الدولــة المُحايدة: قراءة في الفكر الليبــرالي المعـاصـر

فئة :  مقالات

الدولــة المُحايدة: قراءة في الفكر الليبــرالي المعـاصـر

مقدمة.

تُمثِّل إشكالية مفهوم الدولة ودورها داخل المجتمع إحدى الإشكاليات المهمّة في النظرية السياسية الليبرالية. وتتمحور هذه الإشكالية في السؤال التالي: ما دور الدولة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وهل يجب أن تعتمد الدولة على المعتقدات الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمع عند اتخاذ القرارات السياسية؟

لقد اختلف المنظرون الليبراليون حول دور الدولة داخل المجتمع، غير أنّه يمكن القول بوجه عام إنّه طبقاً للأطروحات والتصورات الليبرالية المعاصرة، فإنّ الدولة يجب أن تكون محايدة في علاقتها بالمعتقدات الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمع، وفي تصورها لـ(المجتمع الخيّر). ومن هذا المنطلق فقد راح المنظرون الليبراليون المعاصرون يطرحون تصوراً للحيادية يقوم على عدم تدخّل الدولة في تحقيق ما يسمّى بـ(الخير). ونذكر من بين هؤلاء- على سبيل المثال لا الحصر- "جون رولـز" J. Rawls” (1921-2002)، و"رونالد دوركن" “R. Dworkin” (1931-...؟)، و"روبرت نـوزك" “R. Nozick” (1938-2002)، و"برايان باري" “B. Barry” (1936-2009)، و"توماس ناجـل" “T. Nagel” (1937-...؟)، و"بروس أكريمان" “B. Ackerman” (1943-...؟).

ويحاول هذا البحث أن يكشف عن طبيعة التصورات والأطروحات الليبرالية المُعاصرة حول مشكلة دور الدولة داخل المجتمع، وعلاقتها بالمعتقدات الدينية والأخلاقية السائدة في المجتمع. ولكن، وكما نرى في هذا البحث، فإنّ هذه الأطروحات لوضع تصور يقوم على حيادية الدولة تنطوي على قدر معين من الصعوبات.

أولاً: ثنائية "الحق" و"الخير".

إنّ المثل الأعلى للحياة الاجتماعية والسياسية، بالنسبة إلى المنظرين الليبراليين المعاصرين، هو أن يحدد الأفراد لأنفسهم مجموعة أُطر حاكمة ذات حد أدنى تكون مهمتها الشرعية الوحيدة هي حماية حقوقهم الفردية، كحقهم في الحياة، والحرية، والملكية الخاصة([1]).

ولذلك، فإنّ الالتزام الأساسي عند المنظّرين الليبراليين المعاصرين يكمن في حرية الأفراد في اخْتياَر نوع الحياة التي تلائمهم واختيار خيرهم الفردي الخاص، وهم بهذا يُفرّقون بين "مفهوم الحق" “the concept of the right”، وهو عبارة عن مجموعة من المبادئ المُلزمة حول العدالة والحرية والمساواة، والتي ينبغي الالتزام بها على العموم، و"مفهوم الخير" “the concept of the good”، ويتضمّن تصوّرات الأفراد حول الطريقة التي يعيشون طبقاً لها، أو طريقة الحياة التي يختارها الأفراد([2]).

ولذلك، فإنّ المجتمع الذي يؤمن به الليبراليون هو ذلك المجتمع الذي يكفل للأفراد الحريّة في اختيار نوع الحياة التي تلائمهم دون تدخّل من جانب الأفراد الآخرين أو من جانب الدولة. وهذا ما يعبّرون عنه غالباً بلغة "الحقوق": إنّ الناس لهم حقوق يستخدمونها في مجموعة أنشطتهم، والتي تُشكل بصفة خاصة عملهم الخاص وليس لأي فرد أو جهة أن تتدخل فيها. وينبغي أن تكون هذه الحقوق موضع احترام وتأمين من جانب الدولة، وهي الحقوق التي يُقرّها الدستور، والتي تضع القيود على أصحاب السلطة التشريعية والتنفيذية كي لا يخرجوا عليها.

وقد سار على هذه الطريقة معظم المفكرين والمنظرين الليبراليين المعاصرين؛ فهذا "جون رولـز" يؤكد على الحقوق الكلية والمجرّدة التي تقوم على قرارات المتعاقدين ذوي العقلانية المثالية([3]). وهذا هو "روبرت نـوزك" يؤكد على مجموعة من المسوّغات “entitlements” المُشتقَّة من العمليات المشروعة للملكية([4]). وهذا هو "رونالد دوركـن" يؤكد على مجموعة من الحقوق الأساسية للأفراد مثل الحقّ في الاهتمام والاحترام المتكافئ “the right to equal concern and respect”([5]). وفي هذه التصورات الليبرالية وغيرها نجد أنّ الحقوق هي عبارة عن مجموعة من المسوّغات الكلية تمدّ الأفراد بإطار عام يمكن من خلاله أن يختاروا لأنفسهم من بين التصورات المتنَافِسة على الخير “the good”.

وفي الحقيقة إنّ تفرقة الليبراليين المعاصرين بين "مفهوم الحق" و"مفهوم الخير" تستند في الأساس إلى تصوّرهم العام للإنسان، الذي يرتكز على فكرة "فردية الفاعل الأخلاقي" “moral agency individualism”، وهي تلك الفكرة التي تُركّز على قدرة الأفراد على التفكير العقلاني والاخْتياَر الرشيد من بين الاختيارات والبدائل المطروحة([6])، كما تستند على النظرية المُجَرَّدة عن الذات" “the thin theory of the self”، وهي النظرية التي تنظر إلى الأشخاص على أنّهم كيانات منفصلة عن السياق الاجتماعي الذي يعيشون فيه([7]).

و يؤكد الليبراليون المعاصرون على أولوية الحقوق على التصورات الخاصة حول الخير، وقد دفع ذلك ببعض نقّاد الليبرالية إلى القول بأنّ أولوية الحق على الخير تؤدي إلى إهمال الفضائل الإنسانية التي يتطلبها أيّ مجتمع سياسي فعّال([8]). وقد برهن واقع القرن العشرين على أنّ النظام السياسي لا يمكن أن يظل حياً وفعالاً إلا إذا وضع في اعتباره بجدية هذه الفضائل الإنسانية.

وهذا ما جعل المنظّرين الليبراليين يؤكدون على أهمية تطوير القدرات الأخلاقية للأفراد وتنميتها([9])، مثلما جعلهم يؤكدون أهمية الفضائل بوجه عام والفضائل السياسية بوجه خاص، وأنّها على قدر كبير من الأهمية بالنسبة إلى النظام السياسي([10]). وقد أكد "رولـز" على "أهمية الفضائل الإنسانية الأساسية في المجتمع مثل: الأدب، والكياسة، والتسامح، والمعقولية، والحس بالعدالة “the sense of fairness”"([11]) كما أكد المنظر الليبرالي "وليم جولستون" “W. Galston” على أنّ "قابلية نجاح المجتمع الليبرالي تعتمد على قدرتِه على تولِّد مواطنين فاضلين"([12]).

ثانياً: الحيادية السياسية والعلاقة بين الدين والدولة.

تعني الحيادية السياسية أنّ الدولة لا تميّز بين مواطنيها على أساس انتماءات دينية أو طبقية أو طائفية، وتقف في سياساتها وقراراتها على مسافة واحدة من جميع المواطنين. ويعرّفها "رونالد دوركن" بأنّها "عقيدة سياسية تقوم على فكرة أنّ القرارات السياسية يجب أن تكون مستقلة، كلما كان ذلك ممكناً، عن أيّ تصورات معيّنة عن الحياة الخيّرة، أو عما يجعل الحياة ذات قيمة"([13]).

وإذا كانت الحرية هي "القيمة الأساسية الكبرى في الليبرالية"([14])، فإنّ الليبراليين المعاصرين يؤكدون حرية الفرد في تشكيل حياته الخاصة من بين نطاق الاختيارات الممكنة، كما يؤكدون أنّه إذا ما كان للنظام السياسي أن يجعل الأفراد أحراراً في اختيار خيرهم الخاص، وأن يحافظوا على مبدأ الاحترام والاهتمام المتكافئ، فإنّه لا يجب على الدولة أن تَفرض أو حتى تتبنى أيّ طريقة معيّنة في الحياة.

وتعتبر فكرة "رولـز"، التي مؤدّاها أنّ النظام السياسي العادل يتطلب "حيادية أخلاقية في تعريف الخيّر"([15])، من أهمّ الأفكار التي سيطرت في الفكر السياسي الليبرالي المعاصر حول علاقة الدولة بالمعتقدات الدينية والأخلاقية. وتُعرف هذه الفكرة بـ"الحيادية الليبرالية" “liberal neutrality”، وتقوم على أساس أنّ الدولة لا ينبغي لها بأي حال من الأحوال أن تتبنى أو تعزز نمطاً معيناً من أنماط المجتمع الخيّر “the good society” على أساس أنّ بعض أشكال الحياة أجدر من غيرها بالاتباع، بل لابد أن تلتزم الحيادية تجاه كل أعضاء المجتمع في كافة معتقداتهم الدينية([16]).

إنّ الليبراليين ينظرون إلي المجتمع على أنّه يشتمل على مجالين منفصلين: مجال سياسي عامّ، ومجال خاص للدين والتصورات الأساسية عن الخير. وطالما أنّ حكم القانون محل احترام، فإنّه لا يجب على الدولة أن تتدخل في الحياة الدينية والأخلاقية لمواطنيها([17])، أو أن تُعاقب الأفراد على طريقة الحياة الدينية التي اختاروها، شريطة ألا ينتهكوا حقوق الآخرين.

ولكن ما الدور الرئيسي الذي تقوم به الدولة في توزيع الخيرات الاجتماعية؟

ثالثاً: الحيادية الليبرالية ودور الدولة في توزيع الخيرات الاجتماعية.

طبقاً للحيادية الليبرالية، فإنّ دور الدولة يقتصر على حماية حقوق الأفراد، وعدم اتخاذ أي قواعد معينة لإعادة توزيع الثروة داخل المجتمع، بمعنى أنّه لا ينبغي لها أن تجمع أموال الضرائب من مجموعة من الأفراد ثم تصرفها على الخدمات العامة والمرافق التي تشبع حاجات مجموعة أخري من الأفراد.

غير أنّ هناك شكلاً من أشكال السياسة الليبرالية، وهو سياسة "الخيرات الأساسية" “primary goods”، يُعَدُّ محايداً لأنّه يُحقق القيمة الأساسية في المذهب الليبرالي، ونعني بها الحرية المتساوية. والخيرات الأساسية هي "تلك الأشياء المادية والمعنوية التي تَمدُّ أفراد المجتمع بوسائل للحصول على الخيرات الأخرى، وتُمكّنهم من أن يكونوا مستقلين ذاتياً مهما كانت خططهم الخاصة في الحياة، وتقوم بدورٍ فعَّالٍ في تحقيق مطالبهم المتَنَوُّعة وتلبيتها. ومن أمثلة هذه الخيرات الأساسية: الحقوق، والحريات الأساسية كحرية التفكير وحرية الضمير وحرية الحركة وحرية الاختيار، والفرص والقوة، والدخل والثروة، والأسس الاجتماعية لاحترام الذات"([18]).

وهناك نوعان من الخيرات الأساسية: الخيرات الوقائية “protective goods” والخيرات التمكينية “enabling goods”. والخيرات الوقائية تتضمن إطاراً للمؤسسات والحقوق التي يستطيع الأفراد في ظلها أن يختاروا خطط حياتِهم دون أن يعيقهم أحد. وتتسم هذه الخيرات بالبعد السلبي إلى حدّ كبير. وتُنتهك الحيادية في داخل هذا الإطار عندما يَفْرض بعض الأفراد بطريقة غير عادلة تصوّرهم أو طريقتهم الخاصة لـ "الحياة الخيرة" على المجتمع بأكمله. وعلى الرغم من أنّ سياسة الخيرات الوقائية ترتبط في أغلب الأحيان بالسلطة القضائية، إلا أنّ أكثر المؤسسات الحكومية للدولة تقدّم نوعاً من الخيرات الوقائية([19]).

أما الخيرات التمكينية، فإنّها تلك الخيرات المادية والمعنوية التي تُمكن كل شخص من تحقيق خطته الخاصة في الحياة، وتتسّم هذه الخيرات بالبعد الإيجابي. ولأنّ القيمة الأساسية في العقيدة الليبرالية هي الحرية المتساوية، فإنّ كمية الخيرات التمكينية التي يجب تقديمها لكل فرد سوف تتفاوت من مجتمع إلى مجتمع آخر طبقاً للقدرة الإنتاجية، والظروف الاقتصادية في كل مجتمع. غير أنّه في ظل ظروف الندرة المعتدلة “moderate scarcity”، فإنّ الدولة يجب أن تُؤمِّن الحد الأدنى من هذه الخيرات التمكينية للجميع. وقد يرى بعضهم أنّ تلك السياسات التي تُحدّد فقط حَدًّا أدنى لائقًا من الخيرات الأساسية التمكينية ليست محايدة تجاه خطط الحياة للأفراد المختلفين في المجتمع؛ لأنّ الأفراد أصحاب خطط الحياة البسيطة قد يحققون على الأرجح أهدافَهم أكثر من أصحاب الأهداف الصعبة. غير أنّ الحيادية الليبرالية تعمل على تحقيق المبدأ الليبرالي عن الحرية المتساوية، ولا تَضْمن النجاح لهؤلاء أو أولئك. أمّا الأشخاص أصحاب الخطط الصعبة في الحياة فقد يسعون إلى إيجاد وسائل أخرى أكثر فاعلية لتحقيق أهدافِهم([20]).

ويمثل "روبرت نـوزك" الاتجاه الليبرالي المتطرف لهذا المذهب السائد في الفكر الليبرالي، حيث يرى أنّ أفضل أشكال الدول هي دولة الحدّ الأدنى “minimal State”، وأنّ الأفراد هم الأقدر على تحقيق مصالحهم بأنفسهم، وبالتالي فإنّه ليست هناك ضرورة لدولة تدخّلية كبيرة أو قويّة. وفي ذلك يرفض "نـوزك" التصوّر المحايد لـ(الخيّر)، أو أي تصور لـ(العدالة) حتى لو كان على درجة من الحياد بالمعنى الذي يراه "رولـز". ويرى أنّ تعريف ما هو (الخيّر) أو (العادل) لا يرجع للدولة، بل يرجع إلى كل فرد فينا لديه هذه المهمة. ولا توجد- في رأيه- وسيلة واحدة تحدد بدقة ما الذي (يستحقه) كل فرد من أفراد المجتمع (باسم الخيّر أو العدالة)([21]).

رابعاً: الحيادية الليبرالية والمشروعية السياسية.

يركز الفكر الليبرالي على العلاقة بين الحرية والحيادية بغرض الاهتمام بأسس المشروعية السياسية. ولقد رأينا أنّ معظم الليبراليين يؤكدون على أنّ النظام السياسي يجب أن يكون محايداً تجاه التصورات المختلفة عن الخير، كما يؤكدون على أنّ فرض أي تصور حاسم من المنظور السياسي عن الخير سوف يحابي أشخاصًا معيّنين دون غيرهم، وبالتالي سيُؤدّي إلى نظام سياسي غير مشروع. ويؤكد "رولـز" أنّ النظام السياسي لا يجب فحسب أن يكف عن تعزيز أي تصور معيّن عن الخير، ولكنه يجب أيضاً أن يمنع المؤسسات غير الحكومية من فرض فكرة معينة عن الخير على المواطنين([22]).

والمشكلة هنا تكمن في كيف يمكن للحيادية الليبرالية أن تعزز نظاماً سياسياً مشروعاً، وكيف يمكن أن تحافظ عليه وتحميه؟

تُعَدُّ محاولة "بـروس أكـريمان" “B. Ackerman” (1943-...؟) إحدى المحاولات الرائدة في الفكر الليبرالي لوضع أسس التبرير السياسي المحايد للدولة. ففي كتابه "العدالة الاجتماعية في الدولة الليبرالية"، يؤكد أنّه بوسعنا أن نضع سياسة محايدة للدولة من خلال تقييد الأفراد بالتبريرات السياسية المحايدة في ممارساتهم السياسية والاجتماعية، أي التبريرات السياسية التي لا تفترض مسبقاً أنّ أيّ مفهوم عن الخير الإنساني أرفع أو أعلى من أيّ مفهوم آخر. كما يجب عليهم ابتداءً أن يلتزموا إزاء أنفسهم بالنظم والإجراءات السياسية المحايدة([23]).

كما تُعَدُّ محاولة "تومـاس ناجـل" “T. Nagel” (1937-...؟) إحدى المحاولات الأخرى الرائدة في الفكر الليبرالي لوضع أسس المشروعية السياسية([24]). حيث يعتقد "ناجـل" أنّه يجب أن تقوم الدولة أو النظام السياسي على "الحيادية التبريرية" “justificatory neutrality”، وهي الفكرة التي مؤدّاها أنّه يجب على الدولة "أَلّا تفرض ترتيبات سياسية معينة على الأفراد على أساس أنّ بعض أشكال الحياة أجدر من غيرها بالاتباع"([25]).

ولقد وضع "ناجـل" هذه الأطروحة كالتالي: المبدأ ( أ ) هو مبدأ سياسي مشروع فقط إذا:

(1) "كان من الممكن أن يقدم للآخرين أساساً أو برهاناً لإقناعهم بمعتقداته الخاصة، ومن ثم فإنّهم عندما يقبلون هذه المعتقدات، فإنّهم يمكن أن يصلوا إلى حكم ما على الأساس نفسه".

(2) "كان من الممكن أن يقدم الشخص تفسيراً غير دائريّ “non-circular explanation” بالنسبة إلى لماذا يرفض أفراد المجتمع هذا المبدأ([26]).

يدافع "ناجـل" هنا عن المبدأ الثاني الذي يقول إنّ الأشخاص يختلفون حول أيّ التصوّرات عن الخيِّر هو التصور القيّم وكيف يمكن للشخص أن يحدد ويقرّر أياًّ من هذه التصورات هي الأجدر بالاتّباع. وفي الحقيقة إنّ الخلاف هو خلاف جِذري وعلى قدر كبير من الأهمية بحيث أنّه من المستحيل تبرير أولوية بعض الطرق في الحياة بالنسبة إلى كل الأفراد. ولذلك، فإنّه يستنتج أنّ الدولة التي تعزز بعض التصورات عن الحياة الخيّرة هي دولة غير شرعيّة؛ لأنّها لا يمكن أن تُحقق المعايير التي حددتها في المبدأ الأول: وهي أنّها قد تتصرف طبقاً للمبادئ التي يرفضها بعض الأشخاص. ومن ثم، فإنّه يجب على الدولة أن تكون محايدة.

ولكن، ما هو مفهوم "ناجـل" للتبرير السياسي "غير المتحيز"؟ لقد حاول أن يقدّم نظرية في التبرير السياسي تقوم على فكرة عدم التحيز لمصالح شخصية أو فردية بعينها، حيث يرى أنّ التبرير السياسي يفترض وجهة نظر تتسم بعدم التحيز، أي وجهة نظر من لا مكان، ومن وجهة النظر مِن لا مكان هذه يمكن أن نشتق المبادئ الأساسية للتبرير السياسي المحايد([27]).

ويحدّد "ناجـل" المبادئ التي يجب أن تتوافر في التبرير السياسي إذا ما كان له أن يكون غير متحيّز، ومن ثم يكون موضوعياً. فطبقاً له، فإنّ هناك مبدأين يجب أن يحققهما "التبرير السياسي المحايد في سياق الخلافات والصراعات الفعلية. والمبدأ الأول يحكم الأسباب التي يقدمها الشخص لتبرير معتقداته، في حين يحكم المبدأ الثاني رفض الأشخاص لمثل هذه الأسباب التي يقدمها. وأساس هذين المبدأين معاً هو أنّه في الخطاب السياسي التبريري لا يجب على الشخص أن يعرض أو أن يرفض هذه الأسباب اللهم إلا على أساس ما يدعوه "ناجـل" ممارسة لنوع من "العقلانية النقدية المشتركة" “common critical rationality” وممارسة لـ "وضع البراهين المشتركة في الاعتبار" “consideration of evidence that can be shared”"([28]).

خامساً: نقد الحيادية الليبرالية.

تركز الانتقادات الأخيرة على النظرية السياسية الليبرالية على مفهوم الحيادية؛ حيث ينتقد المفكر السياسي الكندي "وِيـل كيمليـكا" “Will Kymlicka” (1962-...؟) الحيادية الليبرالية التي تقول بأنّه لا ينبغي أن يكون هناك تدعيم أو تأييد من جانب الدولة لثقافات الأغلبية أو الأقلية على حد سواء. ويؤكد "كيمليـكا" أنّه لا مفر من تدعيم بعض أنماط الثقافات وتأييدها، وخصوصاً تلك التي تتعلق باللغة، وتعيين الحدود القومية، وتبني طريقة معينة لتوزيع الخيرات الاجتماعية. وفي رأيه، أنّ "الحيادية الصرفة" “strict neutrality” مستحيلة التحقق([29]).

كما يرفض "باتريك نيل" “Patrick Neal” الحيادية، مقومًا أساسيًّا من مقومات النظرية السياسية الليبرالية، ويذهب إلى أنّ "كل مجتمع يتشكّل خلال أنماط معيّنة من السلوكيات، والمعتقدات الثقافية والأخلاقية والدينية، والمجتمع هو بمثابة "نسيج اجتماعي" “social fabric” يمد الأفراد بالأساس الذي بناءً عليه يتخذون اختياراتهم وتفضيلاتِهم". وعلاوة على ذلك، فإنّ "الحكومة هي على الأرجح القوة الأساسية التي يمكن أن تحافظ على أنماط الحياة الاجتماعية، وفي قيامها بذلك تَكْبح بالضرورة أنماطًا معينة في الحياة. وهذا هو السبب الذي من أجله لا يمكن للنظام السياسي أن يكون محايداً حول مشكلة الحياة الخيّرة"([30]).

ويرى "دونالد مون" “Donald Moon” أنّ الحيادية متعذرة التحقيق، ويقول في ذلك: "يجب على كل دولة أن تُنظّم الفرص والإمكانيات من خلال طرق تعطي بعض التفضيل لأحد التصورات أو غيرها عن الخير"([31]).

وفي الحقيقة إنّ النقاد لا يرفضون الحيادية الليبرالية بوجه عام، ولكنهم يرفضون "الحيادية الشاملة" “comprehensive neutrality”؛ لأنّها غير متسقة مع الالتزامات الضرورية للنظام السياسي. وهم في ذلك يقبلون مفهوماً آخراً للحيادية، هو الحيادية المُقَيَّدة “constrained neutrality”، أي الحيادية المُقَيَّدة بالغرض الذي تعمل على تحقيقه([32]).

خاتمة.

عرضنا فيما سبق خلاصة عن التصوّرات والأطروحات الليبرالية المعاصرة حول حيادية الدولة، وهي الفكرة التي مؤداها أنّ الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه التصورات المختلفة عن الحياة الخيَّرة. وقد رأينا كيف اختلف الليبراليون المعاصرون حول مفهوم حيادية الدولة. كما خلصنا إلى أنّ الحيادية المُقيدة، لا الشاملة، مقوم أساسي، قويّ ومتماسك، من مقومات النظرية الليبرالية المعاصرة.

وتبيّن لنا أنّ الدولة المحايدة هي الضمان الحقيقي للمساواة أمام القانون وتعزيز الحرية وتكافؤ الفرص بين المواطنين، والحيلولة دون أن تُحتكر الدولة في سياساتها وتوجهاتها من قِبل طرف واحد أو أكثر. كما يتبين لنا كذلك أنّ الدولة المحايدة لا تلغي الدين من المجتمع، وإنّما تعمل على تحديد ما هو سياسي - المجال العام - وما هو ديني وأخلاقي - المجال الشخصي أو الخاصّ - ولا تعطى الأولوية أو الأفضلية لمجموعة من الناس، حتى وإن كانت الأغلبية في المجتمع، في مبادئ النظام السياسي ومؤسساته.

قائمة المراجـــع:

1-      Ackerman (Bruce): Social Justice in the Liberal State, New Haven, CT: Yale Univ. Press, 1980.

2-      Carens (Joseph H.): “A Contextual Approach to Political Theory”, Ethical Theory and Moral Practice, Vol. 7, No. 2 (Apr., 2004), PP. 117-132.

3-      Downing (Lyle) and Robert Thigpen: “A Defense of Neutrality in Liberal Political Theory”, Polity, Vol. 21, No. 3, (Spr. 1989), PP. 502-516.

4-      ………………..……: “Virtue and the Common Good in Liberal Theory”, The Journal of Politics, Vol. 55, No. 4 (Nov., 1993), PP. 1046-1059.

5-      Fried (Charles): “Liberalism, Community, and the Objectivity of Values”, Harvard Law Review, Vol. 96, No. 4, (Feb., 1983), PP. 960-968.

6-      Galston (William): “Liberal Virtues”, American Political Science Review, Vol. 82, No. 4, (Dec. 1988), PP. 1277-1290.

7-      Goodwin (Barbara): Using Political Ideas, New York: John Wiley and Sons, 1982.

8-      Hampshire (Stuart) (Ed.): Public and Private Morality, New York: Cambridge Univ. Press, 1978.

9-      Heyd (David) (Ed): Toleration: An Elusive Virtue, Princeton: Princeton Univ. Press, 1996.

10-  ……………………: Taking Rights Seriously, Cambridge, MA: Harvard Univ. Press, 1977.

11-  MacIntyre (Alasdair): After Virtue: A Study in Moral Theory, Notre Dame: University of Notre Dame Press,1981.

12-  Nagel (Thomas): “Moral Conflict and Political Legitimacy”, Philosophy and Public Affairs, Vol. 16, No. 3 (Sum., 1987), PP. 215- 240.

13-  ………………..: The View from Nowhere, New York: Oxford Univ. Press, 1986.

14-  Neal (Patrick): “Liberalism and Neutrality”, Polity, Vol. 17, No. 4, (Sum. 1985), PP. 664-684.

15-  Nozick (Robert): Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books, Inc., 1974.

16-  Paris (David C.): “Moral Education and 'The Tie That Binds' in Liberal Political Theory”, American Political Science Review, Vol. 85, No. 3, (Sep. 1991), PP. 875-901.

17-  Perry (Michael J.): Neutral Politics, The Review of Politics, Vol. 51, No. 4 (Autumn, 1989), PP. 479-509.

18-  Rawls (John): A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard Univ. Press, Belknap Press, 1971.

19-  ……………..: “The Priority of Right and Ideas of the Good”, Philosophy and Public Affairs , Vol. 17, No. 4, (Aut. 1988), PP.251-176.

20-  Sandel (Michael): Liberalism and Its Critics, New York: New York Univ. Press, 1984.

21-  Walzer (Michael): Thick and Thin: Moral Argument at Home and Abroad, Notre Dame: Notre Dame Univ. Press, 1994.


[1] تُعرف هذه الصورة من صور الليبرالية بـ"الليبرالية المطلقة" Deontological Liberalism” أو "الليبرالية القائمة على الحقوق" Rights-based Liberalism”، والتي يرى "مايكل ساندل" أنّها تُعَدُّ في الوقت الراهن "الصورة السائدة في النظرية السياسية الليبرالية المعاصرة".

(Michael Sandel: Liberalism and Its Critics, New York: New York Univ. Press, 1984, P. 4).

[2] Charles Fried: “Liberalism, Community, and the Objectivity of Values”, Harvard Law Review, Vol. 96, No. 4, (Feb., 1983), PP. 960-968.

[3] John Rawls: A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard Univ. Press, Belknap Press, 1971.

[4] Robert Nozick: Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books, Inc., 1974.

[5] Ronald Dworkin: Taking Rights Seriously, Cambridge, MA: Harvard Univ. Press, 1977, PP. 266-278.

[6] Lyle Downing and Robert Thigpen: “A Defense of Neutrality in Liberal Political Theory”, Polity, Vol. 21, No. 3, (Spr. 1989), PP. 509.

[7] Michael Walzer: Thick and Thin: Moral Argument at Home and Abroad, Notre Dame: Notre Dame Univ. Press, 1994, PP. 1-20.

[8] Alasdair MacIntyre: After Virtue: A Study in Moral Theory, Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1981.

[9] David Paris: “Moral Education and 'The Tie That Binds' in Liberal Political Theory”, American Political Science Review, Vol. 85, No. 3, (Sep. 1991), PP. 875-901.

[10] Lyle Downing and Robert Thigpen: “Virtue and the Common Good in Liberal Theory”, The Journal of Politics, Vol. 55, No. 4 (Nov., 1993), PP. 1046-1059.

[11] John Rawls: “The Priority of Right and Ideas of the Good”, Philosophy and Public Affairs , Vol. 17, No. 4, (Aut. 1988), P.263.

[12] William Galston: “Liberal Virtues”, American Political Science Review, Vol. 82, No. 4, (Dec. 1988), P. 1279.

[13] Ronald Dworkin: “Liberalism”, in: Public and Private Morality, edited by: Stuart Hampshire, New York: Cambridge Univ. Press, 1978, P. 127.

[14] Barbara Goodwin: Using Political Ideas, New York: John Wiley and Sons, 1982, P. 37.

[15] Rawls: A Theory of Justice, P. 404.

[16]راجع على سبيل المثال:

(Michael Perry: “Neutral Politics”, The Review of Politics, Vol. 51, No. 4 (Aut., 1989), PP. 479-509).

[17] Bernard Williams: “Toleration: An Impossible Virtue?”, in Toleration: An Elusive Virtue, ed. David Heyd, Princeton: Princeton Univ. Press, 1996, P. 22.

[18] Rawls: A Theory of Justice, P. 92.

[19] Lyle Downing and Robert Thigpen: “A Defense of Neutrality in Liberal Political Theory”, op. cit., P. 511.

[20] Ibid., PP. 511-512.

[21] Nozick, op. cit., 1974, P. 149.

[22] Rawls: A Theory of Justice, P. 448.

[23] Bruce Ackerman: Social Justice in the Liberal State, New Haven, CT: Yale Univ. Press, 1980, P. 11.

[24] لئن كان مصطلح "أكـريمان" المُفَضَّل هو السياسة "المحايدة" “neutral politics”، فإنّ مصطلح "ناجـل" المُفَضَّل هو "السياسة "غير المتحيّزة" “impartial politics”.

[25] Thomas Nagel: “Moral Conflict and Political Legitimacy”, Philosophy and Public Affairs, Vol. 16, No. 3 (Sum., 1987), P. 221.

[26] Ibid., P. 232.

[27] Thomas Nagel: The View from Nowhere, New York: Oxford Univ. Press, 1986, esp. PP. 54-66.

[28] Nagel: “Moral Conflict and Political Legitimacy”, P. 232.

[29] Joseph Carens: “A Contextual Approach to Political Theory”, Ethical Theory and Moral Practice, Vol. 7, No. 2 (Apr., 2004), P. 121.

[30] Patrick Neal: “Liberalism and Neutrality”, Polity, Vol. 17, No. 4, (Sum. 1985), P. 671.

[31] Lyle Downing and Robert Thigpen: “A Defense of Neutrality in Liberal Political Theory”, op. cit., P. 510.

[32] Ibid., P. 504.


مقالات ذات صلة

المزيد