الحركات الإسلامية في الجزائر: من لغة المنابر إلى لغة السيوف

فئة :  مقالات

الحركات الإسلامية في الجزائر:  من لغة المنابر إلى لغة السيوف

إن سياقات الحرب على الإرهاب التي تقودها مجموعة من الدول على مجموعة من الجبهات، مع ما يواكبها من اندحارات يومية لما يطلق على نفسه "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" والمعروف إعلامياً بـ"داعش"، تطرح إشكاليات وإسقاطات ما بعد الحرب، خصوصاً مع بروز ظاهرة ما يطلق عليه بـ"العائدين من العراق" أو "العائدين من سوريا".

هذه الظاهرة ليست بجديدة ولا غريبة على الإكراهات الأمنية التي أرّقت محترفي الأمن القومي في مجموعة من الدول العربية والإسلامية وأيضاً الغربية، ولعل ذاكرة الباحث في الحركات الدينية المتطرفة تعود إلى نهاية العقد الثامن وبداية العقد الثالث من القرن الماضي، مع بروز ظاهرة العائدون من أفغانستان، وكذا "العائدون من ألبانيا" و"العائدون من البوسنة".

وتبقى خطورة هذه الظاهرة مرتبطة بكون هؤلاء "العائدين" غالبا ما يكونون متشبعين بالعقيدة التكفيرية التي حقنوا بها في جبهات القتال من طرف "شيوخ" مهمتهم الأساسية هي حقن هؤلاء "المهاجرين" بالمخلفات الفكرية التي تحفل بها مجموعة من كتب التراث، ليتحولوا من آدميين إلى قنابل بشرية قابلة للانفجار مع أول إشارة من المرشد أو فتوى من الشيخ.

إن دراسة الحالة الإسلاموية بالجزائر، إذا ما صح المصطلح، تحيل على مدى تماهي هذه الجماعات الدينية/السياسية مع الأطروحات التكفيرية المبنية على تطويع وسوء استعمال مبدأ الحاكمية، أو فرض النص القرآني كمرجع وحيد وأوحد في مبادئ العقيدة ومناهج التشريع.

في هذا السياق، ووفق المسارات التاريخية للبحث، يمكن تلمّس الآثار الفكرية التي أحدثها الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ عام 1830م، والتي اعتبرت الحلقات الأولى في سلسلة طويلة من البنى الفكرية التي تشكلت بعد الاستقلال وما تلاها.

لقد سعى الاستعمار الفرنسي لإدمـاج المجتمـع الجزائري في المجتمع الفرنسي بالكامـل مـن خـلال محاربـة المؤسسـات الإسـلامية، كالقضـاء الشـرعي والتعلـيم الديني مع خلق طبقة "إسلامية" رسمية مدعومة من السلطة للإشراف على شؤون العبادات في المساجد. ومع ذلك، فقد كان العامل الديني حاضراً في البناء الهوياتي للشعب الجزائري، وساهم في الحشد للثورة الجزائرية التي انطلقت شرارتها سنة 1954م.

على مستوى البنيات الوظيفية، تميزت الحركات الإسلامية في الجزائر بالتنوع والتعدد؛ وذلك راجع لتعدد المرجعيات الفكرية، ابتداء بالفكر السلفي لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، والفكر الإصلاحي لمدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده اللذين ألْهَما الشيخ عبد الحميد بن باديس، فأنشأ تياراً فكرياً سيعرف بـ(مدرسة ابن باديس في الجزائر)، إلى جانب فكر الجماعات الإسلامية المستمد من مدارس شـتى كالمدرسـة الإخوانية من خلال التأثر بكتابات حسن البنا وأبي الأعلى المودودي، ومدرسة سيد قطب وتفرعاتها.

وعلى غرار باقي التنظيمات الإسلامية، نسجل التأثر الواضح للحركات الإسلامية بالجزائر بما يمكن اعتباره التنظيم الأم للحركات الإسلامية، ألا وهو تنظيم "الإخوان المسلمين"، وسيتجسد هذا التأثر، نهاية السبعينيات، ببروز تيارات تُبَلْوِر التصور الإخواني إلى حد كبير، اجتمعت تحت يافطة ثلاث جماعات دينية، وهي: جماعة الإخوان الدوليين بقيادة محفوظ نحناح الذي قاد تيار الإخوان المسلمين حتى وفاته عام 2003م، وجماعة الإخوان المحليين بقيادة عبد الله جاب الله وجماعة مسجد الجامع المركزي. في حين يرى البعض، ونحن منهم، أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ تأثرت إلى حد كبير بالمراجع الدينية الإخوانية، وعلى رأسهم حسن البنا وسيد قطب، ونهلت من أفكارهم التي غزت العالم العربي في تلك الفترة.

لقد تمايزت الحركات الإسلامية في الجزائر من حيث مرجعيتها والأهداف التي أنشئت من أجلها وسقف مطالبها، بين الجماعات الدعوية التي جعلت شعارها "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم"، وجماعات الإسلام السياسي التي تبنت شعار "المشاركة لا المغالبة" والتنظيمات القتالية التي رفعت شعار "إذا لم تنفع الكتب تعيّنت الكتائب".

وبالرجوع إلى السياقات التاريخية لتبلور الجماعات الإسلامية بالجزائر، يمكن القول إن أول جمعية إسلامية بهذا المفهوم تأسست على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس سنة 1931م وأخذت اسم جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، متأثرا في ذلك بتعاليم محمد (وليس أحمد) بن تيمية وتلامذته محمد عبده ومحمد رشيد رضا وشكيب أرسلان. وقد ساهمت الجمعية في تلقين الشعب الجزائري أصول الجهاد، وأطلقت على المقاتلين في جيش التحرير الوطني لقب "مجاهد".

مطلع السبعينيات، سيطفو إلى السطح اسم الشيخ "مصطفى بويعلي" ليطالب الحكومة الجزائرية بوقف زحف الفساد، وبالعودة بالبلاد إلى أصالتها الإسلامية، ويذكرهم بمبادئ ثورة 1954م التي رفعت شعار "الإسلام والجهاد". ثم ما لبث مصطفى بويعلي أن أعلن الجهاد وأسس "حركة الدولة الإسلامية (M.E.A)، وحمل السلاح وصعد الجبال مع ثلة من أنصاره لمواجهة النظام الجزائري. وفي سنة 1987م، تمكنت الحكومة الجزائرية من تصفيته واعتقال العديد من أنصاره وساقتهم إلى السجون معلنة نهاية تنظيم مصطفى بويعلي الذي اعتبر أول تنظيم إسلامي مسلح بغطاء إسلامي أعلن خروجه على النظام وأسس لاستراتيجية التحاق المقاتلين بالجبال والتحصّن بها.

نهاية الثمانينيات، ستعرف البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية حادة، ستتخللها ما عرف آنذاك بـ"ثورة الخبز"، مما دفع الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد إلى تبني إصلاحات جذرية، وتبني سياسة الانفتاح والتعددية من أجل إعطاء نفس جديد للحياة السياسية بالجزائر.

ولعل تاريخ 18 فبراير 1989م، سيبقى مرتبطا بمنعطف مهم في تاريخ الحركة الإسلامية وذلك بالإعلان عن تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ، والتي أعلنت، كهدف معلن، إقامة الجمهورية الإسلامية بالجزائر، واتفقوا على مبدأ القيادة الجماعية، وتم تعيين عباسي المدني ناطقا رسميا باسم التنظيم الذي سيعترف به النظام الجزائري بصفة رسمية بتاريخ 13 شتنبر 1989م.

بعد مرحلة من المد والجزر، تخلّلتها مجموعة من الاختراقات للتنظيم من أجل محاولة إضعافه والحد من قوته، سنشهد انقسام الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى ثلاثة تيارات رئيسة:

• تيار متشدد بزعامة علي بلحاج الذي تبنى طرح المواجهة مع النظام برفع شعار "الإسلام هو الحل".

• تيار إصلاحي بزعامة عباسي المدني الذي حاول الدخول في صراع مع السلطة، ولكن بنسق براغماتي يعتمد على الجماهير كأساس للنضال من أجل كسب التأييد الشعبي.

•ثم تيار "الجزأرة"، وهو تيار مجموعة من المثقفين الذين حاولوا بلورة تصور للإسلام السياسي خاص بالجزائر، والذي سيبرز بدءا من عام 1982 كتيار إسلامي معارض لأية تبعية خارجية، ومعلناً مواجهته للتنظيمات اليسارية، كما نادى بالخصوصية القُطرية. ومن أهم قادته محمد السعيد، واسمه الحقيقي بلقاسم الوناس، وعبد الرزاق رجام.

تأسس تيار الجزأرة سنة 1984م في مواجهة تيار الإخوان المسلمين، الذي كان يمثله محفوظ نحناح، وكان ضد تأسيس الفيس (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) كحزب سياسي، حيث اتهمه بالحزب الشعبوي، غير أن هذا التيار تقرب من الفيس بعد فوز هذا الأخير بالانتخابات المحلية سنة 1990م، وتمكن من الوصول إلى المراكز القيادية في صفوفه، رفقة عبد القادر حشاني، وهذا التيار هو الذي أسس تنظيم "الفيدا" المسلح، المشهور باغتياله للمثقفين ورجال الدولة، لينضم، بعد ذلك، إلى تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة، التنظيم الأكثر دموية في تاريخ التنظيمات الإرهابية في الجزائر، سنة 1994م. غير أن هذا التنظيم (الجزأرة) سيتلقى ضربة قاسية على إثر اغتيال زعيميه محمد السعيد وعبد الرزاق رجام على يد جمال زيتوني زعيم الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" [GIA] سنة 1995م.

سيتم حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ في مارس من سنة 1992م بمقتضى المادة 33 من القانون المنظم للجمعيات السياسية، لكونها اعتُبرت تشكل تهديدا للأمن العام، فانتشر قادتها خارج البلاد في السودان وأوروبا، وقادوا من هناك مسلسل المواجهة مع الدولة الجزائرية.

إلى جانب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، يمكن تسجيل حضور مجموعة من التنظيمات الإسلامية التي ستؤثث المشهد السياسي الجزائري، والتي اختارت الاشتغال في العلن والجهر ببرامجها السياسية التي ما كانت لتخلو من حضور الدين كأحد الثوابت في عمل هذه التنظيمات. ويمكن الإشارة، في هذا الصدد، إلى "حركة مجتمع السلم"، وهي ثاني أقوى التنظيمات الإسلامية في الجزائر، تأسست كحزب سياسي عام 1991م، وكان أول إطار قانوني لها تحت راية (جمعية الإرشاد والإصلاح)، التي تأسست في 12 نونبر من سنة 1988م، بعدما انتقلـت الحركـة مـن مرحلة العمل السري منذ سنة 1963م، تحت تأثير الطرح الإخواني، لتتحول إلى العمل العلني ومعارضة نظام هواري بومدين تحت تنظيم يحمل اسم "جماعة الموحدين" بقيادة محفوظ نحناح.

سيتغير اسم التنظيم إلى حركة مجتمع السلم استنادا للقانون الخاص بالأحزاب السياسية الصادر في الثالث من مارس من سنة 1997م، وحاولت نهج أسلوب المقاربة التشاركية والانفتاح على باقي القوى السياسية التي تشكل المشهد السياسي الجزائري وكذا تبنت منطق التدرج في المطالب الشيء الذي أدى بها إلى أن تحصل على 69 مقعداً إبان الانتخابات التشريعية لسنة 1997م.

ونحن نقرأ حول هذا التنظيم، لا يمكن أن نغفل التقارب التكتيكي في المقاربات السياسية بين هذا الحزب وحزب العدالة والتنمية المغربي الذي تبنى مقاربة براغماتية، ونهج أسلوب الانفتاح على باقي القوى السياسية، وتعامل مع الحكومات بمنطق "المساندة النقدية"، مما أكسبه مكانة متميزة في المشهد السياسي المغربي الشيء الذي سيبوئه احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات (السابقة لأوانها) سنة 2011م وقيادة الحكومة التي سيرأسها السيد عبد الإله بن كيران في ظل دستور جديد واختصاصات واسعة للمؤسسة التنفيذية.

(يتبع)


مقالات ذات صلة

المزيد