"الدولة والسلطة والشرعية" لعبد الإله بلقزيز

فئة :  قراءات في كتب

"الدولة والسلطة والشرعية" لعبد الإله بلقزيز

 حفريات في أزمة الدولة العربية "المعاصرة":

قراءة في كتاب "الدولة والسلطة والشرعية" لعبد الإله بلقزيز


تعثّر الدولة العربية، أو بالأحرى، فشلها في تشكيل الدولة الحداثية/الحديثة، معطىً يكاد يكون حقيقة عينية في الظرف الراهن، ففي أكثر من قطر عربي نلفي ما يخرم محدّدات الدولة الديموقراطية التي تجد مرجعيتها الفكرية والتطبيقية في الغرب. فمن المحاولات الدؤوبة لإقامة نظام الخلافة، وهي في الحقيقة تعبير صارخ على الانفلات والفوضى التي تعمّ البلاد العربية، إلى الخلط بين "الدولة" و"السلطة" التي ألحّ درس سوسيولوجيا السياسة المعاصر على ضرورة الفصل بينهما، الخلط المتمثل الآن في تدخل المؤسسات العسكرية في الشؤون المدنية، مروراً على سيادة "الشرعية التقليدية" بالمفهوم "الفيبري" ـ نسبة لماكس فيبر- حيث تأسيس كيانات على أسسها الهشة التي تبدو متأخرة للغاية، سواء كتقليد عصبوي متجلٍّ في توارث "عصبية" ما لحكم السياسي، أو الشرعية الدينية التي تقوم بمهمة "حفظ الملة والدين" باسم "إمارة المؤمنين". وأخيراً، وهو الأدهى، نجد في العالم العربي تكتلات هي من قبيل "ما قبل الدولة"، حيث التناحر القبليّ على أشدّه، ووجود سلطة مركزية لا تقدّم ولا تؤخّر داخلياً.

لمَ تعثّرت الدولة العربية الحديثة، دولة الحرية والوحدة؟ سؤال طرحه الكثير في مناسبات عديدة، طرحه العروي عندما فشلت التجربة الناصرية في مصر، وقد حقّ له أن يستشكل تعثر هذه التجربة السياسية الرائدة التي قادها نظام لا نشك في نواياه الإصلاحية (الوحدة، الاشتراكية). لا يهمنا الجواب الذي قدّمه العروي، وهو في الحقيقة لا يجلي شيئاً، إذ أنّه يختزل الإشكال في بعد واحد، هو موقف الناصريين من الفكر الديني، وإنما يهمنا أن نقف عند محاولة أخرى صدرت بعد إحباط ثورة الربيع العربي في جولتها الأولى، محاولة نعتبرها جادة تستحق التحليل والمدارسة، إنّه كتاب المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز الموسوم "الدولة والسلطة والشرعية"(*).

يقع الكتاب في 222 صفحة، وهو موزّع على مقدمة وأربعة فصول. الفصل الأول بعنوان "الجيش والسياسة والسلطة: دراسة في الحالة العربية"، أمّا الفصل الثاني فوسمه "النظام السياسي العربي وأزمة الشرعية"، الفصل الثالث "الدولة وأزمة الشرعية"، والفصل الرابع عنوانه "في أزمة الشرعية الديموقراطية".

يبتدئ الفصل الأول بمقدّمة تبرّر مقاربته لوضع المؤسسة العسكرية في الوضع العربي، ولعل من أهم ما يحفز للكتابة عن الجيش هو الصمت المطبق حوله، فهذه المؤسسة تكاد تصير "طابو"، ومن يقترب من أسوار المؤسسة ويسعى لاكتشاف ما يغلي بداخلها يُتّهم بالعمالة وخدمة القوى العالمية المهدّدة للأمن القومي، ولهذا يرى الباحث أنّ هذا التقديس للمؤسسة غير مشروع، فهي مؤسسة من مؤسسات الدولة كالقضاء وغيرها، ويورد أربعة مسوغات أساسية لضرورة بحث الوضع الاعتباري للجيش:

ـ الجيش موضوع عادي من وجهة نظر علم السياسة، مثل الدولة والأحزاب والقضاء... إلخ.

ـ هذا الجيش يستهلك ميزانيات هامّة وطائلة في التسلح، وأحياناً كثيرة على حساب المشاريع التنموية، وعلى هذا الأساس فالإنسان العربي عندما يقبل بهذا الوضع فإنما يفعل ذلك بدافع من الهاجس الأمني. إنّ الجيش يحفظ أمن الدولة، ومن حق المواطن الذي يتنازل عن حقوقه الكاملة في تنمية الاقتصاد أن يعرف البدائل التي تصرف فيها هذه الميزانيات، ومنها الجيش. وهذا مندرج تحت الشفافية المنشودة الواجب تحققها في علاقة الحاكم بالمحكوم.

ـ المؤسسة العسكرية، بحكم غياب الوعي بصلاحياتها وأدوارها كما جُسّدت في الدول الغربية الديموقراطية، تتدخل في الشؤون الداخلية، بمعنى آخر أنّها تحدّد مصير الدولة وتتحكم في مساراتها. وهذا مبرر كافٍ وحده لدراستها.

ـ المسوّغ الرابع مفارقة تاريخية، لقد كانت الفترة الذهبية للانقلابات العسكرية بين سنتي 1945 و1970، وفي هذه المرحلة بالذات انتعش البحث حول المؤسسة مع خطورة الوضع، إذ من غير شك، السياسي/العسكري الذي اعتلى سدة الحكم بانقلاب عسكري سيعمل جاهداً على تضييق الخناق على كلّ الدراسات التي تلمزه. أمّا بعد هذه الحقبة فقد كان الموضوع من المسكوت عنه، مع أنّ المشهد السياسي لم يكن ليشكّل أيّ تهديد على الباحث.

ومن غايات المفكر في إثارته لهذا الموضوع أن يرسخ في حقل الدراسات السياسية العربية التمييز الغربي بين "الدولة" و"السلطة"، أو "المجال السياسي" و"السياسة"، باعتبار أنّ الأولى تنزع إلى الثبات وتكون محط إجماع مبدئي، بينما الثانية هي مجال للتنافس والتنازع المشروع والمشروط باحترام قوانين الديموقراطية. إنّ الدولة هي تعبير عن الإرادة العمومية، وعن السيادة داخل جغرافية سياسية ما، وهي تتخذ مواقف محايدة من الداخل، أي أنّها لا تتدخل كطرف في النزاعات الداخلية لصالح هذا الفريق أو ذاك، وعندما يتعلق الأمر بالجيش، فإنّ دور هذا الأخير هو حراسة الوطن من أي تهديد خارجي محتمل، وصون الأمن القومي والذود عن الشعب ضدّ أي عدوان. إنّ الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة لا السلطة، إنه مِلْك الكل ككل لا ملك لفرد أو حزب، وليس لأحد مهما أوتي من نفوذ داخل دولة معينة أن يستعين بهذه المؤسسة في غياب إجماع وطني.

الواقع العربي المشاهد، كما تدلّ على ذلك الأحداث الكثيرة، لم يستوعب هذا التمييز، وحتى إن استوعبه نظرياً فهو لا يتمثله في سلوكه السياسي. لقد صار الجيش سلطة، وهي خطوة خطيرة جداً وعواقبها وخيمة، ذلك أنّ الجيش الذي أريد له أن يحفظ الأمن القومي صار مصدر إرهاب، ما يعني أنّه ليس محط إجماع كلّ فرقاء الوطن، وهذه بوادر الانشقاق الخطيرة في الدولة، بل هي علامة فارقة لسقوط الدولة، فتأسيس الكيانات السياسية مرحلة متقدمة في تطور البشرية غايتها فضّ الخلافات وإحقاق الحق، وعندما يتسلل الفساد إلى بنية الدولة نكون في الحقيقة، مهما اتخذت المظاهر الخداعة، أمام "لا دولة"، يقول عبد الإله بلقزيز "من دون إدراك هذا الفارق في الطبيعة بين الدولة والسلطة، لا يمكن إدراك وظيفة الجيش في الدولة الحديثة على نحو صحيح، والأسباب التي تحمله على التزام موقع التعالي والحياد إزاء عملية المنافسة السياسية، بما يعنيه ذلك الحياد من إحجام صريح عن ممارسة أيّ شكل من أشكال التدخل في الحياة السياسية، أو في التأثير في مراكز القرار أو في قلب نظام الحكم".

كيف تحوّلت المؤسسة العسكرية إلى سلطة؟ يحدّثنا المفكر عبد الإله بلقزيز عن ثلاثة أشكال أو تجليات لهذا التقاطع المضني: "جيش السلطة" و"سلطة الجيش" ثم "الجيش الأهلي". في الحالة الأولى يكون الجيش منزوع المهابة، إنه لا يتعالى داخلياً باعتباره فوق الجميع، بل يتحوّل إلى أداة تستغلها سلطة سياسية معينة، أو تلمح إليه من وجه خفي في خطاباتها السياسية كورقة تهديد قد تقحمه في المجال السياسي لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة عند حدوث أي "شغب" أو "انفلات"، بمعنى آخر أنّ الجيش غير موجّه للخارج، كما هي وظيفته الأساسية، بل إلى المعارضة الداخلية التي تنازع الطبقة الحاكمة وإلى الجماهير الشعبية لقمعها في حالة ثورتها للمطالب بحق من حقوقها المشروعة. ويلاحظ أنّ هذا الجيش في الغالب يسهل اختراقه من قبل القوى الإمبريالية العالمية، إنّه رخيص إلى حد قد يتنازل عن دوره الوطني القومي ليخدم أجندات أجنبية، ويستجيب للإملاءات الخارجية إن كانت هذه القوى الإمبريالية ستحفظ امتيازاته الخاصة، وعندئذ يستحيل جيشاً لاوطنياً لاقومياً.

الشكل الثاني "سلطة الجيش"، وفي هذه الحالة لا يقتحم الجيش الحياة السياسية، ويعلو على السلطة في الوقت الذي يجب أن يكون خاضعاً لإرادتها التي هي في آخر المطاف تعبير عن الإرادة العمومية. ويرى الباحث أنّه من باب تحصيل حاصل التذكير بأنّ هذا الشكل من حكم الجيش يكون بواسطة الانقلابات العسكرية، حيث تتحول السلطة العسكرية إلى سلطة مدنية، وهي تتخذ شكلين: إمّا أن يتحكم في الحياة السياسية الجنرالات مباشرة، أو أن يعرضوا على الواجهة السياسية شخصيات مدنية لا تقدّم ولا تؤخّر، يحركها اللوبي العسكري أنّى شاء.

الشكل الثالث وهو ما سمّاه "جيش الأهالي"، وهو ناجم عن إخفاق المجتمعات العربية في إذابة النزوعات القبلية، فالغليان القبلي العنيف عندما ينفلت ويفيض يستحيل إلى تناحر بحيث يصير لكلّ قبيلة جيشٌ خاصٌّ بها. وهكذا فبدل خوصصة العنف كما هو الحال في الدول الحديثة، أي احتكار الدولة للعنف، نرى مشاعية السلاح وانتشار الميليشيات المسلحة داخل القبائل تأهباً لحسم الصراعات القبلية في غياب أيّ وسم لدولة القانون. إذاً فجيش الأهالي نجده في تلك المجتمعات التي لم تقم فيها الشروط الدّنيا للدولة، إنها مجتمعات "ما قبل دولة".

في الفصل الثاني يقارب الدكتور إشكالية الشرعية، وحسب الباحث المغربي، ما من نظام مهما كان عارياً من مشروعيته الشرعية إلا ويتوسّل بشرعيات أخرى، يمكن أن نعدّها بالمعيار الحق زائفة ومخادعة، بل إنّ هذا النظام الفاقد للشرعية الديموقراطية يتضخم لديه الشعور بضرورة إضفاء شرعية ما على نظامه. وأحياناً يستعين بالمفعول السحري للإيديولوجيا، الذي يشبه في ماهيته الأفكار الطوباوية التي تعد بالخلاص، وتبشر بالمستقبل القادم الزاهي الوردي.

وتبعاً لماكس فيبر، يقسم عبد الإله بلقزيز الشرعيات إلى ثلاث: شرعية تقليدية وكاريزماتية وعقلانية. فالشرعية التقليدية هي التي تستند إلى محددات تُعدّ بمعايير العصر متجاوزة، مثل إمارة المؤمنين أو العصبية القبلية أو الاستيلاء والغلبة. أمّا الشرعية التقليدية فتنهل من مخزون مهابة الشخصية الجذابة للقائد، بينما الشرعية العقلانية تخضع للإرادة العامة، بعد أن تتوافق على نظام الحكم في دستورها الذي يحظى بإجماع عام.

بخصوص الاجتماع السياسي العربي، يحتفظ المفكر المغربي بحضور الشرعية التقليدية في نماذج سياسية عدة، لكنه يعدل من الشرعيتين الكاريزماتية والعقلانية، فيستعيض عن الثانية بالشرعية "الثورية"، بوضعها بين مزدوجتين، فهذه الشرعية تقدّم الآمال العظام على أساس أنّها السلطة الفدائية التي قطعت مع أنظمة سياسية سابقة عاثت فساداً ونهبت الثروات وجوّعت واستبدت وخانت قضايا الأمّة، إنّ بريق هذا النظام "الثوري" غير مستمد من مراكمة المنجزات، وإنما ممّا استقرّ في اللاشعور الجماهيري من "ثورته" على النظام السابق، ومن هُنا فهو إنما يستمد شعبيته وشرعيته على نحو سالب، لقد "ثار" في انتظار أن يصلح. لكنّ الباحث يرى أنّ ما يفقد مهابة الثورة حقيقتها أنّها لم تكن انتفاضة مدنية شاركت في رسم آمالها الجماهير الشعبية، وإنما هي انقلاب عسكري نخبوي، لقد اعتلى هؤلاء سدة الحكم على ظهر دبّابة، وهو ما يضع أكثر من علامة استفهام حول محتواها الثوري.

أمّا الشرعية الدستورية فهي تحتكم صوريّاً وشكلياً للقيم السياسية المعاصرة، فتسير الحياة السياسية تبعاً للدستور وتقام انتخابات، لكن تظل كلّ هذه المظاهر سطحية، فالحداثة السياسية لم تنفذ بعد إلى صميم الحياة، نظراً لهجانة هذه الأنظمة السياسية وتلبسها بالعتاقة والتقليد، لهذا يرى الباحث في الانتخابات الرئاسية شكلاً من أشكال مبايعة الرئيس نفسه، إنّ الانتخابات هي مراسيم عصرية للبيعة.

وبخصوص سبب ضعف الدولة في الوعي العربي، فإنّ الباحث يرجع ذلك إلى عدم رسوخ فكرة الدولة بحمولتها القانونية وما يستتبعها من انضباط وانقياد والتزام في الوعي الجمعي، فالإنسان العربي لا يفتأ ينخر المنظومة القانونية عندما تكون الظروف سانحة لذلك، وسلوكه لا ينمّ عن تمثل مبدئي لاحترام القانون وسيادته عليه، ولكنّ المفكر المغربي لا يُبَرّئ الواقع الموضوعي من مسؤولية هذا الخلل، فعدم تمثل فكرة الدولة، أو اختزالها في الجانب السلطوي، أو لنقل التسلّطي، هو في الحقيقة انفصام على مستوى الوعي لما هو ماثل في الواقع. وهكذا يقول الباحث "تصطدم كلّ محاولة لتحليل أسباب ضعف فكرة الدولة في الوعي الجمعي بالحاجة إلى تحليل أسباب ضعف الدولة في الواقع الموضوعي، إذ المسألة ليست مسألة وعي وفكر قاصرين إلا بمقدار ما هي مسألة واقع يعاني عسر تحقق كيان الدولة فيه"، ولا يخفى أنّ عشق المواطن العربي لحياة الفوضى و"السّيبة" إرث ثقيل ورثه عن طبيعة الدولة التقليدية التي دامت عهوداً متطاولة، دولة تنحصر سلطتها في حدود المركز، بينما تخضع الأطراف المترامية للعرف، وتنفلت من سلطة الدولة لأنّها لا ترى فيها إلا الخضوع والمذلة؛ وأداء الضرائب والجبايات.. إلخ. وتطليق هذه الآفات التي تطبع عليها المواطن العربي يستلزم مدداً طويلة.

ليست المواريث السياسية وحدها هي التي عطلت الانتقال من نموذج الدولة الما-قبل حداثية إلى دولة الحداثة؛ دولة القانون والمؤسسات والدستور، بل إنّ ثقل الاجتماع يفعل فعلته هو الآخر، ففي الدولة العربية تتجاور البنى الاجتماعية التقليدية مع بنى الاجتماع الحديثة في وئام وسلام، بل إنّ الباحث يذهب إلى أنّ الدولة هي الأخرى تسهم في تأجيج النزعات القبلية والعصبوية وإعادة إنتاج الاجتماع التقليدي، إنّها تصمم نفسها على مقتضى التوازنات الاجتماعية حتى تحفظ امتيازاتها، وتحت مسميات "حفظ الاستقرار" و"السلم المدني". وهكذا فمن دون انصهار كلّ الروابط القبلية في بوثقة التمدن الحضاري، لا يمكن الحديث عن أيّ مسار ديموقراطي، ذلك أنّ الديموقراطية هي قبل كلّ شيء منافسة على تجاذب المواطن يتمّ على بناء حديث، أساسه المشاريع التنموية المرتبطة بالرؤية الأيديولوجية العلمانية، لا على أساس "الشرعية التقليدية" القائمة على العصبية والقبيلة والدين.

تلك كانت عوامل تندرج ضمن العوامل التاريخية والاجتماعية وكذلك الأنثربولوجيا الثقافية لفقدان الدولة "المعاصرة" الهجينة لشرعيتها، إنّها أسباب موضوعية واقعية، لكنّ قطاعاً واسعاً من المواطنين يُسقط الشرعية عن الدولة القائمة لدواع إيديولوجية مترسخة تنسدل عن قناعات فكرية. وهنا نكون أمام المقولات الأربع عن الدولة في الفكر العربي الحديث: القومية والإسلامية والماركسية والليبرالية.

في الفكر القومي الدولة القائمة قد تكون كلّ شيء إلا أن تكون الدولة الطبيعية، فدولة التجزئة التي قامت بعد اتفاقية "سايكس-بيكو" تتعارض مع التاريخ والطبيعة، وهذه الفكرة القومية تنطلق من الاقتران الماهوي بين "الدولة" و"الأمّة"، أي أنّ الدولة يجب أن يُعبّر فيها عن التطابق بين الجغرافية البشرية والجغرافية السياسية، والسيادة يجب أن تطال الأمّة كلها.

الرؤية القومية تصرّ على قيام كيان سياسي يعكس وحدة الأمّة وتلحّ على أولويته، بينما تعتبر كلّ التفاصيل الأخرى فضولاً قد تلهي عن هذا المقصد الأول، أمّا الرؤية الإسلامية فإنها، وإن كانت عند قطاع واسع من الإسلاميين تقترن هي الأخرى بالوحدة، لكن لا من منطلق قومي، بل إنّ الوحدة لا تعدو أن تكون أحد أحكام الفقه السياسي (الخلافة) المندرجة تحت الشعار الكبير "تطبيق الشريعة"، ولهذا فالأولوية عند الإسلاميين لمضمون الدولة لا لصورتها، أي لمبادئها وأحكامها ودستورها، والطعن في الدول القائمة ليس لمعطى التجزيء والانضواء تحت سقف واحد، بل لأنّها تخلّ بالمرجعية الدينية لأحكامها، إذاً الرؤية الإسلامية تعتبر الدولة القائمة منقوصة الشرعية لأنّها لا تحتكم إلى الدين، فالدين بالنسبة إليها مرجع نسقي متكامل يحكم كلّ الشؤون الحياتية.

الرؤية الليبرالية هي الأخرى تعدّ الدولة القائمة منقوصة الشرعية، لأنّها ضدّ الحرية، لكن، كما لاحظ بلقزيز، تبعا للعروي(**)، فإنّ التمثل العربي للفكر الليبرالي لم يكن سليماً، فقد شهد الفكر الليبرالي في أوروبا تطورات عدة، وقد انبصمت كلّ هذه الطفرات على الوعي العربي، فكان تمثلها مُلتبساً مختلطاً. إنّ الفكر الليبرالي العربي في بادئ الأمر كان ينظر إلى الدولة ككيان منقوص الشرعية لأنّه مجرد عن ماهيته القانونية، فليس هناك دستور ولا تمثيل نيابي ولا فصل للسلط، والحاكم يتصرف في الشؤون السياسية كما يتصرف في أي شأن خاص بلا رقابة شعبية. لكن بعد أن اطلع رواد الليبرالية في العالم العربي على الكتابات الليبرالية اللاحقة، خاصة في بريطانيا، تحول الاهتمام من "الدولة" ككيان ناقص، إلى موقفها من الفرد، فلم تعد الدولة غير شرعية لأنّها لم تستوفِ شروط وقوالب الدولة الليبرالية الحديثة بل لأنّها تحدّ من حرية الفرد، إنّها دولة متسلّطة.

في الفصل الأخير الموسوم "في أزمة الشرعية الديموقراطية"، يناقش بلقزيز نكسة الآمال العريضة التي تنسّمها العرب بعد ما سُمّي "الربيع العربي"، محاولاً فسح المجال للتحليل الفكري ليحلّق في سماء ما حدث، حتى يتسنّى لنا بلورة رؤية تستجمع كلّ خيوط الأزمة. ولهذا فهو يرى من منطلق بدئي أنّ الثورات العربية لم تفتح نافذة لقيام أنظمة ديموقراطية، بقدر ما أنّها قدّمت لنا عيّنة مختبرية لتحليل الواقع، للتفكير في أسباب فشل الثورة، ومعضلات الاجتماع السياسي المعاصر وأسبابها التحتيّة العميقة.

ولعل أول ما يطفو أمامنا من حقائق لعهد ما بعد الربيع العربي، أنّ التغيير والسير نحو الديموقراطية ليس هاجساً سياسياً فقط متعلقاً بإسقاط نظام والإتيان بآخر، بل الأحرى الاعتقاد أنّ الديموقراطية ثقافة، تربية يجب أن تكرّس على جميع المستويات، وأولها البعد الفردي، فالديموقراطية ليست مجرد آليات صورية، أو مؤسسات مفرغة من أيّ نبض ديموقراطي. لا، إنّ الديموقراطية تبدأ مع الإنسان، وعندما تتجذر في اللاشعور السياسي للمواطن، نكون قد حققنا الديموقراطية فعلاً، وإلا فهل بالإمكان بناء كيان سياسي ديموقراطي مع غياب الثقافة الديموقراطية؟ لا شكّ أنّنا في هذه الحالة نكون أمام رسم كاريكاتوري شائه للديموقراطية. وهذا بالفعل ما هو كائن في العالم العربي، يقول بلقزيز مختزلاً هذه المفارقة؛ مفارقة الديموقراطية/السياسة والديموقراطية/الثقافة: "الاستبداد ليس إفرازاً للسياسة فقط، وإنّما تتدخل فيه عوامل ثقافية".

ولنتساءل: ما الذي يفرزه وضعٌ يقرّ الآليات الإجرائية للديموقراطية كالانتخابات مثلاً، ويغفل البنى التحتية لهذا النظام السياسي؟ أول ما نقابله في هذه الأنظمة الصوريّة هو الافتئات على المجال السياسي، فاختزال النظام الديموقراطي في صندوق اقتراع، أو بعبارة أخرى، تغليب الجانب الإجرائي البعدي، يجعل مفهوم "المجال السياسي" متوارياً مخنوقاً تحت وطأة الشكليات، فلا حديث عن الأسس الدستورية التي يجب أن يقوم عليها النظام، والتي تشكّل ما يشبه الأرضية والدعامة للتنافس السياسي، وفي المقابل، يتضخم الحديث الإيديولوجي في مشاريع الأحزاب، أي تلك الشعارات البراقة التي تدغدغ الحسّ فقط، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية أو اشتراكية أو قومية، ويمكن أن نعدّ التأرجح المتنوّس للدول العربية بين النهوض والتعثر عرضاً من أعراض هذا البناء على غير أساس، يقول بلقزيز: "إنّ المجتمعات العربية لم تهتدِ حتى الآن إلى إنتاج مجال سياسي عصري".

أضف إلى ذلك أنّ الرؤية الاختزالية السطحية التي لا ترى في الديموقراطية إلا إجراء اقتراعياً تؤسس لنوع من الداروينية الاجتماعية، حيث الغلبة فيها للكمّ لا للكيف، وتتحوّل فيه السلطة إلى مجال لممارسة الوحشية السياسية، أي "البقاء للأقوى"، وللأكثر قدرة على التكيف مع واقع اجتماعي موبوء تنخره الأمراض الانتهازية بكل ما أوتي من حيل ميكيافيلية، ومن غير شك أنّ وضعاً كهذا لا يمتّ بأيّة صلة للديموقراطية، بالعكس إنّه يؤدي إلى "ديكتاتورية الأغلبية"، وحينها يصير التنكيل بالخصوم واجباً، باسم حفظ هذه الديموقراطية البلهاء.


* عبد الإله بلقزيز، الدولة والسلطة والشرعية. منتدى المعارف. بيروت. 2013. ط1

** عبد الله العروي، مفهوم الحرية. المركز الثقافي العربي. بيروت.