السياسيّ والدينيّ والفلسفيّ: الحدود الإبستمولوجيّة والحدود المجاليّة

فئة :  أبحاث محكمة

السياسيّ والدينيّ والفلسفيّ: الحدود الإبستمولوجيّة والحدود المجاليّة

 السياسيّ والدينيّ والفلسفيّ: الحدود الإبستمولوجيّة والحدود المجاليّة([1])


الملخّص:

يهتمّ البحث، في هذا الفصل، بشرح دعوة ابن رشد، إلى الفصل بين الحقيقة الدينيّة، والحقيقة الفلسفيّة، وإبراز أبعاد هذه الدعوة على تصوّره للعلاقة بين الدين والدولة، ويعرض هذه الدعوة للتقييم.

إنّ أهميّة هذه الدعوة، في نظر الباحث؛ أنّها تفسح مجالًا أوسع للعقل، في المجتمع والدولة، ولكن، هل معناها؛ ألّا يحكم الدولة إلّا الفلاسفة؟ وأنّ دور رجال الدين أو علمائه، يقتصر على تعليم الناس الطاعة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة، دعت الباحث إلى بيان دلالة الفصل بين الحقيقة الدينيّة، والحقيقة الفلسفيّة، عند ابن رشد.

منطلق هذه الدعوة، عند ابن رشد، تحليل تراتبي للإدراك البشريّ، يقيم على أساسه تمييزًا بين الطبقات المكوّنة لكلّ مجتمع؛ فالإدراك عنده، يتضمّن ثلاث ملكات متفاوتة القيمة؛ أوّلها: البرهان؛ وهذا يكون أقوى عند الفلاسفة. وثانيها: الجدل؛ وهو أقوى عند الفقهاء والمتكلّمين. وثالثها: هو الخطابة؛ وهو الملكة التي تتجلّى أكثر في عامّة النّاس. وتشكّل هذه الملكات أنماط إنتاج المعرفة وتلقّيها، وعلى أساسها تتمايز طبقات المجتمع؛ معرفيًّا، وطبقيًّا، ووظيفيًّا، فالفلاسفة: هم حملة ملكة البرهان، وهم وحدهم من ينشغلون بالحقائق الكليّة المجرّدة، الموجودة في الكون، والمشروحة في الشريعة. بينما العامّة؛ هم حملة ملكة الخطابة، والعاجزون عن تجاوز الجزئيّات إلى الكليّات الشرعيّة. ولهذا؛ فهناك شريعة خاصّة، يدركها الفلاسفة، وبموجبها يجب أن يحكموا الدولة، أما العامّة؛ فشريعتهم هي الشريعة العامّة، التي يكون دورها تعليمهم الطاعة، ومن يتولّى شرحها لهم؛ هم الفقهاء والمتكلّمون.

إنّ هذا الفصل بين الشريعتين، التابع لتمييز ابن رشد بين العقول، يقتضي فصلًا صارمًا، بين ما يتعلّمه الخاصّة والعامّة من الشريعة؛ فالعامّة يتوقّف علمها على ظاهر الدين، ولا ينبغي، مطلقًا، اطلاعها على أسرار الدين، وعلى أساس هذا الفصل الصارم، يهاجم ابن رشد الفقهاء والمتكلّمين، وعلى رأسهم الغزالي، بدعوى أنّهم أخذوا مكان الفلاسفة، وادّعوا تخليص الحقيقة الكليّة، وتعليم أسرار الحكمة للجمهور، فأربكوا، بذلك، إيمان النّاس، و فرّقوا وحدتهم، و خلطوا بين الشرع والسياسة، ومثّلوا خطرًا على الحكمة والشريعة معًا.

إنّ الدور الوحيد المسند للفقهاء والمتكلّمين: هو أن يعلّموا الناس الدين البسيط، ومعناه الظاهر، الذي يساعد الفلاسفة على حكمهم.

والسؤال، حينئذ: مادام ابن رشد لا ينكر ضرورة الدين في حكم المجتمع، فما الذي دعاه إلى نقد الفلسفة الإسلاميّة عند الكندي والفارابيّ وابن سينا، وقد سعى هؤلاء إلى تقريب الدين من الفلسفة، لا على طريقة الفقهاء والمتكلّمين؛ إنّما على طريقة الفلاسفة؟

ما يعيبه ابن رشد عليهم، من هذا الجانب؛ أنّهم، بهذه الصورة، يهدّدون الفلسفة، ويقصونها من مجال السياسة والحكم، ويحدث ذلك بفعل الثقل التاريخيّ للدين ومحتواه المقدّس المطلق، كما يحدث بفعل التحوّل الضروري للحاكم إلى حاكم بالحقّ الإلهيّ، فإن نحن وحدّنا فيه، بين سلطة الدين وسلطة الحكمة، مثلما فعل الفارابي؛ إذ أحلّ في فيلسوفه الأفلاطونيّ، صفات مشرّعه المسلم المطلوب.

المشكلة عند ابن رشد في توحيد الفلسفة والشريعة؛ هي أنّ من يجب أن يحكم المجتمعات، هو العقل البشريّ، الذي يدبّر الجزئيّات، وهذه لا يعلمها اللّه العالم بالكلّيات وحدها، وعقل الفلاسفة: هو العارف بالكلّيات، والقادر على وصلها بالجزئيّات؛ فهو العارف بالشريعة الخاصّة، وبطريقة سريانها في الجزئيّات.

وإزاء هذا التحدّي الذي تمثّله هيمنة الشريعة على أذهان النّاس، مقابل تمسّكه بأنّ سياسة النّاس تدار من قبل العقل، ومن قبل الفلسفة، تحديدًا؛ فما الحلّ العمليّ لحكم المجتمعات الإسلاميّة؟

الحلّ عنده: أن يقع تطويع مقاصد الشريعة لمقتضيات الوفاق الاجتماعيّ.

فهل يعني هذا؛ أنّه يؤمن بعلمانيّة، يكون فيها الدين خاضعًا، بدوره، لتعريفات العقل الواقعيّ، واشتراطات الوفاق الاجتماعيّ؟

المعلوم، حسب الباحث؛ أنّ دعوة ابن رشد إلى الفصل بين الشريعة والعقل في حكم المجتمعات، سبّبها تعلّقه بإشراك العقل في هذا الحكم، وتخليصه من أن يقع تحت سلطة الشريعة، هذا الأمر كبّل فلاسفة السياسة المسلمين، الذين ظلّوا أسرى نظريّاتهم الميتافزيقيّة الإسلاميّة، في تصوّر سياسة المدن؛ فأبقوها تحت حكم الشريعة، رغم تعلّقهم بتأويلها من منظور تشبّعهم بتصوّراتها الإغريقيّة.

إنّ هذا جعلهم يقبعون في غائيّة أسيرة لماضيهم، الإغريقي والإسلاميّ (في الخلافة الرّاشدة المتخيّلة)، يظلّ فيها الواقع مشدودًا إلى مشروعين منتهيين، لا يمكن أن يتصالحا إلّا في الحلم.

من هذا المنظور المدرك لخطورة تبنّي التصوّر السياسي الأفلاطونيّ، وتطعيمه بعناصر النظريّة السياسيّة الإسلاميّة، في مستوى عزل الحكّام الفلاسفة عن واقع النّاس، تشبّث ابن رشد بأن يكون العقل فاعلًا في تاريخه، واعتبر أنّ مهمّته؛ هي أن ينخرط في الواقع الاجتماعيّ، ويسعى إلى أن يفرّخ فيه؛ فيكون العقل، بهذه الصورة، قادرًا على تحويل المدينة النّاقصة إلى مدينة كاملة.

إنّ اعتراف ابن رشد بالضرورة الطبيعيّة للمدينة الأرضيّة، جعله يتمسّك بأنّ سياستها تدار، واقعيًّا، بدولة دنيويّة، وفي هذا السياق؛ اشترط في رئيسها، أن يكون جامعًا للكفاءة النظريّة والعمليّة أيضًا، ولكن كماله الناقص، حتمًا، يدعوه إلى إشراك غيره من الفضلاء في الحكم، كما اعترف بحقّ الإنسان في أن يختار قوانين وضعيّة، وفي السياق نفسه؛ أقرّ بدور التربية في غرس قيم التسامح والتعايش في المجتمع، بغرسها، بدايةً، في أذهان الأطفال، بهذه الصورة يرى ابن رشد حماية العقل من هيمنة الشريعة في حكم المجتمعات، ولكن قدرته، أيضًا، على تحقيق مقاصد الشريعة.

للاطلاع على البحث كاملا المرجو  الضغط هنا


[1]- عنوان الفصل الخامس من كتاب مصطفى بن تمسّك، ابن رشد، السياسة والدين؛ بين الفصل والوصل، المركز الثقافي العربي، مؤمنون بلا حدود، ط1، 2015م، ص ص 119ـ 148.