التأثير السلبي للإعلام الجديد في الجانب الديني للشباب

فئة :  مقالات

التأثير السلبي للإعلام الجديد في الجانب الديني للشباب

الإعلام الجديد يعمل على تزويد الشخص بالمعلومات وتشريبه إياها، حتى تشكل مكونًا من مكونات ثقافته، فتؤثر في مواقفه بتعديلها وتغييرها، ويسلك بعد ذلك وفق هذا التعديل، ويأتي سلوكه – تبعًا لذلك - مطابقًا لما تزود به من معلومات، ومن خلال الفرد يتم التأثير في المجتمع برمته، وهي تسهم في صياغة وبناء الواقع الجديد، فالتغيير المعرفي أحد مجالات عمل الإعلام الجديد.

التأثير هو التغيير الذي يحدث في سلوك الإنسان، نتيجة المعلومات التي يستقبلها وتؤثر في مخزونه المعرفي، وتدفعه إلى القيام بتصرف مغاير للعمل الذي اعتاد عليه[1]. والتأثر هو تغير يقع إما في التفكير أو في المشاعر أو في السلوك بسبب تلقي الرسالة الاتصالية. ولمعرفته نحتاج إلى سبر (ودراسة) التغييرات الفكرية أو الشعورية أو السلوكية أو المعرفية الناتجة عن إطلاق الرسالة الاتصالية[2].

ويشكل الشباب والمراهقون أكبر شريحة عمرية من مستعملي أدوات الإعلام الجديد، بحيث أنّ الإحصاءات حول مستعملي الأنترنيت بالسعودية مثلاً، سنة 2010، بينت أنّ 39 بالمائة من مستعملي الشبكة تتراوح أعمارهم ما بين 25 و34، متبوعين بالذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 عامًا، وتبلغ نسبتهم 30 بالمائة. والطلب قويّ جدًّا على شبكة "يوتيوب" التي يشاهدها حوالي 90 مليون مرة كل يوم، ومستعملو شبكة "فيس بوك" يبلغ عددهم أزيد من خمسة ملايين ونصف المليون مستخدم، و"تويتر" يستخدمه حوالي 400 ألف مستخدم. حوالي 70 بالمائة منهم ذكور[3].

الشباب والإعلام الجديد

المراهق مرتبط بواقعه المادي الملموس، وفي الوقت نفسه فإنّه يولي اهتمامًا خاصًّا لعالم الصورة في علاقاته بهذا العالم الملموس، لأنّ طغيان الجانب العاطفي على شخصيته يجعله في هذه المرحلة منفتحًا على الرموز وعلى كل ما يثير الخيال، لذلك تبقى لغة الوسائل السمعية البصرية هي أنسب اللغات لسيكولوجيته، فهي تزوده بالمعلومات عن عوالم شتى بشكل محبب، وتجعله على اتصال تام بالعالم، وتغني خيالاته وتثير استيهاماته أيضًا.

أسهم في تقوية هذا الميل لعالم الصور، التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصال والإعلام الإلكتروني في العصر الحديث، الذي هيأ الشروط لأن تهيمن الصورة على كل وسائل الاتصال ومصادره وأوعية المعلومات، التي تسعى وراء الصورة إنتاجًا وتوظيفًا وتطويرًا، حتى تكون أكثر قربًا من مجريات الحياة المعاصرة، موضوعات وأشخاصًا ووقائع. لذلك فهناك منافسة شديدة بين الهيئات الاتصالية لتوظيف الصور، ضمن الرسائل الاتصالية وعبر الوسائل المتنوعة، إشباعًا لحاجات شتى، ليس عبر التلفزيون فقط، بل عبر كل القنوات الإلكترونية كالحاسوب وشبكة الأنترنيت. (فالصورة تسجيل للحقيقة وليست الحقيقَةَ ذاتَها، وهي تختلف عن الكلمة المكتوبة أو المسموعة، لأنّ الكلمة رمز لا يحتوي شيئاً من عناصر هذه الحقيقة، أما الصورة فهي رمز يحتوي على خطوط ومساحات تشبه الواقع في شكلها الظاهري، فهي لذلك وبوجه عام، أسهل فهماً من اللفظ المكتوب)[4].

لقد أثبتت الدراسات الخاصة (بالتأثير) أنّ الحركة الفيلمية التي تبث جزيئات متناثرة لبيئة واحدة لها القدرة على التأثير تفوق تلك الأعمال الفنية التي تتعامل والإمكانات الأدائية التقليدية، مثل الكلمة المنطوقة والأداء التمثيلي. إنّ حركة الصورة الفيلمية وتتابع اللقطات يؤديان إلى الإحساس بالواقع بطريقة حسية وليس بطريقة المنطق والفكر. فإدراك الحقيقة عن طريق الحس يزيد من إمكانيات الإقناع والتأثير السريع، فضلاً عن أنّ الحركة تعطي إحساساً بحرفية الفن التلفزيوني وتوظيف الإمكانات المتاحة من تصوير ومونتاج وحركة كاميرا[5]. والأخطر من ذلك أنّ المشهد المصور يثير في نفس الشاب المشاهد كثيرًا من الخيالات والاستيهامات، التي تعد ضرورية لمزيد قراءة المشهد وفهمه وبناء الصور الذهنية المرتبطة به.

وما يتلقاه المراهق عبر الصورة يرسخ في عقله أكثر مما يتلقاه شفاهةً أو مكتوبًا، لأنّ اعتماد المشهد المصور على البصر يجعل المتلقي يدركه بشكل أفضل وأقوى وأوضح، فعلم النفس يؤكد أنّ المرء يتذكر نسبة كبيرة من مشاهداته التي يحفظها عقله، أكثر من تذكره ما تلقاه من خلال أذنه، أما إذا تلقى المعلومة عن طريق البصر والأذن معًا، فإنّ نسبة تذكرها تكون عالية جدًّا[6]، لا تضاهيها أو تفوقها إلا المعلومات التي أنتجها بنفسه. وهذه الوسائط الإعلامية الجديدة، أضحت مؤثرة في حياتنا المعاصرة، وتأثيرها يتعاظم سنة بعد أخرى.

وفي ما يلي سرد لبعض مظاهر التأثير السلبي للإعلام الجديد.

التأثيرات السلبية

الإعلام سلاح ذو حدين فكما بعث ثقافات من رقادها، أو أسهم في دعمها ونشرها، فإنّه يسهم أيضًا في قتل ثقافات أخرى وتدميرها، عن طريق تشويه الهوية الثقافية الفردية، التي تعد اللغة والدين والتراث من أهم مكوناتها.‏ ومن أهم الآثار السيئة للإعلام الجديد:

1. ترويج الغلط والكذب: عدد كبير من وسائط الإعلام الجديد تبث معلومات تفتقد المصداقية والصحة. وكثير من المواد لا تحمل أسماء كتابها، وناشروها لا يتحرون الدقة والصحة، والقطاعات الحكومية الوصية على الشأن الديني أو التعليمي أو العلمي لا تمتلك الصلاحيات للتحقق أو الترخيص بنشر المعلومات.

مواقع التواصل الاجتماعي، تمثل إعلام الفرد، وتعتمد على آراء أشخاص، وليس على أخبار تُستقى من مصادر موثوقة. يتنافس المستخدمون على سرعة نقل المعلومة لتسجيل السبق في ذلك، على الرغم من كونهم أفراداً وليسوا وكالات أنباء، ما أفقد هذه الوسائل مصداقيتها وأسهم في انتشار أخبار عارية من الصحة، منها أخبار موجهة من جهات ما لتحقيق غايات معينة مذهبية أو سياسية أو اقتصادية.

من الصعب إيجاد أداة قياس يمكن الاعتماد عليها لقياس مصداقية محـــتوى مواقع التواصل الاجتماعي، فعملية تقييم المصداقية في بيئة الأنترنت أكثر تعقيدًا مما هي عليه فيما يخص الإعلام التقليدي.

وتنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و"تويتر" و"يوتيوب" وغيرها فتاوى وتصريحاتٌ منسوبةٌ إلى علماء وقادة وشخصيات عمومية، تُبيحُ أو تُحَرِّمُ أمورًا، أو تُعلِنُ عن قرارات، يَتَبَيَّنُ بعد البحث والتمحيص فيها أنّها مُجَرَّدُ أكاذيب وأخبار مُختلَقة، نسبت إلى هؤلاء الناس، والأمثلة على ذلك كثيرة.

2. تراجع الثقافة المكتوبة: خَلَّفَ ظهور هذه الوسائل الأَثَرَ الواضحَ في مكانة أوعية المعلومات الورقية، حيث سُجِّلَ تراجُعُ استعمال الصحف والمجلات في السنوات الأخيرة، وهكذا، فالمراهق عمومًا لا يهتم بهذه الأوعية الورقية، التي لم تعد مُشَوِّقَة ومثيرة لاهتماماته، ولم تَعُد مصدرًا وحيدًا للمعرفة، التي أصبح ينهلها من وسائل الإعلام في جو من الحرية وبطرق تفاعلية.

والحديث عن الثقافة المكتوبة لا يقصد به المطبوعات الورقية فقط، بل يعني أيضًا النصوص المكتوبة المبثوثة في الإعلام الجديد، كنصوص الــ"بي دي إف" والـ"وورد" وما شاكلهما. وللتذكير، فالمنتجات الورقية في طريقها إلى الزوال، لتحل محلها المنتجات الإلكترونية، وقد أملت الأسباب البيئية والاقتصادية والتقنية هذا التطور، فالصحافة الورقية حلت محلها الصحافة الإلكترونية، والكتاب الإلكتروني ينتشر اليوم أكثر من انتشار الكتاب الورقي[7].

تشير الدراسات وبحوث الرأي والاستطلاعات في العالم كله، إلى أنّ هناك ميلاً لدى الشباب والأطفال للاطلاع على المعلومات في صورة الفيديو بدلاً من النصوص، فموقع "يوتيوب" يشاهَدُ ملياري مرة كل يوم، وأكثر المشاهدين يافعون، ما يشير إلى تحول ثقافي، الأمر الذي ارتقى بالموقع ليحتل المرتبة الثانية بوصفه أكبر مخزن للمعلومات في العالم بعد "ويكيبيديا"، وكذلك يحتل الموقع المرتبة الثانية بعد "غوغل" من حيث هو محرك بحث[8].

إنّ البنية الإدراكية التي تميز جيل الإعلام الجديد تختلف عن التفكير الخطي المنهجي المرتبطة بالثقافة المكتوبة، فبخلاف الأجيال السابقة، فإنّ شباب اليوم عرف الصورة المتحركة وتعلم منها قبل أن يعرف عالم الكتاب، لذلك فهو ينفر من النص المطبوع، ولا يشعر نحوه بأيّ جاذبية، وهذا يؤشر لقطيعة تكنولوجية وفكرية بين جيل الثقافة المطبوعة وجيل الثقافة الإلكترونية، بدأت تلوح معالمها بقوة في العالم[9].

إنّ لقطة الفيديو المتلفزة أو المعروضة في "يوتيوب" أو في قناة أخرى تتميز بطابعها الفسيفسائي المتشتت، تتم معالجتها في الجزء الأيمن من الدماغ، وتنطبع كما هي على إدراك الفرد، فزيادة على تشتتها، تتصف بسلبيتها، مقارنة بخطية النصوص المطبوعة ومنهجيتها. وهذا ما ولَّدَ لدى الشباب بنية فكرية لا تحتمل التركيز المطول، كما قللت من قدراتهم على الخوض في الفكر التجريدي.

إنّ ظاهرة القطيعة الحاصلة بين جيل الثقافة المطبوعة وجيل الإعلام الجديد تحمل تعقيدات كثيرة، ونزوع الشباب العربي نحو الإعلام الجديد يجب النظر إليه باعتباره نزوعًا نحو الوسيلة ذاتها، لأنّ من خصوصياتها أنّها تتلاءم مع بنية إدراكية فسيفسائية، لم تعد تحتمل أي منحى خطي في التفكير[10].

3. تشويه الدين والتراث: فبخصوص المكون العقدي للهوية، فإنّه يتضرر كثيرًا بفعل ما يبثه هذا الإعلام من تشويه صريح وواضح ومقصود للدين الإسلامي وعباداته ومعتقداته وثقافته، ما يؤدي إلى زعزعة عقيدة الشباب المسلم، والتشكيك في صحتها، والتنقيص من قيمتها. فتكونت في ذهنه صورة قاتمة في غاية السوء عن أهم مكونين للهوية وهما الدين والتراث، وهو ما يؤدي إلى ازدراء الذات وتحقيرها، وانسلاخ الشباب من مقومات هويتهم والارتباط بجماعات أخرى تحمل ثقافات مضادة، والتفاعل معها وتبني مكونات هويتها، واتخاذها جماعات مرجعية في الثقافة والسلوك، يستمد منها قيمه، ويتبادل وإياها التعاطف والتأييد. وهو ما يكسبه هوية أخرى بديلة، لا تجد أي سند في وسطه الاجتماعي.

إنّ الحملات المنظمة على التراث الإسلامي، والتي لم تنقطع أبدًا عبر قرون كثيرة، لم تحقق غاياتها، على الرغم من أنّ القائمين عليها حرصوا على ضرب المكون الفكري للأمة الإسلامية، بتشويه صورة التعاليم الإسلامية بالتحريف والاجتزاء وتأويل الكلام وتغيير مقصد الخطاب حتى يزهد الناس في مفاهيم الشريعة الإسلامية.

هذه الحملات المنظمة لم تستطع أن تؤثر في صورة الإسلام عبر التاريخ إلا بشكل محدود، واليوم تتواصل الحملة بشكل أكثر ضراوة مع الإعلام الجديد، والاستراتيجيات التي يبذلها خصوم الإسلام والساعون إلى تشويه المرجعيات الإسلامية وضربها، وهي تعتمد الربط الشرطي بين علماء الإسلام وبين مسائل مكروهة عند الناس، كالإرهاب والتكفير والدماء واحتقار المرأة، وعدم المساواة بين الناس، وغيرها.

ونشهد في هذا الإعلام كثافة الحملة على علماء المسلمين، والمقصود ليس العالِم ذاتَه، وإنّما من خلاله يتم هدم المرجعية الدينية، ومن ثم سهولة اختراق عقول المسلمين وتوجيههم إلى أفكار بعيدة عن الأديان كالإلحاد والعلمانية الشمولية وغيرها.

ومواقع التواصل الاجتماعي تعتبر ساحةً رحبةً لهذه الحملات، فوجود الجماعات والتيارات المتطرفة والإرهابية الغارقة بالتكفير وإزهاق الأرواح وتفجير الآمنين والممتلكات، وما يصاحب ذلك من سهولة عرض تلك الجرائم عبر الإعلام الجديد، تأتي حركة التشويه المتعمدة بربط هذه الجماعات والتيارات بالسلفية تارة، وبالسنة تارة، وببعض العلماء تارة أخرى، فيجدون من يتلقف تلك الدعوات ويقتنع بها ثم يصاب بردة فعل عكسية تجاه الدين وعلمائه وتاريخه.

فخصوم الإسلام يوظفون بشكل خبيث كلام العلماء ويجتزئون نصوص التراث ويوردون نصوصًا أصوليةً في غير سياقها لأجل زعزعة عقيدة المسلم وضرب المكون العقدي في الهوية.

4. تدمير اللغة: إنّ اللغة العربية التي تمثل روح الأمة وأهم مكون لهويتها وشخصيتها ووحدتها، والوعاء الحافظ لثقافتها وتراثها، والوسيلة الناقلة للأفكار والتقاليد والخبرات عبر الأجيال المتعاقبة، تعد المدخل الرئيس لتقويض ثقافة الأمة وهويتها. وقد أصبحت تعيش مأزقاً في الإعلام الجديد الذي هو الواجهة التي تعكس مختلف التفاعلات الثقافية والقيمية في مجتمعنا، فهذا الإعلام بقوة تأثيره، أسهم في الإضرار باللغة العربية، من خلال:

1- ركاكة اللغة المستعملة مع شيوع الأخطاء النحوية والصرفية والإملائية.

2- إحلال الحروف اللاتينية محل الحروف العربية.

3- إحلال العامية أو العاميات محل العربية الفصحى.

4- اعتماد "عربيزي arabizi" لغة تواصل، بل والأدهى من ذلك أنّ محرك البحث "غوغل" اعتمدها لغة بحث في الشبكة.

إنّ الإعلام الجديد عمومًا تسبب في تأثيرات ضارة باللغة العربية، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بالثقافة العربية والقيم المرتبطة بها. فضلاً عن أنّ تبني الشباب المسلم للّغة الأنجليزية أو الفرنسية، يؤدي إلى تعلقه وإعجابه بالثقافة المسيطرة، ويغدو بالتالي انتماؤه إلى القرية الكونية أقوى وأمتن من انتمائه إلى أمته وثقافتها.

5. عولمة ثقافة غربية وتغريبية: ويمثل الإعلام إحدى الركائز الأساسية التي قامت عليها العولمة، ويؤكد "فوكوياما" ذلك بقوله: إنّ العولمة تعتمد على ثلاثة أسس؛ هي: تكنولوجيا المعلومات والإعلام؛ حرية التجارة الدولية في مرحلة ما بعد الشركات متعددة الجنسيات؛ واقتصاد السوق وحرية الحركة في الأسواق العالمية [11].

تعمل الصور المتدفقة من الشمال نحو الجنوب، على نقل كَمّ هائل من الأفكار والتصورات والرغبات؛ إذ تعمل على تأسيس نمط استهلاك معين، وعلى حد تعبير ريجيس دوبريه: (حيث تمر الصور الأمريكية والسينما، تمر السيارات الأمريكية والشامبو ومختلف المنتجات)[12]. في شكل يشبه توحيد المشاهدة عالمياً. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعولمة ذوق استهلاكي، بل يتعداه إلى تنميط عالم الخيال؛ إذ (إنّ الصورة تنتج قدرة هائلة على الاستحواذ على وعي الناس وانتباههم. وتنفذ إلى زمانيتنا الخاصة؛ إنّها اجتياح لحميميتنا الفردية. ومن ثم فالصور تمارس نوعاً من التوغل في دواخلنا وتؤسس لاختيارات وتفضيلات، وتحفيزات وتحيزات، وتخلق حاجيات وتحدث رغبات، لتباشر حسماً بدئياً لأشكال محتدة من الصراع قد تتخذ شكلاً سياسياً أو اقتصادياً)[13].

إنّ علاقة الإعلام الجديد بالعولمة الثقافية مرتبطة بتدفق الصور والمعلومات الهائل في الفضاء الالكتروني، وإذا كانت مكونات الثقافة نفسها كالدين واللغة والعادات والتقاليد والمعتقدات تشكل سدّاً منيعاً، لأنّها من مكونات الهوية الفردية والجمعية، وتحول دون الانصهار الكامل في الثقافة المعولمة، فإنّ الإعلام الجديد يؤثر في هذه المكونات ويضعفها، وينتج عنه قبول نسبي للثقافة المعولمة، بل وإنتاج نسخ محلية منها قد تمهد للانصهار الكامل والتماثلية الثقافية. فثقافة الصورة سطحية، هزيلة وفقيرة، ومع ذلك فهي واسعة الانتشار وقادرة على الاختراق بقوة، لذلك تستعمل في الغالب في الإغراء بتحريك الغرائز ومخاطبة العواطف السطحية وإثارتها، وهذا التوظيف يزيد من مخاطرها.

وسينتهي بنا الأمر إلى انقسام المجتمع بين أصحاب الثقافة العالمية، وبين النخب التي تنحاز إلى قيمها الثقافية الذاتية، لتنشأ قطيعة بين أمتين لا جامع بينهما سوى المكان. وهنا تكمن ضرورة الوعي بإشكاليات الاتصال الحديث بجميع أبعادها، الثقافية والاجتماعية والسياسية.


[1] خورشيد، كامل: مدخل إلى الرأي العام، عمان، دار المسيرة، 2013، ص 131

[2] أبو الحمام، عزام: الإعلام والمجتمع، عمان، دار أسامة للنشر والتوزيع، 2010، ص 32

[3] الشهري، أريج: الطلاب يريدون الإعلام الجديد، مجلة المعرفة، الرياض، وزارة التربية والتعليم، عدد 210، شوال 1433، ص 54

[4] بدر الدين أحمد إبراهيم: الإعلام الجديد: تأثيره ودوره في التوعية الأمنية، ورقة مقدمة لمؤتمر التوعية الأمنية، مركز التنوير المعرفي والأكاديمية العسكرية العليا بالتعاون مع جامعة نايف للعلوم الأمنية، الخرطوم 2-4 ديسمبر 2013

[5] بدر الدين أحمد إبراهيم: المرجع نفسه.

[6] يكن، منى حداد: أبناؤنا بين وسائل الإعلام وأخلاق الإسلام، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1982، ص 50

[7] المكي، هشام: الإعلام الجديد وتحديات القيم، ص 176

[8] أسامة أمين، مجلة المعرفة عدد 210، المرجع السابق، ص 66

[9] حميدو، كمال: الشباب العربي والوسائط المتعددة، مجلة الإذاعات العربية، تونس: اتحاد إذاعات الدول العربية - عدد: 3/2011، ص 73

[10] حميدو، كمال: المرجع نفسه، ص 76

[11] سعيد بخيره، العولمة وحرية الإعلام، ظافر للطباعة، الزقازيق، 2000، ص 37

[12] دوبريه ريجيس (فيلسوف فرنسي) محاضرة ألقاها صباح السبت 12 نوفمبر 2005م بمراكش، بمناسبة الإعلان عن المدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش.

[13] ريجيس دوبريه، نفسه.