الدكتورة أسماء المرابط لمجلة "ذوات": أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني

فئة :  حوارات

الدكتورة أسماء المرابط لمجلة "ذوات": أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني

الدكتورة أسماء المرابط لمجلة "ذوات"([1]):

أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني


تعرّضت الدكتورة أسماء المرابط، الباحثة المتخصّصة في قضايا المرأة والإسلام، في الفترة الأخيرة بالمغرب، إلى هجوم شرس من قبل المحافظين، بسبب رأيها الحداثي حول موضوع الإرث، ومقاربتها لإشكالية المساواة في الحقوق من داخل المرجعية الإسلامية، وهو ما دفعها إلى تقديم استقالتها من رئاسة "مركز الدّراسات والأبحاث في القضايا النسائية في الإسلام"، التابع لـ "الرابطة المحمدية لعلماء المغرب"، والخروج ببيان ذكرت فيه أن الآراء التي عبرت عنها، أثناء مشاركتها في ندوة أكاديمية خارج المغرب بمناسبة تقديم مؤلف جماعي حول الميراث، تمثلها بشكل شخصي، ولا علاقة لها بالمؤسسة الرسمية التي اشتغلت بها بشكل تطوعي لما يقارب عشرة أعوام، وأنها تدافع عن الحقوق المشروعة للمرأة ومسيرتها التي لا رجعة فيها نحو الحداثة، وتحث دوما على القيام بـ "قراءة مقاصدية، إصلاحية وغير مسيّسة للنصوص الدينية من أجل وضع مقاربة جديدة لقضية المرأة في الإسلام"، حسبما جاء في البيان.

وفي أول حوار لها بعد هذه الهجمة، خصّت الدكتورة أسماء المرابط مجلة "ذوات" بهذا الحوار التفصيلي، الذي شرحت فيه حيثيات تقديم استقالتها، معتبرة أن قضية الإرث ليست بالمحورية، لأنّ المهم هو مقاربة التدين التي ننهجها، والتي تستوجب التغيير، حيث إن المقاربة التقليدية هي اليوم في مأزق معرفي وتأويلي.

وأضافت المرابط أن ما يُدرس اليوم في المدارس الابتدائية وحتى في الجامعات حول الإسلام، هو تقليد لما قاله السلف دون قراءة نقدية؛ مؤكدة أن التدين السليم لا يكتمل في غياب العقل النقدي وفي هيمنة التلقين على التربية الإسلامية، وأشارت إلى أن القرآن نص مقدس، وأن المشكل يكمن في فهمنا للقرآن، حيث لا مشكل لدينا مع القرآن ولا مع الإسلام كدين وكرسالة.

وأكدت المرابط بعد استعراضها لرأيها الصريح حول المساواة والإرث والتعصيب، أنها تؤمن بالمساواة مثلما تؤمن بالعدل القرآني، وأن مشكلتنا اليوم تكمن في كون علمائنا لا يحتكمون إلى الواقع، بل يظلّون لصيقين بالنص الحرفي، ولا يعترفون بحقيقة أن المجتمع تغير، وأن النساء أصبحنَ يشاركنَ بشكل كبير في التدبير الأسري.

وخلصت الدكتورة المرابط، التي ستواصل عملها الأكاديمي البحثي في موضوعة الأخلاق إلى جانب اشتغالها في مهنة الطب، إلى أن "الحجاب ليس ركنا من أركان الإسلام، بل هو حرية شخصية منحها الله سبحانه للنساء المؤمنات، وهن مخيرات حسب قراءة كل واحدة لتلك الآية القرآنية"، وأن الإصلاح الذي نتوخّاه لن يأتي من المؤسسات، بل من المفكرين والعلماء القلائل، لأن التيار الإصلاحي كان دائماً تيار أقلية أمام التيار المتشدد التقليدي، إلا أنه يترك بصمته التي تتلمسها الأجيال القادمة.

والدكتورة أسماء المرابط مغربية، تعمل طبيبة بالمستشفى الجامعي في الرباط منذ 1995 وحتى اليوم، عملت طبيبة متطوعة بمستشفيات عامة في إسبانيا وأمريكا اللاتينية. تشتغل في موضوع "المرأة في الإسلام" من وجهة نظر تحررية أساسها الانطلاق من المرجعية الإسلامية في تناول القضايا النسائية، من خلال إعادة قراءة النصوص الدينية برؤية إصلاحية.

شاركت في مؤتمرات دولية، وقدمت العديد من المحاضرات حول هذا الموضوع. عيّنت رئيسة "للمجموعة الدولية في التفكير في قضايا المرأة في الإسلام" من 2008 حتى 2010، كما عيّنت رئيسة "مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام" بالرابطة المحمدية للعلماء من 2010 حتى مارس (آذار) 2018، وهي عضو في المكتب الأكاديمي للشبكة الدولية "مساواة"، وعضو المجلس الإداري لمؤسسة الثقافات الثلاث بمدينة إشبيليا.

صدر لها العديد من المؤلفات من بينها: "عائشة أو الإسلام المؤنث" دار النشر Tawhid 2004، فرنسا، وترجم إلى الإيطالية والهولندية والاسبانية، و"القرآن والنساء: قراءة للتحرر"، دار النشر Tawhid 2007 بفرنسا. وترجم إلى الإسبانية الكاتالونية والإيطالية والإنجليزية والعربية، و"الإسلام، المرأة والغرب"، Seguier- Atlantica، فرنسا، 2010، و"النساء والرجال في القرآن: أية مساواة؟"، عن دار النشر ملتقى الطرق بالمغرب، وal-bouraq بفرنسا، و"الإسلام والمرأة: الطريق الثالث"، ترجمة بشرى لغزالي، دار مرسم 2014، و"20 سؤالا وجوابا حول الإسلام والمرأة من وجهة نظر إصلاحية "، عن داريْ النشر "كوب بابليشين" ببريطانيا و"أمريت بوبليشرز" بهولندا 2016، و"الإسلام والنساء: الأسئلة المزعجة" مطبعة "en toutes lettres" 2017، والذي حازت من خلاله على جائزة الأطلس الكبير للكتاب عام 2017، وهي الجائزة التي تمنحها المصلحة الثقافية للسفارة الفرنسية بالمغرب.

محمد معاذ شهبان: أغلب المهتمين بكتاباتك وإسهاماتك العلمية والبحثية، يتساءلون عن نقطة التحول أو بالأحرى الدّافع الذي جعلك تهتمين بقضايا الإسلام، وعلى الخصوص "إشكاليات المرأة في الإسلام"، حدّثينا عن هذا الاختيار؟ وعن بداياته؟

دة. أسماء المرابط: كثيرون يسألونني عن هذه البداية. كان دائماً لديّ إيمان عميق بالله وبكلّ ما هو روحاني، مع أنني لم أتلقّ تربية إسلامية تقليدية، ولا ثقافة تدين، لأنه في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت الظروف مغايرة. كان والِدي لاجئاً سياسياً في فرنسا، تنقلنا بين سوريا ولبنان والجزائر، وبعد عودتي إلى المغرب وزواجي، وخلال دراستي للطب، بدأت رحلة البحث عن الذات، فكانت ظروفي كامرأة مسلمة تُزعجني، حيثُ كنتُ - مثلما لا زلت- امرأة مُتحررة، وكنتُ أجد في التقاليد الإسلامية نوعا من الدونية تجاه المرأة المسلمة. وكطبيبة وطالبة حينها، كنت متأكدة أنه سيأتي وقت أبحث فيه عن هذه المسائل، حيثُ كانت لي التزاماتي الجامعية بالإضافة إلى مسؤولياتي كزوجة وأم. وشاءت الأقدار الإلهية أن تكون بدايةُ اهتمامي بالموضوع مرتبطة بحدث سياسي متمثل في حرب الخليج الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، وكنتُ حينها منكبة على دراساتي، وشعرتُ بنوع من الصدمة، فكانت تلك نقطة تحول بالنسبة إلي، فعُدت إلى حواري مع الذات وأسئلة الهوية، واعتبرتُ ما وقعَ حينها هجمة على الحضارة الإسلامية والهوية الإسلامية. وأثناء تنقلي مع زوجي - بصفته دبلوماسياً- في عدد من الدول، ولأنهُ لا يحقّ لي أن أزاولَ مهنة الطب، فقد كان لدي متسع من الوقت، بحكم تفرغي، لأشرع في البحث.

ليس هناك أيّ تناقض بين الدين والحداثة، لأنه بإمكاننا أن نكون متدينين وحداثيين في الوقت نفسه

ولأن دراساتي علمية بحثة، بحثت بطريقة جد عقلانية في القرآن والسنة النبوية، وكنتُ كلّما عدتُ إلى المغرب، كانت حقيبتي جدّ مملوءة بالكتب، فقرأت موسوعة إحياء العلوم الدينية كاملة للإمام أبي حامد الغزالي في ستة أشهر، ولكن شخصيا كأسماء المرابط، لم أكن أعلم أنني سأكتب يوماً ما.

تعرفت في أمريكا اللاتينية، عام 1996 أو عام 1997 أول مرة على اللاهوت التحرري، وكان ذلك في كولومبيا، وحدثت لي رجة إيجابية إن صح التعبير، وكانت تلك نظرة مغايرة للمسيحية التي كنت أعرفها، كما كانت مغايرة للعلمانية في أوروبا بأنها ضد الديانات، وهي مقاربة تحررية، مقاربة الدين الذي يدافع عن المستضعفين في الأرض؛ فقرأت القرآن ووجدت؟؟ ولا زلت، بأنه رسالة تحررية. وبعدها كتبت كتابي الأول، الذي كتبته لنفسي، وحينما اطلع زوجي وبعض المقربين على كتاباتي، شجعوني على وجوب نشره، حيث وجدوا أنفسهم فيما أكتبه، خصوصا النساء منهم، فكان أول إصدار لي بعنوان: "مسلمة وكفى" (Musulmane Tout Simplement)، نشر في فرنسا عام 2000. وكانت تلكَ انطلاقتي، خصوصا بعد تجاوب الكثيرين مع عملي. وبعدها عزمت على الاستمرار في هذا المسار، لأنني وجدت من خلاله إجابات عن تساؤلاتي، وحلولا لبعض الإشكالات التي اعترضتني، وأبرزها إشكالية الحداثة، لأنه في فترة معينة من حياتي، خُيّرت بين التدين والحداثة، وهو سؤال ما زال مطروحا حتى اللحظة. وبالنسبة إلي، فليس هناك تناقض بينهما، لأنه بإمكاننا أن نكون متدينين وحداثيين في الوقت نفسه، مع تحديد عن أيّ تدين وأيّة حداثة نتحدث.

محمد معاذ شهبان: تحدّثت دكتورة عن بدايات اهتمامك بقضايا المرأة في الإسلام، لهذا نودّ أن نعرف من هم الرواد الذين تأثرت بهم في هذا المجال بالتحديد؟

دة. أسماء المرابط: حقيقة أول تأثير كان هو القرآن الكريم، ثم كتبُ السيرة النبوية، لأنّني وجدت نفسي في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لكونه قدوة في مكارم الأخلاق، ثم اهتممت بالكتب الأولى لمحمد عبده كرجل النهضة في مقالاته وسيرته الذاتية كما تطرق إليها رشيد رضا. كنت أرى أنه كان بإمكان محمد عبده أن يبلغ شأنا مهما وكبيرا، إلا أن الإسلام السياسي حال دون ذلك، مثلما هو الأمر نفسه بالنسبة إلى رجالات النهضة بمصر. أذكر أيضاً علي شريعتي بروحه التحررية الإسلامية، والطاهر ابن عاشور، والطاهر حداد، وعلال الفاسي، ومحمد عابد الجابري، ثم اهتممتُ مؤخراً بكتابات نصر حامد أبو زيد.

محمد معاذ شهبان: تعرّضت في الفترة الأخيرة إلى هجوم شرس من قبل المحافظين، بسبب رأيك الحداثي حول موضوع الإرث، ما دفعك إلى تقديم استقالتك من الرابطة المحمدية لعلماء المغرب، فكيف واجهت مصادرة الرأي هذه في مغرب اليوم؟ وهل الاستقالة هي الحل برأيك؟

دة. أسماء المرابط: سأقولها لأول مرة، لأنّني لم أشرحها من قبل في البيان. الرابطة المحمدية لعلماء المغرب مؤسسة محترمة، ولكن للأسف يوجد في داخلها تيار تقليدي ومتشدّد، لم يتقبل أبداً تعييني رئيسة للمركز الذي شغلته. كان قصد الأمين العام آنذاك، فتح فضاء للدراسات الإسلامية فريد من نوعه في العالم العربي، ذلك أنها المرة الأولى التي يُحدث فيها مركز للدراسات النسائية داخل مؤسسة دينية. والذي لن أنساه أبدا، هو أنّني تعلمت الشيء الكثير من العلماء والعالمات والباحثين والباحثات في المركز وفي الرابطة، رغم أنني كنت أعلم أن هناك تياراً محافظا كان يرفضني منذ البداية. أنا لم أتلقّ دراسات إسلامية، وأقولها صراحة: أنا لست بعالمة دين، أنا باحثة وكاتبة ومفكرة.

إن قضية الإرث ليست بالمحورية، لأن المهم هو مقاربة التدين التي ننهجها، والتي تستوجب التغيير

لم أفهم ما حصل، فما نشرته لا يحمل في الأساس أية مغالطات؛ فالغلط الوحيد الذي ارتكبه محرر المقال هو أنه لم يركز على ما قلته ثلاث مرات في ذلك المؤتمر من أنني لا أمثل الرابطة، وإنما أمثل رأيي الشخصي، وقد قلتها من قبل: إنني لا أتقاضى أجرا مقابل مهمتي في الرابطة حتى أبقى مستقلة. كنت على دراية أيضا بالخطوط الحمراء المحددة، ثم إن مراجعاتي وأفكاري التحررية كان منطلقها الإسلام، وكانت دائماً من داخل المرجعية الإسلامية. كان من الممكن أن أبقى خارج المؤسسة، فيسهل علي الانتقاد والتعبير عن رأيي دون أي قيود، إلا أنني ارتأيتُ خوض هذه التجربة الفريدة من نوعها، ولأنني أردت الانطلاق من هذا السياق البيداغوجي في التحرر من الداخل، لأنني مقتنعة به وأريد إيصاله.

مناقشة الإرث إذن بعيدة كل البعد عن المؤسسة، فقد كنا نتحدثُ عن القوامة، وهو المشروع الذي كنا نشتغل عليه، إلا أننا لم نكن نشتغل على الإرث بصفة رسمية. وقدمنا كتابا جماعيا في إطار بحث في الجامعة، يتعلق بموضوع الإرث من جميع المنظورات السياسية والاقتصادية وغيرها، وشاركت فيه بمقال حول الإسلام والعدل والإرث. وأثناء المناقشة طرح سؤال حول التعصيب، وتصادف ذلك مع اقتراح منسقة الكتاب صياغة عريضة وقع عليها عدد من الأكاديميين والاقتصاديين والعلماء وشخصيات معروفة، وقد شرحت موقفي المؤيد لإلغاء التعصيب، لأن لا وجود له في القرآن، بل هو نتاج مجهود فقهي، لا يعترف به الشيعة، وقد ألغته تونس منذ ستين سنة.

حين سئلتُ عن الإرث، أجبت عنه مثلما أُجيب دائماً منذ عشر سنوات. من يقرأ كتبي، يعلم موقفي من الإرث، فما قلته حينها، أقوله دائما من داخل الرابطة وخارجها، وفي المؤتمرات الدولية، لا ازدواجية في الخطاب لديّ. لكن لديّ تساؤل حول توقيت انزعاج التيار الذي ذكرتُه والعلماء من رأيي، حيث وصل بهم الأمر إلى اتهامي بأنني أمس بثوابت الدين، وهذا خطأ كبير، وهكذا ضغطوا علي كي أستقيل. أولا بالنسبة إلي، إن قضية الإرث ليست بالمحورية، لأن المهم هو مقاربة التدين التي ننهجها، والتي تستوجب التغيير، حيث إن المقاربة التقليدية هي اليوم في مأزق معرفي وتأويلي، ولذلك لم يصدر لي كتاب عن الإرث، بل إن هذا الأخير يأتي في فصل أخير.

مشكلتنا اليوم أن علماءنا لا يحتكمون إلى الواقع، ولا يعترفون بحقيقة أن المجتمع تغير

أقول إذن لمن يدّعون إنه لا اجتهاد مع النص، وإنني أمسّ النص القرآني، إن النصّ القرآني هو منطلقي. إذا ما أخرجنا الآية المتعلقة بالإرث من سياقها، رغم أنني لا أحبذ هذه المقاربة، حيث ذكرت في كتبي أنه لا يجب إخراج الآية من سياقها ومن النظرة الشمولية للقرآن، وإذا ما رجعنا إلى ما قاله المفسرون والعلماء عبر تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا، ما دام أن المعاملات فيها دائماً علل، والعلة هنا - للذكر حظين- لأنه مسؤول مادّياً عن الأُخت، إذا كان له نصيبان ولها نصيبٌ واحدٌ، فذلك عادلٌ رغم عدم التساوي ما دام يتكفّل بها، لأنها حرةٌ في التصرف في قسمتها، وفي المقابل، فهو مطالبٌ، بل مفروض عليه أن يتكفل بها مادياً، وذلك بالنسبة إلي يحمل كثيرا من المساواة، وللأسف ذلك لا يُطبق. مشكلتنا اليوم أن علماءنا لا يحتكمون إلى الواقع، بل يظلون لصيقين بالنص الحرفي، ولا يعترفون بحقيقة أن المجتمع تغير، وأن النساء أصبحنَ يشاركنَ بشكل كبير في التدبير الأسري؛ فمن يتكفلُ اليومَ بأخته؟ إنهم يعلّلونَ ذلك بأنها ستتزوجُ. وحتى وإن تزوجتْ، فهي مطالبة اليوم، بحكم مدونة الأسرة والإكراهات السوسيو- اجتماعية، المشاركة في مصاريف البيت مع زوجها، فهي إذن شأنها شأن أخيها الذي سيتزوج أيضا. كل ما في الأمر، أننا مع تطبيق الآية بمفهومها المقاصدي، ومن استطاع التكفل بأخته فذلك أمر جيد، وإن لم يستطع، فليُعطها حقّها. هذا ما قلته بالأساس، وهو ليس خارجاً عن السياق القرآني، ولا الفقهي ولا التعليلي.

المؤسف أن من اتهمني بالخروج عن النص، وبأنني حداثية غربية، وما إلى ذلك، لم يقرأ إصداراتي ولم يناقشني، لقد قرأوا فقط عنوان المقال. المقال في كليته جيد، وأنا مسؤولة عما جاء فيه، إذ إنني أومن بالمساواة مثلما أومن بالعدل القرآني. ومن منطلق ذلك، إن كارثتنا العظمى تكمن في التربية الدينية، حيثُ نلقن الأطفال في مدارسنا، ذكورا وإناثاً، آية الميراث، دون أن نشرح لهم مقاصدها، ودون أن نفهمهم العلة، فتُغرس في عقلية الطفل أنه أهم شأنا من الأنثى، لأنه يرث قسمتين وتتكرس النظرة الدونية لدى الأنثى. تناقش اليوم أساتذة جامعيين، فيقولون بدورهم إن ذلك لا يقبل أية علة وأن الله قضى ذلك. على العكس، لقد جاء القرآن لنتفكر فيه، ومن دليل ذلك الآيات العديدة التي وردت فيها عبارة: "أَفَلَا يَعْقِلُونَ".

محمد معاذ شهبان: ذكرت في مناسبات متعددة أن التربية الدينية في مجتمعاتنا كارثة، فما وجه الكارثة فيها؟

دة. أسماء المرابط: ما يُدرس اليوم في المدارس الابتدائية وحتى الجامعات، هو تقليد لما قاله السلف دون قراءة نقدية؛ فالتدين السليم لا يكتمل في غياب العقل النقدي وفي هيمنة التلقين Endoctrinement على التربية الإسلامية، بل إن حتى من وضع النصوص أخذ بعين الاعتبار العرف والتقليد، لتصبح تلك النصوص مقدسة أكثر من القرآن. هذا ناهيك عن الصور النمطية التي تُجسدها كراسات التربية الدينية، والتي تشهد الآن تصحيحا، حيث كنا نجد الطفل يقرأ القرآن بينما تظهر الطفلة وهي تغسل الأواني في المطبخ. وأخيراً حضرت لقاء يناقش تطوير المناهج وتفاجأت بصور يظهر فيها الطفل، وهو طبيب، بينما تظهر الأنثى كممرضة، لكن هذا ليس هو الواقع. أنا طبيبة، في كلية الطب، و80 في المئة من الأطباء هم إناث، وكذلك الحال بالنسبة إلى المركز الاستشفائي، فهذه النمطية إذن، هي التي ترسخ النظرة الدونية للأنثى.

محمد معاذ شهبان: شغلت مهمة رئاسة "مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام" التابع للرابطة المحمدية لعلماء المغرب من2010 إلى مارس 2018، فما هي الإنجازات التي قام بها المركز؟

دة. أسماء المرابط: تعمل الرابطة في نطاق أكاديمي فكري، وهي لا تصدر توصيات ترفع إلى السلطة التنفيذية. وبالنسبة إلى المركز، فأنا أرى أن إشعاعه كان بارزا خارج المغرب، بحكم الشغف والرغبة في اكتشاف القضايا المرتبطة بالمرأة والإسلام، فكان أمرا جديدا أن يناقش المركز القضايا النسائية Féminisme.

ما حققه المركز هو خلق فضاء يتسع لجميع التيارات، لأن الهدف يظل واحدا، وهو النهوض بأوضاع النساء كافة.

هدفي إذن، كان محدّدا، وهو النهوض بحقوق المرأة المغربية. وقد سجلنا اهتماما كبيرا من قبل الجمعيات والجامعات، حيث عقدنا مع هذه الأخيرة شراكات، وتمكن الطلبة من التواصل مع المركز، وقاموا بدورات تدريبية، سواء من داخل المغرب أو خارجه، لأن هدف المركز كان هو تفكيك الخطاب التقليدي المتشدد والتمييزي نحو النساء. وبالفعل فقد فككنا عددا من المفاهيم والخطابات والتأويلات، التي كانت محسومة. فأن تتحول مجموعة من الذهنيات في ظرف عشر سنوات، وتنفتح فذلك إنجاز، مثلما استقبلنا نساء من الغرب: مسيحيات، يهوديات، حيث نظمنا ملتقى مهماً حول النساء في الديانات الثلاث. وهذا نوع من الانفتاح على الآخر، والبعيد عن القراءة التقليدية التي تشكل عقبة أمامنا للتعرف على الآخر، شكل نقلة نوعية للمركز.

محمد معاذ شهبان: هل هذا يعني أن المركز كان يحظى ببعض الاستقلالية الذاتية داخل الرابطة؟

دة. أسماء المرابط: نعم، بطبيعة الحال هناك خطوط حمراء، ونحن كنا واعين بعدم تجاوزها، وكنا نناقش كل المبادرات التي كان يطلقها المركز مع الأمين العام للرابطة، حيث لم يكن هناك أبدا أيّ منع. المركز كان فضاء مستقلاً، وربما هذا ما أزعج التيار المتشدد الذي ذكرته، والذي يتحسس من المواضيع التي تناقش قضايا المرأة.

محمد معاذ شهبان: خلال جلسة مناقشة حول كتاب "ميراث النساء"، قلت إن "إعطاء حصة متساوية للمرأة في الإرث في عمق مقاصد الإسلام، وليس ضده"، كيف يمكنك تفسير ذلك؟ وما هي القراءة المقاصدية الإصلاحية التي تدافعين عنها؟

دة. أسماء المرابط: كلّما تطرقت لموضوع الإرث، إلا وفعلت ذلك من منطلق قراءة سياقية. برأيي لا يمكن أن نصل إلى فهم الآية دون قراءة السياق والاجتهاد، ولهذا علينا أن نعلمَ أنّ المرأة في الجزيرة العربية، قبل خمسة عشر قرناً، كانت لا ترثُ، والأمر كذلك بالنسبة إلى الأطفال والعجزة، كون المنظومة الاجتماعية السائدة حينها كانت مغايرة تماما، وهي كانت تقضي بأن فقط من يحاربون ويحمون القبيلة، والذين لهم قوة بدنية هم من يرثون، وذلك كان عدلا في ذلك المجتمع. وعلى الرغم من أن المرأة لم تكن فاعلة، فقد جاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لتُحدث ثورة، فكانت أول آية نزلت في هذا الخصوص قوله تعالى: "للرجال نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْن"، وهي الآية التي جاءت متساوية، لهذا انتفض حينها الصحابة حول أحقية النساء في الإرث وهن لا يُساهمن ولا يُحاربن. تلك الآية بالنسبة إليّ ثورة روحانية ومادية وثقافية واجتماعية لا نستوعبها، لذلك قلتُ إن التربية الإسلامية لا تُوعينا بهذا الخصوص، لأن ما درسناه من أن وضع المرأة تطور مع مجيء الإسلام، ظل مجرد شعارات جوفاء.

نعم، الإسلام كرّم المرأة، لكن كيف؟ لا يكتملُ شرح هذه المقولة والواقع مخالف لذلك الشعار، إنها مسألة منطق. ورغم كل هذا، أعطى النص القرآني المرأة نصيبها من الإرث، وعلينا أن نعرف أن الإرث لا يأتي فقط في الآيات الثلاث المعروفات، وإنما في تسع أو عشر آيات؛ فالوصية تُحيل عليه كذلك، وحتى آية الإرث تتحدث عن ذلك: "منْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ". الوصية تأتي قبل الإرث، إلا أنه في عهد التدوين، في القرن الثامن والتاسع ميلادي، بدأت علوم الحديث تطغى على العلوم الأخرى، فحدث أن نسخوا تسع آيات أو عشر عن الوصية في حديث واحد: "لا وصية لوارث"، فكيف تُنسخ آياتٌ جاء فيها تأكيد شديد: "كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ"؟

هناك خلل إذن في الأمر، وهو ما يحتاج تفسيرا وإجابات، لكن للأسف، تأتي الإجابات على شكل اتهامات بأننا نمسّ ثوابت الدين والأمة، لكي يشحنوا المخيال الإسلامي الذي لا فكر نقدي له، إنما هو يتجاوب بالعاطفة. لذلك، أقول إننا في حاجة ماسة إلى نقاش علمي، نقاش هادئ، لأننا بصدد حالات اجتماعية، حيث يلتفّ الناس على الواقع المفروض، ويأخذون حقهم بأيديهم، أو يسجلون وصية باسم بناتهم لدى الموثق. وإذا ما طبقنا تلك الآية بعلتها التي تقول بواجب تكفل الأخ بأخته، وإن لم يستطع فليعطها حقّها إذن، ذلك ما أقوله، وأنا متشبثة بالقرآن وبالآيات القرآنية وبمقاصد القرآن.

لا مشكل لدينا مع القرآن ولا مع الإسلام كدين وكرسالة، المشكل يكمن في فهمنا للقرآن

محمد معاذ شهبان: كيف يمكن مقاربة إشكالية المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة من داخل المرجعية الإسلامية؟

دة. أسماء المرابط: أولا يحضرني تساؤل دائم عن "المساواة" كمصطلح في عالمنا العربي، والضجة الكبيرة التي يحدثها كلما ذُكر. في نقاش كبير مع علماء الرابطة، وحين ذكرت المساواة قالوا لي إنها مفهوم غربي، وأن القوامة في القرآن تتناقض مع المساواة. صحيح أن المساواة بين الرجل والمرأة لم تُذكر في القرآن، إلا أن معناها حاضر في عديد من الآيات، لذلك وجب تغيير المقاربة التقليدية التي حصرت قضايا المرأة في بعض الآيات، والتي تظل محطّ نقاش في تأويلها، وهي التي تتحدث عن القوامة، والتي تعتبر أساس المنظور الإسلامي، والتي تفسر الآيات الأخرى كنصف الشهادة، والطلاق بيد الزوج وغيرها. استخرج الفقه الأحكام من هذه الآيات الست ليحكم على المرأة بأنها في مرتبة أدنى من الرجل، كون هذا الأخير قوام عليها، وبالنسبة إليهم فتلك القوامة هي التي تبرر النصف في الإرث والشهادة، وحرموها أيضا من المناصب السياسية، وجعلوا الطلاق بيد الزوج، لأنه قوام إلى آخره، كل هذا انطلاقا من آية واحدة.

في دراستي الأخيرة "الأسئلة التي تزعج" خرجت بإحدى وعشرين آية تتحدث عن التساوي وتلك في حد ذاتها مساواة:

"الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..."- "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"...

إنها إحدى وعشرون آية تساوي بين الذكر والأنثى، فأين هو إذن فضل الرجل على المرأة؟ وحتى في الآية "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ"؛ فالآية لم تقل: "بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضهن" لكي نقول إن للرجال فضلا على النساء. وحتى محمد عبده خرج بتفسير طويل وعجيب وهو من أجمل ما يكون، حيث يقول إن فضل الرجال على النساء مثل فضل النساء على الرجال، بعض الرجال مفضلون على النساء وبعض النساء مفضلات على الرجال، "وَبِمَا أَنفَقُواْ"، وذلك هو المحور لأن الرجال حينها كانوا متكفلين بالبيت والأسرة، وذلك موجود لحد الآن، وهو ليس تشريف بقدر ما هو تكليف، إذا ما أخذنا كتاب ابن كثير المشهور، فسنجد أن لا علاقة لها بالنظرة القرآنية. وإذا ما عدنا للفضل، أقول لهم بأن يأتوني بآية تقول إن الذكر مفضل على الأنثى، بل إن معيار الفضل عند الله سبحانه أولا هو التقوى: "إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، والعلم: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ"، والعمل الصالح: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ".

وفي القوامة، جاءت كتب الفقه بمعادلة غريبة جدّا هي معادلة النفقة مقابل طاعة الزوج، ولا زالت تلك المعادلة حاضرة في ذهنية أغلب الفقهاء، ولا أثر لها في القرآن الكريم. أن يستحل فرج المرأة بالنفقة وتُطيعه في المقابل، وهو كلام غريبٌ جدّا على القرآن الذي يتحدث عن الميثاق الغليظ بين الرجال والنساء، ويتحدث عن اللباس، المحبة، المودة، السكينة، الخلق، وهي أشياء غائبة عن كتب النكاح والزواج. معادلة النفقة والطاعة جاءت في عصر الصراعات السياسية الذي كانت تسود فيه الحاكمية والسلطوية والاستبداد السياسي، وهي لم تكن في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، بل كانت الطاعة لله وحده، لذلك أعود دائما إلى المنظور التحرري، لا إله إلا الله هو التحرر من جميع الماديات، المادية السياسية والسلطة السياسية، تمازجت إذن السلطة السياسية بالدينية لتصبح طاعة الحاكم أولوية، ليشهد التاريخ الإسلامي انتكاسة انتقلت خلالها طاعة الحاكم إلى طاعة الزوجة للزوج، وهو ما أفرز مجتمعا دكتاتوريا داخل المنزل، وانتقل إلى الفضاء العام، لذلك أقول بضرورة تغيير المقاربة ككل، وعدم اختزال نظرتنا للنساء في ست آيات، فالقرآن يحمل معنى متحضرا للمساواة، وهو ما لم يتضمّنه أيّ كتاب سماوي آخر.

أتحدث عن المعروف، "فَأَمْسِكُوهُن بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُن بِمَعْرُوفٍ"، "إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِّ"، وهي كلمة وردت في سورة النساء أكثر من 20 مرة في الزواج. فأن يتم تغليب آية واحدة عن القوامة على أكثر من 20 آية عن المعروف، فذلك شيء لا يتقبله العقل السليم، وهو يبين مدى هيمنة الميزان الذكوري.

لا بدّ إذن من تغيير الإطار المرجعي للقراءة التقليدية، وتقديم مقاربات جديدة، ألخصها في ثلاث مقاربات:

- المقاربة الشمولية

- المقاربة المقاصدية

- المقاربة السياقية والتاريخية

المقاربة الشمولية هي تلك المقاربة التي تحترم النسق القرآني في مجمله، والتي تحمل مفاهيم المساواة في الخلق من النفس الواحدة والمساواة في الاستخلاف في الأرض، وهي تخص الرجل والمرأة، والمساواة في الولاية: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ"، ومفاهيم المساواة كالمودة، والرحمة، والميثاق الغليظ، اللباس، الفضل، التشاور والتراضي بين الزوجين...

والقراءة المقاصدية هي تلك القراءة التي ستحلّ لنا الكثير من مشاكل اليوم في واقع يصدمنا أحياناً؛ فمن مقاصد القرآن أنه لم يأت إلا لرفاهية الإنسان وسعادته، وإقامة العدل، ولهذا وجب رفع الحرج: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ".

أما المقاربة الثالثة، فهي المقاربة السياقية، حيث نأخذ السياق الذي جاء فيه القرآن، ونجتهد لإيجاد حلول تهم السياق، حيث سبق وأن طلب النبي عليه الصلاة والسلام من معاذ بن جبل أن يجتهد في اليمن، وهو لا زال يتلقى الوحي.

وبهذا فإن المقاربة التاريخية الأنثروبولوجية بالنسبة إلي ليست هي تلك المقاربة التي تنسخ وتدرس ما إذا كان النص التاريخي مقدسا، مثلما قال البعض، بل هناك قراءة تاريخية تحترم قدسية النص، وهي التي تهم أسباب النزول مثلما أخرجها الإمام الواحدي في القرن العاشر. علم أسباب النزول جاء لتبيان العلة وتفسيرها ورؤيتها بالموازاة مع السياق الذي نعيش فيه.

إن هذه المقاربات الثلاث هي التي توضح لنا أن قضية النساء لها ثلاثة أبعاد في القرآن:

1- البعد الكوني

2- البعد الإنساني

3- البعد الاجتماعي

البعد الكوني للمبادئ الكونية الأخلاقية التي تشكل 90 في المئة من القرآن من مبادئ العدل والإنصاف والعلم والعقل والرحمة والتقوى، وهي مفاهيم كونية بالغة الأهمية، ولا إشكال فيها، ولكنها للأسف غائبة عن مقاربات اليوم.

أما البعد الإنساني، فيبرز في المفهوم القرآني للإنسان، فلماذا كلما ذكر لفظ الإنسان في القرآن يُنظر له على أنه الرجل؟ فعندما يقول الله سبحانه: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ" فهو الإنسان، امرأة كانت أم رجلاً. يُقال أيضا إن المرأة ضعيفة، نعم في القوة البدنية، ونحن نطالب بالمساواة في الحقوق، فالسنة الإلهية قضت بنمط فيزيولوجي وخصائص مختلفة بين الجنسين، ورغم ذلك لم تأت أيّة آية في القرآن على ذكر المرأة أنها ضعيفة، بل جاء: "وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا". هناك مفهوم إنساني لم تنتبه إليه القراءة التقليدية، وهو أن المرأة إنسانة قبل أن تكون امرأة، والرجل إنسان قبل أن يكون رجلاً.

الإشكالية أيضا تظهر في البعد الاجتماعي من خلال آيات مثل القوامة والزواج والطلاق وغيرها من الآيات؛ فالقرآن لم يغير عددا من الأمور مثل العبودية التي لم يُوقفها، ولكن في الوقت نفسه لم يحث القرآن على استعباد الناس، وإنما بعث برسالة تحررية، أن فك رقبة هي غفران للذنوب وكفارة، فهو تطرق للمجتمع في واقعه وأعطى حلولاً، إلا أن الأمر تطلب من المسلمين قروناً ليقطعوا مع عهد العبودية. البعد الاجتماعي جعلته الرؤية التقليدية إطاراً مرجعياً، في حين أن الرؤية الإصلاحية التي أتبناها تقتضي عكس ذلك، لهذا وجب قراءة تلك الآيات وفق إطار مرجعي آخر، من خلال الآيات الكونية التي تحث على العدل والإنصاف والتقوى والبعد الإنساني.

محمد معاذ شهبان: دعا مجموعة من الفاعلين والنشطاء المغاربة، والباحثين في التراث الإسلامي، وأنت من ضمنهم، إلى إلغاء قاعدة الإرث المعروفة بالتعصيب، وعللتم ذلك بكون نظام التعصيب ليس فرضا إلهيا، إنما هو من اجتهادات الفقه في سياقات اجتماعية وتاريخية لم يعد لها وجود اليوم؛ فهل هذه المقاربات الحداثية ممكنة اليوم، خاصة ونحن نعيش في ظل تراجعات وتحولات كبيرة؟

دة. أسماء المرابط: التعصيب ليس نصا قرآنياً، إنما هو اجتهاد للصحابة حتمته عليهم ظروف عصرهم آنذاك لإيجاد حلول؛ فالقرآن جاء بالوصية والقسمة في الإرث وترك الخيار للفكر البشري لاستنباط الدلالات والمقاصد حسب العرف والسياق المجتمعي. نجد أن القرآن يتحدث عن الأبناء والأزواج والأب والأم والأخوات ولا يتحدث عن الجد أو العم أو ابن العم، فهي كلها اجتهادات، فحين تبين لهم أن زوجات أصبحن أرملات ببناتهن في ظل عقلية العشيرة والعصبية والعائلة الكبيرة يبقى واردا أن يأتي العم أو ابن العم لحماية تلك العائلة، وأرى ذلك عدلاً في ذلك العصر. اليوم الواقع مغاير تماما، فتجد مثلا من لا تعرف أعمامها أو أبناء أعمامها، وهي درست واشتغلت ليأتي أحد أبناء أعمامها ويستحوذ على ما آل إليها من إرث.

ما يحزّ في قلبي أن صناع القرار لا يتطرقون للتعصيب، لأنه لا يمس النخبة، إنما يمس الفقراء، وهم لا يناقشون موضوعا حسّاساً يمس المستضعفين في هذا البلد، وكمثال تجد أرملة فقيرة تكتري وبناتها الست منزلاً فيأتي أحد أبناء أعمامها ويطالبها بأن تقسم معه الملاعق والسكاكين، ويشاركها حتى في سكن المنزل، وفي الأخير يقولون إن هذا هو الدين.

المقاربة الإصلاحية ممكنة، والقوانين أساسية إلا أنها لا تكتمل دون إصلاح فكري وإصلاح للمنظومة التربوية، وهنا أحيلك على مدونة الأسرة كمثال، والتي لم تتقبلها فئة عريضة من الشعب، كونها لم تواكبها مراجعة تربوية ودراسية وتغيير في العقليات.

وبالمناسبة، إنني أتحفظ كثيراً على مصطلح "الحداثة"، فعن أية حداثة نتكلم؟ حتى الحداثة الغربية نفسها تختلف، فحداثة فرنسا ليست هي حداثة الصين، وليست هي حداثة روسيا أو أمريكا اللاتينية، هناك حداثات مختلفة توازيها مبادئ كونية في الحداثة، كالحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة، أنشد إذن حداثة بمبادئ كونية، بشرط أن تنسجم مع ثقافتي ومع مرجعيتي. لذلك، وجب معرفة عن أية حداثة نتكلم، فأنا أنهج المقاربة الحداثية المغربية التي تقبل المبادئ الكونية بما يتفق مع مرجعيتنا.

محمد معاذ شهبان: في علاقة بالحداثة، تحدثت دكتورة في مناسبات عديدة عن النسوية الإسلامية le féminisme Islamique، فما هو منظورك للنسوية الإسلامية؟

دة. أسماء المرابط: لا توجد نسوية féminisme واحدة، بل نسويات متعددة. مبادئ الحركات النسائية تأتي مطالبة بالحقوق ورفع الظلم والكرامة والعدالة والمساواة في الحقوق دون أيّ تمييز، لكن كل ثقافة وكل بلد له تيار نسوي معين، لهذا لا يمكننا أن نتحدث عن مفهوم واحد للنسوية الغربية، ففي فرنسا كمثال هناك على الأقل عشرة تيارات مختلفة، منها التيار الإيكولوجي والليبرالي والجمهوري والمتطرف، ولكل توجهه واستراتيجيته. وفي أمريكا اللاتينية هناك حركة نسائية مسيحية تنطلق من الإنجيل، وفي إفريقيا والصين أيضا، فلماذا لا تكون لدينا حركة نسائية تنبثق من المرجعية الإسلامية؟ وهذا هو الإشكال الذي أقع فيه في الخارج، حين يقولون إن عليّ أن أقبل بوجود حركة نسوية كونية واحدة ووحيدة!

أنا أتفق مع المبادئ الكبرى، إلا أن لي سياقي الخاص، ولي الحق في أن تكون توجهاتي منبثقة من تقاليدي وثقافتي بإيجابياتها وسلبياتها، لأن التغيير يأتي من الداخل.

محمد معاذ شهبان: في كتابك "20 سؤالا وجوابا حول الإسلام والمرأة"، تحدثت عن إشكالية المرأة في الإسلام اليوم، وقلت بأنها رهينة للتصورات والتأويلات المغلوطة، فهل صحيح أن المشكل يكمن في التأويلات الفقهية والتفسيرية وليس في النص القرآني؟

دة. أسماء المرابط: أكيد، ذلك منطلقي الذي لطالما أكدت عليه في مقالاتي وكتبي كمؤمنة بأن القرآن نص مقدس، المشكل يكمن في فهمنا للقرآن، لا مشكل لدينا مع القرآن ولا مع الإسلام كدين وكرسالة، وأقول دائما إن الإشكالية ليست في الإسلام، بل في المجتمع الإسلامي.

الحجاب ليس ركنا من أركان الإسلام، إنه حرية شخصية منحها الله سبحانه للنساء المؤمنات

محمد معاذ شهبان: لك رأي مثير للجدل بخصوص الحجاب، وهو رأي حداثي يرى أنه ليسَ فرضاً، وأنه ذو دلالة روحانية أكثر من كونه رمزاً مجتمعياً، كما ربطت الحجاب بالحرية، كباحثة وأكاديمية كيف تُقاربين الحجاب؟

دة. أسماء المرابط: خصصت فصولاً بأكملها للموضوع، ولي مقال منشور على موقعي الرسمي تُرجم إلى عدة لغات حول مفهوم الحجاب ما بين الأيديولوجيا المتشددة الإسلامية وبين الإيديولوجيا الإسلاموفوبية الاستعمارية. هناك إذن تياران استعملا مفهوم الحجاب كل لصالحه، تيارٌ حداثي استعماري له نظرة الاستشراق الجديد "neo-orientalism" كما جاء بها إدوارد سعيد، حيث يصف الحجاب بأنه انتكاسة للمرأة ودلالة على اضطهادها في المجتمع، وبالتالي وجب تحريرها من الحجاب كي تتحرر المرأة، وهو مفهوم خاطئ أرفضه رفضا تاما. وهناك تيار آخر إسلامي متشدد وليد الإسلام السياسي، وقد لخص شخصية المرأة كلها في الحجاب، فإن هي ارتدت بالحجاب، فهي امرأة مؤمنة مسلمة ملتزمة، وهو أمر خطير جدّاً، لأن الالتزام مرتبط بالنزاهة والأمانة والعدل لا اللباس، ثم يصف من لا ترتدي الحجاب بأنها غير مؤمنة وغير ملتزمة، وهما تياران أرفضهما تماما وأرى فيهما خللاً كبيراً، وبأنهما لا يعكسان النظرة القرآنية.

قبل القرن العشرين، لم نكن نعرف مصطلح الحجاب، ابحث لي عن مصطلح الحجاب في أمهات الكتب، لن تجد له وجوداً، لأن اللباس الذي كان آنذاك كان لباس فطرة وعفة فقط، كان لكل منطقة زيها من المغرب العربي إلى الأندلس حتى الصين المسلمة والهند، لا وجود لمفهوم حاضر للحجاب. فمع انتكاسة الحضارة الإسلامية وانتكاسة 1967 والإيديولوجيات القومية والرأسمالية كلها ظهر الإسلام السياسي الذي جعل من بين رموزه وشعاراته الحجاب، وكان رمزا للهوية ولم يعد رمز لروحانية الاسلام.

حين نعود إلى مصطلح الحجاب في القرآن، فإننا نجد أنه لا علاقة له بالحجاب الذي نعرفه اليوم نهائياً، فهو حجاب بمعنى الستار بين الجحيم والجنة، أو حجاب بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون، وهو الستار الذي أمر الله سبحانه نبيه محمد بوضعه في بيته يوم زواجه بزينب لكي يحفظ حياته الشخصية، ولا علاقة له باللباس. الآية التي ذُكر فيها لباس المرأة هي التي تطرقت للخمار في قوله تعالى في سورة النور: "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"، وهو فعلا نمط لباس في الجزيرة العربية آنذاك، ويعطي صورة على ما يطلبه القرآن، إلا أنه ليس من أركان الإسلام، ولكنه اليوم أصبح يُعدّ من أركان الإسلام. في الخطاب الإسلامي الذي طغى في السنوات الأخيرة لا تفتح كتاباً عن الإسلام والمرأة إلا وتجد الحجاب من الضروريات ومن أركان الإسلام، وقد كتبتُ مقالاتٍ بحثية عما أعتبره "un glissement sémantique" انزلاقا لغويا بين الخمار الذي أصبح يُطلق عليه حجاب، بما يعني أن هناك رغبة في حجب المرأة عن العالم والفضاء السياسي والعام، وهي نظرة ذكورية ومفهوم مغلوط.

وأعود إلى الحرية، فالخمار الذي يتحدث عنه القرآن هو لباس عفة، ولنا الحق كمسلمات مؤمنات أن نختار لباس العفة الذي يخصنا، ليس لأحد الحق في صياغة نمط معين للخمار، لأن المؤمنة التي تتشبع بالإيمان في قلبها على دراية بالعفة والحياء من خلال القرآن الكريم، فهي حرية روحانية بالأساس، ومن لم تقتنع بالحجاب، فهي ليست خارج المنظومة الإيمانية أو الإسلامية، وذلك خطأ كبير يقع فيه الكثير بتصنيفهم للنساء حسب طريقة لباسهن.

للمرأة إذن حرية الاختيار، لا يحق لأيّ أحد أن يمنع ارتداء الحجاب، مثلما يحدث للجاليات المسلمة بالخارج، وحتى هنا عندما يصفون من ترتدي الحجاب بأنها تمثيل لرمز سياسي أو أنها تخضع للعقلية الذكورية، فلا التيار الحداثي المزعوم ولا التيار الإسلامي لهما الحق في فرض ما ترتديه المرأة. وأعود لأكرر أن الحجاب ليس ركنا من أركان الإسلام، إنه حرية شخصية منحها الله سبحانه للنساء المؤمنات.

محمد معاذ شهبان: طيب، وما موقفك دكتورة حين تصادفين في لقاءاتك الدولية أولئك الذين يقولون إن الحجاب رمز للخضوع والدونية؟

دة. أسماء المرابط: أكيد، أدافع عن حرية ارتداء الحجاب، وأقول لهم إنها نظرة عنصرية، وهو الكلام الذي قلته في مناسبات عديدة، قلته في حديثي مع موقع (lemondedesreligions)، خصوصاً في الحالة الفرنسية بخلاف دول غربية أخرى، وأقول إنني أرفض أحيانا أن أخوض في هذا النوع من النقاش العقيم، لأنني لا أقبل كامرأة لها خصوصياتها، وكباحثة قضت أكثر من 18 سنة في البحث، أن تتحدثوا عن لباسي. لكن يجب أيضا أن نعترف أن المشكل فينا، فعندما يصدر قرار مثلا في فرنسا بحظر ارتداء الحجاب في المدرسة، وأنا ضده تماما لأن الحل ليس في المنع، بل في العلم، وهو الأهم. لذلك أنتقد الخطاب الإسلامي الذي يرهن التزام المرأة بدينها بارتدائها للحجاب وحده، وذلك خطأ كبير، وهنا الخطاب الديني برأيي يفتقد للأولويات.

وفي قراءتي للحجاب والخمار أعود دائماً لأقول، إن الله سبحانه وتعالى يتيح لنا ما هو أحسن ومن ذلك قوله تعالى: "وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ".

هل للباس التقوى زيّ معين؟ بل هو ما في القلوب وما في الأعمال، لذلك أقول إن الإسلام السياسي هو من خلق هذه الإشكالية. فلطالما كانت العفة والحياء جزءا من ثقافتنا وتقاليدنا، وبلدنا المغرب خيرٌ مثال على ذلك، فكل منطقة تتميز بزيها، سوس، الأطلس، الشمال، الشرق .. زيّ المغربيات معروف ومتنوع، فهذه النمطية التي يُريدون تطبيقها غريبة ودخيلة علينا.

محمد معاذ شهبان: في إصداراتك المتعددة من دراسات وكتب، والتي امتدت على مدى عقد ونصف، تبرز ثلاثية "المرأة، الإسلام، القرآن"، هل تركّزين بشكل كامل على النص القرآني كمصدر للدرس والتحليل أكثر من السُنة النبوية وباقي المراجع الدينية؟ وما فلسفتك في إعادة قراءة النصوص الدينية؟

دة. أسماء المرابط: أحاول جاهدة أن أتجاوز محور المرأة بشكل عام، لم يدُر في خلدي يوماً أنني سآتي لأدافع عن المرأة من فراغٍ عبثاً؛ فالدفاع عن المرأة والنساء في الإسلام هو دفاع عن المستضعفين ودفاع عن الرجال أيضا، إذ إن نظرتي إلى الحركة النسائية ليست هي نظرة نسوية ضد الرجال، أنا عكس هذا التيار وأنتقده بشدة، لأنني أنطلق من منظور المرجعية الإسلامية ومن منظور الإنسان، أعتبر نفسي إنسانة وأعتبر الرجل إنساناً، فحقوقنا متوازية، ولهذا يجب الدفاع عليها من داخل مرجعية الإسلام، والتي لا تتناقض مع القيم العالمية للكرامة والحرية والعدل. أريد أن أتجاوز هذه الفلسفة، لأننا نطمح لفهم أخلاقي، وهذه هي الإشكالية الكبيرة التي نواجهها اليوم، نحن نعاني ممّا أسميه تديّناً عليلاً، حيثُ نناقشُ مسائل جزئية لا معنى لها ونترك الأساس المتمثل في الأخلاق، إن لم تكن لنا أخلاق فلا تدين لنا. هذه هي فلسفتي، فلسفة إنسانية إصلاحية تنطلق من الأخلاق.

محمد معاذ شهبان: أعلنت في برنامج تلفزي سابق (قبل أن تقدمي استقالتك من الرابطة) أنك ستتركين الطب لتتفرغي لمهامك بالرابطة المحمدية لعلماء المغرب، هل تراجعت عن هذا القرار؟

دة. أسماء المرابط: حقيقة لم أتراجع، أصرّ المستشفى على ضرورة بقائي لأن اختصاصي نادر، نحن طبيبتان فقط، إذ إن تشخيص الأمراض السرطانية في الدماء اختصاص نادر في المغرب، كما أن علم البيولوجيا في المغرب بحر واسع، وأغلب الطلبة المتخرجين يفتتحون مختبرات خاصة لكن دون أن تشتمل على هذا الاختصاص. بقيت لي سنتان على التقاعد، ولا يُمكن أن أترك المرضى والأطفال ما دام لي الوقت الكافي والصحة للاستمرار في مهمتي كطبيبة.

محمد معاذ شهبان: في المقابل هل ستواصلين دكتورة البحث والكتابة؟

دة. أسماء المرابط: بطبيعة الحال، لدي العديد من المشاريع البحثية، كما تلقيت عدة عروض من جامعات أوروبية كي أنضم إليها كأستاذة زائرة، كما ستصدر لي قريبا ترجمة لكتابي "النساء والرجال في القرآن: أية مساواة؟" بالإنجليزية في الولايات المتحدة الأمريكية. مشروعي القادم سيكون حول الأخلاق بشكل عام، بين الأخلاق في القرآن وواقعنا، وذلك كي أتجاوز قضايا النساء والقرآن، فقد أعطيت في هذه القضايا وفصلت فيها بما فيه الكفاية، وأطلب من المهتمين أن يقرؤوا ما كتبته.

محمد معاذ شهبان: هل أنت متفائلة بأن قراءاتك وأبحاثك ستعطي ثمارها وتترك أثرها على المجتمع؟

دة. أسماء المرابط: عبر قراءاتي ودراساتي وكذا أبحاثي، وعبر التاريخ الإسلامي، ستُلاحظُ أن معظم المفكرين الذين يتبنون التفكير الحر وينهجون مسار الإصلاح لا يلجونَ المؤسسات، لم يكن الفكر الإصلاحي أبدا فكراً مؤسساتياً، أنا متفائلة رغم كل شيء، ويمكنني القول إن ما حدث معي يُشكل تراجعاً في الظرفية الحالية التي نعيشها..

وأقولها بصراحة، لا أظن أن الإصلاح سيأتي من المؤسسات، بل من المفكرين والعلماء القلائل، لأن التيار الإصلاحي كان دائماً تيار أقلية أمام التيار المتشدد التقليدي، إلا أنه يترك بصمته وتلمسها في الأجيال القادمة. لذلك، أملي كبير أن ما أقوم به سيلقى ثماره لدى الأجيال القادمة، لأن لدينا مكتسبات أو "طريقا ثالثا"، كما أسميها، مفتوحة أمام الجميع، وكثيرون من الشباب نساء ورجال يرون فيها الطريق الأكثر ملاءمة مع عصرنا الحالي، ولذلك سأظل متفائلة.


[1]. نشر بمجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، في العدد 47.