الجهاديون وعقدة الأندلس

فئة :  مقالات

الجهاديون وعقدة الأندلس

يرتكز الفكر الجهادي المعاصر على استعادة التاريخ كساحة للمعارك الرمزية، إذ ينظر إلى الماضي بوصفه الإطار الفعلي الذي يضيء عتمة الحاضر، فيعمل من ثم على إعادة إحياء المعجم القديم، انطلاقاً من رؤية ترى أن المفاهيم معالم، مثل مفهوم الخلافة والحروب الصليبية ومفهوم الروم للدلالة على الغرب الجغرافي والثقافي الراهن وقضية الأندلس، التي تُعد التيمة الأساسية التي يوظفها الجهاديون اليوم كرمز لماض مفقود يجب أن يعاد بعثه.

لم تولد قضية الأندلس، كعامل من العوامل المحفزة لدى الجهاديين، مع تنظيم "داعش" في السنوات الثلاث الأخيرة، بل تعود إلى وقت سابق بكثير. ففي الثمانينيات من القرن الماضي كتب عبد الله عزام عراب الجهاد في أفغانستان، في كتابه "التربية الجهادية والبناء" أن العمل الجهادي لن يقف عند أفغانستان، التي ليست سوى منصة إقلاع للجهاديين، بل سيتواصل “حتى نحرر بخارى وسمرقند وطشقند وقفقاسيا وشيشنة وداغستاز ونحرر الأندلس، حتى نحرر كل بقعة كان عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وقد اعتبر عزام أن الجهاد فرض عين على المسلمين، وأن الغزو يجب أن يكون مرة واحدة كل عام على الأقل.

وقد ظلت وصية عبد الله عزام حية لدى تنظيم القاعدة لأسامة بن لادن، الذي قال في أكتوبر 2001، بعد أقل من شهر على تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر "لن ندع مأساة الأندلس وفلسطين تتكرر".

وسعى التنظيم في الأعوام التالية إلى محاولة الربط بين قضية سبتة ومليلية المغربيتين الواقعتين تحت الاحتلال الإسباني وبين الأندلس، على أساس أن تحرير المدينتين سيكون جسراً نحو تحرير الأخيرة، وهو الأمر الذي دفع "المفوضية الإسلامية بإسبانيا" التي أنشئت عام 1992، لتمثيل المسلمين في البلاد أمام الحكومة الإسبانية، إلى إصدار فتواها الشهيرة يوم 11 مارس 2005 تدين فيها "المبررات السياسية" التي يدعيها تنظيم القاعدة وابن لادن للحديث عن الأندلس، وتبرئ المسلمين في إسبانيا من الإرهاب والعنف.

وفي أبريل من عام 2008 هدّد أيمن الظواهري، الرجل الثاني في التنظيم آنذاك، في شريط مسجل مدريد بتحرير المدينتين، من دون أن يذكر الأندلس، وهو ما فعله أيضا أبو مصعب عبد الودود (عبد المالك دروكدال) زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في نفس العام، معيدا ما قاله الظواهري.

وتزامنت تلك التهديدات مع تفكيك المغرب في نفس السنة لشبكة كانت تطلق على نفسها اسم "فتح الأندلس"، تتكون من 15 عنصراً يوجدون في كل من العيون وأكادير، كانت لديها اتصالات بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بحسب السلطات المغربية. وفي ديسمبر من عام 2009 بث الظواهري شريط فيديو يهدد فيه فرنسا وإسبانيا ويتوعد بتحرير الأندلس، من دون أن يذكر سبتة ومليلية. وفي عام 2016 بث "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" شريط فيديو يعلن فيه عزمه الوصول إلى بلاد الأندلس وروما ونابولي.

وقد حضرت قضية الأندلس في تسجيلات الظواهري ست مرات، كانت آخرها في يناير الماضي، عندما بث زعيم القاعدة شريطاً مصوراً يُهدد فيه إسبانيا باسترجاع المدينتين المغربيتين المحتلتين والأندلس، وهو ما أحدث حالة استنفار لدى المخابرات الإسبانية التي عمدت إلى تحليل مضمون الشريط وربطه بالتهديدات الصادرة عن تنظيم أبوبكر البغدادي.

لقد جعل تنظيم "داعش" مسألة تحرير الأندلس جزءاً من خطابه الدعائي والتحريضي فور إعلان ما سُمي بالخلافة على أجزاء من سوريا والعراق عام 2014. فقد ظهرت إسبانيا في الخارطة التي عكست نوايا التنظيم في التوسع، حيث وضع هذا الأخير شبه الجزيرة الإيبيرية ضمن المناطق التي سيتم احتلالها مستقبلاً.

وفي سبتمبر 2014، بث التنظيم شريط فيديو يظهر فيه شخصان يتحدثان اللغة الإسبانية، أحدهما مغربي يدعى نور الدين مجذوبي، يقول إن إسبانيا "هي أرض أجدادنا وسوف نفتحها بإذن الله"، بينما يقول الشخص الآخر، إن أهداف التنظيم لن تتوقف في العراق وسوريا، بل ستشمل جميع المناطق من جاكرتا إلى الأندلس.

وتجاوب مقاتلو التنظيم مع هذا الخطاب الدعائي عبر تغريداتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب أبو ردينة العصامي في تغريدة له قائلاً: "يوماً ما، سيرجع الابن الضال إلى حضن أبيه"، وكتب آخر: "باقية وتتمدد، فاتحة الأندلس السليبة قريباً".

كما أن أبا محمد العدناني (طه صبحي فلاحة) المتحدث الرسمي السابق باسم تنظيم "داعش" الذي تم اغتياله في 30 أغسطس 2016 في إحدى المعارك بحلب، ذكر الأندلس في كلمة تحت عنوان "لن يضروكم إلا أذى"، حيث قال: "ولا ننسى أن نُجدد العهد للأمة: ألا يطيب لنا عيش حتى نحرر أسرى المسلمين في كل مكان، وحتى نعيد القدس، ونرجع الأندلس، ونفتح روما إن شاء الله".

يكشف هذا التركيز المتزايد على الأندلس في خطاب الحركات الإسلامية "الجهادية" الحاجة إلى إيجاد قضية ذات تأثير رمزي كبير له ثقل في المتخيل العام للجهاديين. ذلك أن الأندلس، بقدر ما هي حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي في نوع من "النوستالجيا" التاريخية والدينية، بقدر ما يعمل الجهاديون على تحريك هذه "النوستالجيا" في نفوس أتباعهم، بل إننا نجد تنظيم "داعش" يؤرخ لبدء مشروعية "الجهاد" كـ"فرض عين" من ضياع الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، إذ يرى أحد منظريه أن الجهاد أصبح لازماً على المسلمين منذ أن ضاعت الأندلس.