التعدد المعرفي والمنهجي في فكر عبد الله حمودي

فئة :  قراءات في كتب

التعدد المعرفي والمنهجي في فكر عبد الله حمودي

التعدد المعرفي والمنهجي في فكر عبد الله حمودي

"كتاب حكاية حج، موسم في مكة"

"Une saison à la Mecque"

أنموذجا[1]


"كتاب حكاية حج، موسم في مكة"

"Une saison à la Mecque"

الكاتب: حمودي عبد الله[2]

المترجم: عبد الكبير الشرقاوي

الناشر: دار الساقي، بيروت، لبنان

تاريخ النشر: 2010

عدد الصفحات: 263

أولا: على سبيل الاستهلال (الكتاب والمنهج)

في كتابه القيم الموسوم بعنوان "حكاية حج، موسم في مكة، Une saison à la Mecque"، يقدم الأنثروبولوجي المغربي والأستاذ بجامعة برنستون الدكتور عبد الله حمودي، مادة معرفية جد متميزة يتقاطع خلالها النفس الروائي مع التحليل الأنثروبولوجي، والقراءة السياسية مع التأمل الفلسفي؛ فالكتاب يتجاوز إلى حد بعيد في مضامينه، شكل اليوميات أو المذكرات التوثيقية لرحلة حج إلى الديار المقدسة، عارضا بذلك تصورا فريدا ومتقدما لفهمنا لركن الحج، خامس الأركان التي بني عليها الإسلام. ويتيح تعدد المواقع التي يحتلها الكاتب في ثنايا الكتاب، تعدد المقاربات والتأويلات، التي تستوقف القارئ أكثر من مرة. في هذه المقالة، نعيد قراءة هذا الكتاب، والذي صدر في طبعته العربية عن دار الساقي بلبنان عام 2010، والمترجم إلى أزيد من أربع عشرة لغة. هذا الكتاب الذي يعد في نفس الوقت تمرينا محكما لاكتساب المنهج الأنثروبولوجي للدكتور عبد الله حمودي.

يسعى هذا الكتاب بمضامينه الغنية إلى الإجابة عن إشكال مهم يتلخص في السؤال التالي: ما هي الدلالات العميقة لطقس الحج؟ وإلى أي حد يجسد هذا الركن الديني بطقوسه وأركانه فهمنا وإدراكنا لمعاني الحياة ولوجود الآخر فيها؟

1- النفس الروائي

يعرض الدكتور عبد الله حمودي تجربته في حج بيت الله الحرام باعتماد تقنيات السرد والحكي ذات النفس الروائي، وهو ما يؤشر عليه بداية بالعنوان المقترح "حكاية حج" تأكيدا على طبيعة المادة المقدمة بين دفتي الكتاب، التي ستأتي لاحقا في شكل سلسلة أحداث متعاقبة زمانيا ومكانيا، ينطلق السرد من لحظة وداع الأهل بالولايات المتحدة الأمريكية، مرورا بالموطن الأصلي المغرب، الذي يعد محطة أساسية لتنفيذ مختلف الإجراءات القانونية المتعلقة بالرحلة، وصولا إلى الديار المقدسة، لتنطلق رحلة عيش جديدة مليئة بالطقوس المقدسة المتتابعة، وزيارات متعددة لأماكن تستوقف الباحث الذي ينشغل أكثر من غيره بمحاولاته الخاصة لفهم وتأويل هذه الطقوس في علاقتها بالشرائع الربانية وبالشروط الثقافية للمجتمع. يكثف الدكتور عبد الله حمودي وصفه الدقيق للأماكن ودلالاتها، في تصوير بليغ للمسجد النبوي، يقول الكاتب: "بحثنا لحظة عن مكان بين المصلين، الذين كانوا مقرفصين في صفوف مرصوصة، بين أعمدة الرخام ذات التيجان المذهبة، أو تحت القباب الواسعة المنقوشة، التي كانت نوافذها البيزنطية تخفف الضوء، وتنفث فيه صفاء معلوما"[3]. كما يصف الأسواق وحركة الناس الدؤوبة، التي تتسم بالسرعة تارة والتباطؤ تارة أخرى، وهم يتنقلون بين دروب ومسالك ضيقة تزيدها زحمة الناس اختناقا، ويقدم أيضا مشاهد من هنا وهناك لمعاملات اقتصادية تجارية تشترك فيها ذوات من جنسيات مختلفة، ومعها يكتشف الإنسان - الحج هنا- كيف يصيح الالتقاء بالآخر. فيسري التواصل وينطلق سلسا دون مقدمات أو شروط مسبقة. أحيانا يقتحم الكاتب شخصيات يلتقي بها، يحاول فهم جوانبها السيكولوجية وطرائق تفكيرها، التي تفسر الكثير من تصرفاتها، والتي تبدو أحيانا شاذة، خصوصا تلك الشخصيات التي تقدم نفسها كسلطة وصاية على فهم الناس وتأويلهم للدين، من موقع تخول فيه لنفسها الحلول مكان الآخر والتقرير بدلا عنه "توقفت قريبا من جماعة من الإيرانيين... جذب التجمع الشرطة الدينية التي جاءت لتفريقه دون هوادة، أمرني شرطي بالحركة والحذر من ممارسات هؤلاء الشيعة العجم، ومن تأليه الإنسان وعبادة القبور، غادرت المقبرة خجلا من أن فرقة من فرق الإسلام يمكنها بلا عقاب، أن تقمع ممارسات إسلامية أخرى، وتبدي كل هذا الاحتقار للحساسية الدينية لمسلمين آخرين"[4].

تبلغ رحلة عبد الله حمودي ذروتها حينما تصبح رحلة استكشافية، تخول للقارئ الغوص في مجتمع جديد بأسواقه وحاراته ومعالمه وشخصياته، ومرة أخرى يتجلى الكاتب في صورة راوي يروي رحلة وبطلا يعيش تفاصيلها "وإذ بلغت هذه النقطة من الحكاية، حيث شغلت دوري الراوي والبطل"[5]، يكون بذلك الدكتور عبد الله حمودي قد اختار في سرد حكاية حج جبة الكاتب الروائي، لقدرة هذا الأخير على الوصف والسرد والمقارنة والتشبيه والتصوير بأشكال وأنساق أكثر دلالة وتعبيرا.

2- المنعطف الأنثروبولوجي:

حكاية حج هي مقاربة أنثروبولوجية عميقة، تعتمد المشاركة والمعايشة الميدانية، لطقس ديني تتحكم فيه الشروط الثقافية والاجتماعية للمجتمعات الإنسانية التي يقرر أفرادها أداء هذه الفريضة وتدين دين الإسلام، وتبرز فيه التفاعلات التاريخية، حيث يؤثر الماضي في الحاضر ويحتكم الحاضر للماضي. فالباحث الأنثروبولوجي هذه المرة يبرز أكثر قوة، متسلحا بمناهج العلم ووسائله التي تعين على تفكيك هذه الأنساق المترابطة من الممارسات والسلوكيات والأفعال، التي تتخذ مظاهر ملموسة في مواقع متعددة، حيث تصبح الملاحظة وقت الفعل إمكانية متاحة، فالأنثروبولوجي هنا يجب عليه أن يراقب الفعل وقت وقوعه، ليتمكن من ضبط التوجه العام له، والذي يتغير باستمرار. ويأتي هذا الأمر في سياق اعتراف معلن في الكتاب "ساقتني أعمالي في الأنثروبولوجيا بشكل طبيعي إلى التفكير في الدين ... فباشرت الحج كمشروع بحث"[6]. يعتمد عبد الله حمودي منهجه الخاص والمتقدم في معالجته لمختلف طقوس الحج، فلا يكتفي بالاعتماد على المنهج البنيوي، حيث يحلل البنيات الكامنة والخفية خلف بعض هذه الطقوس مكتشفا رمزيتها ودلالتها، ولا يسعى فقط باعتماد المنهج الوظيفي إلى تفكيك وفهم مختلف الوظائف التي تؤديها هذه الطقوس إن على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي. فهذه المناهج كما هي تبقى في نظر عبد الله حمودي قاصرة عن فهم الظاهرة بشكل كاف؛ مما يستدعي الاعتماد عليها في سياق نظرية الفهم والمعنى، فالأفعال الإنسانية لها معنى ومغزى، وهو معنى غير قار وغير ثابت، ويكون دائما محط جدال بين الناس. كما أنه يتبلور في إطار علاقات اجتماعية وخاضع للمتغيرات السياسية، ومن تم فهم مؤقت دوما، كطقس رمي الجمرات "ما هو إذن الفعل القائم على رمي الجمرة، ورجم الشيطان؟... وبعبارات أخرى كل هذه الحركات هي من نمط أن تفعل مثل ما يفعله الحجاج. مثل إسماعيل لا يرمي الحجارة في اتجاه عمود، لأن ابن إبراهيم، جد العرب، لم يهاجم عمودا فحجارته التي لا يحدد حجمها، بعكس حجارتنا كان يقصد بها ضرب وإصابة الشيطان نفسه. ومن ثم صار ممكنا توافق الإرادات مع إرادته أو على الأقل تلك كانت حالي في حال الشك والبحث الحياتي، التعرف إلى هذا الفعل والتوافق معه على سبيل التضامن"[7]. كما يكشف الباحث في جانب آخر أن رجم الشيطان هو طقس يعكس رغبتنا في طرد الشيطان الذي يسكننا، والذي يصبح أنا آخر يقتحم ذواتنا ويبعدها عن طريق الطهر والعفة، فالرجم هو محاولة للتخلص منه أو إلى حد ما معاقبته.

يواصل عبد الله حمودي تحليله الأنثروبولوجي لمختلف طقوس الحج، كالإحرام الذي يعكس تحريم مجموعة من الملذات الدنيوية المبتذلة عن الذات التي ينبغي عليها أن تلبس لباس الإحرام ومعه سلوك العفة والقناعة والترفع عن جميع الملذات الحسية والجسدية. كما يخصص حيزا مهما لمقاربة طقس الذبيحة، والذي سبق للباحث أن أنجز بحثا مطولا ومهما جدا عنه في السابق. فهذا الطقس الذي يحمل نوعا من العنف المستتر، يعكس مفهوم التضحية "تضحية إسماعيل لتحقيق رؤية إبراهيم عليهما السلام"، ومفهوم الصبر "صبر الأب إبراهيم وهو يهم بذبح ابنه"، ومفهوم الطاعة "طاعة إبراهيم للأمر الإلهي"، لكنه أيضا تصوير لمشهد التدمير والتعسف الذي تتعرض له كائنات حيوانية، وجودها يبقى شرطا أساسيا لاكتمال هذه العقيدة.

إن حضور الباحث الأنثروبولوجي المزود بمناهجه وأدواته العلمية، لم يكن ليجنبه التعرض لحدث يسوق نحوه أشياء لا متوقعة تغني تجربته الحياتية "فبينما اعتقدت بالقدرة على إنجازه كباحث أنثروبولوجي، كان علي تلقيه كحدث ممتلئ باللامتوقع يقتحم حياتي"[8].

ثانيا: من الطقس الديني إلى تفكيك الوضع السياسي بالمجتمعات العربية والإسلامية

يقدم عبد الله حمودي في حكاية حج، قراءة عميقة للوضع السياسي الذي تعيشه المجتمعات العربية؛ ففي مجتمع كالمجتمع السعودي، تتحد مختلف مظاهر السلطوية التي يمارسها النظام الحاكم عبر أجهزته، والتي تمارس وصايتها على سلوكيات الأفراد الحياتية والمعيشية مع أشكال مختلفة من الخنوع والاستكانة التي يبديها الأفراد تجاه الدولة. ويرجع هذا الأمر في نظر حمودي إلى الفهم المتشدد للدين الذي يجد جذوره في التأويل الوهابي للشريعة والتعاليم الدينية. ولعل جهاز "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وتطبيق الحدود في الإسلام على الأفراد دون الأخذ بعين الاعتبار الشروط الاجتماعية التي تشرط الأفعال الجرمية، لهو تجسيد واضح لهذه السلطوية، التي تغذيها تفسيرات وتأويلات للدين موغلة في الماضي.

"جميع دواليب الدولة، وجميع شبكاتها، وجميع معارفها ومهاراتها تكتشف في آخر الأمر القوة الرهيبة لضبابية الماضويات "[9]. تتحول هنا الدولة كتنظيم سياسي إلى كيان يمتلك حق الهيمنة والسيطرة ليس المادية فقط، بل الروحية أيضا، حيث تتحول التأويلات التي تقدمها للنصوص الدينية، التأويلات الوحيدة الواجب اتباعها من طرف الجميع، سكان البلد وضيوفه، الحجاج في هذه الحالة.

ثالثا: الطقس الديني (الحج) والتأمل الفلسفي

تبرز التأملات الفلسفية في كتاب حكاية حج أكثر من مرة، إذ يقوم عبد الله حمودي بالتأمل في مجموعة من الطقوس، مستخلصا من ورائها إلى إدراك مجموعة من القضايا ذات الأبعاد الوجودية والميتافيزيقية، التي تجد منطلقاتها في شعيرة الحج "ولحظة باشرت الحج، كنت أيضا باحثا في الأنثروبولوجيا، أتابع أفكار وتأملات فلسفية"[10]. أولى هذه القضايا التي استأثرت باهتمام الباحث وتأملاته، علاقة الإنسان بالله، إذ يراها الباحث علاقة مباشرة ينبغي أن لا تخضع لوساطة البشر، ومن ثم رفض كل أشكال التدخل التي يحاول بعض الناس القيام بها في علاقة العبد بربه، مخولين لأنفسهم دون وجه حق وساطة يرفضها الإسلام ويرفضها العقل. ثم علاقة الأنا بالغير، فالحج كما يشير الباحث يعلمنا كيف نتواصل مع الغير وكيف نتقبل وجوده، إذ إن شكل العلاقة الأولية التي تقيمها الذات معه هي علاقة اشتراك في هذا المكان المقدس الذي يمثل وجودا لكل فرد.

رابعا: خلاصات واستنتاجات وآفاق للتساؤل والنقد

حكاية حج، كتاب متعدد الروافد، غني بخلاصاته وأفكاره ومضامينه، التي تثري فكر القارئ، وتبعث فيه شغف البحث والسؤال، إنه بذلك يحل كقراءة جد معاصرة بأدوات متطورة تحث على مواصلة التأمل والبحث في طقوسنا الدينية، لأن أي فهم متجدد ومتنور لتعاليمنا الدينية، لهو شرط ضروري وكاف لتخليص الدين من الشوائب التي علقت به عبر التاريخ، والقائمة على تأويلات مختلفة بعضها أخذ طابع الغلو والتشدد، وهذا هو المشروع الذي يعلنه الدكتور عبد الله حمودي في كتابه هذا.


[1] وجبت الإشارة إلى أن هذا العمل خضع للمراجعة من طرف المؤلف نفسه، لذا وجب التذكير والتنويه.

[2] يعتبر واحدا من الأنثربولوجيين العرب، الذين استطاعوا أن يؤسسوا لمشروع فكري ونقدي وعملي من خلال أبحاثه وتحرياته الميدانية، يعمل كأستاذ للأنثروبولوجيا بجامعة برنستون في الولايات المتحدة الأمريكية، كان مديرا لمعهد الدراسات الإقليمية بالجامعة نفسها، له إشعاع عالمي كبير ومؤثر. نشر أزيد من عشرات الكتب والمقالات والمساهمات العلمية، والتي لقيت قبولا عند المجموعات العلمية في شتى بقاع الأرض. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: "حمودي عبد الله، "الرهان الثقافي وهم القطيعة"، إعداد وتقديم: محمد زرنين، منشورات: جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ودار توبقال للنشر، (الدار البيضاء)، سنة2011. "الضحية وأقنعتها: بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب"، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال للنشر، (الدار البيضاء)، الطبعة الأولى، 2010. "الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة"، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، 2010. "الأنثروبولوجيا والتاريخ: حالة المغرب العربي" (بالمشاركة)، دار توبقال للنشر، 1988.حكاية حج: موسم في مكة"، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار الساقي، بيروت (لبنان)، ط، الأولى، سنة، 2010

[3] عبد الله حمودي، حكاية حج، موسم في مكة، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار الساقي ـ بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2010، ص 72

[4] المرجع السابق، ص 90

[5] المرجع السابق، ص 258

[6] المرجع السابق، ص 163

[7] المرجع السابق، ص 213

[8] المرجع السابق، ص 257

[9] المرجع السابق، ص 186

[10] المرجع السابق، ص 229