الذات في الفكر العربي الإسلامي للدكتور محمد المصباحي

فئة :  قراءات في كتب

الذات في الفكر العربي الإسلامي للدكتور محمد المصباحي

1ـ مقدمة

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت، يونيو 2017، كتاب للدكتور محمد المصباحي يحمل عنوان: الذات في الفكر العربي الإسلامي. ويتكون من أربعمئة وثمانين صفحة من الحجم الكبير، موزعة على ستة عشر فصلا، إضافة إلى المقدمة والخاتمة. وهي فصول، كما يقول صاحب الكتاب، يدور معظمها "حول البحث عن الذات في الفكر العربي الإسلامي في صورها الفلسفية والصوفية، الفردية والتاريخية، الأنطولوجية والعمرانية، وحول جملة من المفاهيم والقضايا المتصلة بمفهوم الذات، كالعقل والحق والعدل والدين والوجود والماهية..."[1]، وهو كتاب مهما اكتسح سؤال الذات في التراث معظم مساحة جغرافية فصوله، فإنه يبقى، في نظرنا، محكوما بهاجس، أو سؤال الراهنية كغيره من المؤلفات المصباحية. ويتجلى هذا الهاجس في اعتبار طرح سؤال الذات في هذا التراث ليس سوى "تمهيد للنظر إليه من زاوية الحداثة وامتداداتها ما بعدـ الحداثية"[2]، وذلك في أفق إعادة بناء الذات العربية المعاصرة، كذات مأزومة وفاقدة لنفسها ولاستقلاليتها ولفاعليتها لصالح غيرها، في مختلف لويناتها: السلفية / التراثية، والحديثة، والمعاصرة، وعلى جميع المستويات، الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، [3] وهي إعادة بناء تنطلق من مجموعة من الفرضيات سيتضمنها الفصل الأول من الكتاب.

الفرضية الأولى: هناك تطور حصل للذات البشرية عبر عن نفسه في تطور مضمون سؤال الذات عبر تاريخ الفلسفة الشيء الذي يعني أن هذا السؤال، بما هو سؤال عن معنى الإنسان، مهما بدا لنا سؤالا حديثا يتغيا تحديد ماهية أو جوهر الإنسان كفرد، كما كان الحال مثلا مع ديكارت، فهو مع ذلك سؤال قديم/ جديد، فهو قديم "لأن مدار الفلسفة برمتها تقريبا هو معرفة مكانة الذات لبشرية في الكون ومعناها"[4]، وهو سؤال جديد لأنه لم يكن مطروحا في الماضي بنفس المعنى الذي سيطرح به مع الفلسفة الحديثة، أو في الفلسفة المابعدـــــ حداثية.

الفرضية الثانية: إن الذات العربية المعاصرة تعيش محنة مركبة لأنها مقيدة؛ أي فاقدة لحرية توظيفها لعقلها، كما أن جسدها ممتهن وولاءها موزع بكيفية تراجيدية بين قطبي التراث والمعاصرة[5]. من هنا فإن سؤال الذات، الذي هو في كنهه سؤال الحرية، سيرتبط لدى الإنسان العربي المعاصر بالشعور بالنقص كمحفز على الاستفراغ من عقدة الكمال الموهوم، وذلك في أفق الطموح الذي لا يحد إلى الاستكمال بما لا تملكه ذاته[6].

وتتقاطع هاتان الفرضيتان في العمق مع فرضية ثالثة أساسية قوامها النظر إلى علاقة سؤال الذات في التراث بسؤال الذات في الحداثة وما بعد الحداثة كعلاقة برزخية؛ أي علاقة لا تقوم على التعارض القطعي، وإنما على الوصل والفصل. فهذه الأطراف الثلاثة (التراث، الحداثة، ما بعد الحداثة) رغم تقابلها في تصورها للذات، فإنها تنسج معا المناسبة لتكون المسالك مفتوحة بينها، حيث تسهم جميعها في "إعادة بناء الذات العربية لتصبح قادرة على المساهمة في تطوير مشروع الحداثة في اتجاه أكثر إنسية وتنويرا."[7]

وهذه الفرضيات سيعمل محمد المصباحي على أجرأتها انطلاقا من معالجته لثلاثة أسئلة: الأول حول الذات في علاقتها بمجموعة من المفاهيم المرتبطة بها، كالماهية والجوهر والوجود والهوية... السؤال الثاني يتعلق بمدى مشروعية سؤال الذات كسؤال حداثي في ثقافة تواجه الحداثة، وتصادر الحرية، وتشمئز من الديموقراطية، وتنفر من الفردانية؛ كالثقافة العربية الإسلامية. السؤال الثالث ويرتبط بمدى مشروعية التساؤل عن الذات في عصرنا الحالي كعصر، تم فيه تفكيك هذه الذات والإعلان عن موتها تحت تأثير ثقافة ما بعد الحداثة؟

إنها أسئلة سيعمل الدكتور محمد المصباحي على معالجتها انطلاقا من منهج ورؤية محددين.

2- المنهج المعتمد في هذا الكتاب

لا يشكل المنهج المعتمد في هذا الكتاب استثناء في الكتابة المصباحية، فهو نفس المنهج الحاضر في كل كتابات محمد المصباحي، ويتمثل في المنهج الدلالي الإشكالي. وبموجبه "يراعي لحظات نشوء الصعوبات وكيفيات حلها عن طريق التنويع الدلالي للأسماء، ومتابعة عملية تحول هذه الأسماء إلى مفاهيم، وتحول المفاهيم إلى إشكالات، وتحول الإشكالات إلى أقوال، وذلك عبر تبين دور الاختلاف الدلالي في نشأة الأقوال الفلسفية، ودور الصراع القولي في إضفاء الدلالات الجديدة على الأسماء"[8]. وهذا ما يفيد كيف أن صاحب الكتاب، وبموجب هذا المنهج، يريد أن يرتقي بالذات إلى موضوع للبحث الفلسفي الرصين، والذي ينحو نحو تجاوز التنظيرات السطحية، والاختزالية، والإيديولوجية حوله. فهو يراعي في بحثه لحظات نشوء الصعوبات وكيفيات حلها عن طريق تنويع دلالات اسم الذات؛ هذا مع الوقوف موقفا وسطا من المذاهب المتعارضة حول دلالاتها، والعمل على صياغة نظرية منسجمة حولها ترصد مظاهر الفصل والفصل بينها، لكن من دون إهمال الإشارة إلى ملامح التطور في حل هذه الصعوبات التي جسدها هذا الموقف أو ذاك من الإشكالية المطروحة. ومن دون التغاضي كذلك عن الإسقاطات الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والوجودية لهذه الإشكالية[9].

وهكذا، وبموجب هذا المنهج سيعمل صاحب الكتاب في الفصل الثاني على متابعة عملية تطور سؤال الذات، ومن خلاله، رصد التحولات التي طالت اسم الذات، انطلاقا من مجموعة من فلاسفة ومفكري التراث العربي الإسلامي؛ كدلالة تتأرجح بين الانفصال والاتصال. ففيما يخص الانفصال، فهو يتجلى هنا في وقوف محمد المصباحي عند تفصيلات وتنويعات دلالة الذات وما يرتبط بها من مفاهيم؛ من خلال مقابلة نصوص الفلاسفة (ابن باجة، ابن طفيل، المتصوفة (ابن عربي)، ابن خلدون، الغزالي، ابن رشد، ابن ميمون)، وما اقتضته هذه الدلالة من تأويلات للذات لدى هؤلاء.

فابن باجة سيعمل في تحديده لدلالة الذات على مقابلة معناها الصوفي بمعناها الفلسفي البرهاني منتهيا بذلك إلى اعتبار "فعل التصوف أقل مرتبة من فعل الفلسفة، لأن غايته تقتصر على تحصيل الالتذاذ الحسي والوجد القلبي، لا الوقوف على السعادة العقلية"[10] مما يفيد بأن العقل هو بمثابة أداة للتدبير التي تضمن للذات توحدها وابتعادها عن إملاءات أهل المدينة، بل وتضمن له مواطنة من نوع جديد هي "مواطنة معرفية وعلمية، وليست مواطنة سياسية مدنية"[11] أما ابن طفيل، فهو قد جعل مدار قصته حي ابن يقظان هو السؤال: "من أنا"؟ سؤال سيعمل على الإجابة عنه من خلال اختبار أشكال الذات المختلفة؛ أي من حيث هي جسد وعقل وما فوق طور العقل، منتهيا بذلك إلى الإطاحة "بالتعريفين الشهيرين للإنسان بأنه "حيوان ناطق"، وبأنه "مدني بالطبع." فقوض التعريف الأول بإنكاره أن يشكل البدن إحدى حقيقتي الذات البشرية، وهي الحياة. وبرفضه أن يمثل العقل الحقيقة الأخرى للذات البشرية، وهي العلم النظري. كما قوض التعريف الثاني، "الإنسان مدني بالطبع"، بالهجوم على المدينة؛ أي على السياسة، لعدم تجاوب أهلها وقادتها معه وعجزه عن إصلاحها. هكذا يكون ابن طفيل قد "أثبت "أن الإنسان" ليس مدنيا بالطبع"، وأنه يمكنه أن يكتسب الصفات البشرية والإلهية كلها من دون أن يكون جزءا من المدينة"[12]. أما التصوف ممثلا في بعض أقطابه: (ابن عجيبة، ابن عربي ...) فيؤسس بحثه عن الذات، انطلاقا من تجربة تحولها من الأنا إلى اللاأنا سندها في ذلك، لا العلم العقلي ذي المقاصد النفعية، والقائم على مجرد رصد التصورات والعلاقات والنسب، والتي يقصي بموجبها الذات عن مجال العلم. بخلاف ذلك العلم الصوفي كعلم لدني، فهو لا يعطى إلا لمن اصطفاه الله؛ فهو علم رؤية تخاطب الخيال، قوامها تذوق الكون بما هو تملي بجماله المتجلي عن الحق؛ فهو علم يتولد عنه التذاذ بمعرفة الحق عبر معرفة الذات وما يتصل بهذه المعرفة من عبادات ومعتقدات وعوالم غيبية.[13]

كما أن هذا الانفصال في دلالة الذات سيقود محمد المصباحي إلى الكشف عن تقابل دلالة اسم الذات بما هو اشتراك في هذا الاسم؛ أي في داخل هذه الذات نفسها، وذلك في إطار كل فلسفة من الفلسفات التراثية؛ من قبيل تأرجح هذه الذات نظريا، بين الوجود الفردي والوجود الجماعي عند ابن باجة، وبين اللاذات وما بعدها، عند ابن طفيل، وبين الأنا واللاأنا عند المتصوفة، وبين الإنسان الفردي والإنسان الاجتماعي عند ابن خلدون..... كما أن هذا الانفصال في دلالة الذات سيقود محمد المصباحي إلى الكشف عن تقابل الدلالة المشتركة لاسم الذات في داخل هذه الذات نفسها، وذلك في إطار كل فلسفة من الفلسفات التراثية؛ من قبيل تأرجح هذه الذات نظريا، بين الوجود الفردي والوجود الجماعي عند ابن باجة، وبين اللاذات وما بعدها عند ابن طفيل، وبين الأنا واللاأنا عند المتصوفة، وبين الإنسان الفردي والإنسان الاجتماعي عند ابن خلدون.

أما على مستوى اتصال الدلالة لاسم الذات، ففي إطاره سيشكك في هذه الدلالة كما كانت حاضرة عند مفكري التراث، انطلاقا من إعادة قراءة المفارقات التي تنخرها لدى كل فيلسوف بهدف تلطيفها، وذلك بحثا عن المسالك المفتوحة بينها، والتي جعلت فلاسفة الأندلس ينخرطون، كل من موقعه الفلسفي الخاص، في بناء الذات الأندلسية، ذلك البناء الذي كان محكوما في نظر محمد المصباحي، بمنطق موحد هو المنطق الجدلي، والذي بموجبه مر هذا البناء بلحظة إثبات الذات ثم لحظة نفيها، وأخيرا لحظة إثباتها ونفيها [14]. كما أنه بناء انتهى إلى النظر إلى الذات باعتبارها متعددة الأبعاد. هذا التعدد الذي أصبح مصدر إلهام بالنسبة إلى المفكرين العرب المعاصرين، والذي بموجبه تعددت قراءاتهم لهؤلاء الفلاسفة، وعلى رأسهم ابن رشد.[15]

أما الخطوة الثانية في منهج المصباحي، فهي حصيلة الخطوة الأولى، وتتجلى في استثمار المفارقات التي تحيل عليها دلالة الذات عبر تاريخ الفلسفة، وذلك من خلال الارتقاء بها إلى مستوى ذلك المفهوم الإشكالي. إن الأمر يتعلق إذن بلحظة الاستشكال في هذا المنهج. وتتجلى هذه اللحظة، في هذا العمل في استثمار مختلف دلالات اسم الذات، والتي حولت هذا الاسم إلى مفهوم متجادل حوله من طرف الفلاسفة؛ أي تحويله إلى مفهوم إشكالي قابل لتأويلات متعارضة ومتقاطعة: فإضافة إلى التأويلات الفلسفية التراثية، هناك التأويلات الحداثية، والما بعد حداثية لهذه الذات. وداخل كل تأويل هناك تأويلات تتقاطع بقدر ما تختلف زوايا النظر عند الفلاسفة.

الخطوة الثالثة في هذا المنهج تشكل لحظة الخروج من الإشكال. وبموجبها يعتبر محمد المصباحي بأنه إذا كان تعدد دلالة الذات هو علة لبسها وإشكالها في الفكر العربي الإسلامي، فإنها أيضا هي علة الخروج من هذا للبس والإشكال. وهكذا سيتم النظر في الأطروحات والتأويلات المتعارضة التي يقدمها الفكر الأندلسي بشأن الذات، بأنها لا تتباين وتختلف، إلا لتتفق وتتقاطع، والعكس. وهذا ما يفسر كيف أن مفكري الأندلس يكادون يتفقون في القول بصيغ كثيرة على أن "طبيعة العقل مستولية على الكل" كما كان يقول ابن رشد: "سواء كان طبيعة أو قولا أو شريعة، وعلى الانفتاح على ثقافات الآخر وعلومه، كما أن رموز الأنموذج الثقافي الأندلسي من أهل الكشف يجمعون على أن طبيعة الواحد سارية في الكل"[16]. ومن هنا يضعنا هذا النموذج الأندلسي أمام تصور محدد للذات قوامه الإشادة بالعقل والحرية والاختلاف والانفتاح والتسامح[17].

وهكذا، فإن هذه الخصائص التي تضافر مفكرو الأندلس في الدفاع عنها، وهم يبحثون عن الذات، قد شكلت مصدر إلهام بالنسبة إلى المفكرين العرب المعاصرين "للإقدام على بناء نهضة ثقافية جديدة"[18]. لكن هذا الإلهام اتخذ طابعا إشكاليا عبر عن نفسه في ذلك النقاش المحتدم بين هؤلاء المفكرين حول مفكري الأندلس، وعلى رأسهم ابن رشد. وسيعمل صاحب الكتاب في إطار بحثه عن الذات العربية، الانخراط هو بدوره في هذا النقاش، هاجسه في ذلك التعبير عن رؤيته الخاصة لهذه الذات، انطلاقا من استئناف البحث عنها على ضوء الحداثة وما بعدها، وكذا على ضوء حاجيات الذات العربية المعاصرة.

3- مرتكزات الرؤية المصباحية للذات في الفكر العربي:

يضعنا الدكتور محمد المصباحي في هذا الكتاب أمام قراءة فلسفية للذات في الفكر العربي الإسلامي تقوم على المرتكزات التالية:

فهي رؤية تاريخية، لأنها تقرأ الذات في الفكر العربي الإسلامي قراءة تاريخية قوامها الإقرار بتطور سؤال هذه الذات عبر تاريخ الفلسفة، بدءا من التراث العربي الإسلامي، ومرورا بعصر الأنوار، ووصولا إلى المرحلة المعاصرة؛ ومعنى ذلك أن هذه الذات دلالتها غير قارة عبر التاريخ. وأن الفكر العربي الإسلامي، ممثلا في الأنموذج الأندلسي، لا يجب أن يوهمنا بأنه يقدم الإجابة النهائية والمطلقة عن سؤال الذات. فهو يسهم، إلى جانب الفلسفة الحديثة والمعاصرة، في البحث عن الذات بالقدر الذي كان يسمح به أفقه الفكري في القرون الوسطى، لأنه "لن يكون معنى لاستلهام الأنموذج الأندلسي في بناء ثقافتنا المعاصرة ما لم يتم إدراك الفارق التاريخي بين الحضارة الأندلسية والحداثة الغربية، والتخلي عن فكرة المطابقة بينهما، وفتح المجال لتأهيل الثقافة العربية كي ترقى إلى مستوى الاتصال والتواصل مع الثقافة الحداثية"[19]. ومن هنا، وانسجاما مع هذه النزعة التاريخية يشير محمد المصباحي في مقدمة كتابه هذا بأن بحثه ليس في الذات، وإنما عنها[20]، لأن البحث فيها قد يوحي وكأنها ذات نمطية وقارة يجب التماهي معها بشكل مطلق، بينما البحث عنها يقتضي تتبع آثار وجودها وتطورها عبر التاريخ، لتحديد موقع الذات العربية المعاصرة من هذا التطور من جهة[21]، ولضمان المشروعية التاريخية لاستئناف البحث عنها من جهة أخرى.

وهي أيضا رؤية عقلانية جدلية متفتحة ومرنة، لأنها تعتبر بأن "العقل الذي لا يتسامح ولا يتفاوض ولا يتخذ صورا مختلفة ولا يتفاهم حتى مع الثقافات اللاتنويرية أو القبل التنويرية، لا يستطيع اليوم أن يكون محصنا ضد أعدائه"[22]. لكن هذه المرونة في توظيف العقل في هذه الرؤية لا تعني السقوط في النسبية المبتذلة والمرهقة لهذه الذات والمدمرة لكيانها، وذلك لأنها تعترف بوجود نواة أصيلة وصلبة في هذه الذات، والتي يفترض أن تتوحد عندها مختلف زوايا النظر إليها، وكذا مختلف أبعادها، ألا وهي الحرية، والتي على أساسها يمكن رصد مدى مساهمة الفكر الأندلسي، إلى جانب الفكر الحديث والمعاصر، في بناء هذه الذات عبر الحفاظ على حريتها هاته.

ومن هنا وباسم هذا العقل حاور محمد المصباحي الفكر الأندلسي في اختلافاته الداخلية الحادة، وعمل على التلطيف من حدتها؛ فهو جعل منها أطروحات تنسج فيما بينها مناسبة الانفتاح والتفاوض والتفاهم والتسامح، والتي تعبر عن نفسها في ذلك التكامل بين هذه الأطروحات باعتبارها، رغم اختلافها، تدور حول الاهتمام بالذات "وتسهم في بنائها كذات وجودها مرادف لحريتها. كما عمل باسم هذا العقل على التلطيف من اختلاف هذا الفكر القروسطي والما قبل التنويري، مع الفكر التنويري في تجلياته الحداثية والما بعد حداثية، حيث يعتبر الفكر الأندلسي رغم انتمائه إلى الفكر ما قبل الحداثي، بأنه يشكل جزءًا لا يتجزأ من الحداثة، لأن هذه الأخيرة هي بمثابة مكان محايد يتسع للجميع، وليس حكرا على الغرب. وبهذا يمكن الحديث عن إرهاصات قبل حداثية للكوجيتو، كرديف لحرية الذات وإثبات فعاليتها الفكرية والعقلية لدى مفكري الأندلس بأنحاء مختلفة ومتحجبة أحيانا، كما هو الحال مع ابن عربي مثلا، وسافرة أحيانا أخرى كما هو الحال مع ابن باجة وابن رشد[23] كما يتحدث عن إرهاصات ما بعد حداثية أيضا لدى هؤلاء المفكرين حول الذات، قوامها الإقرار بتعددية هذه الذات وانفتاح هويتها وتغير جوهرها بما يسمح بالاعتراف بفعاليتها وحريتها عبر الاعتراف بتعدد الأنوار النابعة منها، نور العقل، نور الإيمان والوجدان، ونور التاريخ والعمران، ونور انفتاح الأنا على الآخر. فهي أطروحات رغم اختلافها، هي كما أشرنا إلى ذلك فوق، محكومة في العمق بمنطق جدلي يوحدها، يتدرج عبر ثلاث لحظات: لحظة إثبات الذات مع ابن باجة وابن طفيل وابن رشد....ثم لحظة، أو تجربة نفي الذات مع الفكر الصوفي (ابن عربي) وأخيرا لحظة الجمع بين إثبات الذات ونفيها مع ابن خلدون. "فالجمع بين ابن رشد وابن عربي، بين باجة وابن خلدون، بين العقلانية الفلسفية والعقلانية العرفانية، بين تدبير المتوحد وتدبير الملتزم بقضايا المجتمع، أمر ضروري لثقافة مستقبلية حية، إذ لا يكفي أن تحول العقلانية الفلسفية الإنسان من فرد إلى ذات عاقلة، بل لابد من أن تتدخل العقلانية العمرانية لتحول الذات العاقلة إلى ذات سياسية؛ أي إلى ذات مواطنة وفاعلة تقوم بواجب المشاركة في تدبير الدولة وضمان استمرارية تحديثها"[24].

فبموجب هذه الإرهاصات الحداثية والما بعد حداثية في الفكر الأندلسي، تصبح إذن أبواب التواصل مشرعة بين هذا الفكر وبين الحداثة الغربية؛ أي يصبح الحديث عن تبادل التأثير والتأثر بين الطرفين مشروعا. ومن هنا دعا مجموعة من المفكرين العرب المعاصرين لاستلهام الأنموذج الأندلسي لتحقيق النهضة في المجتمع العربي المعاصر، وما تقتضيه من إعادة بناء للذات العربية وتجاوز أزمتها، لجعلها قادرة على المساهمة في تطوير مشروع الحداثة في اتجاه أكثر إنسية وتنويرا[25] مساهمة ترتبط بتطعيم الحداثة بما عملت على إقصائه في لحظتها الأنوارية؛ أي تطعيمها بأحلام الإنسان وتخيلاته وعقائده، والتي سيركز عليها تصوف ابن عربي مثلا؛ أي بما يحافظ على إنسانية الذات الإنسانية كذات متعددة الأبعاد وغير قابلة للاختزال في بعدها العقلي. هذا إضافة إلى تطهير هذه الحداثة من نزعتها المركزية الغربية، والتي باسمها استعمر الغرب الشعوب. وإعادة بناء الذات العربية بقدر ما تستلهم هذه الإرهاصات الحداثية والما بعد حداثية في التراث الأندلسي، بقدر ما تدعو إلى تجاوز معيقات تطويرها التي فرضها الأفق الفكري القروسطي الخاضع لسلطة الفكر اللاهوتي لهذا التراث. وتتمثل هذه المعيقات في مختلف أشكال التحايل التي مارسها مفكرو الأندلس على الذات، ليقلصوا من فاعليتها وحريتها، حيث جعلوها مرتهنة في وجودها بالذات المطلقة؛ أي الله. فقد عجز هؤلاء عن فصل الذات الإنسانية، بزمنها، ورغباتها، وأشواقها، وانفعالاتها، وشهواتها، وأفكارها، وأخطائها، ونهائيتها، عن الذات الإلهية المطلقة واللانهائية، بصفاتها المتعالية، وأسمائها الحسنى. وهذا ما كانت نتيجته التشكيك في العالم والذات بقواها الإدراكية الحسية وتأجيل النظر في الذات السياسية، وبالتالي في موضوع الحرية، بما هي حرية فرد مدني بالتعاقد الاجتماعي وليس بالطبع والطبيعة.[26] وبهذا ترتبط عملية إعادة بناء الذات العربية بجعل سؤال الذات سؤالا للحرية. فالحرية بماهي شعور بالنقص وبالحاجة للاستفراغ، ونزوع دائم نحو الاستكمال، تشكل المحرك الأول للذات. فهي منبع أساسي للتغيير والنقد، بما في ذلك نقد العقل نفسه من أجل تطوير أدائه وإضفاء طابع النسبية والتاريخية على حقائقه وقيمه[27]. كما أن الحرية هي ما يمكن الذات من مواجهة القوى الظلامية المحافظة ومختلف أشكال الوصاية بالنقد والحوار، وذلك من أجل فك القيود المتحكمة في الجسد، والمستبدة بالعقل، والمهيمنة على القلب والإيمان، والتي تحول دون إقدام الإنسان على التفكير والإبداع.[28]

وأخيرا، فإن الرؤية المصباحية في هذا الكتاب هي رؤية برزخية لأنها تمتح من ثقافة الاختلاف، كثقافة معوية حوارية تؤمن بالقيمة المعرفية والأنطولوجية للاختلاف، إذ بموجبها ينظر إلى الذات باعتبارها ذاتا علائقية وليست جوهرية؛ أي ذاتا متعددة في أبعادها وجوهرها وهويتها. فهي عقل ولاعقل أو خيال، كما أنها نفس لها أهواؤها وأشواقها وآلامها وآمالها، وجسد له غرائزه ورغباته. هذا إضافة إلى أنها ذات لها ماض وحاضر ومستقبل، وذات فردية وجماعية[29]. ومن هنا يعتبر الأستاذ المصباحي، في هذا الكتاب، بأن حل أزمة الذات العربية المعاصرة، كأزمة متعددة الأوجه، لا يمكنه أن يكون إلا حلا برزخيا قوامه تجنب اختزال الذات في بعد من أبعادها المختلفة والمتعددة، وذلك بالنظر إليها نظرة بينية بموجبها يصبح وجودها قائما على تخوم كل من العقل والقلب والخيال، والروح والجسد، والأنا والآخر، والاستفراغ والاستكمال، والتراث والحداثة وما بعدها[30]. وهذا من شأنه أن يضفي على هذه الذات مزيدا من الرشاقة بموجبها لا تتعدد أبعادها وتتصارع إلا لتتوحد وتتساكن، والعكس. وهذه الرشاقة هي ما يضمن حريتها وفعاليتها المتعددة الأوجه.

4- خاتمة

هكذا إذن، يمكن أن نخلص مما سبق إلى أننا أمام كتاب شكل طفرة نوعية في الفلسفة البرزخية التي تؤطر كتابات الدكتور محمد المصباحي، وذلك للاعتبارات التالية:

1) الاعتبار الأول يتجلى في كوننا أمام كتاب قد انتقل بموجبه صاحبه إلى تبئير قضية ظلت في كتاباته السابقة متداخلة مع انشغالاته النظرية، بل ومتحجبة خلف هذه الانشغالات، ألا وهي قضية العقل العملي وما يحيل عليه من رد الاعتبار لما كان يطلق عليه ابن رشد اسم "الوجود الضروري"، بما هو بحث في قضايا المجتمع والسياسة والأخلاق، وبالتالي في قضايا الذات في علاقتها بالمدينة. وهو رد اعتبار ارتبط لدى صاحب الكتاب بإعادة النظر في مفهوم الدلالة العزيزة على العقل النظري، فهذه الأخيرة لا تنحصر هنا فيما هو نظري، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو عملي سياسي واجتماعي[31]. لذلك لم ينظر الأستاذ المصباحي، في قراءته هنا للفكر العربي الإسلامي، إلى مهمته في أنها تنحصر في تحويل الموجودات إلى معقولات، أو في القيام بتنظيرات يطغى عليها طابع التجريد، بل ينظر إليها باعتبارها تتجاوز ذلك إلى تحويل هذه المعقولات أو التنظيرات إلى موجودات، كتحويل يعتبر مدخلا من مداخل نزوع هؤلاء إلى الغوص في الوجود والتأثير العملي فيه سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا.

2) الاعتبار الثاني، ويتجلى في الانتقال بمفكري الأندلس من كونهم مجرد جزر فكرية، ومجرد مهتمين بقضايا نظرية، إلى مفكرين يوحدهم منطق جدلي في انشغالهم في العمق بقضايا عملية هي قضايا الذات الإنسانية، حيث تضافرت جهودهم لتحيط بمختلف أبعاد هذه الذات بشكل يمهد لتحررها وإثبات فعاليتها بهذه الدرجة أو تلك.

3) الاعتبار الثالث كون هذا الكتاب أضفى مزيدا من الوضوح والشمول على فكرة كثيرا ما أشار إليها الأستاذ المصباحي في كتاباته الرشدية، وتتجلى في مشاركة مفكري التراث في الحداثة، وخاصة في بعدها العملي؛ أي في بعدها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وهي مشاركة لا ترقى إلى مستوى النفخ في قيمة هذا التراث، كما لا تنحدر إلى مستوى الاستصغار من قيمته.

4) الاعتبار الرابع هو أننا أمام كتاب يكشف بمزيد من العمق والدقة بأن صاحبه ملتزم بذلك الرباط المتين الذي يربط الفلسفة بالحداثة. فالفلسفة في هذا الكتاب قد كشفت الحجاب أكثر عن كون الأستاذ المصباحي لا يعتبرها مجرد ترف فكري، بل إنها فلسفة ظلت عبر تاريخها وما تزال ملتزمة بالدفاع عن حداثة هذه الذات، والتي لن تجد تحققها كاملة إلا في ظل مدينة ليبرالية ديموقراطية.

[1] محمد المصباحي، الذات في الفكر العربي الإسلامي، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017، ص 11

[2] نفسه، ص 20

[3] نفسه، ص 20

[4] نفسه، ص 20

[5] نفسه، ص 29

[6] نفسه، ص 31

[7] نفس المرجع والصفحة.

[8] محمد المصباحي، دلالات وإشكالات، دار الهادي، بيروت، 2005، ص 6

[9] محمد المصباحي، الذات في الفكر العربي الإسلامي، مرجع سابق، ص 20

[10] نفسه، ص 49

[11] نفسه، ص 65

[12] نفسه، ص 89

[13] نفسه، ص 109/110/111

[14] انظر خاتمة الكتاب.

[15] نفسه، ص 431/432

[16] نفسه، ص 407

[17] نفسه، ص 405

[18] نفسه، ص 407

[19] الذات، ص 433

[20]نفسه، ص 11

[21]نفسه، ص 29

[22] نفسه، ص 432

[23] نفسه، ص 435

[24] نفسه، ص 432

[25] نفسه، ص 31

[26] نفسه، ص 24

[27] نفسه، ص 433

[28] نفسه، ص 31

[29] نفسه، ص 30/ 31

[30] نفسه، ص 29

[31] محمد المصباحي، دلالات وإشكالات، م س، ص 16