الحرب الإلكترونية ضد الجهاديين: فرنسا أنموذجا

فئة :  مقالات

الحرب الإلكترونية ضد الجهاديين:  فرنسا أنموذجا

 الحرب الإلكترونية ضد الجهاديين:

فرنسا أنموذجا([1])


"هناك ما بعد وما قبل شارلي إيبدو"، هكذا يردد المسؤولون الفرنسيون منذ 7 يناير (كانون الثاني) المنصرم، فكأن ذلك الاعتداء الإرهابي على الصحيفة الهزلية قد أيقظهم من سباتهم، فكأنهم لم يكونوا ينتظرون ما حدث، رغم تهديدات الجهاديين المتواصلة منذ سنوات، وبات يصرح أغلبهم اليوم أن فرنسا دخلت في مرحلة جديدة في محاربة الإسلاميين المتشددين.

ينظر محللون كثيرون إلى الحادثة التي راح ضحيتها 17 بريئا وبريئة في باريس على أنها "الــ 11 من سبتمبر (أيلول) الفرنسي". وككل الشعوب الأوروبية الأخرى، بدأ الفرنسيون يستعدون لخوض حرب طويلة قاسية ليس ضد عدو خارجي فحسب، بل ضد عدو داخلي يأكل ويشرب معهم.

فكيف يمكن التصدي لظاهرة التأسلم المتطرف التي تجتاح الأحياء السكنية المأهولة بالمنحدرين من أصول إسلامية؟ وكيف يمكن الحد من تكاثر أمثال الإخوة كواشي وكوليبالي؟ ذلك هو السؤال الذي بات يؤرق نوم المسؤولين المدنيين والأمنيين في بلاد العلمانية.

جيش افتراضي ضد الإرهاب الأصولي

انتبه الفرنسيون إلى خطورة الجهاد الإلكتروني منذ مدة، وأدركوا استغلال المتطرفين لمواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة لاستقطاب وانتداب المئات من شبابهم عبر مختلف طرق الإغراء والكسب، ولكن كارثة باريس الأخيرة حركت آلتهم الدفاعية، وأصبحوا يعيشون في حالة استنفار قصوى. فعلاوة على الإجراءات الأمنية الوقائية الميدانية التي اتخذت مباشرة بعد الاعتداءات لمواجهة هذا الخطر الإسلاموي الداهم، اتفق المسؤولون على وجوب شن معركة افتراضية حاسمة ضده، بغية صد هجماته الدعائية ومنعه قدر المستطاع من نشر الرعب وجذب المزيد من الفرنسيين الشباب إلى صفوفه وإبعادهم عن تأثير دعايته. وكما كان الحال في بريطانيا، تم تكوين خلية من 50 خبيرا في الإعلاميات، تابعة للجيش الفرنسي مهمتها كبح انضمام الفرنسيات والفرنسيين الشباب إلى صفوف داعش عبر الشبكة العنكبوتية. ويتمتع هذا اللواء أو الخلية بصلاحيات مضاهية لصلاحية الجيش العسكرية على الميدان كما جاء في جريدة "الفيغارو".[2]

وحسب الجريدة نفسها، فإن قيادة هذا اللواء ستتخذ من مدينة ليون، وسط فرنسا، مقرا لها، وسيكون هدفها الأساسي مكافحة الحركات الإسلاموية المتشددة والرد على دعايتها النفسية والمعنوية وملاحقة المحاولات التجنيدية، وتوقيف المساعدات والدعم الذي تقدمه هذه الشبكات الإرهابية للمنتمين والمناصرين لها على التراب الفرنسي. وسيحاول هذا اللواء أن يفضح ويكشف على تويتر وفايسبوك التنظيمات المتطرفة على اختلاف أنواعها وفي مقدمتها تنظيم داعش، وسيقيم العسكريون الافتراضيون كما تقول جريدة "الفيغارو" اتصالات وعلاقات بهويات خفية من أجل اختراق الشبكات الإرهابية والتغلغل فيها وتنفيذ عمليات تضليل واسعة لجمع المعلومات... وسيستفيد رجال الأمن الافتراضي من الخبراء في شبكات التواصل الاجتماعي، وسيقومون بعمليات رصد واسعة كما سيعتمدون على عدد من علماء النفس للتأثير المضاد على الشبان المستهدفين من قبل الدعاية الداعشية. وتشير التسريبات الصحفية إلى أن الميزانية التي خصصت لهذه الحرب الإلكترونية للفترة الممتدة من 2015 إلى 2019 قد فاقت المليار أورو.

حرب عالمية رقمية

يقول مدير المركز الفرنسي لبحوث الاستخبارات، آلان رودييه، إن الدعاية التي ينتهجها التنظيم الإرهابي داعش قد وصلت إلى مستوى عال من الحِرفية، فهو يهدف إلى جذب إعجاب الشباب من أجل تجنيدهم في صفوفه. ولذا، يضيف، لقد بات لزاما علينا استثمار كل الإمكانيات قي حرب من هذا النوع، إذا أردنا تدمير استراتيجية هذا التنظيم المتطرف الدعائية، والتي أصبحت حسبه أكثر نجاعة من قنابل التحالف الدولي[3]. أما الاتحاد الأوروبي، فقد طلب من جهته مساعدة عمالقة شبكة الإنترنت في محاربة الجهاديين ومنعهم من تجنيد الشباب، ووقف بث الأشرطة الدعائية وتلك المشيدة بالأعمال الإرهابية، وهو ما اعتبره كل من الوزير الأول ووزير الداخلية الفرنسيين من الأولويات. وكانت أول مبادرة استعجالية في هذا الشأن هي فتح موقع[4] على الإنترنيت يوم 28 يناير (كانون الثاني) المنصرم تحت إشراف وزارة الداخلية موجه لمكافحة الدعاية الجهادية على الإنترنيت. موقع يقدم توضيحات وبعض الطرائق التي يمكن أن تنتهج لإعادة المتطرفين إلى جادة الصواب بعدما لعبت بعقولهم داعش وغيرها من التنظيمات الإسلاموية المتشددة. كما يحاول الموقع أن يهدم كل ادعاءات داعش الهادفة إلى تشجيع وجذب الشباب للقتال في سوريا والعراق. يستطيع الزائر أن ينتقل في الموقع بين أقسام كثيرة متنوعة: من أجل فهم جيد للتهديد الإرهابي، فك شفرة الدعاية الجهادية... وينقسم كل قسم إلى عدة فروع، نعثر فيها على حوارات مع خبراء وشروحات وإحالات تاريخية وروابط مواقع أخرى لها علاقة بمسألة الإرهاب والتطرف الإسلاموي. ولم ينس معدو الموقع أولياء الأمور، إذ وضعوا تحت تصرفهم نصا مفصلا حول كيفية سقوط فلذات أكبادهم في فخ التطرف، وهو تحت عنوان: "دلالات أولى يمكن أن تثير الانتباه".

تكييف القوانين

بعد لقائه مع بعض عائلات الشبان الذين انتقلوا إلى "الجهاد" في سوريا والاستماع إلى شهاداتهم، اقتنع وزير الداخلية الفرنسي أن كل حكايات أبنائهم وبناتهم متشابهة؛ فهم مراهقون ومراهقات يقضون معظم أوقاتهم في غرفهم يشاهدون الفيديوهات، حتى تطرفوا. ولا علاقة لتطرفهم بقاعات الصلاة السلفية. فأغلبية الجهاديين لم يلتقوا بمن جندهم إلا في آخر لحظة على الحدود التركية السورية، وكل الأمور الأخرى تمت على الفضاء الافتراضي.

إذا كان القانون الفرنسي يعاقب تمجيد الإرهاب، خصوصا في قانون 1881 المتعلق بحرية الصحافة، فإن الأدوات القضائية لم تعد مواتية لما يسمى اليوم "السيبرجهاد" المتغير الأشكال والعابر للقارات. ولتكييف القانون مع هذا الوضع الجديد، قدم وزير الداخلية الفرنسي خطة مضادة للإرهاب صادق عليها البرلمان الفرنسي في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) المنصرم، وعرضت على مجلس الشيوخ في بداية هذا العام، وكان هدفها الأول هو توفير الأدوات القانونية الضرورية الكفيلة بمنع الشبان والشابات من السقوط في التطرف في غرفهم أمام شاشة الكومبيوتر. وينتظر من التعديلات الجديدة إخراج جريمة تمجيد الإرهاب من قانون 29 يوليو (تموز)1881 الخاص بحرية الصحافة وإدراجه في قانون العقوبات وفي مادة جديدة.

الفرنسيون المسلمون ضد التطرف

يتهم كثيرون النخبة المنحدرة من أصول عربية وإسلامية بنوع من الحياد، حتى لا نقول السلبية في مناهضة التطرف الإسلاموي المتصاعد في فرنسا، إلا أن الواقع يقول عكس ذلك تماما، إذ نجد الكثير منهم في الصفوف الأمامية في مقارعة الإسلاموية، وذلك عن طريق تقديم خطاب مضاد للخطاب المتشدد، ومنهم كتاب ودارسون ذوو شهرة كبيرة، مثل: مالك شبال، والراحل عبد الوهاب المؤدب، ومناضلات مثل: فضيلة عمارة، وجمعيات كــ "لا خاضعات ولا مومسات"، وسياسيين، كالنائب في البرلمان الفرنسي مالك بوتيح، الذي يتهم صراحة بعض رؤساء البلديات وغيرهم بالتواطؤ مع الإسلاميين من أجل مصالح انتخابوية، والسيناتورة سامية غالي التي ظلت تنادي منذ سنوات بتطهير أحياء مدينة مرسيليا العربية من العنف، حتى ولو تطلب الأمر نشر قوات الجيش، كما نجد رجال دين يخاطرون بحياتهم في مواجهة التطرف، مثل: الإمام شلغومي، رئيس جمعية مسلمي مدينة درانسي، والباحثين في تاريخ الإسلام: غالب وصهيب بن شيخ، وغيرهم وفي كل المجالات. وفي مسألة الحرب الإلكترونية الدائرة بين مصالح الأمن والجهاديين، لا يمكننا عدم ذكر الدور الكبير الذي تلعبه واحدة من النساء المسلمات، ذات الأصول الجزائرية المغربية، وهي الأنثروبولوجية دنيا بوزار، ومركزها الرائد في التصدي لهجمات داعش الافتراضية، "مركز الوقاية من الانحرافات الطائفية المتعلقة بالدين الإسلامي".[5]

أرقام ودلالات

يوجد حوالي 3000 مواطن فرنسي تحت المراقبة البوليسية حسب وزارة الداخلية الفرنسية، 1300 منهم تورطوا في محاولة الذهاب للقتال في سوريا أو العراق. وتلاحظ مصالح الوزارة أن عددهم في ارتفاع رهيب، قد وصل إلى 130 بالمائة في مدة سنة واحدة. ويضاف إلى هذا العدد حوالي 500 شخص متورطين في شبكات إرهابية قديمة، بالإضافة إلى الناشطين في الفضاء الجهادي الافتراضي المتعامل باللغة الفرنسية. وتتفق كل المصادر على أن هناك ما يقارب الـــ 400 شاب فرنسي وشابة يقاتلون اليوم في سوريا والعراق.

وما يدل على استفحال الأمر، عدد المكالمات التي تلقاها الرقم الأخضر الذي خصصته وزارة الداخلية الفرنسية للمواطنين من أجل إبلاغ السلطات الأمنية عن حالات متعلقة بالإسلاموية الجهادية، أو حتى الاتصال بغية تسليم أنفسهم أو البحث عن أقارب يحتمل أن يكونوا قد التحقوا بالجهاديين أو هم تحت تأثيرهم. وتذكر محطة راديو وتلفزيون لوكسمبورغ[6] أن عدد المتصلين بهذه الخلية المكافحة للجهاديين قد وصل في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي إلى 300، وهو ضعف الاتصالات التي عرفها شهر ديسمبر (كانون الأول). ويرد وزير الداخلية الفرنسي اهتمام المواطنين، حسب نفس المحطة الإذاعية الفرنسية، إلى ارتفاع درجة الوعي وانحلال عقدة اللسان بعد اعتداءات 7، 8 و9 يناير (كانون الثاني). تقدم المواطنون منذ إنشاء هذا الرقم الأخضر بـالتبليغ على 1163 حالة، حسب وزارة الداخلية. 466 منهم من الإناث 697 من الذكور. من بينهم 124 تبّين أنهم التحقوا بصفوف داعش في العراق أو في سوريا، ودائما حسب محطة راديو وتلفزيون لوكسمبورغ، أحصت السلطات 268 من القاصرين و895 من البالغين، و20 إلى 25 بالمئة منهم هم من الذين أسلموا أخيرا.

تساؤلات وتخوفات

تساءل البعض عن مصير الحريات العامة أمام هذه الإجراءات الاستباقية، وحذر من مغبة المساس بالحريات الفردية، وطالب البعض الآخر بإيجاد توازن بين المحافظة على الأمن والحرية في آن. ولكن بعض المختصين شككوا حتى في فعالية المبادرات التي قامت بها السلطات. فإذا ثمّن خبير الحركات الإسلامية دافيد طومسون، صاحب كتاب "الجهاديين الفرنسيين"[7] الفيديو الذي نشرته وزارة الداخلية كدعاية مضادة لما تقوم به داعش واعتبره إيجابيا، لأنه يمكن أن ينبه العائلات بما يحدث لأبنائها وبناتها، فتفهم ما يجري وتتصل عن طريق الرقم الأخضر الشهير المضاد لدعاية الحركات الجهادية. ولكنه لا يؤمن بإمكانية الانتصار النهائي على الجهاد الافتراضي، لأننا نعيش حسبه في مرحلة أصبح فيها الكفاح ضد هذا النوع من الجهاد شبه مستحيل، إذ كلما تم غلق موقع، يتم إعادة بنائه في الحال، علاوة على امتلاك كل مستعمل لعدة حسابات في نفس الوقت. ويجب أن نعرف أن كل المواقع الجهادية والحسابات مسيّرة من الخارج، ومن هنا يصعب توقيفها. كما أن الجهاديين يدركون أن المواقع مخترقة من طرف المخابرات؛ ولذلك سرعان ما يصبحون حذرين جدا. أما ما يثير تعجب دافيد طومسون هو ذلك التناقض الذي تسقط فيه الجهات السياسية والأمنية الفرنسية؛ فمن جهة تريد محاكمة الجهاديين، ومن جهة أخرى، تريد هدم كل الدلائل التي يتركونها على الشبكة العنكبوتية، والتي هي أهم مصدر معلومات نملكها عن نشاطات داعش مثلا! يقول القاضي الشهير المطارد للحركات الإرهابية، مارك تريفياك، أن 80 بالمئة من قضايا الإرهاب التي تمت معالجتها قضائيا، تمت إدانة المتورطين فيها عن طريق أدلة وجدت على الإنترنيت، حسب قول دافيد طومسون، ويرى أنه من الغباء أن تحاول السلطات الفرنسية محاربة انتشار أيديولوجية تبتغي نشر التطرف، وتنظم لقاءات بين المترشحين للجهاد، وفي نفس الوقت تحرم نفسها من أهم مصدر معلومات.[8]

أما الباحث غي ميليير،[9] وهو من نقاد الإسلام السياسي الجذريين، فلا ينظر إلى ردود أفعال الحكومة الفرنسية سوى بتهكم شديد، معتبرا أن ادعاء مقاومة الحركات الجهادية بمثل هذه الأساليب قد أصبح أمرا مضحكا، لا جدوى منه، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما يبين في رأيه ذلك الخليط المروع من السذاجة والعمى الطوعي والخضوع الوقائي الذي يكبل الطبقة السياسية الفرنسية الحاكمة والمعارضة معا. ويصف الباحث، الموقع المذكور سابقا المخصص للرد على الدعاية الافتراضية الجهادية، بأنه يبعث على الضحك، ولولا الحالة التراجيدية التي تعيشها البلد، يقول، لكنا وضعنا هذا الموقع في خانة الكوميديا. فما لم يفهمه القائمون على هذا الموقع هو أن الواقع الذي يصفونه ويقدمونه على أنه فظيع من أجل التأثير على من ينوون الذهاب إلى أرض الجهاد هو بالذات ما يبحث عنه هؤلاء. فكل من يرغب في الذهاب إلى الجهاد في سوريا أو العراق يكون مستعدا للقيام بأعمال عنف ولا يفرق بين مدني وعسكري؛ فهو لا يرى سوى مسلمين يقاتلون من أجل رفع راية الإسلام، وكفار يجب احتقارهم والقضاء عليهم. أما عن التحذير من الموت في القتال بعيدا عن الأهل! فالراغبون في الجهاد، يتمنون ذلك، إذ من يقتل في المعركة سيموت شهيدا كما يعتقدون.

فخ اليمين المتطرف

سيستمر النقاش كالعادة في فرنسا، ويختلف الفرنسيون حول الطريقة الناجعة للوقوف في وجه الحركات الإرهابية الإسلاموية، ويبقى السؤال المركزي مطروحا: كيف نمنع المجرمين المتطرفين من تحويل أطفال أبرياء إلى قنابل إنسانية؟

يدرك المسؤولون في فرنسا أن عليهم إيجاد إجابة عملية في أقرب وقت ممكن قبل أن يزرع التطرف الإسلاموي اليأس والرعب في نفوس الفرنسيين، فيرتمون بين أحضان اليمين المتطرف في انتخابات 2017 الرئاسية.


[1]نشر بمجلة ذواتالصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، في العدد (25)

[2] نقلا عن موقع 24 في إصدار يوم 4 فبراير/شباط 2015

[3] Tribune de Genève 04/02/2015

[4] stop-djihadisme.gouv.fr

[5] Le Centre de Prévention contre les dérives sectaires liées à l’islam

[6] RTL, 06/02/2015

[7] انظر مقالنا: الجهاديون الفرنسيون من فرنسا إلى سوريا: موسم الهجرة إلى الاستشهاد / جريدة النهار البيروتية 29/12/2014

[8] Le figaro/26/01/2015

[9] Les 4 Vérités/18/02/2015