَّها غير عقلانيَّة وغير علميَّة. ورغم التشابه بين موقفَيْ أوهارا وفرايزر، فإنَّ فتغنشتاين عاملهما بطريقتين مختلفتين: إذ انتقد تبرير أوهارا للاعتقاد الديني، لكنَّه رفض إدانة فرايزر لهذا الاعتقاد. ذلك أنَّ فرايزر جعل الاعتقادات الدينيَّة تبدو خاطئة عندما بحث في أسسها العلميَّة، بينما تبرير أوهارا العقلاني للاعتقادات الدينيَّة جعلها تبدو خرافيَّة. والحال أنَّ الاعتقاد الديني، حسب فتغنشتاين، لا يحتاج إلى تبرير عقلاني يرتكز عليه. ذلك أنَّ الفيلسوف النمساوي يرى أنَّ العقل لا دور له في الدين: "يقول الدين: افعل هذا! فكر هكذا! لكنَّه لا يستطيع أن يبرّر ذلك، ولا يحتاج سوى إلى القيام بذلك ليصبح بغيضاً... هناك سبب مضاد مقنع جداً"[12].

يتمثل الفرق بين الاعتقاد الديني والاعتقاد الخرافي في واقعة أنَّ الأوّل يرتكز على الرهبة والخوف والرعب، ... إلخ، بينما يقوم الثاني على الاستدلال والبرهان. لذا، أن يكون للشخص اعتقاد في اليوم الآخر لا يعني بالضرورة أنَّ لديه اعتقاداً دينيَّاً، إذ يمكن أن يكون لديه موقف خرافي من يوم القيامة بسبب بحثه عن سبب أو برهان لذلك الاعتقاد، بينما يقوم الاعتقاد الديني على الخوف والرعب وليس على البرهان المنطقي أو العلمي أو التاريخي.

حسب فتغنشتاين، يمكن لغير المؤمن توجيه نقد عقلاني للاعتقاد الديني. إنَّ أوَّل حالة يسمح فيها فتغنشتاين بذلك هي عندما يقترف المؤمن "أخطاء فادحة"، أي عندما ينحرف عن نظام مسلّمات وقواعد دينه. ويشير فتغنشتاين منذ بداية "دروس في الاعتقاد الديني" إلى مثال عن هذا النوع من الانحراف، وهو عندما رأى خلال الحرب خبز القداس محمولاً في صندوق من المعدن الفلزي، فقد بدا له ذلك أمراً سخيفاً. كما يسمح فتغنشتاين لغير المؤمن أن ينتقد الدين عندما يبدو المؤمن مذنباً بخرق بعض متطلبات الحياد العامَّة، كمطلب ألّا يخدع نفسه مثلاً. ويمثل فتغنشتاين لذلك بحالة الأب أوهارا الذي يطمح إلى أن يجعل الدين مقبولاً في الحقل العلمي من خلال إخضاع الاعتقاد الديني لمعايير المعرفة العلميَّة.

يميّز فتغنشتاين بين استعمال "عادي" واستعمال "استثنائي" للاعتقاد، وبالتالي بين مواقف اعتقاد عاديَّة وأخرى استثنائيَّة، ليبرهن على فكرة أنَّ شخصين يلعبان اللعبة اللغويَّة نفسها وحدهما يستطيعان مناقضة بعضهما بعضاً. تقوم مواقف الاعتقاد العاديَّة على اعتقادات تجريبيَّة وعلميَّة؛ بينما تميّز مواقفُ الاعتقاد الاستثنائيَّة الاعتقادات الدينيَّة. يثير فتغنشتاين انتباه طلّابه إلى أنَّ الاعتقادات العاديَّة تتميز بخمس خصائص مركزيَّة[13]: أوَّلاً: إنَّ كلمات "رأي"، "نظرة"، "فرضيَّة" كلمات متداولة في الاعتقادات العاديَّة؛ ثانياً: يمكن قياس الاعتقادات العاديَّة كاعتقادات عقلانيَّة إلى هذا الحد أو ذاك، أي يدعمها البرهان بهذا القدر أو ذاك؛ ثالثاً: من غير المناسب مناقضة الاعتقادات العاديَّة بالمعرفة، نظراً لأنَّ الإنسان العقلاني يسعى إلى الحصول على برهان لتحويل اعتقاده العادي إلى معرفة؛ رابعاً: إنَّ عبارات مثل "لست متأكداً" و"ممكن" تكون دائماً إجابات ملائمة عن تعبير شخص آخر عن اعتقاده العادي؛ خامساً: عادة لا يكون للاعتقادات العاديَّة القدرة على جعلنا نغير حياتنا ("حسناً، يمكن أن يحدث ذلك ويمكن ألّا يحدث"[14]).

وبالمقابل، تختلف الاعتقادات الاستثنائيَّة، كالاعتقادات الدينيَّة، عن الاعتقادات العاديَّة على كلّ هذه المستويات الخمسة: إنَّ كلمات مثل "الإيمان" و"العقيدة" مصطلحات غير تقنيَّة تستعمل عادة في حالة الاعتقادات الاستثنائيَّة؛ كما لا توجد الاعتقادات الدينيَّة في مستوى إثباتها أو دحضها بالبرهان التجريبي، وعلى الرغم من أنَّ الاعتقادات الاستثنائيَّة هي "أرسخ" أنواع الاعتقاد، فإنَّها غير مرشَّحة لأن تصبح معرفة؛ إنَّها ترتبط بانفعالات وصور قويَّة، إنَّها توجّه حياة الناس.

يشير فتغنشتاين إلى أنَّه على الرغم من أنَّ الله لا يظهر، فإنَّ كلمة "الله" واحدة من الكلمات التي يتعلمها الإنسان مبكراً. فالله تمثله صورٌ مثلاً، إلّا أنَّ ما تمثله صورة الله مجَّرد شيء نؤمن به (أي نعتقد فيه). فالإنسان يعتقد في وجود الله لا أقلَّ ولا أكثر. يلاحظ فتغنشتاين أنَّ كلمة "الاعتقاد" مستعملة هنا بمعنى استثنائي، بما أنَّه يستحيل علينا إخضاعها للتجريب أو العثور على وسائل لتجريبها: إذ لا يمكن مقارنة صورة الله أو أيَّة صورة دينيَّة أخرى مع أيّ شيء في الواقع. وهذا يعني أنَّه ليس هناك برهان، بل إنَّنا لا نعرف تقنية استعمال هذه الصورة. وهكذا، فإنَّه ليس بمقدورنا سوى التعبير عن أنفسنا بواسطة هذه الصور الدينيَّة التي لا يمكن التحقّق منها.


[1]. Rhees, R. (1970) Discussions of Wittgenstein, London: Routledge and Kegan Paul, p. 79.

[2]. Drury, M.O’C (1981) «Some Notes on Conversations with Wittgenstein», in Rush Rhees, (ed.), Ludwig Wittgenstein: Personal Recollections, Totowa, NJ: Rowman and Littlefield, p. 94.

[3]. Glock, C.G. (1996) A Wittgenstein Dictionary, Oxford: Wiley-Blackwell, p. 320.

[4].Chauviré, C. (1992) «Présentation», in L. Wittgenstein, Leçons et conversations sur l’esthétique, la psychologie et la croyance religieuse, Paris, Gallimard, col. «Folio/Essais»: I-LIV, p. XXXVII.

[5]. Ibid.

[6]. Wittgenstein, L. (1984) Remarques mêlées, trad. De G. Granel, Mauverin, TER, p. 44.

[7]. Wittgenstein. (1980) Culture and Value, Chicago: University of Chicago Press, p. 64.

[8]. Kierkegaard, Søren. Concluding Unscientific Postscript. Princeton, 1992, p. 204.

[9]. Ibid., p. 568.

[10]. Wittgenstein, L. Philosophical Occasions, 1912-1951, edited by James Carl Klagge and Alfred Nordmann, Indianapolis: Hackett Publishing, 1993, p. 40.

[11]. Ibid.

[12]. Ibid.

[13]. Kusch, M. (2011) «Disagreement and Picture in Wittgenstein’s Lectures on Religious Belief», in R. Heinrish, E. Nemeth, W. Pichler and D. Wagner (eds.) Image and Imaging in Philosophy, Science and the Arts, vol. 1, Frankfurt, Lancaster, Paris: New Brunswick: 35-57, p. 38-39.

[14]. Wittgenstein, L. «Lectures on Religios Belief», op. cit. p. 56.


مقالات ذات صلة

المزيد