الشكّ في مراس القول الهيثمي

فئة :  مقالات

الشكّ في مراس القول الهيثمي

تقديم:

ربّما نحن لا نفعل غير التّذكير بشائع الآراء عند القول: "إنّ المساهمة الأساسيّة لابن الهيثم في المجال العلمي هي إصلاح علم المناظر، وأنّ هذه المساهمة (قد قلبت أوضاع البّصريّات الّتي كانت موجودة في ذلك الوقت رأساً على عقب)"[1]. ولكن السّؤال الحقيق بالتّدبّر اليوم إنّما هو التّالي: أيُّ مكانة للمنهج في مراس القول الهيثمي، وماهي المعاول الّتي توسّلها من أجل تجاوز آراء المحصّلين من أهل النّظر في أقواله الفلسفيّة وكشوفه العلميّة في ذاك العصر؟

1. دور الشكّ في مراس القول الهيثمي:

يعرض لكثير من المفكّرين في أوائل أدوار نُضجهم الفكريّ ضرب من التّشكّك والحيرة، يُؤدّي عادةً إلى توجيه تفكيرهم وجهة فلسفيّة خاصّة، ولقد عبّر ابن الهيثم عن شكّه وحيرته في هذه المرحلة بالقول: "إنّي لم أزل منذ عهد الصبا مُرتابًا في اعتقادات النّاس المُختلفة، وتمسّك كلّ فرقة منهم بما تعتقده من الرأي"[2]. فلاحظ أنّ كلّ هذه المسالك تفتقد لـ"منهج الحق" و"الرأي اليقين" و"المسلك المجدد" ولكنّه أدرك أنّ الحقائق في ذواتها لابدّ أن تكون واحدة، وأنّ تنوّع الآراء وتناقضها إنّما هما يرجعان إلى اختلاف من جهة السّلوك إليها، أي أنّه كان متشكّكًا في جميعها، ولكنّه كان "موقنًا بأنّ الحقّ واحد" ومع ذلك، فإنّه لا يعتبر تعدّد الأصوات حجّة ذات بال بشأن المباحث اللّطيفة أو ما عبّر عنه بلغته بـ"الحقائق منغمسة في الشّبهات."[3]

ولفظ "الشكّ" عبّرت عنه لغة ابن الهيثم بمعان عدّة منها: القول الّذي فيه "بعض الدّخل"[4] و"القول المظنون"[5] و"المواضع المشتبهة" و"المعاني الشنيعة" و"المواضع المتناقضة"[6] ومنها ظهور استحالة المعنى المدّعي؛ أي ادّعاء العلم بما يستحيل العلم به، لأنّ الممتنع ما امتنع علينا علمه، واعتقادنا أنّ علمه مُمكن لا يغني شيئًا[7]. كما يفيد القول الّذي ينكره العقل بحيث يستبشعه كلّ من سمعه[8]، و"فساد اعتقاد من اعتقد أنّ..."[9] وكشف ما هو ملتبس في أمر من الأمور.

ولو نظرنا في المدوّنة الهيثميّة، لوجدنا أنّ صاحب المناظر قد عالج في شكوكه جملة كبيرة من القضايا العلميّة والفلسفيّة، منها ما هو على سبيل الدّحض والنّقض، ومنها ما هو على سبيل الاستدراك، استدراك المتأخّرين على المتقدّمين درءًا للسّهو والغفلة، وحيادًا عن غلبة الهوى، ورصدًا لأسباب الخطأ أو التّساهل في طلب معدن الحقّ.

ولكن، وخلافًا لهذا الموقف الباحث عن مشروعيّة عقليّة للشّكّ، يمكن أن نستجلي في القول الهيثمي إدانة واضحة للشّكّ الّذي لا يكون منطلقه الفكر والتّمييز، ولعلّ أكثر الأمثلة دلالة على ذلك قوله: "والعاجز المقصّر الضّعيف التّمييز، ليست تتشكّل صحّة المعنى المعقول في عقله في أوّل تمييزه، بل هو في أكثر الأحوال يسرع إليه التّشكّك في صحتّه، ثمّ إذا طال التفكير والتّمييز ظهرت له حقيقته، وربّما لم ينته من غاية اجتهاده وإطالة الفكر فيه إلى معرفة حقيقته؛ فأكثر ذوي العقول والتّمييز الصّحيح، فضلًا عمّن هو دونهم، إذا مرّ بأحدهم معنىً من المعاني اللّطيفة والحقائق الخفيّة فليس تظهر له تلك الحقيقة بالبديهة، وإذا لم تظهر له الحقيقة فقد عرض له التّشكّك، فالتّشكّك واقع لأكثر النّاس في المعاني الخفيّة"[10].

يتبيّن لنا من الاعتبارات السّابقة، أنّ مسألة الشكّ عند ابن الهيثم لها وظائف ووجوه متعدّدة، ولعلّه، من أجل ذلك، نراه يتحدّث عن "المسلك المجدّد" و"طريق الحق" و"الرأي اليقين"؛ أي أنّ الرجلّ لا يطلب المعارف رواية، بل يطلبها بوصفها دربةً على إيثار طريق العلم لا طريق الإقناع، وعلى هذا الأساس يصبح الشكّ أحد موجبات القدرة على التّحرّر من الاعتقادات الزّائفة، والاقتدار على النّظر والتّحقيق، هي ذي وظيفة الشكّ التي يدافع عنها ابن الهيثم في كتابه الشكوك على بطلميوس، حيث تناول بالنّقد ثلاثة مؤلًّفات للرّياضي الفلكي اليوناني بطلميوس، وهذه المؤلّفات الثلاثة هي: المجسطي والاقتصاص والمناظر. فما هي موجبات الشكّ الهيثمي على الهيئة البطلميّة؟ وهل يمكن اعتبار شكوكه مجرّد اعتراضات على الهيئة القديمة، أم أنّنا يمكن أن نستجلي من خلالها طريقًا جديدة لرؤية الكون ونهجًا للاستكشاف؟

2. الشّكوك الهيثمية على الهيئة البطلميّة:

تكتسي الشّكوك العربيّة أهميّةً كبرى، خاصّة عندما نريد فهم القيم المنهجيّة والمعرفيّة التي تبنّاها الفلاسفة العرب في المرحلة الوسيطة في لقائهم بالموروث اليوناني والتقليد الاسكندراني في العصر الهلنستي، وفي هذا الإطار كان يجب أن يتنزّل عمل ابن الهيثم في الشّكوك على بطلميوس؛ لأنّ ابن الهيثم نجده يقدّم في هذا الكتاب مسحًا شاملًا للتّناقضات الفيزيائيّة والفلسفيّة في نظام الهيئة البطلمي، ويترجم صاحب المناظر هذه الشّكوك بقوله: "إنّ الهيئات الّتي فرضها بطلميوس للكواكب الخمسة هي هيئة باطلة، وقرّرها على علم منه بأنّها باطلة؛ لأنّه لم يقدر على غيرها. ولحركات الكواكب هيئة صحيحة في أجسام موجودة لم يقف عليها بطلميوس ولا وصل إليها"[11]. وفي نفس الاتّجاه يلاحظ أنّ: "الصّحيح الّذي لا شبهة فيه، أنّ هيئات حركات الكواكب هيئات صحيحة موجودة مطّردة لا يلزم فيها شيء من المحالات ولا من المناقضات، وهي غير الهيئات الّتي قرّرها بطلميوس، وما وقف عليها بطلميوس ولا وصل فهمه إلى تخيّل حقيقتها"[12].

نتبيّن، والحال هذه، أنّ شكوك ابن الهيثم على الهيئة البطلميّة -أي نموذج بطلَمْيوس الفلكيّ- وجهّته إلى افتراض وجود تأليف آخر لحركة الكواكب، وقد كتب البيهقي عن افتراض ابن الهيثم هذا، قائلًا: "وكان يقول في بعض مسائله: تخيّلنا أوضاعًا ملائمة للحركات السماويّة، فلو تخيّلنا أوضاعًا أخرى غيرها ملائمة أيضًا لتلك الحركات، لما كان لذلك التّخيّل مانع؛ لأنّه لم يتمّ البّرهان على أنّه لا يمكن أن يكون سوى تلك الأوضاع أوضاعًا أخرى ملائمة مناسبة لهذه الحركات. وطوّل الكلام. وهذه الرسالة آخر تصانيفه"[13].

ولعلّ ما يعزّز هذا التصوّر، ما يمكن أن يُستنبط من أقواله المستقرأة من شكوكه حول الهيئات الّتي قرّرها صاحب المجسطي، فلنستمع إليه عندما يتكلّم عن بطلميوس في كتابه "في حلّ شكوك حركة الالتفاف" حيث يقول إلى مراسله: "قد تبين لي من تضاعيف كلام مولاي الشيخ، أنّه يصدق قول بطلميوس في جميع ما يقوله، من غير إسناد إلى برهان ولا تعويل على حجّة، بل تقليد محض، وهذا هو اعتقاد أصحاب الحديث في الأنبياء، صلوات الله عليهم، وليس هذا اعتقاد أصحاب التّعاليم في أصحاب العلوم البرهانيّة، ووجدته أيضًا يصعب عليه تغليطي لبطلميوس ويمتعض منه، ويظهر من كلامه أنّ بطلميوس لا يجوز عليه الغلط، ولبطلميوس أغلاط كثيرة في مواضع كثيرة، منها؛ أنّ كلامه في المجسطي إذا حُقّق فيه النّظر، وُجد فيه أشياء كثيرة متناقضة؛ وذلك أنّه قرّر أصولًا للهيئات الّتي يذكرها، ثم أتى بهيئات للحركات متناقضة للأصول الّتي قرّرها، وليست موضعًا واحدًا، بل مواضع كثيرة"[14].

بيد أنّه، إذا كان الأستاذ "عبد الحميد صبرة" يرى بأنّ غرض ابن الهيثم في هذه المقالة إثارة الشّكوك أو الاعتراضات على مواضع مشكلة تورّط فيها بطلميوس في بحوثه[15]، فإنّ الأستاذ "رشدي راشد" يرى أنّه لا يُمكن إدراج صاحب المناظر ضمن تقليد ما يسمّى بالشكّاك، تبعًا لما فعله بينيس (Pinès) ومن قبله نصير الدين الطوسي؛ ذلك أنّه ثمّة فرق كبير بالفعل بين إظهار الصّعوبات وانتقاد الحلول من جهة، والانتقاد من أجل البناء من جهة أخرى.

"إنّ شكوك وانتقادات ابن الهيثم، على سبيل المثال، لم تُصغ كحجج نظريّة، بل كقضايا اجتهد ابن الهيثم في برهنتها رياضيًّا وبالاستناد إلى الأرصاد المحقّقة (...) وهذا يعنى باختصار أنّه لا يُمكن الفصل عند ابن الهيثم بين الشّكوك والانتقادات من جهة، والغاية المقصودة في وضع الأسس من جهة أخرى"[16].

وأكبر الظنّ أنّ مساهمة ابن الهيثم بما يعتمل فيها من نفس نقدي، من مزاياها أن صاغت تصوّرًا جديدًا لميكانيكا الأجرام السّماويّة[17]، بعد أن بيّنت خطورة التناقضات التي وقع فيها بطلميوس وما يلزم عنها من المحالات والشّناعات، وتلك النّتائج ما كانت لتغيب عن علماء مدرسة مراغة؛ لذلك أمكن اعتبار أعمال صاحب المناظر من المصادر غير المباشرة لهذه المدرسة، لأنّ التّراث الحيّ الّذي بدأه ابن الهيثم في القرن الحادي عشر يمثّل، برنامجًا بحثيًّا جديدًا في علم الفلك، يتضمّن مجموعة مُتّفقًا عليها من الاعتراضات على النّظريّات القائمة. أضف إلى ذلك أنّ الشَّبَه بين النّماذج الفلكيّة الّتي وضعها علماء مدرسة مراغة وبين نماذج كوبرنيك بلغ من الشّدّة (باستثناء مركزيّة الشمس عند كوبرنيك) حدًّا أدّى البعض إلى القول، دون تجاوز الحقيقة: "إنّ كوبرنيك هو أشهر أتباع مدرسة مراغة، إن لم يكن آخرهم"[18]. وإلى مثل هذا المعنى يجري ما قاله الأستاذ جورج صليبا حيث اعتبر أنّ الفلكيين العرب "لم يكتفوا بانتقاد المقادير الخاطئة الّتي ورثوها عن علم الفلك اليوناني، ولا بانتقاد المفاهيم الهندسيّة لحركات الكرات الّلذين أشرنا إليهما، بل كانوا يَخْطُون أيضًا خطوات جديدة ويذهبون إلى معارج جديدة لم يكن يعرفها علم الفلك من قبل"[19].

ولئن كانت النّتيجة الّتي انتهى إليها مُحتشمة في نظر العلم المترشّد[20] (La science adulte) فإنّها على غاية من الأهميّة في نظر العلم النّاشئ، وعليه، فإنّ أمرًا كهذا لا يجب أن يكون مستهجنًا؛ إذ لم يكن لدى هؤلاء الفلكيّينن بمن فيهم كوبرنيك، نظريّة الجاذبيّة الكونيّة، الّتي اكتشفها نيوتن في أواخر القرن السّابع عشر، ليتمكّنوا من شرح علاقة حركات الكواكب، بما فيها الأرض بنقطة الجاذبيّة المركزيّة الّتي تحتلّها الشّمس[21].

كلّ هذه العناصر قد تكون من بين العوامل الّتي قد تُفسّر ما حدث في عصر النّهضة الأوروبيّة، خاصّة وأنّ هذه الأعمال التّي تعرّضت لهيئة بطلميوس بالنّقد والشكّ والردّ، هي ذات الأعمال الّتي أرست أسسًا جديدة لبرنامج عمل جديد التزم به أغلب الفلكيّين اللاّحقين بمن فيهم كوبرنيك[22].

ولكن، إذا كنّا على بيّنة الآن من أنّ ابن الهيثم يعتبر أنّ الشّكّ موصولٌ بقدرته على خلق فروض جديدة، نستطيع الآن أن نضع سؤالنا على وجه أدقّ: ما هي التّدابير المنهجيّة الّتي يتكوّن وفقها يقين عند العالم يُرشده إلى من يوجّهه في الطّريق الّتي يريد أن يسلكها؟

3. طريقة ابن الهيثم في امتحان آراء أهل النّظر في قضايا المناظر:

إنّ الصّيغة الّتي يتكوّن وفقها يقين عند الباحث يُرشده إلى من يوجّهه في الطريق الّتي يريد أن يسلكها، هو أن يصرف الاهتمام إلى المعنى المبحوث فيه، مع إيقاع الجدّ واستئناف النّظر، مرورًا بالاستقراء والتّفحّص، والتّمييز، ثمّ الارتقاء، على التّرتيب، انتهاءً إلى المحاكمة الذّهنيّة. وعليه، يُمكن صياغة السّؤال على النّحو التّالي: على أيّ نحو يمكن أن نفهم طبيعة القيم المعرفيّة والتّدابير المنهجيّة التي تبنّاها صاحب المناظر في بحوثه البصريّة؟

لكي نمتحن بدقّة ماهية المشروع الهيثمي من هذه النّاحية، يكفي أن نعود في هذه النّقطة إلى البيان المنهجي الذي جاء في افتتاحية كتاب المناظر، والذي يقول فيه: "ولمّا كان ذلك كذلك، وكانت حقيقة هذا المعنى مع اطّراد الخلاف بين أهل النّظر المتحقّقين بالبحث عنه على طول الدّهر مُلتبسة، وكيفيّة الإبصار غير متيّقنة، رأينا أن نصرف الاهتمام إلى هذا المعنى بغاية الإمكان، ونخلص العناية به، ونتأمّله، ونوقع الجدّ في البحث عن حقيقته، ونستأنف النّظر في مبادئه ومقدّماته، ونبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفّح أحوال المبصرات، ونميّز خواصّ الجزئيّات، ونلتقط بالاستقراء ما يخصّ البصر في حال الإبصار، وما هو مطّرد لا يتغيّر وظاهر لا يشتبه من كيفيّة الإحساس، ثم نرتقي في البحث والمقاييس على التّدريج والتّرتيب، مع انتقاد المقدّمات والتّحفّظ في النّتائج"[23].

إنّ المتأمّل في هذا البيان، سيجد أنّه قد تضمّن جملة من القيم المعرفيّة، وهي عبارة عن جملة من التّدابير المنهجيّة الّتي ينتظم بعضها إلى بعض من أجل استخلاص القواعد العامّة، ابتداءً من تفحّص العلاقات اللاّمتغيّرة والضّروريّة الّتي تقوم بين الظّواهر، مرورًا بالاعتبارات التّجريبيّة، انتهاءً إلى المحاكمة الذّهنيّة، ويمكن أن نجمل جملة هذه الشّروط في النقاط الأربعة التّاليّة:

أوّلًا: رفض للمدخل البديهيّ: وذلك برفض الأقاويل المُلتبسة في مقابل التّأكيد على الأفكار الواضحة، وذلك بصرف الاهتمام إلى المعنى بغاية الإمكان، وإيقاع الجدّ في البحث عن حقيقته، مع استئناف النّظر في مبادئه ومقدّماته. وحقيقة الأمر "كان ابن الهيثم مستعدًّا لأن يعدّل فرضًا أو حتّى يرفضه، إذا وجده متعارضًا مع النّتائج التّجريبيّة"[24]. ومغزى هذا الإنجاز هو تقرير رابطة وثيقة بين الفروض والاعتبارات، وهذا يدلّ من جديد على أنّ فروض صاحب المناظر ليست من جنس الفروض الميتافيزيقيّة الّتي لا يمكن إثباتها بالتّجربة ولا بالبّرهان الهندسيّ أو الرّياضيّ أو بواسطة الاستنباط العقليّ، بل من جنس الفروض القابلة للامتحان والاختبار، فضلًا عن أنّها تُتيح مجابهة التّوقعّات أو المُفترضات النّظريّة بالمعطيّات التّجريبيّة.

ثانيًا: الإستقراء (Induction): ويعني الابتداء في البحث باستقراء الموجودات، وتصفّح أحوال المُبصرات، وتمييز خواصّ الجزئيّات، والالتقاط بالاستقراء ما يخصّ البصر في حال الإبصار، وما هو مطّرد لا يتغيّر وظاهر لا يشتبه؛ أي البحث عمّا هو ثابت في العلاقات الّتي تربط الظّاهرة بالعلّة القريبة منها، لأنّ القوانين العلميّة إنّما تجيء بربط الحقائق الجزئيّة بعضها ببعض بروابط ثابتة منطقيًّا أو رياضيًّا، فهي في صميمها تلاخيص متزايدة الاندماج لتجارب متعدّدة متكرّرة، وهذه العمليّة هي في الواقع تمثّل روح المنهج التّجريبيّ عند صاحب المناظر لا في بحوثه وكشوفه الضّوئيّة والبّصريّة.

ثالثًا: التّنظيم أو التّرتيب: الارتقاء في البحث والمقاييس على التّدريج والتّرتيب؛ أي تنظيم البحث وفق طريقة رياضيّة-برهانيّة، وبعبارة أخرى "إنّ التّنظيم يقتضي ترابط الأشياء على نحو ضروريّ، وهذا التّنظيم من شأنه أن يجعل الجزء يتوّقف في تركيبه على الكلّ وطبيعة الكلّ هي التي تحدّد وجود الأجزاء" وهذا يدلّ من جديد على أنّ ابن الهيثم يعطي لهذا الاستعمال معنى التّدرّج المنهجيّ من المقدّمات إلى النّتائج، ولا يُمكن أن يكون هذا التَّدرّج مُمكنًا إلاّ متى استطعنا أن نتساءل عمّا إذا لم تكن ثمّة معاني ينبغي فحصها قبل غيرها، وعلى هذا النّحو يمكن التّمييز بين استدلالات برهانيّة وأخرى احتماليّة، أو بعبارة مختلفة، بين طريق التّحقيق وطريق الإقناع.

رابعاً: التّحقيق أو المحاكمة الذّهنيّة: انتقاد المقدّمات والتّحفّظ في النّتائج؛ أي عندما يتبيّن لنا أنه لا يمكن تفسير الظّاهرة بغير ما فسرناه بها، في هذه الحالة نكون أمام يقين يضاهي في أهميّته اليقين الرّياضيّ[25]. وفي مثل هذا المعنى، استعمل ابن الهيثم عبارة "على طريق التّحقيق"[26] أو عبارة "على غاية التّحقيق"[27] أو عبارة "على غاية التّحرير"[28] وبعبارة مختصرة، إنّ القول المحقّق يقال كمقابل للقول المظنون المأخوذ على الظّاهر دون "أدنى تأمّل"[29] والمبني على شهادة الحسّ المباشر أو على الأصول و"الطرق المتعارفة"[30]، ويتّضح هذا الأمر بجلاء من أقواله التي شرح بها كلام من تكلّم في مساحة الكرة، حيث يقول بلفظه: "ولمّا وقع كلامهم في هذا المعنى، ووقفنا على براهينهم، فكّرنا في مساحة الكرة: هل يُمكن أن يُوصل إليها من غير الوجوه الّتي وصل بها من تكلّم فيها؟ فلمّا أمعنا النّظر في ذلك، عنّ لنا مسلك يُوصل إلى مساحة الكرة، أوجزُ وأكثر اختصارًا من جميع المسالك الّتي سلكها من تقدّمنا، وأوضح من ذلك بُرهانًا، وأظهر بيانًا"[31] وليس أوضح من هذا البيان ما أثبته في مقالته الموسومة بمقالة في "المرايا المحرقة بالقطوع" من منطلق مغاير ولأهداف مغايرة، من أجل رفع الشّبهات عمّا استنبطه المهندسون وتنافس فيه المتقدّمون في خواص الأشكال الهندسيّة، وما يعرض عنها من الأمور الطبيعيّة[32].

يلوح من هذه النّصوص أنّ قصد ابن الهيثم من تدشين هذه المقالات بهذا الطلب يدلّ على الأهميّة القصوى الّتي يكتسيها سؤال المنهج بالنّسبة إلى مشروعه العلمي، وأنّ المحرّك الّذي حرّكه للعناية بهكذا سؤال هو جعل الفكر أكثر كفاءة، والدّرب أكثر وضوحًا، والنّظر في مسار الإنتاج ذاته بما فيه من وضوح أو غموض، ومن فشل أو توفيق، ومن صحّة أو خطأ، حتّى تستقيم الرؤيّة ما أمكن لها أن تستقيم.

وبالجملة، يُمكن اختزال جهد صاحب المناظر من هذا الجانب في أربع درجات من تقنيات البّرهنة العلميّة:

أولًا: البّرهنة النّاتجة عن كون الفرض يفسّر الظّاهرة بشكل مقبول ومرض.

ثانيًا: البّرهنة النّاتجة عن استقراء أحوال الموجودات كشرط للوقوف على ما هو ثابت لا يتغيّر.

ثالثًا: الارتقاء في البحث والمقاييس على التّدريج والتّرتيب.

رابعًا: البّرهنة النّاتجة من كون الفرض نفسه يصبح "محقّقاً على غاية التّحقيق" بعد انتقاد المقدّمات والتّحفّظ على النّتائج[33].

وإذا ترجمنا هذا إلى اللّغة الإبستيمولوجيّة الحديثة أمكننا القول: إنّ التّوافق ومبدأ عدم التّناقض هما في الحقيقة الشّرطان الضّروريان الّلذان يجب أن يتوفّرا في القول المحقّق، التّوافق مع معطيات الواقع التّجريبي؛ لأنّ الملاحظة قد تكشف فروضًا متعدّدة لظاهرة واحدة؛ لذلك فإنّ التّجربة في هذه الحالة تكون هي المحكّ في اختيار أيّ من هذه الفروض، وعلى أساسها تُقبل هذه الفروض أو تُرفض، وعدم التّناقض مع ما سبق اكتشافه من قضايا ومبادئ عامّة، أمّا الشّرط الأخير فهو "القانون" بالمعنى الحديث للكلمة. وبهذا التّقدير، قد يجوز لنا القول، إنّ المنهج التّجريبيّ في مراس القول الهيثمي هو عبارة عن خطوات فكريّة وعمليّة تبدأ بوضع فروض، وتنتهي إلى إخضاع النّتائج الّتي تُستخلص منها منطقيًّا للاعتبار "اعتباراً يقع معه اليقين"[34] ولأمر كهذا شدّد غاليلي (Galilée) مثلًا على أنّ الحقيقة العلميّة لا يمكن أن تُقاس بعدد القائلين بها، المصوّتين لفائدتها، وإنّما هي تُعرف بذاتها، تُعلن عن ذاتها دون سند خارجي ولو تظاهر النّاس أجمعين عليها.

خلاصة:

قصارى القول، إذا جاز أن نفهم الشكّ في مراس القول الهيثمي يُمكن القول إنّ الشّكوك الهيثميّة هي في صميمها تدابير منهجيّة؛ لأنّها موصولة وصلًا صميمًا بقدرتها على طرح أسئلة جديدة، أسئلةً هي بمثابة "القوّة المولّدة لمنهجه"[35] فهو لم يُرِدْ الشَّكَّ لمحض الشَّكّ، ولا يقبل أن يكون الشَّكُّ كيفما اتَّفق، أو الشّكّ، الّذي يكون متردّدًا بين النّفي والإثبات، بل يُمكن القول إنّ الشكّ في خضمّ هذا القول تتحدّد معالمه في علاقة بالبناء والتّأسيس، وغنيّ عن البيان أنّ اعتبارات مثل هذه تجعل ابن الهيثم يرفض المدخل البديهيّ، الّذي تُقبل فيه الفروض على أنّها صحيحة بذاتها (بديهيات) وأيّ تجارب كانت تُصمّم فقط لتعزيز هذه البّديهيات؛ لهذا كان صاحب المناظر متفوّقًا في اهتمامه بهذه النّاحيّة ومسوّغاتها، وهذا يدلّ من جديد أنّ الشكّ هو أيضًا نهج للإبداع والتّجديد.

 

 

قائمة في المصادر والمراجع

آثار ابن الهيثم

  • الحسن بن الهيثم، كتاب في حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه، المجلّد 11، منشورات معهد تاريخ العلوم العربيّة والإسلاميّة في إطار جامعة فرانكفورت يصدرها فؤاد سزكين، 1985.
  • الحسن بن الهيثم، كتاب المناظر، المقالات الثلاثة الأولى في الإبصار على الاستقامة، تحقيق وتقديم عبد الحميد صبره، السلسلة التراثية (4)، الكويت، 1983.
  • الحسن بن الهيثم، كتاب المناظر، المقالتان الرابعة والخامسة، حققهما عبد الحميد صبره، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، السلسلة التراثية (27)، الكويت، 2002.
  • الحسن بن الهيثم، الشّكوك على بطلميوس، تحقيق عبد الحميد صبره ونبيل الشهابي، تصدير إبراهيم مدكور، مطبعة دار الكتب المصريّة، القاهرة، 1996.
  • الحسن بن الهيثم، مقالة في كيفيّة الأرصاد، حقّقها وعلّق عليها عبد الحميد صبرة، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثاني، العدد الأول، حلب، أيار، 1978.
  • الحسن بن الهيثم، مقالة في عمل المسبَّع في الدّائرة، حقّقها وعلّق عليها رشدي راشد، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثالث، العدد الثاني، حلب، تشرين الثاني، 1979.
  • الحسن بن الهيثم، مقالة في حلّ شكوك حركة الالتفاف، حقّقها وعلّق عليها عبد الحميد صبرة، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثالث، العدد الثاني، حلب، تشرين الثاني، 1979.
  • الحسن بن الهيثم، رسالة في أضواء الكواكب، ضمن مجموع الرسائل للحسن بن الهيثم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، الطّبعة الأولى، حيدر أباد دكن، 1936.
  • الحسن بن الهيثم، مقالة في المرايا المحرقة بالقطوع، ضمن مجموع الرسائل للحسن بن الهيثم، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، الطّبعة الأولى، حيدر أباد دكن، 1936.
  • الحسن بن الهيثم، قول في مساحة الكرة، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة،الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011.
  • الحسن بن الهيثم، قول في تربيع الدائرة، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرّياضيّات التّحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس هجريين، الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011.
  • الحسن بن الهيثم، قول في قسمة المقدارين المختلفين المذكورين في الشكل الأول من المقالة العاشرة من كتاب أقليدس، تحقيق رشدي راشد، ضمن، الرّياضيّات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس هجريين، الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011.
  • الحسن بن الهيثم، مقالة في التّحليل والتّركيب، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، الجزء الرابع، ترجمة محمد يوسف الحجيري، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011.
  • الحسن بن الهيثم، كتاب في هيئة حركات كلّ واحد من الكواكب السبعة، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، الجزء الخامس، ترجمة بدوي المبسوط، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطّبعة الأولى، 2011.

المصادر العربيّة والمعرّبة

  • ابن أبى أصيبعة، (أحمد بن قاسم)، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، شرح وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1965.
  • البيهقي (ظهير الدين)، تتمّة صوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، الطّبعة الأولى، بيروت، 1994.

 ·ديكارت (رنيه)، حديث الطريقة، ترجمة وتقديم عمر الشّارني، دار المعرفة للنّشر، تونس، 1987.

بقيّة المراجع

  • راشد (رشدي)، الرّياضيّات التّحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، ج 5، ترجمة بدوي المبسوط، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011.
  • صبرة (عبد الحميد)، العلم عند العرب ومكانته، جامعة قطر، إدارة الشّؤون الثقافيّة، الإصدار الرّابع عشر، الموسمين الثقافيين السادس عشر 1988/1989، السابع عشر 1989/1990.
  • صليبا (جورج)، الفلك العلمي العربي نشأته وتطوّره، مركز الدّراسات المسيحيّة الاسلاميّة، جامعة البلَمنْد، 1998.
  • هيف (توبي)، فجر العلم الحديث، عالم المعرفة، عدد 260، الكويت، 2000.
  • هيل (دولاند)، العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، عالم المعرفة، العدد 305، الكويت، يوليو 2004.

المقالات

  • صليبا (جورج)، نظريّات حركات الكواكب في علم الفلك العربي، ضمن موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، الجزء الأول، إشراف رشدي راشد، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1997.

المراجع باللسان الأجنبي

· Kuhn )Thomas), Structure des révolutions scientifiques, Trad, Française, Flammarion, Paris, 1983.


[1] عبد الحميد صبرة، العلم عند العرب ومكانته، جامعة قطر، إدارة الشّؤون الثقافيّة، الإصدار الرّابع عشر، الموسمين الثقافيين السادس عشر 1988/1989، السابع عشر 1989/1990، ص 78.

[2] ابن أبى أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، شرح وتحقيق نزار رضا، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت 1965، ص 552.

[3] ابن الهيثم، كتاب الشّكوك على بطلميوس، تحقيق عبد الحميد صبره ونبيل الشهابي، تصدير إبراهيم مدكور، مطبعة دار الكتب المصريّة، القاهرة، 1996، ص 3.

[4] الحسن بن الهيثم، مقالة في عمل المسبَّع في الدّائرة، حقّقها وعلّق عليها رشدي راشد، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثالث، العدد الثاني، حلب، تشرين الثاني، 1979، ص 228.

[5] أنظر: ابن الهيثم، قول في قسمة المقدارين المختلفين المذكورين في الشكل الأول من المقالة العاشرة من كتاب أقليدس، تحقيق رشدي راشد، ضمن، الرّياضيّات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس هجريين، الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011، ص ص 301-302.

[6] الحسن بن الهيثم، مقالة في حلّ شكوك حركة الالتفاف، حقّقها وعلّق عليها عبد الحميد صبرة، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثالث، العدد الثاني، حلب، تشرين الثاني، 1979، ص 207.

[7] راجع: ابن الهيثم، مقالة في التّحليل والتّركيب، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، الجزء الرابع، ترجمة محمد يوسف الحجيري، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011، ص 324.

[8] يقول ابن الهيثم في كتاب حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه: "وهذا المعنى تمجّه الأسماع وتنبئ عنه الأفهام، ولا تذعن به العقول إلاّ بعد كشف علّته وإظهار موضع شبهته". ابن الهيثم، كتاب "في حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه"، منشورات معهد تاريخ العلوم العربيّة والإسلاميّة في إطار جامعة فرانكفورت يصدرها فؤاد سزكين، 1985، المجلّد 11، ص ص 194-195.

[9] الحسن بن الهيثم، قول في تربيع الدائرة، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرّياضيّات التّحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس هجريين، الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011، ص 161.

[10] ابن الهيثم، في حلّ شكوك كتاب أقليدس في الأصول وشرح معانيه، مصدر مذكور، ص ص 2-3.

[11] ابن الهيثم، كتاب الشّكوك على بطلميوس، مصدر مذكور، ص 42.

[12] المصدر نفسه، ص 64.

[13] البيهقي، تتمّة صوان الحكمة، تحقيق وضبط وتعليق رفيق العجم، دار الفكر اللبناني، الطّبعة الأولى، بيروت، 1994، ص 84.

[14] ابن الهيثم، مقالة في حلّ شكوك حركة الالتفاف، مصدر مذكور، ص ص 206-207.

[15] ذكره عبد الحميد صبرة في ابن الهيثم، كتابالشكوك على بطلميوس، مصدر مذكور، المقدّمة.

[16] رشدي راشد، الرّياضيّات التّحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، ج 5، ترجمة بدوي المبسوط، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطبعة الأولى، 2011، الهامش، ص 30.

[17] ما تجدر الإشارة إليه، هاهنا، أنّه ولئن اجتهد ابن الهيثم من أجل تأسيس سينماتيكا رياضّية خالصة، إلاّ أنّها "لم تكن مطابقة لسينماتيكا كبلر(Kepler) ولكنّها لم تعد مطابقة لسينماتيكا بطلميوس أو لأيّة سينماتيكا لسلف من أسلاف ابن الهيثم، فهي متميّزة التّكوين في منتصف الطّريق بين الاثنين. إنّها تتشارك مع السينماتيكا القديمة بمفهومين مهمّين: كلّ حركة سماويّة تتركّب من حركات بسيطة دائريّة ومُستوية، ومركز الرّصد متطابق مع مركز العالم. ولكنّها تتشارك مع السينماتيكات الحديثة في إبدال المراكز الفيزيائيّة للحركات والسرعات بمراكز هندسيّة." راشد، الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، مرجع مذكور، ج 5، ص 69.

[18] توبي أ. هيف، فجر العلم الحديث، عالم المعرفة، عدد 260، الكويت، 2000، ص 71.

[19] جورج صليبا، الفلك العلمي العربي نشأته وتطوّره، مركز الدّراسات المسيحيّة الاسلاميّة، جامعة البلَمنْد، 1998، ص 93.

[20] Kuhn Th., Structure des révolutions scientifiques, Trad, Française, Flammarion, Paris, 1983, p. 32.

[21] صليبا، الفلك العلمي العربي نشأته وتطوّره، مرجع مذكور، ص 127.

[22] المرجع نفسه، ص 96. أنظر كذلك: جورج صليبا، نظريّات حركات الكواكب في علم الفلك العربي، ضمن موسوعة تاريخ العلوم العربيّة، إشراف رشدي راشد، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، 1997،ج1، ص ص 125-127.

[23] ابن الهيثم، كتاب المناظر، المقالات الثلاثة الأولى في الإبصار على الاستقامة، تحقيق وتقديم عبد الحميد صبره، السلسلة التراثية (4)، الكويت، 1983، ص 62.

 [24]دولاند هيل، العلوم والهندسة في الحضارة الإسلاميّة، عالم المعرفة، العدد 305، الكويت، يوليو 2004، ص 106.

[25] يقول راشد: لقد "مال ابن الهيثم إذا صحّ التّعبير، في اتمامه لإصلاح علم المناظر، نحو «موقف وضعيّ» قبل الأوان، إذ كان يعتبر أنّه لا يمكن أن نتخطّى ما تعطيه التّجربة، ولا يُمكن أن نكتفي بالمفاهيم وحدها في دراسة الظّواهر الطبيعيّة. وذلك أنّه لا يُمكن الحصول على معرفة الظّواهر الطّبيعيّة من دون استخدام الرّياضيّات." راشد، الرياضيّات التّحليليّة، مرجع مذكور، ج 5، ص 36.

[26] ابن الهيثم، كتاب المناظر، مصدر مذكور، المقالة الأولى، ص 159.

[27] ابن الهيثم، قول في تربيع الدائرة، مصدر مذكور، ص ص 155-156.

[28] ابن الهيثم، كتاب في هيئة حركات كلّ واحد من الكواكب السبعة، تحقيق رشدي راشد، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة، الجزء الخامس، ترجمة بدوي المبسوط، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، الطّبعة الأولى، 2011. ص 286.

[29] ابن الهيثم، مقالة في كيفيّة الأرصاد، حقّقها وعلّق عليها عبد الحميد صبرة، ضمن مجلة تاريخ العلوم العربية، المجلد الثاني، العدد الأول، حلب، أيار، 1978، ص 7.

[30] ابن الهيثم، كتاب في هيئة حركات كلّ واحد من الكواكب السبعة، مصدر مذكور، ص 286.

[31] ابن الهيثم، قول في مساحة الكرة، تحقيق رشدي راشد، ضمن الرياضيات التحليليّة بين القرن الثالث والقرن الخامس للهجرة،الجزء الثاني، ترجمة محمد يوسف الحُجيري، مراجعة يوسف نزيه المرعبي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربيّة، الطّبعة الأولى، بيروت، 2011، ص 286.

[32] ابن الهيثم، مقالة في المرايا المحرقة بالقطوع، ضمن مجموع الرسائل لابن الهيثم، مصدر مذكور، ص ص 2-3.

[33] ثمّة، هاهنا، إمكانية للمقارنة بين ابن الهيثم وديكارت بخصوص القيم المنهجيّة التي توسّلها كلّ منهما في تدبير أمر الحقيقة، حيث يبدو لنا أنّ ديكارت لم يبتعد كثيرًا عمّا ذهب إليه صاحب المناظر في بيانه المنهجي، وبخاصّة فيما يتعلّق بالشّروط الّتي من شأنها أن تضمن اليقين، وهذه القيم تتلخصّ في أربعة قواعد كان قد أعلن عنها ديكارت في الفصل الثاني من حديث الطريقة؛ فأمّا الأولى: فهي أن لا أقبل أبدًا أيّ شيء على أنّه حقيقة دون أن أعرف معرفة جليّة أنّه كذلكح أي أن أبتعد تمامًا عن التسرّع والظنّ. والثانية: هي تقسيم كلّ من الصعوبات الّتي أبحث عنها إلى ما يمكن من أجزاء الممكنة لحلّها على أفضل وجه. أمّا الثالثة: هي تسيير أفكاري حسب نظام، مبتدئًا بأبسط المواضيع وأيسرها على المعرفة للارتقاء شيئًا فشيئًا، وحسب التدرّج إلى معرفة أكثر تركيبًا. أمّا الرابعة والأخيرة: أن أقوم في جميع الأحوال بإحصاءات ومراجعات على درجة من الشمول بحيث أكون واثقًا من أنّني لم أهمل شيئاً". راجع: ديكارت، حديث الطريقة، ترجمة وتقديم عمر الشّارني، دار المعرفة للنّشر، تونس، 1987، ص ص 63-69. ولكن، إذا كانت القيم التي توسلّها صاحب الطريقة تهدف إلى إثبات الحقيقة الأولى أو اليقين الأكثر بداهة الأمر الذي يبقيها في إطار عقلاني وميتافيزيقي، نجد في مقابل ذلك –ابن الهيثم- يتوسّل هذه المبادئ باعتبارها قيمًا علميّة من أجل إثبات المفترضات النّظريّة انطلاقًا ممّا يشهد به العيان ويقرّه الواقع، الأمر الّذي يجعله بعيدًا عن مثاليّة ديكارت.

[34] ابن الهيثم، كتاب المناظر، المقالتان الرابعة والخامسة، حققهما عبد الحميد صبره، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، السلسلة التراثية (27)، الكويت، 2002، ص 158.

[35] هيل، العلوم والهندسة في الحضارة الإسلامية، مرجع مذكور، ص 104.


مقالات ذات صلة

المزيد