الخليفة الأخير (الحلقة الثانية)

فئة :  مقالات

الخليفة الأخير (الحلقة الثانية)

كيف نفكّر ما بعد الملّة؟ على هذا السؤال لم يفلح المتفلسفة عندنا في طرح إجابة مناسبة. لا يكمن السبب في أيّ عجز خاص بعقولنا، بل فقط في مدى استعدادنا للإساءة. نحن ما زلنا نتردّد بشكل سخيف أمام مهنة التفكير. التفكير لم يصبح مهنة بعدُ؛ ما نراه هو لا يعدو أن يكون عملا ثقافيّا موسّعاً، والمثقّف ليس مفكّرا ولا ينبغي له. يظلّ المثقّف رهين أفق انتظار محدود سلفا، وهو لا ينجح في مهمّته إلاّ بقدر ما يُنتظر منه. وكلّ مثقّف هو نتاج انتظارات جيل أو مجتمع أو طائفة. ومهما أوتي من رغبة جامحة في التمرّد، فهو يحرص دوما على إرضاء انتظار ما؛ هو عقل متحيّز سلفا. قال الجابري يوما: "نحن متحيّزون للديمقراطية". وفي سياسة الخطاب هذا النوع من الأقوال هو يدخل في آداب اللياقة الأخلاقية للمثقف: عليه أن يستجيب لانتظارات قرّائه أو مستمعيه، داخل مجموعة من المخاطبين. دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّ انتظارات القرّاء من المثقف هي سيئّة أو جيّدة، مستنيرة أو ظلاميّة، محمودة لدى جيله أو مذمومة... لا يتعلق الأمر بطبيعة المنتظر، بل بسياسة الخطاب حوله.

أمّا المفكّر، فإنّ فعله هو من نوع آخر؛ لا معنى لأيّ تفكير يجد نفسه مطالبا بأن يبقى في حدود ما يُنتظر منه: ما تنتظره دولته أو ثقافته أو جيله أو طائفته.. على المفكّر أن يخترع أفق انتظاره الخاص، بل ربما عليه أن يحطّم علاقة الانتظار بما يفكّر فيه. وذلك أنّ ما ينبغي التفكير فيه، أو ما سمّاه هيدغر ذات يوم "ما يدعو إلى التفكير" أكثر من أيّ شيء آخر، ليس بشيء معطى أبدا، وهو يقبع دوما في الجهة المستحيلة من عصر أو جيل أو شعب ما.

وإنّ الجهة المستحيلة هي ما ينبغي اختراعه.

"كيف نفكّر ما بعد الملة؟"، هذا التساؤل يجعل من كلّ عقل معاصر لدينا مورّطا سلفاً في نوع من الإحراج غير المسبوق. لا يتعلق الأمر بالفلسفة بما هي كذلك، هذا الجنس الخطابي الذي ابتدعه اليونان، إلخ، بل باحتمال التفكير لأوّل مرة في إحراج هو جزء لا يتجزّأ من انتمائنا لأنفسنا العميقة. كلّ واحد "منّا" هو اليوم إمكانية مفردة أو غريبة أو "عابرة سبيل" نحو أنفسنا القادمة. كلّ واحد "منّا" هو إمكانية فقط، وليس معطى هوويّا جاهزا. وسواء أراد ذلك أم لم يرد هو "أخير" في معنى مستحدث تماما: هو الأخير من "نوعه التاريخي". إنّه "المسلم الأخير" الذي وجد نفسه ملقى به في واقعة روحية بلا نموذج سابق، ألا وهي أنّه مدعوّ إلى تجديد علاقته بنفسه على نحو جذري. طبعاً، كلّ من يواصل أو يريد أن يواصل سكَنَ نفسِه القديمة، الموروثة، المتهدّمة عليه، له ذلك. وربّما هو مكلّف عندئذ بحراسة الجزء الذي لا يتغيّر من كل هوية. ولكن هذا يعني أنّه من النوع الذي لا يمكن له ولا ينبغي له أن يدّعي التفكير وبخاصة في مستقبلنا. يمكن تعريفه بأنّه "الممنوع من التفكير". وهذا تعريف موجب، وليس استنقاصا لأحد. لكنّ المسلم الأخير هو المكلّف بأن يضطلع بمهمّة مخصوصة هي كونه "الخليفة الأخير" في رهطه الآيل إلى الانقراض الأخلاقي على صعيد الإنسانية.

هذه الوضعية الافتراضية أعطاها نيتشه عنوان "البابا الأخير" الذي وجد نفسه "عاطلا" أو "خارج الخدمة"[1]. علينا أن نلاحظ أنّ الأمر لا يتعلق بأيّ ضرب من التنوير. فمن يضطلع بالمهمّة هنا ليس المثقف الذي "ينقد" العقل الديني كي يدفعه نحو "الوعي" المستنير. نقد الدين لا يحقّق "الخروج من الخدمة"، بل فقط عداوة مناسبة. ولذلك، فإنّ نقد الدين هو موقف سياسي، وليس تفكيرا. ما يدعونا إليه نيتشه هو مصاحبة البابا الأخير نحو مصيره الخاص: أن يصبح خارج الخدمة. وذلك يعني أن يذهب في احتمالات عطالته إلى أقصاها. لا نحتاج إلى إملاء أيّ شيء على انتماء انتهت صلاحيته. إنّ "صلاحية" أيّ انتماء هي مصداقيته أمام نفسه. إنّ كثيرا من أشكال الإيمان ليس لها من سند أخير للبقاء سوى الدفاع عن نفسها. لقد تحوّل دفاع الدين عن نفسه إلى مهمّة أخلاقية وحيدة للمؤمنين به. لكنّ الدفاع عن النفس بما هو كذلك مهما كان نبيلا هو مهمّة ارتكاسية. ينبغي أن يكون للأحياء مهمّات أكثر نبلا من ذلك. مثلا: عليهم أن يقيموا نسياناً مناسبا؛ أي صحّيا حول موتاتهم السابقة. هناك دوما جزء من أنفسنا لم يعد صالحا للاستعمال أو بات عاطلا أو خارج الخدمة. ومن الصحّي جدّا، أن نلقي به في شيخوخة سابقة. شطر كبير من الهوية هو شيخوخة سابقة. ولذلك، تحتاج كل حياة قابلة للحياة إلى سلة مهملات أخلاقية من حجمها؛ فمن المرعب حقّا كم نحافظ على أشياء لم نعد نستطيع استعمالها بأيّ وجه. ومنها ماضينا مثلا. و"الماضي" الكبير هو الهوية التي لم تعد صالحة للسكن. لا يعني ذلك أنّ علينا أن ننتحر أخلاقيا ونعلن الإفلاس الميتافيزيقي، ونعتنق دينا آخر (كما يفعل المتسوّلون على عتبة أديان أخرى) أو نلقي بانتمائنا العميق وكأنّه عبء هوويّ علينا التخلّص منه. لا يمكن أن نتسوّل هويّة، بل فقط علينا أن نخترع أنفسنا من جديد، ومن الداخل. كلّ اللحظات الفارقة في تاريخنا الطويل الأمد (منذ المعلّقات إلى اليوم) هي تنتمي إلينا وننتمي إليها بلا رجعة. لكنّ ذلك ليس سببا كافيا لاعتبارها أفضل سجن أخلاقي لأنفسنا القادمة. ثمّة سوء فهم مزعج حول الحرية، حرية الانتماء وكلّ نوع آخر من الحرية: إنّها، مثل الموت في تعبير دولوز، لا تأتي من خارج بل تصعد من الداخل نحونا.

قال البابا الأخير: "كنت أبحث عن الإنسان التقيّ الأخير، عن قديس وناسك لم يسمع بعد في أدغاله بذلك الأمر الذي يعرفه اليوم كل العالم.

وماذا يعرف اليوم كلُّ العالم؟ سأله زرادشت. أيكون ذلك النبأ بأنّ الإله القديم لم يعد حيّاً، ذاك الذي كان العالم كلّه يؤمن به يوما ما؟

هو ما قلت، أجابه العجوز متحسّرا. وقد خدمت ذلك الإله القديم حتى ساعته الأخيرة.

والآن ها أنا خارج الخدمة (ausser Dienst)، بلا سيّد، ومع ذلك لست حرّاً، ولم تعد لديّ ولو ساعة أخرى من المرح، إلاّ في الذكريات."(ص480)

ربما علينا التدقيق بأنّ من يجد نفسه "خارج الخدمة" ليس "عاطلا"، هو لم يتعطّل فيه أيّ شيء. إنّه لا يزال في صحة جيّدة. وهذا هو حال فكرة الإله الإسلامي أو الإيمان المسلم، إلخ. لا تزال هذه المفهومات سليمة في وعي المؤمنين بها. لا مجال لتكرار أي سيناريو مسيحي حول أنفسنا. وهذا ينطبق أيضا على القيم المسمّاة منذ جيل أو جيلين "كونية". إنّ الكوني لا يتكرّر. وهذا يتطلب "منّا" أن نفهم للمرّة القصوى بأنّ الكوني هو اختراع حرّ، وليس منوالا للتطبيق على وعي آخر. إنّ ما تعاني منه ثقافتنا الراهنة هو عدم قدرتها على اختراع قيمها الكونية، وليس عدم تكيّفها مع القيم الكونية التي أفرزتها الحضارة الغربية.

كيف نرسم فاصلا واضحا بين ما هو "حيّ" وما "لم يعد حيّا" في وعينا بأنفسنا؟ بعض المثقّفين ليس لديهم من حلّ سوى تطبيق العلمانية في معنى ضعيف هو الفصل بين الدين والدولة، وكأنّه توجد دولة قائمة حقا على الدين وليس على منطق السلطة. إنّ أقصى اجتهادهم هو تكرار القيم الغربية على أنّها كونية. لا يبدو أنّ سبب المشكل هو فقط مجرّد الخلط بين الدين والدولة، بل هو أخطر من ذلك: إنّ تصوّراتنا سواء عن الدين أو عن الدولة هي تصوّرات نابعة من خلفية أخلاقية واحدة هي ثقافة الاستبداد. المستبدّ هو هو، أكان رجل دين أو رجل دولة. ومن ثمّ، فإنّ معركة حرية الإيمان لا تختلف في شيء عن معركة حرية الرأي. إنّ معركة الحرية هي نفسها في كل مكان وفي أيّة ثقافة.

ومعيار الحرية هنا هو قدرة ثقافة ما على التمييز المناسب بين ما هو "حيّ" و "ما لم يعد حيّا" في وعيها بنفسها. وعلينا أن نسأل: ما هو شكل الحياة الذي لا يزال لدينا قابلا للحياة؟ إذ عديد أشكال الحياة أو نماذج العيش قد اهترأت وبهتت لكنّ سكّانها ما لبثوا يزدادون بشكل مفزع. عديد الشعوب لا تملك من مقوّمات الحياة سوى قدرتها على التذكّر، أي على السرد. والطامة الكبرى هي تحوّل المستقبل برمّته إلى ذكرى علينا الحنين إليها بشكل متوارث. إنّ الحرّ في أيّ شيء هو الحيّ فقط. وكلّ من أفلتت حياته منه لا يحقّ له أن يدّعي أيّ نوع من التحرّر، ولو كان كونيّا.

قال: "أنا هو زرادشت، ذاك الذي لا إلهَ له (der gottlose)، الذي يتكلّم هنا: فمن ذا الذي لا إله له أكثر منّي حتى أحظى بتعاليمه؟

هكذا تكلّم زرادشت، وهو يخترق بنظراته أفكارَ البابا القديم وخفاياه.

وفي النهاية بادر البابا بالكلام:

"إنّ أكثر من أحبَّه وامتلكه، لهو الآن أكثر من خسره أيضا-:

- انظر إلينا نحن الاثنين، ألست أنا هو من لا إلهَ له أكثر منك؟ ولكن من بإمكانه أن يفرح بذلك!"

- "أنت خدمتَه حتى الآونة الأخيرة"، ثمّ سأل زرادشت متفكّراً، بعد صمت عميق، "أتعرف كيف توفّي (starb)؟ هل حقّاً، كما يقولون، أنّ الشفقة قد خنقته؟

- أنّه رأى كيف عُلِّق الإنسانُ على الصليب، ولم يحتمل أنّ محبّته للبشر قد صارت جحيمَه وفي الأخير صارت موتَه؟"

لكنّ البابا الأخير لم يَحِرْ جواباً، بل نظر جانباً، خجِلاً تعلوه ملامح موجعة وكئيبة."(ص481-482)

علينا أن نلاحظ الفرق اللطيف الذي أودعه نيتشه بين الذي "لا إله له" وبين "الكافر" بالمعنى الشائع، وهو فرق يضيع عادة في الترجمات المتداولة أكانت عربية أو غربية. الحقيقة أنّ نيتشه لا يقصد الحكم اللاهوتي المسبق ضد "غير المؤمن" بأنّه "كافر" كأقصى شتم ديني ضدّ أحدهم داخل ثقافة الملة. ولذلك، علينا أن نقرأ اللفظ الألماني حرفيّا "gottlos" أي "بلا إله" أو "لا إله له" أو "الذي أضاع إلهه". ودلالة ذلك، أنّ زرادشت لا يقدّم نفسه بشكل ديني، بل بتعبير وضع المعجم الديني "خارج الخدمة" أو إن شئنا عطّل صلاحيته. ومن ثمّ من أراد أن يعبّر بشكل "محايد" في مسائل العقيدة أو الضمير هو ليس "كافرا"، بل هو من يتصرّف بعد تعطّل آلة الألوهية التي كان يؤمن بها "من قبل"، نعني كما فرضتها الملة أو الطائفة الدينية على "المستقبليين"، أي على كلّ "أبناء آخر الزمان" أو على كلّ "الذين أتوا متأخّرين إلى انتمائهم العميق". وضعُ الإله بين قوسين في تقديم المرء لنفسه هو إجراء محايد. وليس كفرا. هناك نوع من "الإبوخيا" الضرورية هنا، أي من "تعليق الحكم" حول منطقة لا يمكن البتّ في صلاحيتها، لأنّها خارج مدار السؤال.

زرادشت- مثله مثل "نبيّ" جبران و "مرداد" نعيمة و"أبي هريرة" المسعدي...- هو شخص روحيّ يشير إلى أقصى احتمال حرية ممكنة إزاء أنفسنا العميقة. لكنّه مجرّد احتمال فقط، وليس إجابة جاهزة حول أنفسنا. ولذلك، من العبث أو من الظلم أن نحاسب من يتجرّأ يوما ما على التفكير في هكذا مسائل دون أن يكون قد عاد لنا بطائل يُذكر. وكلّ محاكمات الرأي في فضاءاتنا العمومية هي من هذا القبيل. ماذا حقّقت جرأة طه حسين أو عبد الرازق أو محمود طه أو مهدي عامل...إلخ. حتى يستحقّوا كلّ هذا الويل والثبور ضدّهم؟ نحن لا نملك بعدُ يائسين حقيقيين، أعني يائسين نسقيين من أنفسهم العميقة، حيث صاروا يمتلكون تحت جلود أرواحهم بذور المستقبل البعيد. اليأس المنهجي الوقح من طبقة هووية كاملة من أنفسنا العميقة لا أعثر عليه حتى لدى أولئك الذين يدّعون أنّهم "ملحدون" بكلّ ما كنّا عليه إلى حدّ الآن- بكامل ثالوث الأب-الملك-الإله الذي سيطر على أفق أنفسنا إلى حدّ الآن.

الحرية ليست إلحادا. إنّها قدرة فذّة على المشاركة في احتمال أفق بلا آلهة جاهزة حول أنفسنا. ليس المشكل في فكرة الإله نفسها أو حتى في شعور الإيمان أو في معنى المقدّس أو حتى في وظيفة الدين، - بل في "نوع" الألوهية التي نشرئبّ إلى علاقة معها أو نوع الإيمان الذي نشعر به أو نوع المقدّس الذي يتعالى عنّا أو نوع الدين الذي نتوقع منه تلبية حاجة روحية ما. الحرية ليست مباراة في الكفر. وعلينا أن نقرأ زرادشت أو نبيّ جبران أو مرداد..بوصفها شخوصا سرديّة عن تاريخ آخر لأنفسنا العميقة كان يمكن أن يحدث لكنّنا لن نعشه إلى حدّ الآن. زرادشت هو من "أضاع إلهه" في طريقه إلى نفسه. لا يعني ذلك أنّه كافر بالمعنى الديني. بل فقط: أنّ إلهه القديم لم يعد ممكنا. هذا التشخيص الذي رسمه نيتشه عن وضع الإله المسيحي في القرن التاسع هو نموذج سردي عن كلّ أنواع الألوهية التي فشلت في مرافقة الإنسان خارج أفق الملة الدينية. ولذلك، فإنّ زرادشت هو شخصية "ما-بعد-دينية"، وليس كافرا. هو نموذج أخلاقي يضع التصنيف الديني للناس داخل الملة إلى مؤمنين وكفار موضع سؤال.

ما يضعنا موضع سؤال لا يمكن التحاور معه. ولذلك يقدّم نيتشه حوار زرادشت مع البابا القديم بوصفه حوارا مستحيلا، ذاك الذي يقع بين من "أضاع إلهه" وبين المؤمن الذي صار "خارج الخدمة". لكنّ الحوار المستحيل يمكن أن يكشف عمّا لا يمكن لأيّ حوار رسميّ أن يراه. لقد فهم البابا الأخير أنّ محبّة الإله القديم ربما كانت هي سبب فقدانه؛ كما فهم زرادشت أنّ الذي لا إله له ليس حرّا بالضرورة، أنّ الإلحاد ليس متعة لأحد. لكنّ النتيجة الأكثر هولا هنا إنّما هي أنّ "ما حدث" هو أمر يتجاوز المتحاورين كليهما، لأنّ ما حدث يتعلق بماهية الإله القديم نفسه بما هو كذلك. إنّ تصوّرا معيّنا عن الإله هو الذي تخلخل ولم يعد يجد عند المعاصرين الاستعداد العميق لاستقباله. وحسب نيتشه، فإنّ ما قتل الإله المسيحي هو نوع ماهيته: أنّه محبّة ليس لها من وعي بنفسها سوى أنّها "شفقة". هذه المماهاة بين المحبة والشفقة هي التي قتلت الإله المسيحي وحوّلت موته إلى "حدث" أخلاقي مرعب بالنسبة إلى الأجيال المعاصرة. "موت الإله" إذن ليس إعلاناً على أيّ انتصار أخلاقي. إنّه "حادث": أنّ إلهاً قد اختنق من فرط شفقته على البشر. يسخر نيتشه بذلك من أيّة مقايضة سعيدة بين الحبّ والشفقة. الحب ليس شفقة على أحد؛ الشفقة هي محبّة الجحيم. والدين وحده يعتاش على الخلط بينهما. وهو خلط هو من الرعب، حيث يمكن أن يؤدّي إلى مقتل إله. لكنّ نيتشه يسجّل بحرص واضح حجم الخسارة الروحية التي تصاحب حدث موت الإله القديم: لا يجدر بأحد أن يحتفل لأنّ إلهاً قد مات، وهو أقلّ ما يمكن أن نقابل به إلهاً يحبّ البشر إلى درجة الموت من أجلهم. إنّ المشكل إذن ليس في معنى الإله نفسه بل في كون ألوهيته تستمدّ ماهيتها من الشفقة على الإنسان. إنّ تقديس الشفقة على الإنسان وتحويلها إلى حجّة أخلاقية مطلقة قد منع الإله القديم من محبّتنا على نحو آخر. لم يمت الإله القديم، لأنّ البشر قد تحرّروا منه بفضل التنوير؛ بل هو قد مات مختنقا بالمحبة. من يحبّنا يموت في الطريق إلينا. إنّ حبّه سوف يتحوّل في الأثناء إلى نوع من الشفقة.

لم يكن البابا الأخير يستطيع احتمال أسئلة زرادشت: كيف مات الإله القديم؟ هل مات مختنقا بالشفقة على الإنسان؟ هل مات من المحبة؟ هل كانت محبّته لنا بمثابة جحيمه الخاص؟.. لذلك، سكت البابا الأخير و"لم يحر جوابا". ليس هناك أجوبة على الأسئلة الأخيرة حول أنفسنا. ولا يتعلق الأمر بتأجيل الإجابة، بل بضرورة "تغيير الموضوع". نحن أمّة لم نستطع إلى حدّ الآن تغيير الموضوع. كل ما أفلحنا فيه هو الدفاع عن أنفسنا بكل الوسائل ضدّ عدوّ لم نحدّده إلى حدّ الآن بشكل مناسب.

""دعه يذهب"، قال زرادشت بعد تفكّر طويل، وهو ما فتئ يحدّق إلى الرجل العجوز في صلب عينيه.

"دعه يذهب، لقد ولّى وانقضى؛ وحتى لو أنّه ممّا يشرّفك ألاّ تنطبق إلاّ خيرا عن هذا الميّت، فأنت تعرف جيّدا قدر ما أعرف من كان هو؛ وأنّه كان يمشي في طرق غريبة.""(ص483)

"دعه" هي الكلمة التي لا نستعملها عادة عندما يتعلق الأمر بأمر عظيم أو هائل مثل الموت. فما بالك عندما يتعلق الأمر بهذا الحدث المرعب الذي يعتبره نيتشه حدثا فيصلا بين حقبتين كبيرتين في تاريخ الإنسانية. ومع ذلك، فإنّ كلمة "دعه" أو "اتركه" هي بديل هادئ ورشيق عن كلّ خطابات نقد الدين وكلّ الضجيج الحديث عن الإلحاد المنهجي. "دعه" كلمة لا تنطوي على أيّة ضغينة أو أيّ ضرب من روح الثأر. ثمّة طرافة خاصة هنا علينا الإبصار بها. إنّ من عليه أن يُشفى من الكراهية الروحية ليس المؤمن فقط، بل "غير المؤمن" أيضا. إذْ لا يزال الإلحاد يعاني من مخزون رهيب من الضغينة؛ أي من الحقد المركّب تجاه رهط من البشر الذين يصنّفهم على أنّهم حيوانات آخرة وغير قادرين على تقبّل العالم كما هو. إنّ التغلّب على الضغينة إنّما يتطلّب قدرا طريفا ممّا سمّاه نيتشه "النسيان النشط": من لا ينسى لا يصفح أبدا. "دعه" هي كلمة نسيان من نوع غير ديني. "دعه" تعني هنا اتركه لمصيره، دون أي حكم أو إدانة ضدّ أحد. ومن ثمّ هي تعني خاصة دعه يتحرّر منّا، من الشفقة علينا، من محبّته لنا، من جحيمه الخاص، وبالتالي من موته. لا يمكن لنا أن نتحرر دون أن ننسى شيئا هائلا يقضّ مضجع أرواحنا العميقة. لا يمكن أن نتحرر دون أن ننسى موتنا، مثلا.

إنّ نصيحة زرادشت للبابا الأخير هي نموذج أخلاقي عمّا ينبغي أن نسلكه تجاه قدرٍ لم يعد ممكنا: أنّ الحداد ليس إجابة مناسبة تجاه ما ينبغي نسيانه. أنّ الحداد ليس علاقة مناسبة بالموتى. ولاسيّما عندما يكون الميّت مقدّساً. إنّ أفضل موقف تجاه ميّت مقدس هو أن ندعه يأخذ طريقه نحو ذاته البعيدة عنّا. ربّما ثمّة تشريف ما في رثاء الموتى بالثناء عليهم لكنّ ذلك يظلّ فعلاً بشريّا، نعني ألماً على مقاس طبيعتنا لا يتعدّاها.


[1]- نيتشه، هكذا تكلّم زرادشت. ترجمة علي مصباح (كولونيا/ بغداد: منشورات الجمل، 2007). ص 479-487

ملاحظة: ترد جميع الإحالات على الترجمة العربية داخل المتن، مع بعض التصرّف في ضوء النص الألماني.