الشيعة في مصر: محنة الخلاص في طريق الآلام

فئة :  مقالات

الشيعة في مصر: محنة الخلاص في طريق الآلام

الشيعة في مصر([1])

محنة الخلاص في طريق الآلام


"لقد سرتُ على الدرب الطويل للوصول إلى الحريّة، وحاولتُ ألّا أفقد حماسي، وقد قمتُ ببعض الخطوات الخاطئة على طول الطريق، ولكنني اكتشفت السر أنّه بعد تسلق جبل عظيم، يجد المرء أنّ هناك جبالاً أخرى كثيرة ينبغي تسلقها".

 نيلسون مانديلا

تُعدّ الطائفيّة الدينيّة من أعقد الظواهر الاجتماعيّة وأوسعها انتشاراً في الوقت نفسه، وعلى الرغم من أنّ الطوائف الدينية ليست مجرّد مظاهر موازية لأنماط التدين المألوفة، وإنّما هي مؤشرات غير عادية على أوضاع اجتماعية غير عادية أيضاً؛ كونها لا تتمتع بالديمومة والاستقرار الذي يميز الهياكل المكونة للمجتمع، فإنّه يلزم التمييز بين الطائفة والبنية الاجتماعية، وهل للطائفة طابع استثنائي عابر؟ وهل نجحت في ترسيخ وجودها وتجاوز هذا الاستثناء[2]؟ ومن ثمّ التمفصل في بنية المجتمع، وهو ما يتطلب قراءة تاريخية تحليلية لتاريخ الطائفة ومدى اندماجها وارتباطها بالبنى الاجتماعية.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح قبل الانطلاق في عملية تأصيل المعطيات والمفاهيم الرئيسة التي أثرت بشكل كبير في تحديد وضع ومكانة الطائفة الدينية في مجتمعاتنا العربية، يدور حول معنى الطائفية الدينية من زاوية الآخر، وكيف تكوّن هذا المفهوم وترسّخ في البنية الذهنية، بحيث باتت المسافة البينية مع الآخر الديني أكثر بعداً من تلك الموجودة مع الآخر الإثني.

ربما يعود ذلك إلى مفهوم الأمّة التقليدي في الوعي الإسلامي، الذي يتكوّن من أربعة متغيرات تتحقق الظاهرة من تكاملها وهي: جماعة يسودها الإيمان المطلق بالدين الإسلامي، تملك هذه الجماعة إدراكاً واحداً فيما يتعلق بالعقيدة ومفاهيمها والخضوع التام لمبادئها، وتربط عناصرها علاقة التضامن المطلقة، ثم يأتي الجهاد ضدّ الآخر كمحور للوظيفة الحضارية لتلك الجماعة[3]. وعليه يتحقق التكامل الوظيفي والبنائي لمفهوم الأمّة الإسلامية كحقيقة معنوية ترسخ في وجدانها ذلك التوجس من الآخر الذي يعيق وظيفتها، ويهدد منظومتها القيمية.

هنا يتشكل مفهوم الهويّة حسب التصور الديكارتي الذاهب إلى وجود كيان محوري كأساس وجزء لا يتجزأ من كل، لذاتٍ موحدة تسعى للحفاظ على نفسها، ويمكننا أن ننطلق من هذا التصور لوضع الظاهرة -الأمّة- في إطار التنظير المعاصر بالتركيز على الطبيعة السياقية والأدائية لمفهوم الذات، ويمكن هنا أن نمسك بطرف الخيط بالنظر إلى الطبيعة المتناقضة والمتشرذمة للذات كظاهرة تاريخية تمّ خلقها بفعل متناقضات شتى[4]؛ فمع هذا الشعور المفعم بالفخر والثقة الذي يولده الإيمان، ومع كلّ مبادىء الرحمة والتسامح والمحبة التي تتصدر الدعوة للعقيدة، يرتكب المؤمن من الفظائع ما لا يمكن استيعابه في سياق الإيمان بالله الواحد رمز الخير المطلق، يتجرد المؤمن في لحظة توحده ومشيئة السماء من كلّ مشاعر الإنسانية، ليقترف من الجرائم ما لم يخطر له على بال في سياق وعي جمعي مستلب يرفض الآخر رفضاً مطلقاً.

استيقظت مصر في الثالث والعشرين من يونيو عام 2013 على جريمة قتل مروعة وغير مسبوقة في تاريخ المشاحنات المذهبية داخل الإطار الإسلامي، حيث قتل أربعة من الشيعة، من بينهم الشيخ حسن شحاتة قبل أن يتمّ سحلهم والتمثيل بجثثهم على يد مجموعة كبيرة من أهالي قرية "أبو مسلم"، الواقعة بمحافظة الجيزة جنوب العاصمة.

ويورد تقرير المبادرة المصرية لحقوق الإنسان حول الأحداث المؤسفة من التفاصيل[5] ما يصدم العقل الجمعي، ويجعله في حيرة وارتباك، وهو يحاول استيعاب تفاصيل حادث قروسطي الطابع في القرن الحادي والعشرين.

هذا الحراك الجماعي الوحشي والغامض، والتعاقد الضمني دون اتفاق مسبق بين عشرات من البشر، دفعهم إلى مهاجمة منزل مملوك لأحد جيرانهم الشيعة، وذلك أثناء اجتماع ديني بمناسبة ليلة النصف من شعبان، حضره الداعية حسن شحاتة ومجموعة من أتباعه، حيث حاصر الغاضبون المنزل قبل أن ينجحوا في هدم جزء من السقف، وأخرجوا الشيخ وشقيقيه وأحد أتباعه، وقاموا بضربهم بالعصي والآلات الحادة وسحلهم في الطريق حتى الموت والتمثيل بجثثهم، في مشهد ربما يختصر كلّ مفاهيم الألم الخلاصي، وقد باتت دروب القرية الصغيرة طريقاً طويلة للآلام لا تبدو لها نهاية.

(1) مطرقة السياسة

تضاربت الإحصائيات بشأن أعداد الشيعة في مصر، حيث تفيد تقارير دولية أنّ عددهم يصل إلى 1% من عدد السكان، بينما يقدر الشيعة أنفسهم ما بين 750 ألفاً ومليونين، إلا أنّ تحديد الرقم كما يقول الزعيم الشيعي أحمد راسم النفيس شديد الصعوبة في ظلّ عدم وجود مؤسسة شيعية رسمية، دينية أو مدنية يمكنها حصر أعدادهم، لكنّهم على كلّ الأحوال يشكلون ثاني أكبر أقليّة دينية في مصر من حيث العدد بعد الأقباط.

وبالنظر إلى الوجود الشيعي في مصر، فإنّه قديم قدم الانقسام الذي شقّ العالم الإسلامي إبّان الصراع على الخلافة بين الشيعة والأمويين ومن بعدهم العباسيين، حيث واصل الصراع فصوله الدرامية بوصول الفاطميين إلى حكم مصر سنة 969م، بعد قيام دولتهم في شمال إفريقيا، ليبدأ الوجود الشيعي في مصر منذ ذلك التاريخ وحتى قيام الدولة الأيوبية، التي كثفت جهودها للقضاء على المذهب الشيعي، ولم يبقَ غير ذيول هامشية انزوت في تجمعات سرية عزلت نفسها عن المجتمع.

وطوال سنوات الصراع بين الدولة العثمانية السنيّة ـ كانت مصر ولاية تابعة لها- وبين الدولة الصفوية في إيران، التي تُعدّ الظهير والمرجعية السياسية للشيعة حول العالم، زاد الوجود الشيعي في مصر ضعفاً. ومع بزوغ نجم محمد علي، ووقوفه في وجه الإمبراطورية العثمانية، نشطت العلاقات المصرية الإيرانية، وهو الأمر الذي تطور في عهد خلفاء محمد علي، ليصبح لإيران سفير معتمد في القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل، كما نشطت العلاقات التجارية بين البلدين بشكل غير مسبوق.[6]

وقد بلغ تنامي العلاقات السياسية ذروته عام 1939م بزواج الأميرة فوزية شقيقة فاروق الأول ملك مصر من ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي، ولكن سرعان ما انتهى هذا الزواج نهاية حزينة، حيث وقع الطلاق بين الزوجين، ويمكن القول بين العرشين أيضاً، ومن ثمّ فترت العلاقات بين البلدين. لكنّ تنامي العلاقات في عهد أسرة محمد علي منح الوجود الشيعي في مصر رئة جديدة للتنفس، خاصة مع تصاعد دعوات التقريب بين المذاهب، التي أثمرت فيما بعد، وبالتحديد في عام 1958م، عن فتوى شيخ الأزهر محمود شلتوت بجواز التعبد على مذهب الشيعة الإمامية، حيث أكد في فتواه: "أنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الإمامية الاثني عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير حقّ لمذاهب معينة"[7]. وهو ما أنعش الوجود الشيعي في مصر، الذي بلغ ذروته وانتكاسته أيضاً في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ففي بداية الأمر كان السادات على علاقة وطيدة بشاه إيران محمد رضا بهلوي، ومن ثمّ أمر بإنشاء بعض الجمعيات والهيئات الشيعية في مصر، مثل جمعية آل البيت، إضافة إلى السماح لبعض الطوائف الأخرى بالعمل كالبهرة، ووافق على قيامهم بتجديد وإعادة بناء مسجد الحاكم بأمر الله لإقامة شعائرهم فيه. وظلّ الوضع على هذه الحال حتى قيام الثورة الإيرانية سنة 1979م، والتي اتخذ السادات منها موقفاً معارضاً، وقام بحلّ جمعية آل البيت ومصادرة ممتلكاتها، وفي ردّ فعل مسيس تماماً أصدر شيخ الأزهر عبد الرحمن بيصار فتوى تبطل الفتوى التي سبق وأصدرها شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت بجواز التعبد بالمذهب الجعفري[8].

وعلى مدى العقود التالية تفاقمت مشكلات الأقلية الشيعية في مصر، حيث تعرضوا للملاحقة والاعتقال بتهم تكدير السلم المجتمعي والإخلال بالأمن العام، مع الربط بينهم وبين إيران، ومن ثمّ كانت تهمة التجسس لصالح طهران اتهاماً رئيساً في معظم القضايا التي أفرد لها مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية تقريراً بعنوان: "الملل والنحل والأعراق عام 2005م، وفيه استعراض لأهمّ قضايا الملاحقة التي جرت من قبل الأجهزة الأمنية تجاه الشيعة، وأهمها قضية عام 1987م، التي تمّ فيها القبض على عدد من الشيعة بتهمة التجسس لصالح إيران، وقضية عام 1988م التي اعتقل على إثرها مجموعة من الطلاب الشيعة العرب، ووصلت الأمور إلى منحى خطير بترحيل القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية بتهمة تمويل تنظيمات شيعية في مصر. وتواصلت حملات الاعتقال وكان أبرز ضحاياها محمد الدريني، رئيس المجلس الأعلى لرعاية آل البيت بمصر، الذي اعتُقل عدة مرات، ولجأ الشيعة إلى القضاء مراراً لاستعادة جمعية آل البيت التي صادرتها الدولة دون جدوى[9].

وهكذا كانت التقلبات السياسية فاعلاً رئيساً في تعدد المحن التي ضربت الوجود الشيعي في مصر منذ سقوط الدولة الفاطمية، وبات الاضطهاد مطرقة يتمّ استدعاؤها بين الحين والآخر، على امتداد حركة التاريخ، ووصل الأمر إلى حدّ عدم الاعتراف بوجود الشيعة من الأساس؛ فمع قيام ثورة 25 يناير 2011م وانفتاح المجال العام، في ظلّ تراخي قبضة الدولة الأمنية، حاول الشيعة البحث عن موقع تحت الشمس، ويبدو أنّ آمالهم انتعشت في محاولة لانتزاع اعتراف رسمي بوجودهم، وهو ما انعكس على تصريحات الزعيم الشيعي أحمد راسم النفيس الذي أعلن عن نيته تأسيس حزب سياسي هو حزب التحرير، من أجل تحقيق التوازن في التمثيل النسبي للطوائف، مؤكداً رغبة الشيعة في تحقيق العدالة والحرية، على حد قوله، لكنّ محاولة دخول معترك الحياة السياسية وانتزاع اعتراف الدولة أثار جدلاً في المجال العام حول تعارض ذلك ومواد الدستور الرافضة لتأسيس أحزاب على أساس ديني، وسرعان ما أنهت المحكمة الإدارية المصرية العليا في سبتمبر 2012م الأمر بحكمها برفض قيام حزب التحرير الشيعي، تصديقاً على توصية هيئة مفوضي الدولة برفض تأسيس الحزب[10]. وهو أمر لم يطبق على أحزاب دينية عديدة نشأت مثل: الحرية والعدالة والنور والوطن والأصالة وغيرها.

وتجلى الإقصاء المذهبي بشكل بارز مع الانتهاء من صياغة أول دستور لمصر بعد الثورة، فالمادة (219) التي تنصّ على أنّ مذهب أهل السنّة والجماعة هو فقط المعمول به في مصر، جاءت سيفاً مسلطاً على رقاب الشيعة، وصرّح التيار السلفي بأنّ الهدف من هذه المادة بمنتهى الوضوح هو حماية الشعب المصري من الشيعة والخوارج، ولم يترتب على حذف هذه المادة في الدستور الجديد عام 2014 أيّة حقوق أو مكاسب قانونية تُمكّن الشيعة من إنشاء حسينيات أو حوزات دينية.

هكذا لعبت السياسة دورها في تكريس حالة الإقصاء لأصحاب المذهب الشيعي، وهي حالة غير جديدة على هؤلاء الذين اختبروا جيداً التيه في دروب السياسة ومجاهلها منذ مذبحة كربلاء، لكن ما يطرح العديد من الأسئلة الإشكالية هو هذا الوجود المضطرب في دولة تفترض سيادة القانون ومدنية الحكم في العصر الحديث.

(2) الأزهر في المواجهة

تبدو المفارقة التاريخية شديدة التناقض حد الحيرة، فالأزهر الذي بناه الفاطميون في عام 972م لنشر المذهب الشيعي، تحوّل فيما بعد لرأس حربة في مواجهة الشيعة، قبل أن يحدث هذا التحول المثير في مسار المواجهة نحو منطقة أخرى للتفاهم والتقارب في العصر الحديث؛ ففي عام 1947م أثمرت جهود المرجع الشيعي محمد تقي الدين القمي عن تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر، والتي ضمت رموزاً دينية من الأزهر في وزن الشيخ محمود شلتوت والشيخ عبد المجيد سليم، وكلاهما أصبح فيما بعد شيخاً للأزهر، بالإضافة إلى حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وأصدرت الدار مجلة "رسالة الإسلام" التي صارت منبراً للعمل على جمع كلمة المسلمين على اختلاف طوائفهم.

وكان لمجلة "رسالة الإسلام" طابع خاص، حيث كتبت المقالات غالباً بيد علماء أدباء، ولذلك اهتمّ الشيخ القمي بدقّة الترجمة أيّما اهتمام، حيث خصّص جلسات يومية للمراجعة، وكان يشترك في هذه الجلسات أستاذ من كليّة الإلهيات هو الأستاذ "الآقا"، ومن الشخصيات التي برزت بين جماعة التقريب الشيخ عبد المجيد سليم، حيث ظهر في كتاباته بوضوح ما كان يحمله من محبة وتقدير لآل البيت، وكان يستشعر مدى الظلم الذي تعرضوا له على مدار التاريخ الإسلامي، والذي بلغ ذروته بفاجعة كربلاء، وهذا هو سرّ إصراره على إزالة حواجز العزلة بين السنّة والشيعة، واهتمامه بأمرالتقريب، وجعله ذلك مرتبطاً بالجماعة ارتباطاً وثيقاً حتى بعد اعتلائه مشيخة الأزهرالشريف، وكان توقيعه يحمل دائماً لقب: شيخ الأزهر ووكيل جماعة التقريب.[11]

كانت فتوى الشيخ شلتوت بجواز التعبد على المذهب الجعفري عام 1959م شديدة الإيجابية لجهود دار التقريب، استفاد منها الشيعة بشكل كبير، فلأول مرّة تخرج فتوى بهذا القدر من قبول الآخر من أكبر مرجعية سنيّة في العالم الإسلامي، وهو ما كان يبشر بوضع نهاية لقرون طويلة من الاضطهاد عانى فيها الشيعة وتجرّعوا مرارة الإقصاء.

وعلى الجانب الآخر قاد الشيخ عبد اللطيف السبكي رئيس لجنة الفتوى بالأزهر فريق المعارضة، وشنّ حملات شعواء على دار التقريب، كما فنّد الشيخ محمد عرفة فتوى الشيخ شلتوت، وهاجمها بعنف مستنكراً فكرة التقريب من الأساس، وانضمّ إلى جبهة المعارضة الشيخ محب الدين الخطيب، الذي كتب عدة مقالات في مجلة الأزهر، هاجم فيها فكرة التقريب بين السنّة والشيعة، وضمّن أفكاره في كتاب الخطوط العريضة، الذي ناقش فيه أفكار الشيعة ومعتقداتهم بشكل هجومي[12].

وسرعان ما انتهت مرحلة الوفاق عام 1979م، على إثر الخلاف السياسي بين مصر وإيران، وما ترتب عليه من صدور فتوى شيخ الأزهر عبد الرحمن بيصار بإلغاء فتوى الشيخ شلتوت، ليصبح الشيعة في مرمى النيران من جديد، في ظلّ تتابع الفتاوى المناوئة لوجودهم، وهو ما تجلى بوضوح في بيان شيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق، الذي شنّ فيه هجوماً صريحاً على الشيعة وعقائدهم[13]. واستكمل شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي تكريس حالة الرفض المطلق للوجود الشيعي، ومنع تداول المطبوعات الشيعية في مصر، كما حثّ الأجهزة الأمنية على مصادرتها، وأكد صراحة: "لا مكان ولا وجود للشيعة في مصر"[14].

أمّا شيخ الأزهر الحالي أحمد الطيب، فإنه يمثل حالة "الإمساك بالعصا من المنتصف"، فهو من جهة ذلك الرجل الصوفي المحبّ لآل البيت، والداعي لقبول الآخر، والرافض تماماً لكلّ دعوات التكفير، ومن جهة أخرى هو شيخ الأزهر قلعة المذهب السنّي المتوجس من الشيعة، والواقف بالمرصاد لكلّ محاولات التشيع.

عبّرت تصريحات الشيخ الطيب عن تلك الحالة المرتبكة، فهو مرّة يقول: "نحــن نصــلّي وراء الشيعــة؛ فــلا يــوجــد عنــدهم قـــرآن آخـــر وأنّ الاختلاف من سنن الكون"[15]، ومرّة أخرى يدعو إلى محاربة نشر التشيع في مصر، حيث نادى صراحة بتوحيد الصف في مواجهة المدّ الشيعي المحتمل في اجتماع ضمّ ممثلين عن الجمعية الشرعية والإخوان المسلمين والسلفيين لمتابعة قضية الحسينيات في مصر[16].

ويبدو أنّ هذه المواقف الملتبسة تأتي على خلفية الرفض الصارم من قبل الأزهر السنّي للوجود الشيعي في مصر، وتمترس المؤسسة الدينية خلف سياجات موروثة ربما تمفصلت في البنية المجتمعية للشعب المصري ككل، فها هو ذا الأنبا أرميا الأسقف العام للكنيسة المصرية يصرح بأنّه لا يوافق على تعديل المادة الثالثة من الدستور التي تنص على أنّ "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشؤونهم الدينية واختيار قيادتهم الروحية"، مؤكداً رفضه الاقتراح المقدّم باستبدال عبارة "المسيحيين واليهود" بعبارة "غير المسلمين" معللاً ذلك بأنّه يفتح الباب أمام الشيعة للبحث عن حقوق قانونية[17].

وهكذا، أجهضت تماماً كلّ الجهود التي بذلها الشيعة لانتزاع أي اعتراف من أيّ نوع، وتحت وطأة ضغط الأزهر والجماعات السلفية فشلت جهودهم في إقامة أيّ شكل من أشكال الاحتفالات الدينية، وآخرها محاولتهم الاحتفال بيوم عاشوراء في مسجد الحسين عقب أحداث 30 يونيو.

هذا الوضع الطائفي الإشكالي يلخص حالة من الوعي المستلب في سياقات تصورات موروثة، تعكس نوعاً من التردي يقف أمامها القانون عاجزاً، والدولة صامتة، والأقلية يائسة، وربما تفاجئنا الأيام بمأساة جديدة كمأساة قرية "أبو مسلم"، وقد أهدرت جميع فرص التقريب، وضاقت مساحات قبول الآخر إلى حد كبير، أو ربما يصبح صوت العقلاء أكثر وضوحاً قبل أن ندفع جميعاً الثمن.


[1] مقال تم نشره في ملف بحثي بعنوان "الطائفية" بتاريخ 27 يوليوز 2016، تنسيق أنس الطريقي.

[2]- جيمس أبكفورد، تأويل الحركات الدينية، ضمن المؤلف الجماعي: أبعاد الدين الاجتماعية، تعريب صالح البكاري، إشراف عبد الوهاب بوحديبة (بيروت: الدار العربية للكتاب، 1985)، ص ص 50 ـ 51

[3]ـ حامد ربيع، مدخل في دراسة التراث السياسي الإسلامي، ج2، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة 2007، ص ص 21-22

[4]ـ برتي السوتاري: النظرية الاجتماعية والواقع الإنساني، ترجمة علي فرغلي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، ص227

[5]- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، "تقرير عن "مذبحة الشيعة" في زاوية أبو مسلم بالجيزة"، بتاريخ 26/6/2013، على الرابط التالي: http://eipr.org/pressrelease/2013/06/26/1750

[6]ـ لمزيد من التفاصيل انظر: عبد الوهاب بكر (وآخرون): العلاقات المصرية الإيرانية في التاريخ الحديث والمعاصر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2009

[7]ـ ناصر بن عبد الله الفقاري: مسألة التقريب بين أهل السنّة والشيعة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الثانية، 1413هـ، ص 309

[8]- قصة التشيع في مصر من حكم المحروسة إلى هامش المجتمع (تقرير)، مصر العربية، 23يونيو 2013م. على الرابط التالي: http://cutt.us/XAnDa

[9]ـ الملل والنحل والأعراق (تقرير) مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية: التقرير السنوي الثامن، إشراف الدكتور سعد الدين ابراهيم، القاهرة، 2005، ص 41

[10]ـ جريدة الوطن، النفيس لـ"الوطن": "رفض تأسيس حزب التحرير الشيعي تعنت ضدّ حرية إنشاء الأحزاب"، بتاريخ 22/9/2012، على الرابط التالي: http://elwatannews.com/news/details/52194

[11]ـ دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، القسم الثاني، تاريخ ووثائق.

على الرابط التالي: http://iranarab.com/Default.asp?Page=ViewArticle&ArticleID=317

[12]ـ مجلة الأزهر: العددان الرابع والخامس من المجلد الحادي والثلاثين الصادر في جمادى الأولى 1379هـ ـ نوفمبر 1959م ص 496

[13]ـ جاد الحق علي جاد الحق: بيان للناس (2/11-18)، دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2007م.

[14]ـ موقع العربية، الثلاثاء 23 جمادى الثانية 1430هـ، 16 يونيو 2009م.

[15]ـ اليوم السابع، "شيخ الأزهر: أرفض "تكفير" الشيعة ونحن نصلي خلفهم"، بتاريخ 15/10/2010.

على الرابط التالي: http://bit.ly/1sLBof2

[16]- المصري اليوم: "الأزهر يحاول فك الاشتباك بين السلفيين و"الصوفية" حول "شيعة مصر"، بتاريخ 19/5/2012، على الرابط التالي: http://www.almasryalyoum.com/news/details/179813

[17]ـ اليوم السابع، "الأنبا أرميا: تعديل المادة الثالثة سيفتح الباب لخلاف نحن في غنى عنه"، بتاريخ 23/9/2013. على الرابط التالي:

http://bit.ly/1sR2AYQ


مقالات ذات صلة

المزيد