الدين الإسلامي في شمال إفريقيا: بين الفهم والممارسة وأسلمة البقايا الوثنيّة

فئة :  مقالات

الدين الإسلامي في شمال إفريقيا:  بين الفهم والممارسة وأسلمة البقايا الوثنيّة

مقدّمة:

يشكّل الدين المحور الأساسي في التاريخ الثقافي الإسلامي، الشيء الذي يجعل من الثقافة الإسلامية ثقافة دينية بامتياز، كما يشكّل الدين بالنسبة لكلّ مسلم، قبل كلّ شيء طريقا نحو التشبع بالورع والروحانية، من خلال مجموعة من الطقوس والممارسات والشعائر التي يقوم بها الفرد، فضلا عن كونه مرجعية ثقافية ومحدّدا هوياتيا، لكي يصبح الدين جزءا لا يتجزّأ من حياة المؤمنين؛ فالإيمان هو ما يوحّد الحركة والوحدة في المجتمع[1]، وبالتالي فالدين مصدر كلّ الأفكار والمعتقدات الأساسية لدى الإنسان[2]، حيث يصبح ضروريا للمجتمع، وهذه الضرورة تتجلى في كون أنّ الإنسان كائن طقوسي بامتياز[3]، ومن المعلوم أنّ الدين هو الإيمان بقوة علوية سامية تأمر الناس بقيم أخلاقية وأنماط سلوكية معيّنة، وتبشّرهم أو تنذرهم بحياة أخرى[4]، لكن مثل هذا التعريف قد لا يصدق على جميع المعتقدات الدينية في العالم، كما أنّ هناك مجموعة من الخصائص التي تشترك فيها جميع الديانات، قد تكون مجموعة من التعابير أو الطقوس أو الرموز التي تستدعي الاحترام، كما أنّها ترتبط بمجموعة من الطقوس والشعائر أو الممارسات الاحتفالية التي تختلف من ديانة إلى أخرى، قد يكون التقرّب إلى الله أو القوّة التي يعتقدها من يؤمنون بهذه الديانة أو تلك، سلوكا أو شعورا، مثل الصلاة، والقراءة، والترتيل، والغناء، أو الحركة الجسمانية، أو تناول أطعمة معيّنة، أو الامتناع عنها[5]، وعلاوة على هذا فإنّ الدين، كما سبق الذكر، مجموعة من الشعائر والطقوس، والأحاسيس، كما هو في تمظهراته يعني شعائر منظّمة، ويعني أشكالا محدودة ومنضبطة من الأحاسيس والمشاعر[6]. ومن خلال ما سبق، نلاحظ أنّ الدين بالدرجة الأولى واقعة اجتماعية حاضرة وقائمة في كلّ مكان على مدى التاريخ الإنساني.

من الملاحظ أنّ هناك تعاريف مختلفة وكثيرة عن الدين، وغياب تعريف موحّد بوجود بعض القواسم المشتركة بينهم، إلاّ أنّ علي شريعتي يميز بين "الدين التبريري" القائم على الشرك، و"الدين الثوري" القائم على التوحيد والمساواة والحرية، حيث كتب يقول عن الأوّل "يسعى دين الشرك دائما إلى تبرير الوضع القائم عبر ترويج المعتقدات ذات الصلة بما وراء الطبيعة، ويسعى إلى تحريف الاعتقاد بالمعاد والمقدّسات والقوى الغيبية، ويشوّه المبادئ والعقائد الدينية، ليقنع الناس بأنّ وضعهم الراهن هو الوضع الأمثل الذي يجب أن يرضوا به[7]"، أمّا الدين الثوري فقد علّق عليه شريعتي بالقول "دين يزوّد أتباعه ومعتنقيه برؤية نقدية حيال كلّ ما يحيط بهم من بيئة مادية أو معنوية، ويكسبهم شعورا بالمسؤولية تجاه الوضع القائم يجعلهم يفكّرون بتغييره"[8]، ويمكن أن نستخلص هنا أنّ الدين الثوري حسب شريعتي هو التمرّد ضدّ الوضع، وهو تحرير الإنسان وإخراجه من حالة الاستلاب، وبلغة أخرى هو الدين المعقلن الذي يترك حيّزا للتفكير، ولا يكبّل العقل ويجمّده، ولا يجعله عقل استقبال الأجوبة الجاهزة، بل يترك له مجال التفكير والنقد.

فرضت الظاهرة الدينية سلطتها على المجتمع، وجعلت الفرد كائنا طقوسيّا ومتدينا بامتياز، كما أنّ هناك علاقة وطيدة بين الدين والسياسة، إذ في بداية الأمر كانت السياسة في خدمة الدين، ليصبح الدين في خدمة السياسة، أو يصبح الدين إيديولوجية من خلاله يمكن التحكّم في عقول الناس، كلّ هذه التأثيرات جعلت الدين كظاهرة قابلة للدراسة من طرف السوسيولوجيّين، الأنثربولوجيّين، المؤرّخين، منظّري السياسة، رجال القانون، والفلاسفة... وبالتالي استطاع الدين أن يفرض نفسه، دونما عناء على أجندة العلوم الإنسانية، فخصّص كلّ فرع منها حيّزا ضخما من برنامجه لدراسة الدين، حيث ظهر ما يُعرف بسوسيولوجيا الأديان، وأنثروبولوجيا الأديان، وتاريخ الأديان، كما أنّ الفلسفة لم تسلم هي الأخرى، فظهر ما يعرف بفلسفة الدين، وسيكولوجية الدين، ومنهم من جمع كلّ هذه التسميات تحت عنوان عام وهو: "علم الأديان"، وإلى هنا يمكن أن نتساءل ما علاقة الدين بالمجتمع؟ وكيف تمّ إدخال الدين إلى شمال إفريقيا عامة والمغرب خاصة؟ وما علاقة الدين بالتقليد والحداثة؟

فتح شمال إفريقيا: بين النصّ والفهم .. الحرب والسلم

افترض الإنسان مند بدء التكوين وجود عالم علوي مفارق لعالمه الدنيوي، فزاد افتراضه أنّ هذا العالم يحكم ويسيّر العالم الدنيوي بقوّته ويرسم مصيره بقدرته، فأضفى عليه كلّ معاني التقديس والتعظيم والإجلال[9]، وأنّ كلّ ما في الأرض أو تحت القمر، محدّد برغبات السماء ومحكوم بها، لا بالمعنى الكوسمولوجي فحسب، بل وبالمعنى الكلامي كذلك؛ أي أنّ هناك تدخّلا مستمرا ومباشرا للسماء في التاريخ وفي أفعال البشر[10]، وبالتالي فالعالم العلوي مقدّس يفيض بالقوة وأنه عالم أزلي لا مرئي، وغير مادي يعلو فوق قوانين المادة والطبيعة، وفي مقابله العالم الدنيوي الذي هو عالم مادي قابل للفساد والزوال، وأنّ نهايته وشيكة جدّا[11]، كما اعتبر وسيط القرن الثاني عشر أنّ زمانهم هو شيخوخة العالم، الذي بلغ من العمر أرذله؛ أي أنه آخر الأزمان[12]؛ وأن الأنبياء والرسل هم الرابط بين هذين العالمين المختلفين، لذا فغايتهم هي تذكير الناس وإرشادهم إلى الحق وطريق المستقيم، مبتعدين عن العنف والقتال.

يمكن القول، إنّ الفهم المغلوط لبعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية جعل الدين الإسلامي في نظر الكثير من المجتمعات جريمة في حقّ البشرية، كما حدث في شمال إفريقيا، بين قادة الفتح والبرابرة، حينما اعتمد بعض الوُلاَة على السيف عوض الحكمة واللين، مع البلاد المفتوحة. إنّ الممارسة الدينية التي سلكها بعض قادة الفتح (مع ملاحظة أنّ ما يراه البعض فتحا يراه البعض الآخر احتلالا واستعمارا)، ومن بعدهم ولاة الدولة الأموية ثم الدولة العباسية في المغرب، ناتج عن سوء فهم لمفهوم الفتح، وشروطه وأخلاقياته وطريقة التعامل مع البلاد المفتوحة، مما سينتج عن هذا الأخير تجاوزات لبعض الولاة والأشخاص والأنظمة، وهي تجاوزات بعيدة عن مفاهيم الإسلام ومبادئه، كما يوصف فتح المغرب دون الفتوحات العربية الأخرى بالعقوبة الشديدة والمقاومة العنيدة من طرف البرابرة[13]، فقد تعاقب على المغرب دخلاء كثيرون، فيخضع بسهولة المتغلِّبُ اللاحق المتغلّبَ السابق، ثم يواجه الصعوبة الحقيقية ويعجز عن إخضاع السكان الأصليين، فتظهر الأحداث وكأنها تعيد نفسها[14]، فالمقاومة من طرف البرابرة اصطدمت بالفهم الخاطئ للجهاد من طرف "الفاتحين"، مما سيجعل السيف هو الحل، وبالتالي سيعرف المغربُ الإسلامَ عن طريق الحرب، كما قال ابن عذاري "ووصل بن نافع الغمري إلى إفريقيا... فافتتحها ودخلها ووضع السيف في أهلها[15]"، ثم قال أيضا "فهزمهم وقتلهم تقتيلا[16]"، وعلاوة على هذا، فقد كتب الرقيق القيرواني عن عقبة: "فرحل من طنجة إلى السوس الأدنى...فانتهى إلى أوائلهم فتلقّوه في عدّة عظيمة وقتلهم قتلا ذريعا وهرب بقيتهم وافترقت خيله في طلبهم إلى كلّ موضع هربوا إليه من الأرض"[17]، وممّا سبق نستشف أنّ الإسلام في المغرب دخل عن طريق الحرب والقتال الناتج عن سياسة بعض الولاة أو الأمراء، مما سيجعل الناس يدخلون إلى الدين وهم مكرهون، وبالتالي فإنّ الأشياء التي تفرض على الإنسان بالقوة لا يتقبّلها بشكل سليم، عكس الأشياء التي لا تفرض بالقوة، فإنّ الناس يأخذونها بطيب خاطر.

إكراه الناس على الإسلام يجعلهم لا يأخذونه كلّه وبشكل سليم؛ بل يؤخذ جزءا دون الأجزاء الأخرى، ذلك أنّ الإسلام هو الكلّ المنسجم الذي إذا ما حذف شيء منه يصبح ناقصا ومشوّها. وعودا على بدء، فإنّ المغاربة أخذوا الإسلام لكن حافظوا على معتقداتهم وأعرافهم وطقوسهم التي هي أنماط من العمل المتكرّر في نوع من الثبات[18] داخل الإسلام، وبالتالي ستستمر القدامة أو التقليد داخل الحداثة في المجتمعات المغاربية عامة، مما سيفرز إشكالية بين مضامين التقليد والتحديث[19]، كما يمكننا أن نعثر باستمرار على أشكال غريبة من المزاوجة بينهما، ويصبح تكيف أو تغليف القديم بالجديد، هو بمثابة ردّ فعل دفاعي على عنف التغير الذي يستهدف الذات والهوية ويحاول اجتثاثها من جذورها، هو ما أسمته "جان فافري" le traditionalisme par excès de modernité[20]، وهذا ما يجعل المجتمع في مستويات معيّنة، وكأنّه يقاوم ويساوم التغيرات الجارفة، وسيتمسّك بالماضي، ويفضّله على مغامرة التحوّل نحو المستقبل المجهول، لذلك سيعتبر الناس أنّ طقوسهم ومعتقداتهم هي امتداد إجرائي لما كانوا يعتقدونه قبل الإسلام، واسترجاعا جماعيا لأصول الأسطورة[21]، كما سيتمّ الاحتفاظ بالطقوس القديمة داخل الإسلام، نظرا إلى أنّ الطقس هو الطابع الاحتفالي الجماعي المنظّم الحامل لأبعاد رمزية وخصائص مشتركة يتقاسمها أفراد مجموعة بشرية[22]، ويمكن أن نستنتج مرّة أخرى، أنّ ما عرفه المجتمع المغربي من حرب واقتتال جعلهم يسلمون ظاهريا، وهذا نتج عنه بالضرورة ما يسمّيه الراحل "بول باسكون" Paul Pascon بـ "ديمومة المصطلح[23]"، كحالة تؤشّر على الحياد أمام الجديد، وبالتالي يظهر ما يسمى بـ "الإسلام الشعبي" أو "التاريخي" عوض الإسلام الأرثوذوكسي، فهذا الأخير مجموع نصوص قرآنية وأحاديث نبوية، وهو وحده يمثّل الإسلام "الحقيقي". أمّا الإسلام الأول، فإنّه لا يعني الإسلام إلا ظاهريا[24]. أمّا في العمق، فلا يزال هناك حنين إلى الماضي والمعتقدات الوثنية، لأنّ الفرد لم يستطع التخلّص بشكل نهائي مما كان يعتقده في السابق، وذلك راجع أيضا إلى أنّ عقبة بن نافع كان يكتفي بالفتح دون تعليم الناس أصول الدين، والكتابة والقراءة، حيث كان ينقض على المدائن محاربا مقاتلا، ويلبث على ذلك فترة ثمّ ينصرف، دون أن ينتهي مع أهل البلدة إلى شيء معلوم[25]، فقد كان همّه الوحيد هو الفتح أكثر من أي شيء آخر، وعلاوة على هذا فزمن عقبة كان في عهد الدولة الأموية، مع حكم عبد الملك بن مروان (75_95هـ /695_714م)، حيث كثر الاضطهاد ضدّ المعارضين للولاة الأمويين في بلاد الجزيرة العربية[26]، كما أنّ عقبة كان عسكريا عنيفا في سياسته، ذلك العنف الذي عبّر عنه ابن الأثير عندما قال: "وقتل المسلمين فيهم حتى ملّوا"[27].

إنّ ما قدّمناه من نصوص يدين بشكل صريح سياسة عقبة بن نافع في بلاد المغرب، وتعامله مع سكّانه، وكيفية فهمه للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وبالتالي فالمؤسسة العسكرية طغت على المؤسسة الدعوية، وهذا يتنافى مع مفهوم الفتح وشروطه وقوانينه وأخلاقه التي وضعها الإسلام، فالتجاوزات التي قام بها بعض القادة والولاة بعيدة كل البعد عن مفهوم الإسلام ومبادئه السمحاء، لأنّ هذه التجاوزات يستغلها أعداء الإسلام لتشويه التاريخ الإسلامي[28]، فيتمّ ربط تجاوزات أشخاص بالإسلام وكأنه هو المسؤول عن هذه الخروقات إلاّ أنّه بعيد كلّ البعد عن هذا.

الدين الإسلامي والبقايا الوثنية: الأسلمة والاستمرارية وتفاعل المعتقدات

عندما وصل الإسلام إلى الشمال الإفريقي وجد دينا بربريا "أمازيغيا" متميّزا ومتماسك البنيات، له طقوس وممارسات كما له تاريخه الخاصّ به؛ أي أنّ له جذورا عريقة، حيث صعب على الدين الجديد "الإسلام" اجتثاث الدين القديم البربري وإبادته بشكل كلّيّ ومطلق. فالعرب المسلمون لمّا دخلوا المغرب لم يجدوه أرضا خلاء؛ بل وجدوا أناسا لهم نظامهم القيمي والأخلاقي والاعتقادي والطقوسي، وبالتالي فهم مختلفون بشكل جذري وصارخ عن الدين الجديد، فهذا الأخير (الإسلام) حاول إزالة ما أسماه بالوثنية، وترسيخ قيم وضوابط واعتقادات جديدة، مما نتج عنه ثنائية إشكالية بين مضامين التقليد والتحديث، إلاّ أنّ قوة التقليد؛ أي القديم ومقاومته ظلت ثابتة إلى حد نستطيع فيه أن نتحدث عن حركية التقليد، فالإسلام لم يكن بوسعه القضاء على جميع الطقوس الوثنية القديمة، وبالتالي فقد تمت أسلمتها[29]، بعد صراع عنيف بين المعتقدات الوثنية القديمة والمعتقدات التوحيدية الجديدة؛ أي بين المعتقدات المحلية والأخرى الدخيلة، مما سيفرز استمرارية التقليد داخل التحديث، أو نعثر على أشكال من المزاوجة بينهما، فهما يتعايشان جنبا إلى جنب، إذ اندمجت المعتقدات مع ما جاء به الإسلام لدرجة بات يصعب التميز ضمنها بين القديم والجديد، وبين الأصيل والدخيل، ومن هنا سيتعايش الدين الإسلامي مع ممارسات وطقوس جماعية تنتمي إلى حقب تاريخية موغلة في القدم[30]، وبالتالي سينبثق منه دين شعبي شفاهي فيه نوع من المراوغة وتغليف القديم بالجديد، وآخر أرثوذوكسي كتابيّ حقيقي[31].

نؤكّد مرّة أخرى، أنّ الدين الإسلامي لم يستطع في المجتمع المغربي إزالة الدين القديم، لأنّ هناك مستويات من المجتمع تقاوم التغير باستمرار[32]؛ أي لا وجود لتغير جذري، لأنّ المجتمع في "تطوّره" الخاص يتجاوز ماضيه، لكن تبقى دائما مخلّفات تستمر وتؤدي وظائفها، ووفقا لما أوضحه R. Brown هناك دائما شيء مستمر في البنية الاجتماعية، وهذا ما لاحظناه في المجتمع المغربي من استمرار للوثنية داخل الإسلام، وذلك يتجلّى في زيارة الأضرحة والأولياء، والمزاوجة بين المقدّس والمدنس، والإيمان بالسحر والعين والأرواح الشريرة، وما إلى غير ذلك. وهذا ما أكّده إدوارد فسترمارك في الرسالة التي كتبها إلى صديقه Alan Gardner، حيث يقول فيها: "لقد أعجبت بهذا البلد إعجابا شديدا لدرجة أنني غير قادر على مغادرته، حتى بعد أن استكشفته في جميع اتجاهاته وجمعت عددا كبيرا من المعطيات حول دين هؤلاء القوم، وأقصد بذلك دينهم في الحياة الواقعية (their real religion) أي معتقداتهم في الأرواح الشريرة والسحر والأولياء..."[33] كما أنّ بول باسكون يتحدّث عن بلاد مئة ألف وليّ. فإذا كانت الجزيرة العربية بلاد الأنبياء، فإنّ المغرب هي بلاد الأولياء، إذ يعتقد المغاربة أنّ الأولياء يصطفيهم الله[34]. فالولي، إذن، هو الرابط والوسيط بين الله وعامة الناس؛ إنّه يقوم بالدور الذي يقوم به الكهنة بردم الهوة التي بين الله وعبده، وبالتالي، فجلّ سكّان المجتمع المغربي يعتقدون أنّ للولي سلطة، وهذه الأخيرة تقوم على "البركة" التي تخوّل لبعض الكائنات أو الأشياء قوة خارقة من مصدر إلهي[35]، وأنّ الله هو مصدر الوليّ[36]، مما يجعله في مرتبة مقدّسة وجب الخضوع له والاستسلام والاحترام أكثر من أي شيء آخر، وبالتالي فـ "القوة" التي يملكها الولي في اعتقاد الناس هي قادرة على أن تشفي من جميع الأمراض، كما أنّ دعواته مستجابة ومقبولة عند الله، علاوة على أنّ هذا التقديس صاحبه مجموعة من الطقوس اللاعقلانية، من تقديم القرابين والذبح للوليّ وإقامة مهرجانات فلكلورية له. إنّ معظم هذه الطقوس كانت في الأصل ذات مغزى ديني، ثم تحوّلت إلى مجرّد طقوس سحرية، فعبادة الأولياء والسحر والاعتقاد بالجنّ والتضحية بالطيور ذات ألوان معينة لإرضاء الجن وعائشة قنديشة...، كانت موجودة في شمال إفريقيا قبل وصول العرب إليها[37]، وبالتالي فإنّ الظاهرة السحرية لم تكن غريبة عن المجتمع المغربي، وأنها تركت بصماتها في الذهنية المغربية[38]، فهي تشكّل جزءا لا يتجزأ من معتقداتهم وطقوسهم الدينية[39]، وأنّ للجن "قوة" خارقة تمكّنه من إشفاء الناس من الأمراض المستعصية واستشراف المستقبل وجلب الحظّ وإبعاد سوء الطالع، والإيمان بالعين الشرّيرة الحاملة للمتمنّيات العدائية التي تمتلك طاقة فوق طبيعية، وبالتالي لا يسعنا إلاّ القول بأنّ البربر قد هدفوا إلى إصلاح الإسلام وجعله ملائما للطبيعة البربرية[40]، أي هناك تداخل بين الدين والسحر داخل الطقوس الدينية للمغاربة، بمعنى الحضور القوي للبقايا الوثنية داخل المعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة بها. وفي هذا الصدد نجد أنّ إدموند دوتّي يقول: "فعندما يتغيّر المعتقد يستمرّ الطقس في الوجود ويبقى كما تبقى تلك الصدفات الأحفورية للرخويات الغابرة التي تساعد على تحديد الفترات الجيولوجية، فاستمرارية الطقس إذن هي سبب وجود هذه البقايا المتناثرة هنا وهناك"[41]، فلم يستطع الإسلام القضاء على تلك البقايا بشكل نهائي، ومن خلال هذا نستنتج أنّ للطقس قدرةً على الاستمرارية؛ أي يشكّل نوعا من المخاتلة والمراوغة، ويرى إدوارد فسترمارك أيضا أنّ العار يمثّل اعتقادا وثنيا ضاربا في القدم ترجع جذوره إلى العرب القدماء وإلى جميع الشعوب الإفريقية القديمة[42]، كما يعدّ في المجتمع المغربي من أقوى وأبرز أشكال اللعنة الذي يمكن أن تؤذي الآخر، فهذه الأشكال الشعبية للممارسات الدينية التي غالبا ما تتقوقع خارج دائرة الإسلام الفقهي، حافظت على وجودها داخل الإسلام. ومرّة أخرى، يمكن القول إنّ البرابرة قاوموا الإسلام من أجل المحافظة على عاداتهم القديمة[43]، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى سكونية الثقافة الدينية والتناقض الصارخ في الإسلام من خلال الجمع بين الشيء ونقيضه، والجمع بين المقدّس والمدنّس في نفس الوقت، ممّا ينتج عنه تشوّه لمفهوم الإسلام.

الخاتمة:

تتمثّل مهمّة السوسيولوجي في دراسة الواقع الإنساني في مختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والتاريخية والفكرية والدينية، كما ليست هناك حدود تفصل علم السياسة وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، لكن نادرا ما تستعمل الأبحاث الميدانية تلك التخصّصات الثلاثة في آن واحد[44]، خاصة وأنّ الدين الإسلامي فرض سلطته على أجندة العلوم الاجتماعية، وأصبح ظاهرة قابلة للدراسة، ويشكل الموضوع الأساسي لكل الفلاسفة والمفكّرين والمثقّفين، وبالتالي فهو يستقطبهم على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية والفكرية، وعلى اختلاف وجهات نظرهم، وكلّهم يبحثون ويفتشون عن تاريخه، وأنواعه، ونشوئه وتطوّره عبر الزمان والمكان، وعن التطوّرات والتحوّلات التي مارسها الدين عن الشعوب.

إنّ التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، جعلت منه موضوعا للدراسة من طرف مجموعة من الباحثين الأجانب، حيث استقطب خلال الفترة الكولونيالية أكبر عدد من الباحثين بالمقارنة مع كلّ المستعمرات الفرنسية الأخرى[45]، وتمّ التطرّق إلى الحياة الدينية بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة، وبالتالي فقد استفاد جلّ الباحثين المغاربة من هذه الدراسات حيث مكّنتهم من فهم بنيات المجتمع المغربي، وكانت بمثابة نقطة بداية بالنسبة لبعض الأبحاث الأخرى.

عودا على بدء، يمكن القول أنّ الدين الإسلامي عند دخوله إلى المغرب حاول إزالة كلّ الأشكال الوثنية، لكن هذا الأمر بقي مستعصيا عليه إلى يومنا هذا، فالعادات الشعبية هي الأفعال الاجتماعية المتكرّرة التي يمارسها الأعضاء المختلفون في الجماعة أو المجتمع المحلي، فهي النموذج، كما أنها تميل إلى الإبقاء على ميكانيزمات التوافق، وتصبح منظَّمة في أنساق متساندة[46]، وقد نجح العرب خلال فترة الفتح في إدخال كل شعوب الإسلام في نطاق اللغة العربية، فاستعربت إلاّ بلاد إيران التي انتعشت فيها اللغة الفارسية، وتبع ذلك عجز العرب عن ألسنة الأتراك[47]، وهذا إن دلّ فهو يدلّ على أنّ الإسلام لم يكن أمرُ "الفتح" سهلا عليه بل واجهته كلّ قوى المعارضة للتغيير.


[1]- علي شريعتي: "العودة إلى الذات"، ترجمة: إبراهيم الدسوقي، الزهراء للإعلام العربي، ط 1993، ص 146

[2]- جون بول ويليم: "الأديان في علم الاجتماع"، ترجمة: بسمة علي بدران، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 1421هـ_2001م، ص 11

[3]- شكري بوشعالة: "الدين وطقوس العبور"، دراسة مقارنية بين الرسالات السماوية، مؤسسة مؤمن بلا حدود للدراسات والأبحاث، ص 1

[4]- انتوني غدنز: "مدخل إلى علم الاجتماع"، ترجمة وتقديم: فايز الصباغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط الرابعة، ص 569

[5]- نفس المرجع ص 570

[6]- ألفرد هوايتهد: "كيف يتكوّن الدين"، العقيدة والمجتمع والتاريخ، مجلّة التفاهم، السنة الحادية عشر، شتاء 2013م/1434هـ، ص 426

[7]- علي شريعتي: "دين ضدّ الدين"، ترجمة: حيدر مجيد، دار الميسرة، 2003، ص 43

[8]- نفس المرجع ص 40

[9]- علي أسعد: "البنية الرمزية والأسطورية للمقدّس"، حضور المقدس وانصهاره في الثقافة العربية المعاصرة. ضمن مجلّة "إضافات" العدد الثامن، خريف 2009، ص 35

[10]- G. Pattaro. la conception chrétienne du temps , in: Les cultures et les temps, Ouvrage collectif, UNECO Paris, 1975, p 194.

[11]- K. Pomian, L’ordre du temps, Paris ; 1984, p 40.

[12]- J. Le Goff, La civilisation de l’occident médiéval, Paris 1982, p 141-142.

[13]- سعد زعلول عبد المجيد: "تاريخ المغرب العربي"، الجزء الأول، منشأة المعارف، 1979، ص 129

[14]- عبد الله العروي: "مجمل تاريخ المغرب"، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثالثة، 1992، ص 98

[15]- ابن عذاري المراكشي: "البيان المغرب"، الطبعة الأولى بيروت، 1985، ص 19

[16]- نفس المرجع السابق، ص 24

[17]- إبراهيم بن القاسم الرقيق القيرواني: "تاريخ إفريقية والمغرب"، تحقيق عبد الله العلى الزيدان، وعز الدين عمر موسى، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، 1990، ص ص 14- 15

[18]- Jen Cazeneuve, "Sociologie du rite", Paris PUF, 1971, p 13.

[19]- يؤكّد مختار الهراس أنّه إضافة إلى التقليد، هناك التقلدة (Tradionnalisation) كإعادة لصياغة التقليدانية او التقليداوية (Tradilonalisme) اختيارا واعيا لصالح التقليد من داخل التقليد: مختار الهراس "ملاحظات حول التقليد والتحديث والتغير في المجتمعات العربية"، مجلة الوحدة، السنة 5، عدد 57. 1989، ص 8

[20]- جان فافري: "التقليداوية والتحديث المعاق"، الأنثروبولوجيا والتاريخ، ترجمة: عبد الأحد السبتي وعبد الطيف الفلق، دار توبقال للنشر، ط 1، 1988، ص 90، 91

[21]- راجع نور الدين طوالبي: "الدين والطقوس والمتغيرات"، ترجمة: وجيه البعيني بيروت، باريس منشورات عويدات، ديوان المطبوعات الجماعية، الجزائر ط 1، 1988، ص 9

[22]- شكري بوشعالة: "الدين وطقوس العبور"، مرجع سابق، ص 3

[23] -PaulPascon: «la nature composite de la société marocaine»: BESM, No: 155-156. janv. 1986. p 214

[24]- عبدالله العروي: "الإيديولوجية العربية المعاصرة" ترجمة محمد عيتابي، الطبعة الأولى، 1970، دار الحقيقة بيروت، ص 78

[25]- حسين مؤنس: "فتح العرب للمغرب"، مكتبة الثقافة الدينية، ص 203

26- موسى بن خميس بن محمد البوسعيد: "تأسيس المدن الإسلامية في شرق إفريقيا"، مجلة التفاهم، السنة الحادية عشر شتاء 2013م/1434هـ، ص 397

[27]- سعد زغلول عبد الحميد: "تاريخ المغرب العربي"، الجزء الأول، منشأة المعارف، 1979، ص 203

[28]- أحمد الزاهد "الغزو العربي لشمال إفريقيا"، بين نبالة النص ودناءة الممارسة، مؤسسة تاوالت تامغناست، ص 9

[29]- Edmond Doutté, Magie et Religion en Afrique du nord, Maisonneuve, P.Guenther. Paris ,1984 (Publié la première fois en 1909), P 15

[30]- عبد الغني منديب، "الدين والمجتمع"، دراسة سوسيولوجية للتدين بالمغرب، إفريقيا الشرق، 2006، ص 48

[31]- Fanny Colonna, Les versets de l’invincibilité: Permanence et changements religieux dans l’Algérie contemporaine. Presses de la fondation nationale des sciences politiques. 1995. P22.

[32]- تاج الدين بادو. "ندوة حول تحوّلات المجتمع المغربي"، المشروع، العدد6 يناير- فبراير1986، ص 123

[33]- Juhani Thanus: "the socio-Psychological of Westermarck". In: Westermarck et la société marocaine, Coordonnateurs: R. Bbouriqia et M. Harras , Publication de la faculté des lettres et des sciences humaines de Rabat. Série colloques et séminaires, n0 27, 1993, P 29

34- إرنست غيلنير، "السلطة السياسية والوظيفة الدينية في البوادي المغربية" الأنثروبولوجيا والتاريخ، ترجمة، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2007، ص 51

35- ليليا بنسالم "التحليل الانقسامي لمجتمعات المغرب الكبير"، حصيلة وتقديم، الأنثروبولوجيا والتاريخ، ترجمة، عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2007، ص 26

36- عبدالله الحمودي، "الانقسامية والتراتب الاجتماعي والسلطة السياسية والقداسة"، ملاحظات حول أطروحة غيلنير، الأنثروبولوجيا والتاريخ، ترجمة، عبد الأحد السبتي وعبداللطيف الفلق، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية، 2007، ص 64

[37]- عبد الغني منديب: "الدين والمجتمع"، دراسة سوسيولوجية بالمغرب، مرجع سابق، ص 21

[38]- ابراهيم القادري، "الإسلام السري في المغرب العربي"، سينا للنشر، الطبعة الأولى، 1995، ص 20

[39]- Edward Westermarck: Ritual and Belief in Morocco, Tom I New-York Université Books 1968 ; P34.

[40]- Alfred Bel," La Religion Musulmane En Berbèrie", Paris, Librairie orientale Paul Geuthner 1938, P182

[41]- Edmond Doutté: Magie et Religion en Afrique du Nord, Maisonneuve, P- Geuthner, S,A Paris 1984 (publié la première fois en 1909) P 602.

[42]- Edward Westermarck: Les survivances païennes dans la civilisation mahométane, Payot, Paris, 1935, P36. 

[43]- إبراهيم القادري، مرجع سابق، ص 17

[44]- جان فافري: "التقليداوية والتحديث المعاق"، الأنثروبولوجيا والتاريخ، ترجمة: عبد الاحد السبتي وعبد الطيف الفلق، دار توبقال للنشر، ط 1، 1988، ص 87

[45]- عبد الغني منديب، مرجع سابق، ص 52

[46]- محمد عاطف غيث: "دراسات في علم الاجتماع"، نظريات وتطبيقات، دار النهضة العربية، بيروت، 1985، ص 76

[47]- حسين مؤنس: "أطلس تاريخ الإسلام"، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الأولى، 1407ه/1987م، ص 33


مقالات ذات صلة

المزيد