البيروني؛ مؤرِّخ الأديان المتخصّص

فئة :  مقالات

البيروني؛ مؤرِّخ الأديان المتخصّص

إذا كان أغلب الباحثين والمتخصّصين في ميدان الدّراسات العلميّة للأديان، يقرّر أنّ الدّراسات الجادّة، والجهود العلميّة الدّقيقة في مجال علم مقارنة الأديان، لم تظهر في الحقيقة إلّا في أوربا، بالضّبط، مع كتابات "ميلر" في القرن التّاسع عشر، ويؤكّد كثير من هؤلاء أنّ علماء الإسلام قدّموا إسهامات لا يمكن إغفال قيمتها العلميّة، أو التّقليل من شأنها، في مجال علم مقارنة الأديان؛ بل - أكثر من ذلك - عدّ بعض الباحثين - من المسلمين أو من الغربيّين - علم الأديان، أو علم مقارنة الأديان، علمًا إسلاميًّا، ابتكره المسلمون، وكان لهم فضل السّبق في إظهاره، وإخراجه إلى الوجود، وإرساء بعض قواعده.

لقد وجد المسلمون أنفسهم - بفعل عدّة عوامل - مدفوعين دفعًا نحو تناول الأديان بالدّرس والتّحليل؛ فمنذ القرن الثّاني الهجريّ، انفتح الفكر الإسلاميّ على أديان العالم، وجعلها موضوعًا مستقلًّا للدّراسة والبحث، ووضع علماء الإسلام لذلك مناهج علميّة سديدة، فوصفوا أديان العالم، وحلّلوها، وقارنوا بينها، وأرّخوا لها، وانتقدوا بعضها، ورغم أنهم لم يكونوا السّباقين إلى ذلك، إلّا أنّ دراستهم للأديان تميّزت عن دراسة من سبقهم - حسب عبد الله دراز - بطابعَين جديدَين:

الأوّل: أنّ الحديث عن الأديان أصبح دراسة وصفيّة واقعيّة، منعزلة عن سائر العلوم والفنون، وشاملة كافّة الأديان المعروفة في عهدهم.

الثّاني: أنّهم لم يعتمدوا - في وصفهم الأديان المختلفة - على الأخيلة والظّنون؛ بل استمدّوا أوصافهم من مصادرها الموثوق بها[1].

ويعدّ أبو الرّيحان البيرونيّ رائدًا من روّاد دراسة الأديان في الفكر الإسلاميّ، ليس لأنّه من أوائل من كتب في هذا المجال، ولكن لمنهجه العلميّ الرّصين الّذي اتّبعه في حديثه عن أديان الهند، ولا عجب في ذلك، فالبيرونيّ - كما سيأتي في تعريفه - رجل علمٍ في المقام الأوّل.

التّعريف بأبي الرّيحان البيرونيّ[2]:

هو أبو الرّيحان، أحمد بن محمّد البيرونيّ الخوارزميّ، ولد في بلدة بيرون سنة 362هـ/ 973م، وتوفَّى سنة 440هـ /1048م في غزنة (كابل اليوم)؛ فيلسوف ورياضيّ ومؤرِّخ، اطّلع على فلسفة اليونانيّين والهنود، وكان ذا شهرة عالية ومكانة متميّزة عند ملوك عصره، له مؤلَّفات كثيرة ومهمّة في ضروب مختلفة من العلم، تُرجِم أغلبها إلى أهمّ اللّغات العالميّة؛ ألَّف في الجغرافيا: "تصحيح الطّول والعرض لمساكن المعمور من الأرض"، وألَّف في التّاريخ: "الآثار الباقية عن القرون الخالية"، وألَّف في الفَلَك: "الاستشهاد باختلاف الأرصاد"، وممّا أُثِرَ عنه في الرّياضيّات: "كتاب استخراج الكعاب والأضلاع وما وراءه من مراتب الحساب"، وفي الأدب كتب "شرح ديوان أبي تمّام"، وله في الفلسفة: كتاب "المقالات والآراء والدّيانات"، وغير ذلك من المؤلَّفات الضّخمة الّتي تربو على الأربعمئة كتاب، ويكاد البيرونيّ - بهذه المؤلَّفات - قد ألَّف في كلّ فروع المعرفة الّتي عهدها عصره.

لقد قدّم البيروني مساهمات علميّة قيّمة في ميدان العلوم التّجريبيّة، فقام بحسابات، وحلّ معادلات، لا تعالج اليوم إلّا بالأدمغة الإلكترونيّة، وحلّ أصعب المسائل، وتسمّى هذه المسائل - الهندسيّة والرّياضيّة - (مسائل البيرونيّ)، وابتكر نظريّة خاصّة لتقدير "النّسبة التّقريبيّة" الضّرورية لحساب مساحات الدّوائر ومحيطاتها، وتمكّن من تقدير محيط الكرة الأرضيّة وقطرها، وتناولت أبحاثه علم ميكانيكا الموائع والهيدروستاتيكا، كما انضمّ إلى ابن سينا والّذين شاركوا ابن الهيثم في رأيه القائل: إنّ الضّوء يأتي من الجسم المرئيّ إلى العين، ومن أبرز ما قام به البيرونيّ؛ أنّه توصّل إلى تحديد الثّقل النوعيّ لثمانية عشر عنصرًا مركّبًا، بعضها من الأحجار الكريمة، مستخدمًا الجهاز المخروطيّ، وفي ظاهرة الجاذبيّة؛ كان البيروني، مع ابن الحائك، من الروّاد الّذين قالوا: إنّ للأرض خاصيّة جذب الأجسام نحو مركزها. ومن المسائل الفيزيائيّة الّتي تناولها البيرونيّ في كتاباته؛ ظاهرة تأثير الحرارة في المعادن، وضغط السّوائل وتوازنها، وتفسير بعض الظّواهر المتعلّقة بسريان الموائع، وظاهرة المدّ والجزر، وسريان الضّوء.

فلا عجب - بعد هذا كلّه - أن نجد المستشرق الألمانيّ "سخاو" يصفه بقوله: "إنّ البيرونيّ من أضخم العقول الّتي ظهرت في العالم، وإنّه أعظم علماء عصره، ومن أعظم العلماء في كلّ العصور"، ونجد جورج سارتون يقول فيه: "كان رحّالة وفيلسوفًا، ورياضيًّا، وفلكيًّا، وجغرافيًّا، وعالمًا موسوعيًّا، ومن أكبر عظماء الإسلام، ومن أكابر علماء العالم"، ونجد - أيضًا - المستشرق الروسيّ كراتشكوفسكي، يقول فيه: "لا نملك إزاء هذا، إلّا الانحناء - في خشوع واحترام - أمام النّتائج العلميّة الباهرة الّتي توصّل إليها، والتّراث العلميّ الحافل الّذي أنتجه، في ظروف الزّمان الّذي عاش فيه"، ولا عجب - كذلك - في أن نجد في القمر أماكن تحمل اسمه، وأن تسمّي روسيا مدينة وجامعة باسمه، وتقيم له تمثالًا في جامعة موسكو، وتنظّم في شأنه النّدوات، وأن يُكرَّم من قبل دول عديدة[3].

كتاب البيرونيّ حول الأديان "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة":

يعدّ هذا الكتاب من أضخم كتب المسلمين التي ألّفت في مجال تاريخ الأديان؛ إذ يقع في حوالي ستمئة صفحة، وقد قسّمه البيرونيّ إلى ثمانين بابًا، ضمّت كمًّا هائلًا من الموضوعات المتشعّبة والمتشابكة، الّتي يصعب حصرها؛ فبعد مقدّمة صغيرة ضمّنها البيرونيّ بعض ملامح منهجه في الكتاب، استطرد في الحديث عن كلّ ما يتعلّق بالهند من النّواحي؛ الدّينيّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة، والعلميّة، وغيرها، وتطرّق فيه البيرونيّ إلى معتقدات الهنود في الله تعالى، وفي الموجودات العقليّة والحسيّة، وفي الأرواح والجزاء والجنّة والنّار، ووصف آلهتهم، وطقوسهم، وفرقهم، وكتبهم، ومعارفهم، وبلادهم، وأنهارهم، وبحارهم، وممالكهم، ومنجّميهم، وشرائعهم، وغير ذلك.

وقد اكتسب الكتاب أهميّة كبيرة، واشتهر عند علماء الأديان بأنّه واحد من أهمّ الكتب في المجال، وحظي باهتمام الباحثين والدّارسين - خاصّة - الغربيّين منهم، الّذين أثنوا عليه، وأشادوا بقيمته العلميّة، وقد وصفه المستشرق الروسيّ روزين، بأنه: "أثر فريد في بابه، لا مثيل له في الأدب العلميّ، القديم أو الوسيط، سواء في الغرب أو في الشّرق"[4].

منهج البيرونيّ في تأريخ أديان الهند:

بدأ البيرونيّ وصفه لأديان الهند بانتقاد سابقيه ممّن اهتمّوا بحضارة الهند وتقاليدها الدّينيّة، وأظهر عيوب كتب المقالات، وما عُمل في الآراء والدّيانات، ورأى أنّ أكثرها متحوّل، وبعضها عن بعض منقول وملقوط، مخلوط غير مهذّب على رأيهم ولا مشذّب[5]، لذلك؛ أقرّ البيرونيّ بأنّه لم يجد من أصحاب كتب المقالات أحدًا قصد الحكاية المجرَّدة، من غير ميل ولا مهادنة، سوى أبي العبّاس الإيرانشهريّ[6]، لذلك؛ فقد اتّبع البيرونيّ في وصفه لأديان الهند منهجًا يحمل كلّ سمات المنهج العلميّ الحديث في دراسة الأديان، ويمكن إجمال سمات هذا المنهج فيما يأتي:

أوّلًا: تحرّي الأمانة العلميّة في نقل الأخبار

وهذه من أهمّ السّمات الّتي يجب وجودها عند جميع العلماء والباحثين في كلّ أصناف المعرفة، في ميدان دراسة الأديان - خاصّة - وقد كان البيرونيّ ملتزمًا بهذا المنهج في كتابه، فهو ينسب الأقوال إلى أصحابها، وعند الحديث عن موضوع ليس لديه عنه معلومات ومصادر وافية وأصيلة، فإنّه لا يلجأ إلى التّخمين أو الافتراض؛ بل يخبر قرّاءه بذلك بكلّ صراحة، فمثلًا: عند دراسته (للشّمنية)، والحديث عن أساطيرها وخرافاتها، يقول: "ولأنّي لم أجد كتابًا للشّمنيّة، ولا أحد منهم، أستشف من عنده ما هم عليه، فإنّي إذا حكيت عنهم، فبواسطة "الإيرانشهريّ"، وإن كنت أظنّ أنّ حكايته غير محصّلة، أو عن غير محصّل"[7]، ومن أمثلة الأمانة العلميّة لديه - أيضًا: توقّفه في باب: "مبدأ عبادة الأصنام وكيفيّة المنصوبات" عن إصدار الحكم في أمر لا علم له به، يقول: "أمّا قولكم: إنّ من اليونانيّة من ذكر أنّ الأصنام تنطق، وأنّهم يقرّبون لها القرابين، ويدّعون فيها الرّوحانيّة، فلا علم لنا بشيء منه، ولا يجوز أن نقضي على ما لا علم لنا به"[8].

ثانيًا: الاعتماد على المعاينة والمشاهدة المباشرة

لم يدرس البيرونيّ أديان الهند دراسة نظريّة؛ بل دراسة تطبيقيّة ميدانيّة، يدلّ على ذلك قوله في مقدّمة الكتاب: "بسم الله الرّحمن الرّحيم: إنّما صدق قول القائل (ليس الخبر كالعيان)؛ لأنّ العيان: هو إدراك عين النّاظر عين المنظور إليه في زمان وجوده، وفي مكان حصوله"[9]، ولم يكتف البيرونيّ بالمشاهدة فقط؛ بل كان - في بعض الأحيان - يسأل العلماء والمنجّمين ورجال الدّين، وفي ذلك يقول: "كنت أقف من منجّميهم مقام التّلميذ من الأستاذ، لعجمتي فيما بينهم، وقصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم"[10].

ثالثًا: الحياد والموضوعيّة

ابتعد البيرونيّ عن النّقد والجدل، واختفت مرجعيّته الإسلاميّة في ثنايا الكتاب، فكان مجرّد حاكٍ وناقل لما شاهده في بلاد الهند، وكان ذلك ممّا أكّده البيرونيّ في مقدّمة كتابه، حيث قال: "ففعلته غير باهت على الخصم، ولا متحرّج عن حكاية كلامه، وإن باين الحقّ، واستفظع سماعه عند أهله؛ فهو اعتقاده، وهو أبصر به، وليس الكتاب كتاب حجاج وجدل، حتّى أشتغل فيه بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحقّ، وإنّما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه"[11].

وقد شهد بموضوعيّة البيرونيّ وحياده ثلّة من علماء الغرب:

يقول ألانا (G. Allana)؛ صاحب الكتاب التّذكاريّ عن البيرونيّ: "إنّ البيرونيّ ألّف كتابه عن الهندوسيّة، ولم يكن فيه منحازًا، أو متعصّبًا، واستشعر واجبه كمسلم في اقتباس نصوصهم كاملة، ولم يكن كتابه كتابًا جدليًّا؛ بل هو تسجيل تأريخيّ للحقائق، قد وضع فيه أمام القارئ نظريّات الهندوس كما هي"[12].

ويقول الباحث الأمريكيّ إيمبريك: "يتقدّم البيرونيّ نحو فهم الاختلافات الثّقافيّة، ويعرض عقائد الهنود، تاركًا الهندوسيّين يتكلّمون عنها بأنفسهم، وبتعبيرهم الخاصّ"[13].

بل إنّ حياد البيرونيّ بلغ درجة جعلت إدوارد سخاو يقول: "إنّك تقرأ بعناية صفحات عديدة من الكتاب، دون أن يتبادر إلى ذهنك أنّ الكاتب مسلم، وليس هندوسيًّا"[14].

رابعًا: اتّباع منهج المقارنة:

قد أعلن البيروني عن ذلك في مقدّمة كتابه، حين قال: "فأُورد كلام الهند على وجهه، وأضيف إليه ما لليونانيّين من مثله، لتعريف المقاربة بينهم"[15]، فنجده - مثلًا - في مطلع الباب الرّابع (حال الأرواح وتردّدها بالتّناسخ في العالم)، يقارن الدّيانة الهنديّة ببقيّة الأديان، باستخدام رموزها التّأسيسيّة، فيقول: "فكما أنّ الشّهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتّثليث علامة النّصرانيّة، والإسبات علامة اليهوديّة، كذلك التّناسخ علم النّحلة الهنديّة، فمن لم ينتحله، لم يكن منها، ولم يعد من جملتها[16]".

خامسًا: التّمكّن من اللّغة السّنسكريتيّة:

هناك مجموعة من الأدلّة تؤكد تمكّن البيرونيّ من اللّغة السّنسكريتيّة، منها: ترجمته كتابين منها إلى اللّغة العربيّة - كما صرّح بذلك في مقدّمة كتابه: "وكنت نقلت إلى العربيّة كتابَين؛ أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات، واسمه "سانك"، والآخر: في تخليص النّفس من رباط البدن، ويعرف "بياتنجل"، وفيهما أكثر الأصول الّتي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم"، ومنها - أيضًا - وصفه لهذه اللّغة بدقّة متناهية، وذلك في قوله: "ومتى رامها أحد لإزالة المباينة، لم يسهل ذلك؛ لأنّها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربيّة، يتسمّى الشّيء الواحد فيها بعدّة أسام مقتضبة ومشتقّة، وبوقوع الاسم الواحد على عدّة مسمّيات، ثمّ هي منقسمة إلى مبتذل لا ينتفع به إلّا السّوقة، وإلى مصون فصيح يتعلّق بالتّصاريف والاشتقاق ودقائق النّحو والبلاغة، لا يرجع إليه غير الفضلاء المهرة، ثمّ هي مركّبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربيّة والفارسيّة، ولا تشابهها؛ بل لا تكاد ألسنتنا ولهواتنا تنقاد لإخراجها على حقيقة مخارجها..."[17]، ومنها استعماله الكثيف لبعض مصطلحات هذه اللّغة، مثال ذلك قوله: "إلّا أنّي كنت أسمع منهم التّصعيد والتّكليس والتّحليل وتشميع الطّلق، وهو بلغتهم "تالك"، ولهم فنّ شبيه بهذا الباب، قد اختصّ الهند به ويسمّونه "رساين"، وهو اسم مشتقّ من الذّهب"[18].

سادسًا: الاعتماد على المصادر الأصليّة:

إلى جانب دراسته الميدانيّة، اعتمد البيرونيّ - كذلك - في وصفه أديان الهند على مصادرها المكتوبة، وقد صرّح بذلك في أكثر من موضع، فقال - مثلًا - في سياق حديثه عن كتابه: "ولقد أعيتني المداخل فيه، مع حرصي الّذي تفرّدت به في أيّامي، وبذلي الممكن غير شحيح عليه في جمع كتبهم من المظانّ، واستحضار من يهتدي لها من المكامن"[19].

والمطالِع لكتاب "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، يجد إشارات متكررّة من البيرونيّ إلى كتب الهند، سواء كانت إشارات عامّة، أو إشارات خاصّة إلى كتب بأسمائها، نذكر من ذلك:

"قال السّائل في كتاب "باتنجل": مَن هذا المعبود الّذي ينال التّوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته"[20].

"ونحن نذكر من كتبهم - هنا أيضًا - ما يصرّح بهذه المعاني، ففي "بشن پران": إنّ "ميتري" سأل "پراشر" عن الغرض في جهنّم والعقاب به؟ فأجابه: إنّ ذلك لتمييز الخير من الشرّ، والعلم من الجهل، وإظهار العدل"[21].

يقول المستشرق الروسيّ فاسيلي فلادمير، مؤكّدًا اعتماد البيروني على المصادر الأصليّة للهنود: "وألّف كتابًا قيّمًا عن الهند، يدلّ على نظر واسع وحياد علميّ تامّ، وفي كتابه عن الهند معلومات واسعة عن الأديان والعلوم الّتي فيها، وقد استقاها البيروني من منابعها الهنديّة المباشرة"[22].

لقد اجتمعت في البيروني كلّ صفات دارس الأديان المتخصّص، إضافة إلى حياده وموضوعيّته، وأمانته في نقل الأخبار، واعتماده على الدّراسات الميدانيّة، ورجوعه إلى المصادر الأصليّة، تميّز بصفة غابت عن جلّ علماء الإسلام المتقدّمين الّذين تطرّقوا إلى موضوع الأديان، ألا وهي: إتقانه لغة الأمّة الّتي تناولها بالدّرس والوصف، وهي اللّغة السّنسكريتيّة.

وهكذا، يمكن القول: إنّ علماء الإسلام، ومنهم البيرونيّ، قد قدّموا مساهمات قيّمة في ميدان دراسة الأديان، تميّزوا بها عمّن سبقهم، وسبقوا بها من بعدهم، سواء على مستوى المنهج، أو النّتائج المتوصَّل إليها، وحتّى إن لم يكن علم مقارنة الأديان علمًا إسلاميًّا، فيكفي المسلمين فخرًا ما قدّموه من مساهمات، كان لها الأثر الكبير والواضح في تأسيسه وتأصيله.


[1] الدّين، بحوث ممهّدة لدراسة تاريخ الأديان، عبد الله دراز، دار القلم للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 0200م، ص 21

[2] ينظر في ترجمة البيروني:

- الأعلام، الزّركلي خير الدّين، دار العالم للملايين، بيروت، 2002م، ج 5، ص 314

- العرب وما قدّموه للحضارة، طوقان فدوى، دار الكتاب العربيّ، بيروت، ص 163 وما بعدها.

- تطوّر الفكر العلميّ عند المسلمين، عفيفي محمّد الصّادق، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1977م، ص ص 112-115

- أعلام الجغرافيّين العرب، حميدة عبد الرّحمن، دار الفكر، دمشق، 1984م، ص ص 340- 342

- موسوعة أعلام الفلاسفة العرب والأجانب، إيلي ألفا روني، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1992م، ج 1، ص ص 299- 300

[3] هذه الآراء للمستشرقين، وردت في مقدّمة النّاشر لكتاب "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، تأليف: البيرونيّ أبو الرّيحان محمّد بن أحمد الخوارزميّ، عالم الكتب، بيروت، 1403هـ.

[4] أعلام الجغرافيّين العرب، ص 341

[5] تحقيق ما للهند، ص 15

[6] هو أستاذ البيرونيّ؛ من أوائل من ألّف في الأديان في الفكر الإسلاميّ، تحقيق ما للهند، ص 15

[7] تحقيق ما للهند، ص ص 206- 207

[8] نفسه، ص 87

[9] نفسه، ص 13

[10] نفسه، ص 20

[11] نفسه، ص ص 15- 16

[12] في مقارنة الأديان بحوث ودراسات، الشّرقاوي محمّد عبد الله، دار الفكر العربيّ، القاهرة، 2002م، ص 39

[13] مدخل لدراسة تاريخ الأديان، مسعود حايفي، دار الأوائل للنّشر والتّوزيع، دمشق، 2010م، ص 46

[14] نفسه، ص 46

[15] تحقيق ما للهند، ص 16

[16] نفسه، ص 39

[17] نفسه، ص 17

[18] نفسه، ص 134

[19] نفسه، ص 21

[20] نفسه، ص 23

[21] نفسه، ص 48

[22] تطوّر الفكر العلميّ عند المسلمين، ص 122