الدعوة والدعاية بالمغرب من خلال مؤلف "الحداثة والهوية" لعبد الله حمّودي

فئة :  قراءات في كتب

الدعوة والدعاية بالمغرب  من خلال مؤلف "الحداثة والهوية" لعبد الله حمّودي

 

على سبيل البدء:

يقع كتاب "الحداثة والهوية؛ سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة" في 238 صفحة، وهو يضم أربع دراسات مستقلة موضوعيا هي "الحداثة - الهوية - الدين - اللغة"، لكنها تتصل فيما بينها اتصالا وثيقا، لأنها تتعلق ببناء لمعرفة مستقلة تخص المغرب والمجتمعات المغاربية والمشرقية على نحو أعمّ.[1] والواضح أنها موضوعات مهمة للغاية، لكونها تتصل بسيرورة مجتمعاتنا ومجتمعات أخرى أوروبية، عبر الماضي والحاضر. يتعلق الأمر إذن، بمساهمة من الباحث لفهم المجتمع المغربي عبر وضع أسس معرفية وعلمية سوسيو- أنثروبولوجية وتاريخية، مؤكدا أنه ليس الوحيد أو المنفرد بهذا الصنف من البحث، بل هو جزء من مجموعة الباحثين الذين سعوا جهدهم، كل من خلال مفاهيمه وعدّته المنهجية، أمثال العروي والجابري وغيرهم.

يمثل الكتاب إذن، امتدادا لسيرورة الأفكار الواردة في بحوثه وكتاباته السابقة؛ فنحن أمام لبنة أخرى ضمن لبنات بناء فكري لعبد الله حمّودي، لا ينفصل في النهاية عن مستقبل وأفق المجتمع المغربي ومجتمعات المنطقة، يقول: "لقد وضّحت غير ما مرة كيف أن هذا المشروع لا يمكن أن يقوم إلا في الأفق التاريخي والمستقبلي لمجتمعات منطقتنا وتطلّعات شعوبنا".[2] وممّا ينبغي تأكيده، أنه مشروع يمتد عبر أربعة عقود، تخترقها عناوين مهمة وغنية، نكتفي منها ب: الضحية وأقنعتها" 1988، "وعي المجتمع بذاته" 1998، "مصير المجتمع المغربي" 2004، "موسم حج في مكة" 2005، "الشيخ والمريد" وتحديدا طبعته الرابعة 2010 التي تضمنت فصلا إضافيا (يمتد من الصفحة 259 إلى 320) بعنوان: "مقالة في النقد والتأويل"، ثم "في إعادة صياغة الأنثروبولوجيا"، 2010، و"الرهان الثقافي وهمّ القطيعة"2011، ومؤلفات أخرى باللغتين الإنجليزية والفرنسية، عدا عشرات المقالات في مجلات مغربية وعالمية. يبقى أن نتساءل ما هو السؤال المنطلق لهذا المؤلف؟ ما هي تحديدا إشكاليته المركزية؟

إن الإشكالية التي سعى الباحث لتلمس طريق الإجابة عنها، تجسدها أسئلة كبرى تهمّ مجموعة من الثنائيات تخترق المجتمع المغربي، يضخّمها الباحثون والمحللّون لتبرز في شكل تقاطبات ومعسكرات متعارضة نذكر منها: الحداثة والقدامة، التحديث والتقليد، الجديد والأصيل، وهي منظومة من التعارضات تتحكم في ترتيب الأشياء والمواقف والآراء والأفكار، لكنها لا تعكس الواقع اليومي الذي تبدو فيه متعايشة فيما بينها.

كيف تتحرك دينامية اللغة والثقافة والهوية مع ما هو سياسي؟ ومن ثمة، على أيّ نحو تتحدد الاستعمالات الإيديولوجية لكل من اللغة والهوية والدين؟ كيف تخفي استعمالاتها حقيقة المنظومات الرمزية وسيرورتها التاريخية الذاتية والخارجية؛ أي صلتها بسيرورات مجتمعات مغايرة، مناهضة ومنافسة؟ ثم كيف تتحدد علاقتنا بذاتنا ومكوناتها الثقافية (اللغة والهوية والدين) فهما وتمثّلا واستيعابا، أمام اختلال موازين القوى في علاقتنا بالذوات الأخرى؟ وختاما، كيف يمكن إنتاج معرفة مستقلة تخص مجتمعاتنا وثقافاتنا، بعيدا عن ردود الفعل المتشنّجة إزاء الآخر، أو التشبث بنقاء المرجعية القيمية كما هي لدى المعسكرات الهوياتية المعارضة؟ كيف السبيل لتحرير الخطاب حول الهوية والحداثة من ثنائيات مفتعلة تضفي بعدا قيميا على الصراع الاجتماعي وتفوّت الفرصة على الفئات الوسطى لصالح أنظمة التسلّط؟

أولا؛ في تفكيك الدعوة والدعاية بالمغرب

يربط حمّودي بين الدعوة والدعاية ربطا قويا، وهو يحلّل ظاهرة/موجة الدعاة الجدد الذين اخترقوا الساحة الإعلامية ووسائل الاتصال الجديدة للوصول إلى أكبر عدد من الناس عبر مجموع الأوساط والبلدان العربية والإسلامية.[3] ولئن كان الشائع هو انفصال الدعوة عن الدعاية، فإنه يرى أنهما يرتبطان. فكيف تمتزج الدعوة والدعاية لدى صنف الدعاة الجدد؟ ولماذا تتغلب لديهم الدعاية على الدعوة؟ ثم كيف يمكن تفسير أشكال استثمار الخطاب الدعوي والدعائي في الحقل السياسي والسعي لاحتكاره بغاية الوصول إلى كرسي الحكم والسلطة؟

1- ينطلق حمّودي من أن الدعاية أنتجت، وهذه خطورتها، فاشيات وأنظمة أحادية منغلقة، تهدف إلى احتكار الحكم والاستيلاء على السلطة والدعاية السياسية. من هنا تأتي ضرورة تفكيك وإعادة النظر في مفهوم "الدعوة إلى الله"، لكونه يتضمن حركة في ذاتها لها تنظيماتها وزعاماتها، ومن ثمة فصل العلاقة ما بين الدعوة والدعاية وتحديد المسافة التي تفصل الديني عن الدنيوي أو السياسي وما يلفّهما معا من مظاهر، مثل التوظيف والاستعمال أو النزعة التحكمية وصولا إلى العنف وتجميع الثروة.[4]

2- يستند خطاب الدعوة إلى الله، على تبريرات تؤسس لمعنى "الدعوية"، بشكل لا ينفصل عن أشكال الإقناع التي يتم تمريرها عبر التقنيات الجديدة؛ من هنا يكشف حمّودي عن الوجه الحقيقي للتفاعل الحاصل بين التراث ومفهوم الدعاية وآلياتها. يتعلق الأمر بضرورة إعادة بناء العلاقة بين الطرفين وفصل صورة الداعية عن الدين ذاته؛ فالدين شيء والدعوة إليه شيء آخر، ولإنجاز هذا الفصل، اعتمد منهج "إعادة بناء الصورة "لدراسة خطاب الأصوليين وحركات الدعوة، كما هي لدى "العدالة والتنمية" تحديدا وجناحها الدعوي "حركة التوحيد والإصلاح"، مؤكدا أن القيمة المضافة لهذه الوسيلة، هي "اعتماد موضعة جديدة للتراث" عبر فنون بناء الصورة المستوردة من العلوم والتكنولوجيا الغربية[5]، حيث يهيمن عنصر الدعاية على الدعوة ويغلب عليها.

3- مستندا إلى التاريخ والأنثروبولوجيا، عاد حمّودي إلى تأطير الفهم بصدد مجموعة من الإشكالات المطروحة، ك"الهوية والحداثة" و"الدعوة إلى الله". لم ينظر إلى الدعوة بوصفها مفهوما مجردا، بل من حيث هي رهان واقعي للتنافس بين مجموعة من الأطراف، الحكّام والجماعات والقوى الاجتماعية. وعبر التاريخ دائما، انتقد توظيفها المرتبط بالدفاع المزعوم عن الكيان الإسلامي الجديد المهدّد ماديا ومعنويا، وتصحيح مسار المجتمع من الانحراف وإنقاذ الأمة وحمايتها. لكن أيّ معنى اليوم لسؤال التهديد والانحراف؟ أحقا ثمة دواع مماثلة لتصحيح المسار مثلما تفهم الدعوية ذلك؟[6] هل ثمة مشكل انحراف وتهديد بالمغرب؟ هل الأمة مهددة ومنحرفة؟ أحقا ثمة رجوع إلى الجاهلية، فيما أسماه سيد قطب ب"جاهلية القرن 20"؟ أم أن هذه المفاهيم هي أسس الدعاية وفكرها الصميم وليست من الدعوة في شيء؟

4- يقف حمّودي على نموذج حركة "التوحيد والإصلاح" ومنظّرها أحمد الرّيسوني، ضمن مجموع النماذج التي انتقدها، لكون هذا الأخير تبنّى خطاب التهديد أحيانا وسعى إلى تبرير الدّعاية لا الدّعوة، من هنا يبيّن أن خطاب ممثلي هذه الحركة وغيرهم يميل إلى التعميم، وكأنه حتمية تاريخية تضع المجتمعات كلها في سلة واحدة، بينما أهدافه الحقيقية تسويغ تغيير الحكم، بدليل أن خطابات أخرى، ومن منطلق المصلحة الدينية، تميل بالضد من ذلك إلى منطق التهذيب والهداية قصد تعميق العقيدة بعيدا عن الدعاية الميسّرة للحكم.

5- ينبهنا حمّودي إلى أن للدّعوية أشكال حضور قوية، لأنها تستثمر في حقل الخطاب والمعرفة الدينية، من حيث هو رهان للتنافس بين الدّعاة الذين يروجون لمعركة القيم وتهديد الأخلاق، ويسعون إلى توظيف مثل هذه الأسلحة، فهم يعلمون أن القيم والمبادئ الأخلاقية، لا يمكن تهديدها رغم إمكانية الخسارة في المعارك العسكرية أو الاقتصادية. يستند الخطاب الدّعوي باستمرار، إلى فكرة النهوض بالمجتمعات عبر القيم. قد يكون الأمر سليما، لكن المؤلف يتساءل، لماذا لا يتم بلورة هذه القيم المتحدث عنها عمليا في الواقع اليومي وبشكل مستدام؟ ومن ثمة كيف يمكن تبرير أشكال النفاق وعدم الاهتمام بالشغل والعمل والغش والارتشاء والبحث عن الغنى؟

6- يؤكد المؤلف أن ربطه الدعوة بالدعاية، لم يعتمد على قراءة أو تحكيم للنوايا، بل على منهج "مسح القرائن" وربطها ببعض، فقد نظر إلى "التسميات" وتوقف عندها كثيرا، موضحا أن الدعوة إلى الله قد توحي بأن المجهود روحي ومبدئي صرف، في إهمال للداعية والسكوت عن صفاته البشرية التي يتم ربطها بمفهوم مقدس هو الله أو بعبارة "في سبيل الله".[7] من هنا، فتسميات "الحركة" أو "الحركات الإسلامية" و"إسلامي" و"إسلاميين"، ليست بريئة بالقدر الذي يروّج لها، ما دامت تقسّم الناس والجماعات التي تدين بالإسلام إلى "مسلمين" و"غير مسلمين"، بل هي حركات إقصائية تنتهي باحتكار صفة "إسلامي". ولئن كان الظاهر في هذه التسمية خطاب الدعوة إلى الله، فالثاوي هو الدعاية التي "تكمن في ذلك الاحتكار نفسه مع أن الشعب مسلم في سواده الأعظم، وغالبيته لا تنخرط في تلك الحركات"[8].

7- أمام هذا الخلط المقصود، يقدم حمّودي مفهوما تركيبيا هو "الدّعوية" يربط بين الدعوة والدعاية ويلتئم في الواقع الملموس. يقول: "يتحتم علينا الإقرار بأننا أمام ظاهرة هي "دعوة- دعاية" أو "دعوة/دعائية" لا بد من معالجتها كثنائية يحمل فيها كل طرف الطرف الآخر ضمنيا، والضمنية تزيد من مفعول الطرف المضمّن".[9] فما هي إذن الأدوات التي تشتغل بها الدعوية؟ ثم كيف تمارس التأثير على النفوس والعقول على حد سواء؟

ثانيا؛ أساليب الدعوية وأدواتها

تتوسل الدّعوية مجموعة من الأدوات الجديدة، لممارسة الإقناع والتأثير نذكر منها:

1- بناء الصورة (أو الصورة المبنية): وهو مفهوم يلخص هذا الاستثمار والتوظيف، لأن الدعاية تقوم على أسس ووسائل وتقنيات جديدة، تمر عبر بناء الصورة والاهتمام بالشكل على حساب المضمون، أو بعبارة أخرى يتم بناء المضمون كشكل؛ هاهنا تتم عملية الموضعة التي يمارسها الدعويون، لكسب الأتباع وعطف الجمهور بصفة عامة؛ أي موضعة الدين والتقوى والثورات وفق ما يتطلبه بناء الصورة.[10] (نؤكد أن تحويل المضمون الديني إلى شكل، هي فكرة تتقاطع مع ما لمسه باتريك هايني بصدد إسلام السوق: من تشفير وتسليع للقيم وللهوية الدينية، ممثلة في تسويق حجاب الموضة أو الأشرطة الدينية والأغاني والأناشيد الدينية الجديدة... إلخ).

2- اعتماد الكنية: وهي وسيلة أساسية للشكل، منها: (أبو حفص - أبو قتادة - أبو كذا...إلخ، والتي صارت أيضا موضوع تنكيث داخل الثقافة المجتمعية اليومية في سياق سخرية سافرة من نماذج غريبة عن المغاربة)، هي كنيات مستمدة من التراث يتم استرجاعها بقوة[11]، على نحو لا ينفصل عن الزعامة، ينضاف إليها شكل التعامل مع الجسم واللحية تحديدا وأنواع من الألبسة كالعباءة والجلباب والعمامة. يتعلق الأمر بأشكال تسعى إلى تجسيد نوع من التقوى والوقار، تمتد إلى أشكال دقيقة من التأثيث الإسلامي للمكاتب والمكتبات في اتجاه بناء "الصورة الورعة"؛ يصل الأمر حدّ بناء صورة النجومية والبطولة في مجال الورع، على غرار المجالات المعروفة كالسينما والطرب...إلخ. نحن إذن، أمام سوق لترويج الصورة إعلاميا وسياسيا وفق أهداف الدعاية والإقناع يتقاطع فيها المحلي مع العالمي.

3- التسويق: يتمتع مفهوم السوق بفائدة كبرى إجرائية (راجع ما أورده هايني حول إسلام السوق)، تسعفنا في فهم ودراسة بناء الصورة وترويجها من قبل الدعويين، عبر عمليات المزايدة التي يجسّدونها[12] وبالضد من مزايدات السوق المحكومة بقوانينه، فإن مزايدات سوق الدّعوية لا نهاية لها، بل تكتنفها رغبات العنف ورفض المهاودة والمرونة والميل إلى التشدد، لتخرج عن دائرة التعايش مثلما يؤكد حمّودي. تبدو المزايدة أيضا في نماذج الإفتاء المتسرع وظواهر أقل ما يمكن أن توصف به أنها غريبة وغرائبية، وصل بعضها حدّ القول بجواز جماع الزوج لزوجته الميتة، لأن منطق المزايدة في النهاية يفضي إلى استسهال الإفتاء طالما أن الهاجس الأكبر هو الإقناع والتأثير والدعاية. (بعضها مستفز ومثير، لأنه يتضمن منزلقات خطيرة وتحديدا نحو قضايا ومسائل جنسية).

4- الاختفاء وراء الأصالة والتأصيل: تسعى الدّعوية إلى توظيف مفهوم الأصالة والتأصيل في الماضي والحاضر، وهو توظيف ينتهي بتكريس منطق مركزية الذات (الأصل والأصالة) ضد الدخيل (الغير)، لكن الأصالة مفهوم يعسر احتكاره، لأنه يوجد لدى حركات ذات توجهات مختلفة (الشبيبة الإسلامية - العدل والإحسان - التوحيد والإصلاح...) ولدى بعض الأحزاب بشكل علني ولدى أخرى بشكل مضمّن. ولئن كانت الأحزاب عموما تتفادى الاصطدام بالأصالة، فاقترانها بالفضاء السياسي والدعوي والحركي عامة، يطرح أكثر من سؤال حول توظيفه واعتماده على حقول معرفية مختلفة.[13]

من أشكال التأصيل التي ينتقدها حمّودي، أسلمة المناهج الإنسانية كما هو شائع في صفوف منظمة التوحيد والإصلاح بالمغرب وغيرهم من الدعويين كالإخوان بمصر. "والحال أنه لا وجود لمناهج إسلامية في تك الميادين الشائكة، وقد يندى الجبين حقّا لما يأتي به أصحاب تلك المزاعم من كلام فارغ يدل في حقيقته على سذاجة الجهل والاستعلاء"[14]. فالواضح إذن، أنه يتم استغلال المناهج الإنسانية لأغراض محض سياسية، بعيدا عن الإحاطة بالمعارف التي يتم نقدها أو انتقادها بكل تبسيطية وترديد للعموميات.

يرفض حمّودي كل اختزال للحداثة في بعض المفاهيم المجردة أو للإسلام نفسه؛ لأنه ينتهي إلى إفقار كل من الحداثة والإسلام في آن. ومن ثمة فلا معنى لمفاهيم من قبيل "أسلمة الحداثة" أو "حداثة إسلامية" طالما تنتهي إلى تركيبات فقيرة ومشوهة[15]، منتقدا كل محاولة لاحتكار الكونية، إما بدعوى ديانة أو فهم محدّد لها؛ فليس ثمة من معنى لأن يروج البعض أو يعتقد أن الآخرين يدينون بديانات تقع خارج الكونية المطلقة التي يمثّلها دينه أو شكل تديّنه أو "أن هؤلاء سوف يرغمون بقوة الغلبة على الانخراط فيها".[16] معترضا أيضا على أسلمة الدولة، لأن دعاة الأسلمة عموما، يجهلون الإبداع الإسلامي الحقيقي عبر العصور، وبكل تبسيطية يقحمون أنفسهم في دفاع مرتبك عن إبداع نقي وفن نقي باسم الإسلام والأجداد. إنه موقف دفاع سياسوي عن قيم الإسلام[17]، يؤشر على استمرارية لأطماع الزعامة، توحي بنموذج "ولاية الفقيه" أو "سياسة المرشد". أما التجديد المطروح، فهو تجديد مزعوم ودوران في حلقة مفرغة. فأيّ اجتهاد هذا الذي يتم "بعصير النصوص القرآنية وأخبار السنة تعصيرا شديدا لإثبات شيء معروف؟"[18]. أما عن التراث، فليس هناك تراث منعزل وقائم بذاته خارج تأويله، إنه تراكم وتجديد، تأويل وتمحيص، إعادة للنظر وإبداع يتفاعل مع الواقع بحثا عن التحسّن. ففي ظل العولمة، نحن مدعوون إلى الإبداع في خضم الواقع الراهن المعيش، بالاستفادة من تجاربه لا مجرد استعادتها أو تقديسها.[19]

إن دعوى التمسّك بالتراث، تبقى مجرد أزعومة تخفي وراءها ما تخفي، لأن تراثنا أولا غير خالص، ثم إنه تفاعل بقدر أو بآخر مع الحداثة، يقول حمّودي: "التراث نفسه تغير بفعل إقحامنا في الحداثة. حيث إن المحافظ والمجدد في التراث، كما الحداثي المردّدّ لشعار القطيعة المجردة، لا يخرجون عن النطاق المفروض على الجميع"[20]. في السياق نفسه، تتهاوى أيضا فكرة استعارة الحداثة، لأنها واقعة تاريخية واجتماعية يستحيل استنباتها خارج تربتها. وعليه فاستعادة التاريخ غير ممكنة كما يؤكد ماركس، أو أنها ستطرح أمامنا تاريخا رديئا، وهو حتما إحدى الصور السخيفة لهذه الاستعادة في بلداننا. [21]

5- أسلوب التغليط: يقف حمّودي في انتقاده لزعماء الدعوية، عند أسلوب التغليط الذي يمارسه الدعويون، متوقفا عند الرّيسوني نموذجا، بشأن قضايا كثيرة تتصل بأصالة مزعومة ومبنية على صورة مصطنعة ودخيلة، فالطاقية التي يضعها على رأسه سعودية وليست مغربية، بل إن الأصالة نفسها تختلف حسب السياقات الثقافية، إذ تختلف "صورة الأصالة المغربية عن المصرية أو السعودية أو اللبنانية (...) لكن بركة الحرمين وخدامهما تسكن الطاقية المستوردة من الأسواق السعودية تلك التي هي الصورة المبنية بالدخيل العلمي والتقني الغربي".[22] ومن انتقاده لطاقية الريسوني ينتقل إلى استعماله مفهوم الديمقراطية، لمّا هو اعتبر الإسلام دينا للأغلبية في بناء سافر للسياسة على الشريعة واقتراب من نموذج ولاية الفقيه، مازجا بين الديموقراطية والعقيدة؛ بينما العقيدة "لا تقوم بالديمقراطية وأي دين لا ينتشر ولا يثبت بالاستفتاء أو المساطر الديمقراطية. وعليه فلا معنى لمفهوم الأغلبية والأقلية في العقيدة، خلافا لميدان العمل السياسي"[23]. إن الديمقراطية مفهوم غربي يمكن أن يتلاقح إسلاميا، لكن بمجهود كبير وجديد يدحض نظرية الأصالة التي يستند إليها الدعويون، من هنا يعلن حمّودي أن علماء الشرع أخفقوا في التنظير للسياسة، لمحدودية حقل السياسة الشرعية عبر التاريخ، وهو ما يفسر عبارة المغاربة المتداولة "الله يحفظنا من حكم الفقهاء"، في إحالة على التشدد والارتباط الصارم بقواعد الفقه وتطبيقها على الأفراد.

6- الاحتماء وراء ثنائيات مفاهيمية إقصائية: عدّ حمّودي أسلوب الدّعويين في توظيف الأصالة ورفض الدخيل. ومن ثمة رفض الحداثة باسم أصالة مزعومة، دعوى متهافتة بدليل أن أفكار الغرب تسكن تصوراتهم وبناء صورهم، فالحداثة توجد في الأصالة المزعومة؛ وعليه يحتاج مفهوم "الدخيل" إلى مراجعة. فلو أخذنا الوهابية مثلا من حيث هي فكر دخيل على أصالة المغاربة وفقههم المالكي المتأصل، لوجدنا أنفسنا أمام مفارقة كبرى لا يلتفت إليها. هكذا تمسي الأصالة التي يتمسك بها الريسوني، مجرد ورقة يدافع بها عن الحركات الإسلامية دون أن يحوز عليها حجة عقلية، وإلا كيف تصبح الحركات الإسلامية أصيلة وغيرها استئصالية؟ أتراه يوظف الاستئصال لإفزاع الناس أم يوظّفه من أجل استئصالهم؟

يرفض المؤلف ثنائيات عديدة يستغلها الدّعويون كسوط لضرب من يعتقدونهم دخلاء؛ ويقدم للخروج من الحلقة المفرغة لثنائية أصيل ودخيل، بديلا أساسيا وجديدا "يكمن في بناء الوضعية بالمبادرة المستقلة والانخراط في أخلاق الشغل الجاد والمحاسبة"[24]، بعيدا عن التأصيل الدّعوي الذي يقوم على غير إرادة الأفراد والفاعلين الاجتماعيين ويقع خارج توافقاتهم، بينما الأصل في الفعل هو التوافق في سياق قوانين الدولة وعبر المساطر والمؤسسات لا خارجها، أي بالاعتراض على الإقصاء المتبادل، وفي الوقت نفسه الانتصار للتوافق والإشراك. من هنا دعوته إلى إعادة ترتيب الأوراق بين الجبهتين المتنازعتين: الحداثيين والدّعويين، ومن ثمة بناء مشروع مجتمعي يستدمج كل كيانات المجتمع و"يضمن إعادة بناء الكيان على أسس مقبولة من طرف مكونات المجتمع الحية ويلبي رغباتها في المزيد من التحرر والسعادة"[25].

لأجل ذلك، اعتمد مفهومين إجرائيين هما: سياسة الخطاب (ويتضمن ثلاثة جوانب: الاستراتيجية الضمنية ومنطق الحكم المعرفي ثم ترتيب الأشياء) وإنتاج الحكم المعرفي، لتجاوز الثنائية المذكورة والبحث عن المشترك بين الجبهتين والمهمّش من قبلهما معا، فقد تخلت الجبهة الحداثية عن مشروع التغيير نحو الإصلاح التدريجي داخل سياق سلطوي ليبرالي، وظل موقف المعسكر الاشتراكي مبهما حول حرية العقيدة وكيفية التعامل مع الدّين والشريعة. بينما نجد الملكيّة بالمغرب قد طبّعت مع الليبرالية، جنبا إلى جنب مع الأحزاب القديمة الساعية للحفاظ على مصالحها النخبوية وخدمة مصالحها. أما الجبهة الدّعوية، لا "الجبهة الإسلامية" مادام الإسلام دين الشعب عامة، والمستفيدة من إصلاحات دستور2011 بتعددية أطيافها وتنوع جبهاتها الإصلاحية والثورية والمنفتحة، فقد استغلت الظروف الراهنة لتضمن لنفسها الاستمرارية؛ وإن كانت المعطيات الجديدة تمنع استمرار السّلطويات التي تعمل باسم الدين أو غيره، لأنه بدا جليا أن الحركات الدينية التي ناهضت السلطوية صارت أكثر استبدادا؛ وعليه فالحرية والمساواة لها آثار مباشرة سياسيا على اختيار العقيدة والمنظومات الأخلاقية بمقوماتها، بناء على مفهوم النقاش والتشاور واحترام حقوق الأقلية والأغلبية.

7- بناء الذات على مفهوم الأصل: اتخذ الدّعويون من الأصل معيارا للانفصال عمّا هو غربي وغير إسلامي (الجبهة الليبرالية والتحررية)، لهذا تجدهم ينفون إسلامية الحداثيين ويحتكرون الإسلام وينسبونه إلى أنفسهم، لكن من مفارقات انتصارهم للأصل، إغفالهم أنه نتاج لتأهيل المسلمين عبر التاريخ، ومن ثمة نسيانهم مجهود التأصيل الحاصل عبر مجهود فكري تأويلي؛ فلا أصل يبقى على حاله ولا جديد أقحم دون تكييف، ما دامت جدلية التاريخ تبين لنا باستمرار تأصيلا وتكييفا دائبا مع ما هو حديث أو مستعار. لقد عدّ الدعويّون الإسلام قاعدة الإصلاح، قياسا إلى التجربة الأوروبية والغرب الذي ينطلق منه الحداثيون، فضلّوا يمنعوننا من المقارنة والاستفادة من تجارب إنسانية أخرى منهجيا وفكريا، ناسين أن العودة إلى الأصل غير خالصة، بعد أن احتكروا التراث واستحوذوا على عملية التأصيل مانعين غيرهم منه. إن سياسة الخطاب لديهم، ترمي إلى محو السياسة مع الخوض فيها وممارستها، لكن عبر مفهوم "شرع الله" والدفاع عنه، منطلقين من أنه مهدّد، بينما كل المؤشرات الواقعية تدل على تنامي الإسلام وتصاعد أصواته.

8- الإطلاقية والابتعاد عن القراءة التاريخية للوقائع: يبدي حمّودي نقدا قويا للدعويين، كاشفا ضعف علمائهم في الإحاطة بالعلوم الجديدة اليوم، مبينا أنه لا تعارض بين التدين والتجربة السياسية، فالتديّن وحده غير كاف ليحل محل السياسة، لذا يدعو إلى مراجعة مفهوم "شرع الله" لكونه يشير إلى أصل مطلق يخفي أنه حصيلة مجهود بشري. إذ يتم الانطلاق دوما من الوحي كأصل وتطبيقه على كل عناصر الشريعة؛ والحال أن مفهوم الصلاحية في حاجة إلى مراجعة، لأن الزمان والمكان يلزمان بقراءة الأحكام وفقا للظرفية المناسبة، خلافا لقيم تتمتع بالإطلاقية كالعدل والتعاون والوفاء..، التي يعسر أن تكون موضع اتفاق في ظرفية دون أخرى. كما ينتقد الحداثيين أيضا في مبالغتهم رفض الأحكام الشرعية واعتبارها متجاوزة، مقابل الدعويين الذين يعدّونها مطلقة، لينتهي إلى اقتراح ورش الفكر الحيوي في الحرية، بتجاوز ثنائية الأصالة والحداثة وخلفياتها السياسية.

يحرص حمّودي إذن على مطلب التوازن بين المواقف، وهي إحدى أهم إيجابيات النقد الذي تبنّاه في مؤلفه. ومرة أخرى، يعود للطابع التاريخي للمفاهيم ومراجعة الفرضيات المسبقة حول الأصالة والحداثة، فالحداثة محدثة والأصالة محدثة أيضا، لأنهما معا إنتاج لظروف تاريخية، كما أن التصنيف بين ما هو أصيل ودخيل وبين ما هو إسلامي وعلماني وما هو إيماني وغير إيماني، محدث بدوره. لأن العامل الكولونيالي كان له دور كبير في إنتاج وتأكيد هذه الثنائية الضدية، وعليه فجوهر الصراع والإقصاء المتبادل بين الحداثيين والدعويين هو امتلاك الموروث الاستعماري والتحكم فيه؛ أي السيطرة على قوة الحداثة. الدعويون يعتبرون الحداثيين منسلخين عن الأصل/الإسلام، إلا أنهم في الحقيقة يحاولون منعهم من الانتماء إلى دارهم وثقافتهم وصحيح إيمانهم[26] وبهذا يحتكرون الذات والأصالة والهوية والموروث، أما الحداثيين فيركزون على العلم والتكنولوجيا ويهملون شؤون الشريعة لفائدة خصومهم، وبهذا تنازلوا لهم عن الميادين التي تؤطر الحياة الاجتماعية، مضعفين مواقفهم بإفراطهم في تجريد مهمّاتهم وتصور ماهيتهم، مثلما جرّد الدعويون ذواتهم لمّا هم نفوا عن أنفسهم صفات الحداثة وربطوها بالأصالة والموروث.

إن عملية التجريد، تتنكر للأصل المشترك بين الجبهتين وترسخ احتكار المشروعية للاستيلاء على القوة والرصيد التكنولوجي والعلمي المتراكم منذ عهد الاستعمار، هكذا يجتهد أهل الجبهتين معا في التكييف بين الأصول والتحولات القائمة، ويبلغ التجرّد عن الحداثة درجة قصوى لدى الدّعويين، أملا في الوصول إلى الطبقات الشعبية، وهو تجرّد يتجسد في أشكال مرئية مثل اللباس والهيئة كعلامات للتدين والورع؛ من هنا نكون بصدد تصور معين للهوية الدينية للأصل. فأشكال الزي الدعوي محدث بدوره، ابتكره المسلمون عبر التاريخ في تفاعل مستمر بين القديم والجديد، عبر أشكال مبتكرة.

9- غياب الجهد المقارناتي لدى الدعويين: إذ ينتفي لديهم تحليل سيرورة الكيان الإسلامي، كما يغيب المنطق وتتسطّح المعرفة وتطغى التبسيطية في التعامل، مما يؤدي إلى مواقف من التشنج والغضب، لاعتمادهم تقنية القياس الاختزالي مع الماضي، معتبرين أن القوة تمثلها دولة "الخلافة". أما الحاضر، فهو ضعيف للغاية. للعلماء الدعويين رغبة قوية في الظهور، فهم متسرّعون ولا يبدلون جهدا كبيرا في القياس الشرعي مثلما فعل القدامى (دفاع فقيه مشهور عن استفادته من الريع ممثلا في مأذونيات النقل، باعتباره قياسا بسيطا).[27] لأن قياسهم تبريري، مثلما فعلوا في الحكم على مخالفيهم وتلفيق التهم لهم (مثلما حصل مع صحافي معروف وتلفيق تهم له).[28] هاهنا، يؤكد حمّودي ضرورة تجاوز الثنائيات ودورها المنطقي المغلق بعيدا عن القياس المجازف والبسيط، مقترحا منهج "منطق الظرفيات" المقارن عوض منهج "مقارنة الظرفيات"، فالقياس الحقيقي والمثمر هو القياس بين الحكم السابق وظرفيته من جهة والحل الراهن وظرفيته من جهة أخرى، وليس قياس نازلة لاحقة بحكم سابق، لأنه منهج ينتهي إلى التبسيطية.

إن منطق الظرفيات المقارن لدى حمّودي، هو السبيل للوصول إلى المصلحة بمعناها التوافقي، مؤكدا على دور مجموعة من العلوم في دراسة الأصول الشرعية وفهم آليات الأحكام، لأن الكشف عن منطق الظرفية يقتضي الجمع بين العلم الذي ينتجه العلماء والانفتاح على التجارب الحياتية المختلفة، هذا إلى جانب ترسيخ مبدأ المساواة والحرية في البحث؛ فالدعويون يقلصون مبدأ الحرية لصالح العدل والمساواة والكرامة. من هنا ضرورة التخلص من احتكار علماء الدين ما دام حلّ المشكلات يهم الجميع، وتأكيد أهمية المشاورة والمناظرة، لأن الشريعة كنز للجميع والرصيد المشترك ضخم بعد أن تدخلت في سيرورة تكوينه روافد عديدة ومختلفة، ولعل العودة إلى تاريخ المسلمين، تكشف انفتاحات مهمة على الأجنبي وعلاقات قوية مع أغيار ثقافيين.

10- التدخل في حميمية الأفراد: يرفض حمّودي تدخل الدعويين في الشؤون الحميمة للناس، لأنهم في نظره أدرى بشؤونهم الخاصة، كما ينتقد حرّاس الشريعة من هؤلاء الذين يحاصرون الناس في حياتهم، فثمة انتقائية واضحة على مستوى المواقف الموجّهة من طرف حرّاس الشريعة المزعومين، فلماذا يركزون على النساء مثلا دون الرجال؟ أو على المثليين والقاصرين دون غيرهم؟ ثم لماذا لا يجتهدون في قضايا العمل ورفع الظلم أو إيجاد بدائل؟[29]. إن الدعويين يلحّون باستمرار على الرجوع إلى الأصل الشرعي والرغبة في تغيير مجموعة من القوانين (المرأة - الأسرة...) مستغلّين مسألة الاختلاط لربطها بالزنا، في إهمال سافر لدور التربية والتحصين الذي أكده القدامى، لكن الاختلاط ليس بالضرورة ابتعادا عن الشرع أو انسلاخا عنه، فهم ينسون بسبب إغراقهم في الشكل، أنه فرضته ظروف العصر القوية وتطور مراحل التعليم والشغل والنقل والعمل، مثلما نسوا أيضا أنهم بدورهم أنتجوا أشكالا للتعارف فيما بين الشبّان لم تكن في الماضي.

لقد أغرق الدعويّون في مسائل اللباس وشعر المرأة ونقلوها إلى المنابر، خلافا للحداثيين الذين سقطوا بدورهم في ثنائية مفتعلة بين هندامين (حداثي وغير حداثي). فهما معا يتنازعان، علما أنهما معا ينتميان للطبقة الوسطى. فهل الأمر مجرد صراع فئوي؟ ومن المستفيد منه؟ أليست الدولة والنظام، بينما الخاسر الأكبر هذه الفئة المنقسمة على نفسها بسبب ثنائيات مفتعلة تمنع توجيه الطاقات صوب مجهود التوافق بين شرائحها؟

خاتمة

مستحضرا حساسية المرحلة الراهنة وإحساس الأجيال الجديدة بتأزم الأوضاع الاجتماعية وهيمنة فئات قليلة على الأغلبية وابتعاد الروابط فيما بين هاتين الفئتين وكذا التحولات الكبرى في العقود الأخيرة، ومنها آثار20 فبراير كمحطة شبابية أحدثت قطيعة في كيفيات تصور المستقبل وتصور الكيان العربي والمغربي.[30] يرى حمّودي بضرورة ترتيب الأوراق بين الجبهتين المتنازعتين الحداثيين والدعويين، وتجاوز ثنائية: أصالة/ دعوة ضد الحداثة، بحثا عن مشروع مجتمعي يستدمج كل كيانات المجتمع.[31] مؤكدا في أكثر من موقع على ضرورة الحوار ونبذ ذهنيات الإقصاء المتبادل بين المعسكرات المتصارعة، معلنا رفض الثنائيات المصرّح بها والضمنية أيضا، بعدما بيّن محدودية آليات الإنتاج المعرفي لدى كل من المعسكرين المتنازعين. فقوة البناء المشترك لدى الطرفين شرط حاسم لضمان غذ واعد، بالابتعاد عن الإقصاء وحلقاته المفرغة وتعزيز قيم العدل والحوار والاعتراف المتبادل.

يقيم الحداثي واهما مقارنة مع الغرب ومع الماضي بفعل التفاوت، لكن الماضي لم ينقرض مثلما يعتقد الحداثيون وقيمه لم تنصهر في الكيان الأوربي مثلما تصور الدّعويون، وبالتالي فلا وجود لشرائح لا "إسلامية"، لأن الانسلاخ عن العقيدة لا يعني حتى في حصوله التّام، الانسلاخ عن الثقافة الإسلامية بوجه عام. تغفل الجبهتان معا المشترك الراهن والمعيش، لذا فالمقارنة الحقيقية تستوجب أن تكون في اتجاه استنباط الجديد وتحقيق التراكم. فلا معنى لأن يتحول الحداثي إلى استعارة صنمية تحيل على الآخر المنبوذ أي الغرب، ويتحول الدّعوي إلى استعارة تحيل على الفكر المتحجر والتراث الجامد، ولعل كل مقارنة في هذا الإطار هي نفي للتداخل والتلاقح الثقافي بين الكيان الإسلامي والغربي وبين حداثية وأصولية المسلمين.

في مستوى آخر، فإن الشعب ليس دعويا حتى حينما يصوّت أحيانا للدّعويين، لأنه لا يمنحهم ثقة مطلقة، إذ لا طاعة ولا انبهار بمؤشرات التدين الخارجية. فالدولة في الكيانات الإسلامية لم تكن دينية كما في أوروبا (نظرية التفويض الإلهي) وإن كانت تستند على الشورى وتستمد مشروعيتها من البيعة وتطبيق الشريعة. وبالعودة إلى الخلافة الإسلامية القائمة على الشورى، نجد أنها كانت في زمنها ثورة وتجربة فريدة على نظام قبلي يستند إلى المشيخة. أما في المغرب، فميزة الحكم أنه يجمع ما بين الديني والدنيوي، بعد أن استطاعت سيرورة التحول تحويل الأصل المزعوم إلى واقعة تاريخية، لتقتصر مؤسسة الشورى على نخبة لم تكن موسّعة. فالإمامة المغربية مثلا رغم طابعها الوراثي، فهي قابلة للإصلاح في شكل ملكية برلمانية. وعليه، فلا معنى للرجوع للخلافة الأولى التي يدور حولها الدعويون لتجاوزها تاريخيا ولقصورها سياسيا، مثلما أنه لا معنى للعودة إلى الأصل لأنه ممتد إلى اليوم. فعبر مئات السنين تطورت المؤسسات في ارتباط بالدين والشرعية الإسلامية، كما حل القانون محل المجالات التي لا تستدعي اجتهادا شرعيا، ومصالح الشعب صارت تناقش داخل البرلمان بعناية مؤسسة الإمامة وفي ضوء اجتهاد العلماء. فالدولة المغربية تعي مخاطر هذا التمفصل بين المشروعين: الدعوة والدعاية، فبالإضافة إلى اعتراضها على أي مشروعية دينية منافسة، ترفض تحويل الدين من ملكية المجتمع إلى ملكية مجموعة صغرى أو أفراد ينضوون داخل جماعة مذهبية، لأنها تعي أن الدعوية إنما هي تمارس تضليلا كبيرا وهي التواقة لدخول الحلبة السياسية، متعمّدة إخفاء مضمونها السياسي ومدّعية أسلوب الوعظ والإرشاد الأخلاقي الخالص، والحال أنها تتوسّل كافة سبل التجييش والتعبئة. أفلم يكن مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، البوابة الأساسية لمهاجمة النظام وتهديده؟

[1]- عبد الله حمودي: الحداثة والهوية. سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة، المركز الثقافي العربي، البيضاء، 2015، ص 7

[2]- عبد الله حمودي، الحداثة والهوية، ص 9

[3]- عبد الله حمودي، الحداثة والهوية، ص 35

[4]- الحداثة والهوية، ص 38

[5]- الحداثة والهوية، ص 39

[6]- الحداثة والهوية، ص 41

[7]- الحداثة والهوية، ص 44

[8]- الحداثة والهوية، ص 45

[9]- الحداثة والهوية، ص 46

[10]- الحداثة والهوية، ص 39

[11]- نشير إلى أن هذه التسميات صارت موضع انتقادات كبرى، تميل أحيانا إلى التهكم والسخرية والتنكيت.

[12]- الحداثة والهوية، ص 49

[13]- الحداثة والهوية، ص ص 50 و51

[14]- الحداثة والهوية، ص 11

[15]- الحداثة والهوية، ص 13

[16]- الحداثة والهوية، ص 13

[17]- الحداثة والهوية، ص 22

[18]- الحداثة والهوية، ص 22

[19]- الحداثة والهوية، ص 24

[20]- الحداثة والهوية، ص 19

[21]- الحداثة والهوية، ص 20

[22]- الحداثة والهوية، ص 52

[23]- الحداثة والهوية، ص 53

[24]- الحداثة والهوية، ص 56

[25]- الحداثة والهوية، ص 61

[26]- الحداثة والهوية، ص 85

[27]- الحداثة والهوية، ص 95

[28]- الحداثة والهوية، ص 96

[29]- الحداثة والهوية، ص 107

[30]- الحداثة والهوية، ص ص 59 و60

[31]- الحداثة والهوية، ص 61