الخليفة الأخير: (الحلقة الأولى)

فئة :  مقالات

الخليفة الأخير: (الحلقة الأولى)

في القسم الرابع من كتاب هكذا تكلّم زرادشت، خصّص نيتشه حديثاً عنوانه "خارج الخدمة" (Ausser Dienst) (أو "العاطل" حسب ترجمة علي مصباح القديرة[1])، يدور حول التساؤل التالي: ما هو مصير "الباب الأخير" بعد أن شاع الخبر بأنّ "الإله القديم لم يعد حيّا، ذاك الذي كان العالم كله يؤمن به في ما مضى" (ص480). لم يقل نيتشه هنا إنّه "قد مات"، بل هو "لم يعد حيّا" (..dass der alte Gott nicht mehr lebt)[2]، إذْ إنّ الأمر لا يتعلق بالإله بحدّ ذاته، بل بوعي المؤمنين به. – نحن في العالم الإسلامي نوجد في وضعية روحية مشابهة، وإنْ كانت لا تكرّر إلاّ نفسها: نحن نقف على عتبة عصر روحي جديد أخذ يطلّ بعد تسارع ميتافيزيقي مرعب قاده الإرهاب "باسم" الدين، وصار علينا أن نسأل: ما هو مصير "الخليفة الأخير" الذي نصّب نفسه في أفق المسلمين ما بعد المحدثين (بعد حداثة خاطفة ومتردّدة) وصيًّا على مستقبل علاقتهم بالله القديم؟

لابدّ من التنبيه إلى أنّ "الخليفة الأخير" ليس فرداً يمكن القبض عليه أو قتله: لا معنى لأن نقتل فكرة، تماما مثل الألوهة علينا أن نحترز من أيّة شخصنة لعدوّ يتجاوز مفهومه كلّ حياة خاصة. كلّ مسلم يؤمن بالإرهاب هو "خليفة أخير" ينتظر تنصيبه في وعي الجماعة الروحية التي ننتمي إليها. ولذلك، فالمشكل لا يتعلق بالخلافة بحدّ ذاتها، - نعني شكل الحكم أو التقني السلطانية التي تمّ التأريخ لها طويلا. إنّ الخلافة هي رؤية لنمط الكينونة في العالم بالنسبة إلى "المسلمين" بالمعنى الدقيق: أي كلّ أولئك الذين يعتقدون بأنّ الإسلام هو الانتماء إلى "الملة"، والملة هي نمط الجماعة الروحية التي تتأسّس على "الدين"، باعتباره ركنًا أخلاقيا حاسما لأنفسهم. من لا يخرج من أفق الانتماء إلى الملة هو مسلم "تقليدي"، نعني مازال يواصل وجودا تاريخيا لم يعد موجودا: مازال يواصل "الملة" بطرق أخرى. إنّ مواصلة الملة بطرق أخرى هي أوّل خروج أخلاقي عن الدولة الحديثة.

قد يُقال: ثمّة فرق هائل بين "الخليفة الأخير" لدينا وما سماه نيتشه "البابا الأخير". أجل، إنّه الفرق بين موت الإله المسيحي في وعي الأوروبيين منذ القرن التاسع عشر، واستمرار الإله الإسلامي على قيد الحياة في وعي المسلمين إلى اليوم. لكنّ التشابه لا يتعلق بالإله بحدّ ذاته، بل هو يهمّ الأفق الروحي الذي يؤثّث المؤمنون داخله علاقتهم بأنفسهم وبعالم الحياة الذي يعيشون فيه أو يدافعون عنه. أفق الإله المسيحي هو الكنيسة. أمّا أفق الإله الإسلامي، فهو الملة أو الجماعة. ما مات لدينا ليس الله بل الملة. والمسلم "التقليدي" هو بالتحديد ذاك الذي مازال يصرّ على مواصلة الملة بطرق أخرى. وذلك يعني أنّه ذاك الذي مازال يصرّ على عدم الاعتراف بشكل الحياة الجديد الذي نصّبته الحداثة في أفق الإنسانية الحالية. لنقل بسرعة: إنّ الإرهاب ليس سوى عدم الاعتراف الأخلاقي بشكل الحياة الراهن للإنسانية. لا يتعلق الأمر بالعنف المفرط أو بالتطرف أو بالتشدّد أو بالإبادة أو بالجرائم ضدّ الإنسانية...إلخ. هذه المفاهيم على أهمّيتها لا تفسّر شيئا من ماهية الإرهاب، طالما أنّه يمكن العثور عليها، وهي تعمل خارج أفق الملة الدينية.

قال البابا الأخير: "كنت أبحث عن الإنسان التقيّ الأخير، عن قديس وناسك لم يسمع بعد في أدغاله بذلك الأمر الذي يعرفه اليوم كل العالم.

وماذا يعرف اليوم كلُّ العالم؟ سأله زرادشت. أيكون ذلك النبأ بأنّ الإله القديم لم يعد حيّاً، ذاك الذي كان العالم كلّه يؤمن به يوما ما؟

هو ما قلت، أجابه العجوز متحسّرا. وقد خدمت ذلك الإله القديم حتى ساعته الأخيرة.

والآن ها أنا خارج الخدمة (ausser Dienst)، بلا سيّد، ومع ذلك لست حرّاً، ولم تعد لديّ ولو ساعة أخرى من المرح، إلاّ في الذكريات."(ص480)[3]

حين يسقط الأفق الروحي الذي يشدّ إنسانيةً ما، مثل إنسانية الملّة - وهو ما وقع بعد إعلان موت الإله الأخلاقي في أوربا القرن التاسع عشر، وهو ما يقع راهنا في بلاد المسلمين بعد تدشين عصر "الإرهاب" باسم الله - حين يسقط أفق الروح، ينقلب كلّ المؤمنين فجأة إلى يتامى ميتافيزيقيين وإلى عالة أخلاقية على ضمير البشر في كل مكان. أين هو "التقيّ الأخير" إذن حين نحصي أشكال أنفسنا "الجديدة" - أنفسنا الهووية غير القادرة على أيّ تذاوت صحّي ومتصالح مع القيم الكونية للإنسانية الحالية؟ هل مازال "بيننا" مسلمٌ أخير لم يبلغه نبأ الإرهاب، نعني نبأ انهيار فكرة الله التوحيدية وانقلابها إلى أداة عسكرة لتنصيب الملل في الفضاءات العمومية أينما كانت؟

كلّ العالم اليوم يعرف ما وقع في أفقنا إلاّ نحن. كلّ العالم يعرف أنّ أفق الرجاء قد تكسّر على رؤوسنا، وأنّ التقيّ الأخير أصبح يُطلب فلا يُدرك. ومع ذلك، لا تزال لدينا طوابير من النفوس المشرئبّة إلى القيامة كأنّها عرس بين العمالقة يمكن لأيّ كان أن يشهده ويأكل من موائده. كيف نفسّر هذا الصمم الميتافيزيقي الذي يختم على أسماعنا؟ - أنّنا لم نسمع بعدُ بما وقع في أفق أنفسنا العميقة. أنّ الملّة قد انتهت منذ أن أرّخ ابن خلدون لذلك منذ قرون، وأنّ الدولة الحديثة قد افتكّت من أيدي الشعوب كلّ طمع سلطاني في فرض شكل تديّنها على الشعوب الأخرى؛ أنّ تديّن الملّة لم يعد رهاناً أخلاقياًّ يمكن اقتراحه على الأجيال القادمة، وأنّ شكل الحياة أهمّ من أيّة لعبة لغوية حولها.

يبدو لنا أنّ نهاية الملة - هذا الحدث الميتافيزيقي الكبير في تاريخ أنفسنا العميقة، والذي لم يتكرّس بعدُ بشكل حاسم - لم تبلغ بعدُ إلى المؤمنين بها. يبدو المسلمون وكأنّهم الجماعة الروحية الوحيدة التي حافظ فيها الله على صحة أخلاقية جيّدة. هذا الأمر بحدّ ذاته هو مكسب مرعب. ونحن لا نحسن استخدامه دوماً؛ ذلك بأنّنا ننتمي إلى جماعة مترامية لا تزال تعتاش على الخلط الاستراتيجي بين الله والملّة. والحال أنّ تاريخ فكرة الله يمكن أن يُكتب بعيدا تماما وبمعزل صحّي عن تواريخ الملل التوحيدية؛ فكرة الله مكسب أخلاقي يخصّ الإنسانية. أمّا الملّة، فهي جهاز سلطة خاص بجماعة روحية تأسّست على خطّة سلطانية نواتها هي الحكم "باسم" الشريعة، أي باسم شكل الحكم الذي اخترعته ومارسته وبرّرته وقدّسته أجيال من فقهاء الدولة الدينية. إنّنا لن نفلح إلى اليوم في قيس المسافة التاريخية المرعبة التي تفصل كلمة "الإيمان" (أو الشهادة باسم الله) عن دولة "الخلافة"، نعني الدولة التي تستعمل الملّة بوصفها التعبير السياسي الوحيد عن ماهية "الإسلام". وبالتالي نحن غير مؤهّلين لأيّ تحرّر داخلي من العوائق التأويلية التي تمنعنا إلى حدّ الآن من "تجديد الأمة" كما كان مأمولا.

يبدو أنّنا لن نتحرّر من وطأة فكرة الملة، وبالتالي من مشاريع الدولة الدينية التي كشفت راهنا عن وجهها الحقيقي، بعد أن اتّخذت "الإرهاب باسم الله" تقنية تنفيذ تاريخية أساسية لمعنى "الدولة" بالنسبة إليها، - إلاّ إذا بلغ النبأ العظيم إلى معشر المسلمين في كل مكان: أنّ الملة لم تعد أفقًا أخلاقياً للمؤمنين بها، نعني لم تعد فكرة الملة توفّر أيّ سياق صحّي لاختراع سياسة جديدة للحقيقة تمكّننا من الانخراط الموجب في أفق الإنسانية الحالية. - صحيح أنّ فكرة الله لم تتمّ مراجعتها إلى حدّ الآن. بل لم يبدأ بعد أيّ نقاش ميتافيزيقي جذري حول القضايا القصوى التي منها تقتبس أيّة إنسانية ماهيتها أو معنى كينونتها، نعني قضايا الغزالي وكانط الثلاث: الله والنفس والعالم. لكنّ ذلك لا يمنعنا أبدا من تشخيص العصر الروحي الخاص بنا من هذه الزاوية: أنّ الملة لم تعد أفقا أخلاقيا لنا؛ وكلّ ما عدا هذا الإقرار هو تملّق خَطابي قد يفيد في حماية رهط من المثقفين كأقلّية أخلاقية آيلة إلى الانقراض، لكنّه لا يفيد الجماعة الروحية التي وهبتنا عالم الحياة إلى حدّ الآن.

ذلك يعني أنّ اعتناق أطروحة موت الإله الأوروبية، التي هي تتويج مرعب لمغامرة التنوير الذي بدأ منذ القرن السادس عشر، إنّما يبدو لنا تملّقاً منهجيّاً للإنسانية الحديثة دونما قدرة حقيقية على الانتماء إليها. وبعبارة حادة: إنّ الإلحاد ليس حلاّ أخلاقيا مناسبا لنا. نحن متورّطون في ثقافة الملة أكثر ممّا نتصوّر. وقيمنا كلّها تقريبا، كلّ مساحة الانتماء إلى أنفسنا، كلّ استعمالات الجسد وحدود الجنس ولعب اللغة وتقنيات السلطة وسياسات الذوق... متورّطة في تاريخ الملة السحيق والمركّب، ولم تخض بعدُ أيّة معارك تأويلية أو أيّة حروب تفكيكية مع فكرة الحرية داخلها.

النبأ الذي لا نريد أن نسمعه هو أنّ شيئا مقدّساً ومهيبا في تاريخ أنفسنا العميقة هو "لم يعد حيّاً". ربّما هو فعلا لم يمت. ومن ثمّ أنّ أطروحة موت الإله الأوروبية لا تعنينا. لكنّه لم يعد حيّاً، وهذا يعني أنّ حدثًا مرعبًا قد بات يفصلنا عن ذاتنا العميقة. وكلّ تجميل هوويّ لوضعنا لا يزيد الأمر إلاّ إرجاءً مُهينا. أجل، ليس ثمة إهانة رمزية مثل مواصلة إقناع شعوب بأكملها بأنّ أفقها الروحي بخير، وأنّ الأساس الأخلاقي الذي بنت عليه عالم حياتها هو لا يزال سليما معافى منذ قرون عديدة. والحال أنّ كلّ العالم يعرف ما وقع لنا، وهو ينظر إلينا كأنّنا ضيوف من عصور أخرى في عقر دارنا. كلّ إلحاد قائم على فكرة موت الإله الأوروبية هو تعجّل منهجي ليس منه أيّة فائدة طويلة الأمد. ما يجب علينا هو من طبيعة أخرى: علينا أن نساعد النبأ العظيم على الوصول إلى التقيّ الأخير، أن نعلمه بأنّ الملة قد انتهت بلا رجعة، وخاصة أنّ تاريخ الله لا علاقة له بتاريخ الملل، بل لا علاقة له بتاريخ كل المؤمنين به.

التقيّ الأخير هو الذي خدم الإله القديم حتى ساعاته الأخيرة. هكذا تصوّر نيتشه أنّ التقوى لم تعد رهانا أخلاقيا لأحد. لا يتعلق الأمر بحقيقة التقوى. إنّ النقاش هنا ليس دينيّا بالمعنى المحصور، بل يتعلق الأمر بسياسة التقوى: لماذا يحتاج الناس إلى الرجاء؟ سوف تظلّ الإنسانية محتاجة إلى الرجا؛ لأنّ هذه الحاجة نابعة من استعداد ميتافيزيقي في طبيعة البشر، وليس خطّة دينية. ليست الملة هي التي اخترعت الحاجة إلى الرجاء، بل هي التي استولت عليها وحوّلتها إلى سياسة رسمية للتقوى. ولذلك لا نجانب الصواب إذا قلنا، إنّ الدين نفسه ضيف ثقيل على الملة. الملة تقنية سلطة وليست دينًا بالضرورة. ولذلك، كان الخلط بين الدين والملة هو نفسه جزءًا من خطة خبيثة لتحويل "المؤمنين" إلى "رعايا". هذه المسافة من "المؤمن" بعامة إلى "الرعية" السلطانية هي مسافة مزعجة ولم نؤرّخ لها بشكل مناسب. كانت كلّ خطة الملة هي تحويل المؤمنين إلى رعية؛ ومن ثمّ إلى تنصيب مماهاة مرعبة بين الله والحاكم يبدو أنّ "العصر العلماني" لم ينجح في تغيير بنيتها العميقة.

إنّ التقيّ الأخير صار خطرا على ماهيته الإنسانية: لقد صار يُدعى إلى إنقاذ الله من المؤمنين به. إنّ الإرهاب الديني لدينا هو سياسةُ حقيقة قائمة على عقيدة إنقاذ الله من المؤمنين به. ما وقع لنا إذن هو حدث ميتافيزيقي مقلوب: ما وصل إلى مسامع التقي الأخير ليس خبر موت الإله الأخلاقي الأوروبي، بل حاجة الله الإسلامي إلى الإنقاذ من المؤمنين به بعد نهاية الملة. ربما يتساءل التقي الأخير لدينا: كيف يُعقل أن يواصل المؤمنون عبادة الله من دون ملّة؟ إنّ الإرهاب هو معاقبة الإنسانية الجديدة، ما بعد الدينية، على نسيان المماهاة القديمة بين الله والملة. حين مات الإله الأوروبي ترك الإنسان المعاصر بلا حماية من الآخرة. ولذلك، طفق هذا الفرد المعاصر في اختراع أكثر ما يمكن من تقنيات المستقبل. هو لم يجد أيّ مشروع لذاته الجديدة غير إعادة اكتشاف عالم الحياة. أمّا عندنا، فإنّ الوضع الروحي أكثر تعقيدا: لا يكفي أن تتبنّى إلحادا منهجيّاً حتى تتحرّر من الموروث الديني. ولا يكفي أن تزيح المتدينين عن واجهة الهوية حتى تبني دولة حديثة. ولا يكفي أن تحارب الإرهابيين كأشخاص ومجموعات، حتى تقضي على ثقافة التطرّف. إنّ الملحد يحمل دوما توقيعا دينيّا سابقا عليه: فهو ملحد مسيحي، أو ملحد يهودي أو ملحد لإسلامي، ...إلخ. والمتديّن اليومي هو استعمال حدودي وخارجي لمكاسب الفرد الحديث، وليس حجّة أخلاقية من أجل أيّ شكل من الحياة؛ وأخيرا إنّ قتل الشخص لا يقتل التطرّف.

إنّ ما هو صعب حقّا ليس الإلحاد الشخصي؛ والملحد هو شخص دائما، بل أن نفهم لماذا تأخّرت إنسانية كاملة عن معاينة ما وقع في أفقها منذ قرون: أنّ الملة لم تعد أفقا أخلاقيا لأنفسنا. أنّ المؤمن ليس رعيّة بالضرورة. أنّ ثمة مسافة ميتافيزيقية واسعة بين الله والملة. ولكن خاصة: أنّ المؤمن الأخير، نعني أنّ الخليفة الأخير قد بات "خارج الخدمة" (ausser Dienst)، وأنّه صار "بلا سيّد"، ومع ذلك هو يشعر أنّه "ليس حرّاً"، وأنّه لم تتبق له أيّة "ساعة أخرى من المرح، إلاّ في الذكريات". وعلينا أن نسأل: ما معنى أن يصبح المؤمن الأخير "خارج الخدمة"؟ لماذا ميّز نيتشه بين أن يكون المرء "بلا سيد" وبين أن يكون "حرّا"؟ لماذا لا تكون الحرية هي موت السيّد؟ أليس التحرر من الآلهة مدعاة مرعبة للمرح؟

يبدو أنّ نهاية الملة لدينا مثلها مثل موت الإله لدى الأوروبيين هي ليست حدثاً بهيجا لأحد. ولا معنى لإقامة أفراح بأن أصبح أحدهم ملحداً. هذا يشبه رغم أنوفنا الفرح بأنّ أحدهم قد أصبح متطرّفاً. ما تحتاجه المجتمعات الحديثة، أي المجتمعات المركّبة من عوالم حياة ومنظومات رمزية مختلفة، - ليس الوضعيات القصوى، بل الاستعمال المناسب للعب لغوية التي تؤمّن نوعا صحّيا من أشكال الحياة. كان الفقه لعبة لغوية جيّدة تناسب تقنية الملة. لكنّ الفقه لم يعد اليوم لعبة لغوية مناسبة للحرية. ثمّة شيء فينا قد صار "خارج الخدمة" لكنّنا لا نراه بعدُ. لكنّ هذه الواقعة الروحية ليست لها مفردة واحدة، بل هي أفعال كلامية تنجز في كل مرة نوعا مخصوصاً من الانتماء إلى أنفسنا الجديدة. التقيّ الأخير والمؤمن الأخير والخليفة الأخير هو الرواسب الهووية للملة بعد انهيار عالم الحياة الذي كانت تحرسه. و"نحن" نجد أنفسنا موزّعين بالتساوي بين قافلتين من المعنى: أنت يا صاح، هو هو، "الأخير" بعد الملة، و"الأول" من تاريخ لم يبدأ بعد لذاتك العميقة. الإرهابيّ لا ينتمي إلى هذا الرهط الصحّي: إنّه يريد بشراسة أخلاقية مرعبة أن يواصل الملة بعد موتها. الإرهاب يشبه سكن الموتى. أن تسكن ميّتاً وأن تتعهّده بالزيارة؛ لأنّها الدليل الوحيد على هويتك المفقودة. الإرهاب هو مواصلة تنصيب جثّة الملة في وعي آخر المؤمنين بها؛ وبقدر ما يشعر بأنّ شيئا ما "لم يعد حيّاً" في ذلك الوعي ما بعد الديني هو يزيد في كراهته لنفسه وينقلب إلى قاتل "باسم" الله. الذي يقتل ليس مؤمناً (لأنّ القتل مثل الزنا، و"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن")، بل هو ما تبقّى من هوية المؤمن الأخير بعد موت الملة التي يبشّر بها. الزنا يضع المؤمن خارج الدين؛ ولذلك يرشح من الحديث شيء من ثقافة الصفح إزاء الزاني الذي عذره هو أنّه "لا يزني حين يزني وهو مؤمن". الزنا تعليق الإيمان. ولذلك هو قابل للصفح. لكنّ القتل ليس زنا أخلاقيا، بل هو زنا ميتافيزيقي: إنّه يضع المؤمن خارج الله. إنّه يعتدي على حق الله في احتكار معنى الوفاة. ليس من حقّ أحد - غير الله - أن يستدعي أحدا إلى موته. لكنّ الإرهابي يفعل ذلك "باسم" الله؛ وذلك لأنّه لا يملك أيّة وسيلة أخرى لإنقاذ الله من المؤمنين به ولكن "بلا" ملة.

إنّ هوس إنقاذ الله من المؤمنين به من دون ملة هو لهذا السبب بالذات أكبر زنا ميتافيزيقي إزاء فكرة الحرية. لا يوجد اعتداء على رمزية الحرية أكثر رعبا من استعمال الله ضدّها. والحال أنّ فكرة الله هي شكل التعالي الذي جعل كلّ أنواع الحرية الإنسانية ممكنة. "الله" أي ما "سوى" العالم. والحرية هي استعمال التعالي على العالم بوصفه أخطر تقنية انتماء إلى أنفسنا عرفها البشر إلى حدّ الآن. ما كان للبشر أن يعرفوا أيّ معنى للحرية في أفق أنفسهم من دون إله يضع حدودا للعالم ويفتح آفاقا تتجاوزه. وهكذا، فإنّ الإرهاب هو أكثر الإهانات رعبا ضدّ فكرة الحرية: إنّه استعمال الله ضدّ فكرة التعالي. لقد تمّ استعمال المحبّة ضدّ المحبّ.

قال: "لذلك صعدت إلى هذه الجبال، كي أستطيع أخيرا أن أعمل لي من جديد عيدًا كما يليق بالبابا وأب الكنيسة القديم - ولتعلم أنّني البابا الأخير ! – عيدا بقدّاسات وأذكار تقيّة أريد أن أعمل.

لكنّه الآن هو نفسه قد مات، ذلك التقيّ الأكبر، قدّيس الغاب الذي كان يسبّح لربّه بالأناشيد والابتهالات."(ص480)

يبدو أنّ التقيّ الأخير لا يمكنه أن يفلت من مصير الإرهابي - و"الإرهابي الديني" هو الرهط الأوّل من سلسلة من أرهاط ما بعد الملة التي سوف تؤثّث أفق المسلمين في المستقبل - إلاّ إذا "صعد إلى هذه الجبال" التي تستعصي على أيّ متسلّق لا يؤمن بها، نعني جبال "الحرية" التي لا يكفي أن يموت "السيد" حتى تصبح متاحة. ليس من جبال يمكن الاحتماء بها من الإرهاب غير جبال الحرية. وهو أمر يتساوى فيه الملحد المنهجي مع التقي الأخير. إلاّ أنّنا لابدّ أن نتساءل عندئذ: إلى أيّ مدى يستطيع مؤمن ما بعد الملة أن يتحمّل قدرته على الحرية؟ هل هو مستعدّ لأن تصبح الحرية في قلبه هي "عيده" الوحيد؟ متى يفهم آخر الأمر أنّ العيد الوحيد الذي يليق بالمؤمن الأخير هو حريّته من أيّ استعباد مهما كان نبيلا؟. ومن ثمّة أنّه لم يبق لديه أيّ نوع من القدّاس أو الأذكار "تليق" بما يمكن أن "يفعله" في العالم سوى قدرته على الحرية بنفسه. ولأنّ الحرية هي دوما وبالدرجة الأولى حرية من الملة ومن أيّ نوع من الملل القادمة، فإنّ المؤمن الأخير نادرا ما يحتفظ بقدرته على الحياة بلا ملة. وهكذا طالما يحصر المؤمن الأخير تقواه في البكاء على الملة هو سوف "يموت" بقدر ما يتحوّل شيئا فشيئا إلى "قدّيس" خارج الخدمة.

وفي تلك المرحلة من ذاته، عندما لم يبق للتقي الأخير من سبب للتقوى سوى حريّته من الأسياد الموتى، هو سوف يفهم آخر الأمر أنّه لا يمكن العودة من "جبال" الحرية الصعبة ومؤلمة سوى أن يقرّر البحث عن آخر المؤمنين الأحرار الذي نجحوا في البقاء على قيد الحياة بعد انهيار الملة (عندنا) أو بعد موت الإله الأخلاقي (عند الأوروبيين).

قال: "لم يكن هو الذي وجدت عندما عثرت أخيرا على كوخه، بل ذئبين داخله كانا يندبان موته منتحبيْن؛ ذلك أنّ كلّ الحيوانات كانت تحبه. عندها انصرفت من هناك" (نفسه، ص481)

عندما نبحث عن التقي الأخير لن نجده. – إنّ المسلم الأخير اليوم هو فرضية أخلاقية، وليس شخصا. وهو ليس الإرهابي، وإنْ كان يُراد له ذلك في أكثر من مكان. من السهل التخلّص من المسلم الأخير باستدعائه إلى دور الإرهابي وكأنّه مصيره ما بعد الحديث. لكنّ المسلم الأخير هو "أيّ كان" بعد نهاية الملة. أمّا الإرهابي، فهو ذاك الذي يريد مواصلة الملة بطرق أخرى. وعلى خلاف الإرهابي، يفترض المسلم الأخير - الذي هو أيّ كان، من جميع الذين بقوا أحياء بعد موت الملة التاريخية التي أنتجتهم - أنّ الله لا يمكن ولا يحق لأحد اختزاله في معنى الملة الدينية، بل أنّ الدين بالمعنى الشائع ليس هو المحل الأخلاقي الوحيد أو المفضّل لفكرة الله. وربّما أنّه آن الأوان لتحرير الله من المؤمنين به على طريقة الملل والنحل.

حين نخرج بحثا عن المؤمن الأخير لن نجده؛ ذلك أنّ حدود الإيمان غير مرسومة سلفا، ولأنّه يسكن "كوخا"ً وليس قصرا سلطانيا، نعني يسكن في لا - مكان على حدود السلطان لا داخل ماهيته، فإنّنا لن نعثر في كوخه سوى على "ذئبين يندبان موته منتحبين": حين يصبح المؤمن الأخير مستحيلا تعوّضه الذئاب. إنّ أكثر من ذئب سوف يبكيك إذا أنت أصبحت مؤمنا مستحيلا. هناك دوما "ذئاب نائمة" في كوخ قلبك عليك أن تحترس من أن تندبك على طريقتها. إنّ المسافة بين التقي الأخير والإرهابي هي نفسها تلك التي تنتصب بين الحرية والذئب. لن تكون حرّا حقّا إلاّ بقدر ما تفصل بين موتك الخاص وبين الذئاب المستعدة لرثائك. وفي الغالب نحن في مقام استثنائي، حيث يتحوّل الموت الشخصي إلى عرس لبكاء الذئاب. كلّ الإرهابيين "لدينا" (أي في أفق ما بعد الملة) هم ذئاب تندب التقي الأخير الذي لم يعد ممكنا بالوسائل الدينية. ما وقع في الأثناء (أثناء الانتقال "الحديث" من نهاية الملة إلى بداية الدولة الحديثة) هو أنّ التقي الأخير قد صار أكثر فأكثر "غريبا أو عابر سبيل" في قلبه، وبالتالي تحوّل من دون قرار أخلاقي واضح إلى "مؤمن مستحيل"، أي إلى مؤمن بلا ملة. ولذلك، يجدر بنا أكثر من أيّ وقت مضى أن نحترس من "الحيوانات" التي تحبّنا. نحن دوما حيوانات سردية اخترعتها قصّة ما، قصة تأسيسية لم تترك لنا أيّ هامش ذاتيّ به قد يمكن يوما ما أن نتحرّر من هويّة مجروحة أو لم تعد صالحة للسكن. والمؤمن المستحيل هو الشخص السردي الذي ماتت قصّته التأسيسية لكنّه لا يزال مصرّا على مواصلتها. كثيرون "منّا" يسلكون اليوم وكأنّهم شخوص سردية في قصة انتهت منذ قرون.

المؤمن المستحيل هو الذي لم يبق من عالمه القديم غير "الكوخ": الملة اليوم هي الكوخ التاريخي لآخر المؤمنين بعد انهيار عالم الحياة التاريخي الذي ينتمون إليه. الكوخ خطوة أخلاقية رائعة خارج حدود الملة الدينية. وهذا التخفّف الأخلاقي هو تقنية المؤمنين بلا ملة؛ أولئك الذين لم يبق في قلوبهم أيّة ذرة من الكبرياء اللاهوتية على عامة الناس، ولم يبق لديهم من ثروة مقدّسة سوى "حرية" الضمير. حرية الضمير هي عندئذ الكوخ الأخلاقي الأخير لرهط ما بعد - ديني من المؤمنين بالله ولكن من دون أي طمع سلطاني في تنصيب الملة وتحويل بقية أعضاء الإنسانية إلى ذمّيين.

هل نملك اليوم "المهارات" اللازمة للمؤمن المستحيل؟ وأين يمكننا العثور عليه؟

قال: " لكن، هل كان عبثاً إذن مجيئي إلى هنا؟ لكن هو ذا قلبي يستقر على قرار أن أنطلق في البحث عن تقيّ آخر (dass ich einen andren suhte)، عن أكبر المتقين من بين كل الذين لا يؤمنون بالله؛ - أن أمضي بحثا عن زرادشت !"(نفسه، ص481)

ليس زرادشت سوى جملة من الشخوص السردية التي انبثقت عن نهاية الأديان التقليدية. تلك التي طمعت يوما في فرض مماهاة عسكرية بين الله والجماعة الروحية التي تؤمن به. ومنذ القرن التاسع عشر (وذلك بعد ظهور بوادر اليأس الرومانسي من أبطال التنوير، من فاوست غوته وزملائه) طفق كلّ مؤمن مستحيل إلى استدعاء "أدبي" واسع النطاق لنمط "النبي ما بعد الديني"، والذي وجد في اسم زرادشت لدى نيتشه هالته العليا، وهي شخصية ما لبثت أن أخذت "عندنا" أسماء عدّة صارت مشهورة: مثل "نبيّ" جبران و"النبي المجهول" للشابي و"مرداد" نعيمة و"أبي هريرة" المسعدي، ... شخصية النبي ما بعد الديني تعني أنّ الخروج من أفق الدين التقليدي ليس "عبثا" أخلاقيا لجيل من الملحدين، بل هو حدث روحي أجلّ من ذلك. لا يزال الناس ينتظرون شيئا يتجاوزهم. النبي ما بعد الديني هو علامة على نوع جديد من التعالي: تجربة "التعالي" لم تنقرض بل فقط غيّرت من طبيعتها؛ لم يعد التعالي عمودياًّ قائما على الأوامر، بل بات تعاليا أفقيّا يستمدّ من معنى الحرية نسغه. لم يعد ثمّة من مداد روحي للمؤمن المستحيل سوى قدرته على الحرية. لقد بات واضحا أنّ الملة الدينية لم تعد أفق الفهم المناسب لأنفسنا؛ لكنّ نهاية الملة لا يعني أبدا نهاية فكرة الله.

ما يشير إليه نيتشه من خلال اسم زرادشت هو أنّ التقوى ليست دينية بالضرورة. ولذلك، فإنّ البابا الأخير قد نعت زرادشت بأنّه المؤمن "الآخر"، ومعنى الآخرية الخاصة به هي كونه "أكبر المتقين من بين كل الذين لا يؤمنون بالله". هذا التعريف المثير يخلط أوراق التقوى: التقوى هي خطّ التماس العجيب بين المتديّن وغير المتديّن. كان بايل قد نعت سبينوزا بنعت "الملحد الفاضل". لكنّ نيتشه قد حوّل هذه المفارقة إلى برنامج فلسفي يهدف إلى اختراع النبي ما بعد الديني، وذلك بوصفه البديل الوحيد عن الملحد التقليدي، الذي يبقى هو ذاته نتاجاً مباشرا لعصر الأديان. المؤمن الآخر هو إذن من يواصل تراث الأنبياء بوصفه أفقا أخلاقيّا ما يزال صالحا للاستعمال على مستوى النوع الإنساني، ولكن من دون أيّ تأسيس على هذا الدين أو ذاك. وأقلّ من ذلك أن يطمع في تنصيب ملة من الملل على رؤوس الناس بعد وقوع عصر التنوير الأوّل وانتهائه. التقي ما بعد الديني لا يؤمن بالآلهة التقليدية، آلهة الملة في كل مكان. ولذلك، فإنّ المؤمن الآخر هو ذاك الذي يعيد اختراع فكرة الله في قلبه ولا يستهلكها من خارج أو يستلفها من أحد. إنّ "الإله القديم" (der alte Gott) فقط هو "الذي لم يعد حيّا" (nicht mehr lebt): لم يعد حيّا في وعي المؤمنين به. هذا هو التعريف المناسب لأطروحة نيتشه: إنّ الآلهة لا تموت إلاّ بقدر ما "لم تعد حيّة" في "وعي" المؤمنين بها. وليس القصد الفيزيائي بأنّها تموت مثل سائر الحيوانات، وعلينا أن نقول "البشرية"، لأنّ البشر وحده "يموت". أمّا سائر الحيوان، فهو "ينفق". عدم الإيمان بالإله الديني هو ظاهرة وعيٍ وليست أطروحة لاهوتية. هي ظاهرة روحية عرفها الوعي الحديث بعد انهيار الدول الدينية الوسيطة، وهو ما يعني عندنا بعد انهيار جهاز الملة. لا يعني الإيمان حسب نيتشه أكثر من الشعور بأنّ الإله الأخلاقي لا يزال قيمة حيّة في وعي المؤمنين به. وهذا هو معنى وجود الله في أفق أخلاقي، وهو المعنى الوحيد الذي أبقاه عصر التنوير بعد إقرار "الدين في حدود مجرد العقل" البشري. ولذلك، فمن لا يؤمن بالإله الأخلاقي يعني فقط أنّ الإله القديم لم يعد حيّا في وعي المؤمنين به. وقد افترضنا أنّ هذا الوضع الروحي الأوروبي تخصيصاً الذي ترسّخ في القرن التاسع عشر هو عديل بنيوي لما حدث لدينا من انهيار لفكرة الملة أو "الدعوة الدينية" كأساس لوجود الدولة. لكنّه عديل بنيوي محدود، إذ إنّ مشكل نيتشه ظلّ متعلقا بمصير الإله الأخلاقي في وعي الأوروبيين المعاصرين، لكنّ مشكلنا نحن هو بشكل أو بآخر متعلق بماهية "التدبير" المدني للحقيقة: إنّ زرادشت، النبي ما بعد الديني، يبدو لنا فجأة خيارا أخلاقيّاً مستحيلا. لا يزال عدم الإيمان بالإله القديم في أفقنا مشكلا سياسيّا. إنّ "الشريعة" (وهي ماهية الملة التي اخترها فقهاء الدولة السلطانية ونصّبوها في وقت لاحق تماما عن الدعوة الدينية بوصفها تتماهى مع الرسالة القرآنية) لا تزال لدينا هي الإطار المعياري الحاسم لأيّ نقاش في مسائل الضمير، وهو هو الخطر الأخلاقي الأعظم على مجتمعاتنا في المستقبل؛ إذ إنّ إقحام القرآن في أيّ نقاش يومي حول استعمال الجسد الحديث أو حول شكل الحكم المناسب، - هو موقف سياسي وليس أطروحة دينية. وتوريط الدين في النزاع الدنيوي البحت على وسائط الإنتاج والسلطة هو موقف سياسي، وليس ركنا من أركان التقوى أو الاستعداد للآخرة.

(يتبع)

[1]- نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت، ترجمة علي مصباح (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2007). ملاحظة: ترد جميع الإحالات على الترجمة العربية داخل المتن، مع بعض التصرّف في ضوء النص الألماني.

[2]- Friedrich Nietzsche, Also sprach Zarathustra, Philipp Reclam Jun. Stuttgart, 1991, S. 246

[3]- Id.