"الصّراع اللاّهوتي في القيروان أيّام الأغالبة" لمحمّد الطّالبي

فئة :  قراءات في كتب

"الصّراع اللاّهوتي في القيروان أيّام الأغالبة" لمحمّد الطّالبي

تقديم كتاب "الصّراع اللاّهوتي في القيروان أيّام الأغالبة"([1]) لمحمّد الطّالبي


يعدّ تحقيق المخطوطات التّاريخيَة عملًا ذو أهميّة كبرى، نظرًا إلى لما يترتّب عليه من حفظ للذّاكرة والتّراث، وإضاءة جوانب مجهولة لفترة تاريخيّة ما، بالتّالي، فتح آفاق للباحثين عبر تقديم مادّة تاريخيّة مصدريّة خاضعة للمقارنة والتثبّت، وفي هذا الإطار نقدّم آخر إصدارات المفكّر والمؤرّخ محمّد الطّالبي، الذي وافته المنيّة مؤخّرًا يوم 1 ماي 2017.

صدر عن دار سوتيميديا للنّشر والتّوزيع في تونس، في شهر كانون الثاني 2017، كتاب "الصّراع اللاهوتيّ بالقيروان أيام الأغالبة" للدّكتور محمّد الطّالبي، ولئن كان هذا الأخير غنيًّا عن التّعريف، لكونه أحد رموز الجامعة التونسيّة ومؤسّسيها، وأحد أكبر الأخصائيّين في تاريخ إفريقيا في الفترة الوسيطة؛ فقد اختار أن يقدّم نفسه "مفكّرا مسلمًا قرآنيًّا"، في إحالة على تبنّيه لمذهب القرآنيّين في فهمه للإسلام، وهو مذهب نشأ في القرن التّاسع عشر في الهند على يد "أحمد سيد خان"، يقوم أساسًا على التّشكيك في مدى صحّة "السنّة النبويّة"، والأحاديث المنسوبة للرّسول والفقه الإسلاميّ عامَّة، أو ما يُعرف بالشّريعة، وعدم اعتبارها مصدرًا للتّشريع، والاكتفاء بالقرآن مصدرًا وحيدًا للتّشريع[2].

يحمل الكتاب عنوانين؛ عنوانًا رئيسًا "الصّراع اللاهوتيّ في القيروان أيّام الأغالبة"، وعنوانين فرعيّين: حدَّد الأوّل الفترة الزمنيّة التي يهتمّ بها الكتاب، وهي (184- 296هـ/ 800- 909م)؛ أي تاريخ تأسيس الدولة الأغلبيّة وسقوطها، بينما وضّح العنوان الثّاني فحوى الكتاب، وهو "تحقيق ثلاث مخطوطات من مكتبة القيروان الأثريّة".

ورد الكتاب في 253 صفحة، وزَّعت على قسمين رئيسين: عنون الأوّل بـ "تحقيق المخطوطات"، والثّاني بـ "أهمّ المسائل اللّاهوتية التي تثيرها المخطوطات".

انقسم القسم الأوّل إلى ثمانية فصول، تضمّنت وصفًا للمخطوطات، وتقديمًا عامًّا لمسألة الصّراع اللّاهوتي في القرون الوسطى والقيروان تحديدًا، بينما شغلت المخطوطات الثّلاث التي قام بتحقيقها المؤلّف بقيّة الفصول.

أمّا القسم الثّاني؛ فهو، كما يشير إلى ذلك عنوانه، عرض لأهمّ المسائل التي تثيرها المخطوطات، وهي: الإرجاء والاعتزال والقدر، شغلت كلّ منها فصلًا مستقلًّا، إضافة إلى ملاحظات عامّة حول قضايا فقهيّة وحضاريّة في العصر الوسيط.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب غاب عنه التّمهيد والتّقديم العامّ، وفهارس الأعلام، وقائمة المصادر والمراجع.

وعمومًا؛ فإنّ قارئ هذا الكتاب يستجلي، منذ قراءته لتقديم القسم الأوّل، أنّ الجدوى من تأليفه تتجاوز تحقيق المخطوطات والتّعليق عليها، إلى محاولة طرح أهمّ القضايا الفقهيّة الخلافيّة والجداليّة، التي أثارها الدكتور الطالبي، ليس فقط في الأوساط الجامعيّة والأكاديميّة؛ إنّما، أيضًا، في وسائل الإعلام؛ حيث استُضِيف مرّات عديدة، لا للتّعريف به وبأفكاره، بل - أيضًا - لمناقشته في آرائه الفقهيّة والفكريّة[3]، خاصًّة منها؛ المتعلّقة بنفي السنّة النبويّة، وهي الآراء التي يتبنّاها القرآنيّون، دون أن نغفل عن المسألة الجداليّة الأخرى، التي لا تقلّ أهميّة عن الأولى، خاصّة بالنّسبة إلى جمهور المسلمين، وهي مسألة تحليل شرب الخمر التي يدافع عنها الطالبي.

وقد حاول الطالبي في هذا التقديم تأصيل هذه المسألة فقهيًّا، وإدراجها ضمن إطارها التاريخيّ، كي يثبت أنّها كانت إحدى نقاط الخلاف بين التيّارات الفقهيّة، التي لم تُهمِل القضايا المتعلقة بالإفتاء والتّحليل والتّحريم، رغم أنّها ناقشت قضايا تهمّ أصول الدّين واللّاهوت.

لقد كانت القيروان، آنذاك، إحدى مراكز الصّراع الفكريّ والفقهيّ بين زعماء أهل السنّة وزعماء "أهل البدع" من جهة، وبين أهل السنّة فيما بينهم، أتباع المذهبَين المالكيّ والحنفيّ؛ اللذيْن كانا متواجدَين في إفريقيا خلال القرنين الثّاني والثّالث للهجرة من جهة أخرى، ومثّلت مسألة تحليل الخمر مصدر خلاف بين أهل السنّة، ممثّلين بفقهائهم، لعلّ أشهرهم؛ سحنون بن سعيد التنّوخي إمام المالكيّة، وسليمان بن عمران إمام الحنفيّة.

اتّخذ مؤلّف الكتاب من قضيّة تحليل الخمر من تحريمه مثالًا ومنطلقًا في آن، ليبسط آراء كلّ من المالكيّة والحنفيّة، ويبيّن بذلك أنّ الخلاف حول تحريم الخمر تعود جذوره إلى القرون الأولى للهجرة، ثمّ ليبسط آراءه التي تقول بتحليل الخمر اعتمادًا على القرآن.

نفهم من خلال هذا الباب أنّ تحريم الخمر لم يكن بالقطعيّة التي يدّعيها الفقهاء وعلماء الدّين؛ ففقهاء الحنفيّة في الفترة الأغلبية كان من بينهم من لا يرى بتحريم النّبيذ (نشير هنا إلى أنّ الطّالبي لا يعتقد بالفرق بين الخمر والنبيذ على عكس الفقهاء)، في حين كان المالكيّة يرون تحريمه.

ويواصل الطّالبي حديثه عن مسألة الخمر بتناوله لذكر هذا الأخير في القرآن؛ فيذكر السّور الخمس التي يرد فيها ذكر الخمر ([النحل: 67]، [البقرة: 219]، [النّساء: 43]، [محمد: 15]، [المائدة: 87- 93])، ويستنتج أخيرًا أنّه لا يوجد آية صريحة في القرآن تحرّم الخمر؛ بل إنّ الرّجس الذي تتحدّث عنه الآية (93) من سورة المائدة مثلًا؛ هو الرّجس الذي يمكن أن ينجرّ عن شرب الخمر، لا الخمر في حدّ ذاته، أمّا قوله: {فاجْتَنِبُوه}، لا يعني البتّة فعل التّحريم، بحسب لسان العرب، وكلّ قائل بذلك هو متعسّف على اللّغة وعلى كلام الله، على حدّ تعبيره.

وإضافة إلى الآيات القرآنيّة؛ فقد بحث الطّالبي في الأحاديث والرّوايات المنسوبة إلى النّبي، واستخلص أنّ هذا الأخير شرب النّبيذ في حجّة الوداع، وكان يشرب الخمر اعتمادًا على الحديث المشهور: {يا عائشة ناوليني الخَمرة/ الخْمرة}، وحاول إثبات أنّ حرف الخاء في كلمة الخمرة أتى مفتوحًا، وليس مضمومًا، كما يقول بذلك عديد الفقهاء، من بينهم؛ مؤسّس دار الحديث الزيتونيّة فريد الباجي، الذي خصّص بعض الصفحات من الكتاب كي يردّ على الاتّهامات التي وجّهها له.

ومهما يكن من أمر التّحليل والتّحريم؛ فإنّ هذه المسألة احتلّت حوالي 24 صفحة من الكتاب، في حين أنّ المخطوطات التي قام الطّالبي بتحقيقها لا تطرح هذه المسألة، وهو ما يوحي بخلل منهجيّ على مستوى تنظيم فصول الكتاب ومحاوره؛ إذ كان من الممكن أن يورد هذه المسألة في الفصل الأخير المخصّص للملاحظات العامّة، ويؤكّد، من جهة أخرى، ما ذكرناه في بداية هذا التّقديم من أنّ الباحث استغلّ هذا الكتاب للردّ على منتقديه وخصومه، في القضايا التي أثارت جدلًا لدى الرّأي العامّ التونسيّ، خصوصًا في الفترة التي تكثّف فيها الحضور الإعلاميّ للطالبي، وهو ما يمسّ من صرامة الكتاب العلميّة.

Iتحقيق المخطوطات والتّعليق عليها:

1. المخطوطات المحقّقة:

اهتمّ القسم الأوّل من الكتاب بتحقيق المخطوطات، والمخطوطات التي تمّ تحقيقها محتفَظ بها في مكتبة القيروان الأثريّة، اطّلع عليها المحقّق، وأخذ منها صورًا بالمكروفيلم، وهي مخطوطَان: يتكوّن الأوّل من سبع عشرة ورقة، ويحتوي على كتابين؛ أحدهما يحمل عنوان "أحاديث في السنّة والنّهي عن البدعة"، وهو من تأليف أحمد بن يزيد المعلم (ت 284هـ/ 897م)، سمعها منه ودَوّنها محمد بن عثمان (ت318هـ/930م)، والكتاب الثّاني: لمحمد بن عثمان، يحمل عنوان "روايات في اعتقادات السنّة"، سمعها ودوّنها أبو جعفر أحمد القصري (ت 320هـ/ 932م).

أمّا المخطوط الثّاني؛ فيحوي كتابًا للفقيه المالكي يحي بن عون الخزاعي (ت 298هـ)، بعنوان "كتاب الحجّة ممّا دوّن يحيى بن عون"، سمعه محمد بن إسحاق الجبلي (ت341هـ).

يفرد المحقّق تقديمًا عامًّا لهذه المخطوطات ولطبيعتها في بداية العمل، وقد أرفقه بصور لها، كما أنجز تعريفًا بالكُتّاب الثّلاثة في بداية كلّ تحقيق، بالاعتماد على الأخبار المتفرّقة المتعلّقة بهم في مختلف المصادر المتعلّقة بتاريخ إفريقيا من كتب تاريخ وطبقات، وممّا يمكن أن نستنتجه؛ أنّ أصحاب المخطوطات الثّلاثة لم يكونوا من الطّبقة الأولى من الفقهاء، سواء منهم المالكيّة (أحمد بن يزيد ويحيى بن عون)، أو الحنفيّة (محمد بن عثمان).

هذه التّرجمة يمكن أن تقدّم لنا إضاءات حول مضمون المخطوطات المحقّقة، وعلى طريقة صياغة أخبارها؛ فالكتّاب الثلاثة لم يكونوا من المنظّرين، ولا من أولئك الذين قاموا بإدخال إضافات أو إثراء مذاهبهم الأصليّة؛ بل كانوا أوفياء لما سمعوه عن معلّميهم، أو عن مشاهير الفقهاء، أو أحاديث رُويت عن النبيّ، حتّى لو كانت ذات طابعٍ أسطوريّ، ويستشهد الطّالبي برأي أبي العرب في أحمد بن يزيد؛ إذ يقول: "إنه كانت تغلب عليه الرّواية والتّقليد"، فلئن كان هذا الأخير محدّثًا بارعًا؛ فإنّ منهجه في الكتاب كان يقوم على تكديس الأحاديث "تكديسًا يشبه، إلى حدّ بعيد، تكديس الحجارة التي تستعمل لغاية إقامة حصن منيع يحمي السنّة"[4].

أمّا المواضيع المطروحة في هذه الكتب؛ فقد غلب عليها الردّ على" أهل الأهواء والبدع"، والمقصود بالأهواء والبدع؛ الفرق الكلاميّة التي كانت في أوج نشاطها الفكريّ في تلك الفترة، وربح بعضُها في صفوفها خلفاء وأمراء، مثل: أمراء بني الأغلب الذين كانوا من المنتسبين إلى المذهب المعتزليّ أو المتعاطفين معه، وإضافة إلى المعتزلة وسابقتها القدريّة، اهتمّت المخطوطات بالردّ على الفرق الأخرى؛ كالمرجئة والجهمية.

إلّا أنّ هذا الردّ لم يكن بالعمق الذي يمسّ أصول المسائل؛ بل كان ترديدًا لما قيل من قبل، واتّسم بالبساطة والسطحيّة، ممّا جعل الإيمان بالخرافة، والعجيب يبدو واضحًا، خاصّة، من خلال كتاب محمّد بن عثمان.

كلّ هذا جعل هؤلاء المؤلفين يندفعون في محاربة القدرية وأهل البدع دون أن يكون لهم التكوين المتين الذي يمكّنهم من ذلك؛ لهذا كانوا أميل إلى تكفير معارضيهم والقائلين بما يخالف معتقداتهم، وفي الواقع؛ فإنّ القضايا التي تطرحها هذه المخطوطات كانت قضايا فكريّة وكلاميّة حارقة، ولم تكن تشغل أهل إفريقيا فقط؛ بل كامل العالم الإسلاميّ، منذ أواخر القرن الأوّل وبداية القرن الثّاني للهجرة.

2. أهمّ القضايا التي تطرحها المخطوطات:

يهتمّ القسم الثاني من الكتاب بأهمّ القضايا التي تطرحها المخطوطات؛ وهي القضايا التي كانت محلّ خلاف بين أهل السنّة وأهل البدع، ولئن ذكر الطالبي بعضها (الإرجاء، الاعتزال، القدر) فقد أهمل البعض الآخر (الإيمان بالخرافات).

● الإرجاء:

يرى الطّالبي أنّ ظهور فكرة الإرجاء تعود إلى قراءة في أحداث الفتنة التي اقتتل فيها كبار الصحابة، مما خلّف أزمة ومأساة في الضمير الإسلاميّ، ويقوم هذا المذهب، أساسًا، على إرجاء الحكم على عثمان وعلي وطلحة والزبير (الفاعلون الرّئيسون في أحداث الفتنة من الصّحابة)، "فلا يتولّوا ولا يتبرّأ منهم" (الذهَبي)، والقائلون بالإرجاء؛ هم الذين لم ينخرطوا في الفتنة، ورغبوا في تهدئة الأوضاع، وإيجاد حلّ سِلْميّ للأزمة، أمّا الذين انخرطوا في العمل السياسيّ (الخوارج والشيعة)؛ فقد كان كلّ منهم يصدر أحكامًا صارمة وقطعيّة في شأن أعدائهم.

وقد كان النقاش حول الإرجاء في إفريقيّا على أشدّه في نهاية القرن الثامن، وكان في إفريقيا تيّار قويّ تحت تأثير أهل السنّة والحديث يرفض البدع.

● الإيمان والأعمال:

من بين المسائل الكلاميّة التي اختلفت فيها الفرق، وتصارعت، ووصل صداها إلى القيروان؛ علاقة الإيمان بالأعمال.

تقول المرجئة بالفصل بين الايمان والأعمال؛ أي أنّ الايمان بالله وحده كفيل بضمان النجاة للمؤمن، دونما حاجة إلى تأكيد هذا الايمان بالعمل الصّالح، أما السنّة؛ فهي تعدّ الفصل بين الإيمان والأعمال غير ممكِن، وذلك بالاستناد إلى الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، ونجد صدى لهذه المسألة في كتابيْ أحمد بن يزيد ويحيى بن عون، ويعرّج الباحث، هنا، على محدوديّة تبيان موقف أهل السنّة من المسألة من قبل أصحاب المخطوطات، وإن كان تكوينهم المحدود أحد تلك العوامل؛ فإنّ طبيعة المستمعين أيضًا تحدّد نوع الخطاب الموجّه إليهم، يقول الطّالبي: "إنّ الأمثلة المنتخبة، وكذلك الأسلوب الذي صيغت فيه، تطلعنا على طبيعة جمهور يحيى بن عون؛ المتكوّن، دون شكّ، من حشد كبير من الريفيّين، وقد تجاوزت الخصومات الدّينية المجالات الثقافيّة في إفريقيا، لتخترق العامّة، وتمهّد لنفسها طريقًا عبر الأرياف"[5].

● الاعتزال وخلق القرآن:

مثّلت هذه المسألة اللّاهوتية مبحثًا مركزيًّا في التّاريخ اللّاهوتي الإسلاميّ، وقد هاجم أهل السنّة القائلين بخلق القرآن، وهم - أساسًا - من المعتزلة، وقاموا بتكفيرهم، وأحلّوا قتلهم، وأفتوا بعدم جواز الصّلاة خلفهم، وقد استند أحمد بن يزيد المعلم، الذي هاجم في كتابه هذه الفكرة، إلى أقوال مجموعة من المحدّثين الثّقات، المنقولة بإسناد طويل، والتي تعدّ القائل بخلق القرآن ليس من الإسلام في شيء؛ لأنّه يمسّ جوهر العقيدة؛ فالقرآن - في نظرهم - هو كلام الله، وهذا الأخير أزليّ في صفاته وكلامه، وما هو أزليّ لا يمكن أن يكون مخلوقًا.

أمّا يحيى بن عون، فلم يكن منهجه قائمًا على نقل الأحاديث المناوئة للاعتزال؛ بل أسّسه على مهاجمتهم في ميدانهم - أي علم الكلام - وذلك بالاعتماد على حجج عقليّة وقرآنيّة، تبيّن أنّ القول بخلق القرآن يتعارض مع صفات الله؛ فالله كليم والقرآن كلامه، بالتّالي؛ فإنّ القائل بأنّه مخلوق يشكّك في صفات الله، ويخرج بذلك عن عقيدة الإسلام.

● السنّة النبويّة:

اهتم يحيى بن عون في كتابه بمهاجمة القدريّة في مسألة اعتبار القرآن مصدر التّشريع الوحيد، بالتّالي؛ نفي السنّة، وإمكان الاستغناء عنها، ودارت حججه - أساسًا - حول أهميّة السنّة النبويّة، ومركزيتها داخل منظومة التشريع الإسلاميّ، باعتبارها أتت لتوضّح عديد المسائل التي صمت عنها القرآن ولم يفصَلها، ويستند ابن عون - مثلًا - إلى مسألة الفرائض كالصلاة والزكاة؛ فلولا السنّة المرويّة عن النّبي لما أمكن للمسلمين معرفة عدد ركعات صلاتهم، ولا مقدار زكاتهم.

إلّا أنّ المحقّق يعقّب على هذا الموضوع، وهو أحد رواد الإسلام القرآنيّ[6]، بأنّ اعتبار القدريّة - أو غيرها من الفرق - قد نادت بالتّخلي عن السنّة، والاكتفاء بالقرآن مصدرًا للتّشريع أمر مبالغ فيه، ذلك أنّ هذا الاتّهام يدخل في إطار الصراع بينهم وبين أهل السنّة؛ الذين غالوا في الاعتماد على ما رُوي عن النّبي من أحاديث، حتى عدّوا "السُنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيًا على السنّة"، وفي الواقع؛ فإنّ اعتراض القدريّة على السنّة لم يكن اعتراضًا صارمًا ومبدئيًّا؛ إنّما كان تحفّظًا على بعض الرّوايات المنحولة والمنسوبة إلى النّبي دونما إثبات، إلّا أنّهم لم يرفضوا السنّة كأصل من أصول الفقه.

● القدر:

في تناول مسألة القدر؛ أثبت الطّالبي أنّ هذه المسألة المعقّدة، التي أثارت عديد الصّراعات الفكريّة، وصلت إلى مرحلة العنف خلال القرن 3هـ في إفريقيا، وهي قديمة قدم الفكر والوعي الإنسانيَّين، وليست وليدة المحيط الإسلاميّ.

ورغم أنّ أوّل من أثار هذه المسألة بصراحة وجرأة لدى المسلمين، هما؛ معبد الجهني (ت 80هـ)، وغيلان الدمشقي (ت 116- 117هـ)، إلّا أنّ صدى هذه المسألة يعود إلى فترة ظهور الإسلام، وإلى النصّ القرآنيّ نفسه، الذي أتى بدوره ليناقش مسألة طُرحت في الدّيانات والفلسفات القديمة التي سبقته؛ إذ نجد صدىً لها لدى البابليّين الذين أثّروا في الفكر الإغريقيّ، من خلال الفلسفة الرّواقية والتراجيديا.

كذلك، فإنّ هذه المسألة طُرحت في الأناجيل، وكانت محلّ خلاف في اللّاهوت المسيحيّ بين القدّيسين.

تمحورت التساؤلات الأولى في بدايات الإسلام المتعلّقة بمسألة القدر حول جدوى المجهود البشريّ؛ إذا كان كلّ عمل الانسان مسطّرا ومقدّرا من قبل الله, وحتّى القرآن لم يحسم في هذه المسألة؛ إذ يؤكّد تارة بأنّ الله هو مقدَر كلّ شيء، ويدعو الإنسان - تارة أخرى - إلى العمل والسّعي من أجل الخلاص والظّفر بالجنّة.

ثمّ إنّ القرآن نفسه يعترف باحتوائه على آيات محكمة وأخرى متشابهة، ويعدّ - في سورة آل عمران (5- 9)؛ أنّ تأويل القرآن لا يعلمه إلّا الله والرّاسخون في العلم، وأنّ الذين في قلوبهم زيغٌ هم من يتّبعون الآيات المتشابهة، فهذه الآية أتت ردًّا على حالة الغليان والجدل والنّقاش حول هذه المسألة التي عرفتها الأمّة الإسلاميّة النّاشئة.

هنا يكمن الحرج؛ فتحديد الآيات المتشابهة والآيات المحكمة نسبيّ، يحتكم إلى رأي كلّ فرقة، وهو ما تفطّن له فخر الدين الرازي (544- 666هـ/ 1150- 1210م)؛ إذ كتب: "إنّ كلّ واحد من أصحاب المذاهب يدّعي أنّ الآيات الموافقة لمذهبه مُحكَمة، وأنّ الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة، فالمعتزليّ يقول قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} محكَم، وقوله: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} متشابه، والسنّيّ يقلب الأمر في ذلك"[7].

عرف مذهب القدريّة مقاومة شديدة في القيروان، من قبل أهل السنّة مثل الاعتزال تمامًا، وقد كان هذان المذهبان يحظيان بأنصار كثر، خاصّة في صفوف السّلطة، إلّا أنّ هذه المقاومة لم تكن - حسب الطالبي - باسم المذهب المالكي، ذلك أنّ مالكًا لم يردّ على القائلين بالقدر أثناء حياته، ولهذا السّبب نلاحظ غيابًا لذكر مالك أو تلاميذه وأتباعه في الرّدّ على القدريّة، سواء من قبل أحمد بن يزيد أو يحيى بن عون. كذلك، فإنّ ردّ هؤلاء لم يستند إلى أحمد بن حنبل، وهو أحد أشدّ المعارضين للقدريّة وأغزرهم كتابة، من خلال ردوده العديدة التي ألّفها، ومردّ ذلك - حسب الباحث - إلى أنّ المذهب الحنبليّ لم يكن معروفًا، ولا محبّذًا من قبل أهل إفريقيا خلال القرن الثالث.

في ظلّ غياب سند مالكيّ؛ اعتمد أحمد بن يزيد رأي الفقيه السنّي عبد الرحمن الأوزاعي (ت 157هـ/ 774م)، وكان مقتضبًا في ذلك، واقتصر على الآية: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} (الحجّ- 70)، هذه الآية التي استند إليها الأوزاعي، وعنه أحمد بن يزيد، تخالف أطروحة القدريّة التي تقول: إنّ علم الله حادث؛ أي إنّ الله يعلم بالأشياء عند حدوثها، وليس مقدّرًا إياها منذ الأزل، إلّاَ أنّ هذه الآية تحمل في طيّاتها ما يحيل إلى أنّ الإنسان، وإن لم يكن مخيّرًا تخييرًا تامًّا في أعماله، كما تعتقد القدريّة، فإنّه ليس مجبورًا، والآية لا تقول إنّ الله خلق أعمال مخلوقاته؛ بل خلق الخلق وهو عليم به كيف سيتصرَّف، فيمكن لهذا الموقف أن يشير إلى شكل من أشكال الحريّة؛ فقد خلق الله الإنسان إلّا أنه ترك له حريّة التصرّف، رغم أنّه يعلم منذ الأزل ماذا سيفعل الإنسان بالملكة التي منحه إيّاها؛ فالإنسان إذن - في رأي أحمد بن يزيد - مخيّر وحرّ داخل الإرادة الإلهيّة، وهو بذلك يدين موقف الجبريّة وموقف القدريّة.

أمّا ابن عون؛ فقد استعان في ردّه بنوعين من الأسلحة: يقوم الأوّل على النصّ القرآنيّ، والثّاني على المنطق.

لم يبحث ابن عون، في استناده للنصّ القرآنيّ، عن الآيات التي توافق مذهبه، ذلك أنّه يعلم أنّ الآيات المتشابهات في القرآن عديدة، وهذا لا يخدم مصلحة فرقته؛ لهذا تفطّن ابن عون إلى أنّ الانتصار على خصومه الفكريّين لا يكون إلّا عبر اللّجوء إلى السنّة، ففي بحر الحديث يمكن له أن ينحل الأحاديث التي يريد، ويرفقها بالأسانيد المناسبة، حتّى يبيّن أنّ القول بالقدر منافٍ للإسلام، وأنّ القائلين به لا يعدّون أن يكونوا كفّارًا مارقين عن الدّين، وبحث - عندئذ - في القرآن، وهو النصّ الذي يحظى بالإجماع التامّ من حيث صحته وألوهيته، عن الآيات التي تدعو إلى اتّباع سنّة الرّسول، والسنّة ليست في أفعال النبيّ فقط؛ إنّما في أقواله وتعاليمه أيضًا، وليس أدلّ على ذلك من الآية (7) من سورة الحشر[8]، وهنا تبرز موهبة ابن عون الكلاميّة وقدرته على المجادلة.

من جهة أخرى؛ استند يحيى إلى الأوزاعي، عبر نسج محاورة بين هذا الأخير وغيلان الدمشقي، زعيم القدريّة، جعل فيها الدمشقيّ يعجز عن الإجابة عن أسئلة الأوزاعي، وإن عدّ الطالبي هذه المحاورة من نسج خيال مؤلّف الكتاب؛ فإنّها دليل على أنّ جميع الأسلحة والوسائل كانت مباحة من أجل تقويض فكرة الخصم، حتّى إن قامت على قصص وأحاديث من صنع المجادِل.

3. الملاحظات:

بعد عرضه لأهمّ المسائل التي تطرحها المخطوطات؛ أفرد مؤلّف الكتاب فصلًا تأليفيًّا أورد فيه جملة من الملاحظات التي تهمّ المجتمع المدنيّ أو الحضريّ في العصر الوسيط، وأفرد له عنوانًا بسيطًا قصيرًا، مختصرًا ومقتضبا، هو: "ملاحظات"، وقد غطَت هذه "الملاحظات" سبعًا وستّين صفحةً من الكتاب، والنّاظر في هذه الملاحظات يستنتج أنّها، رغم ما تتّسم به من ثراء وأهميّة وإضاءات مفيدة حول الحياة الاجتماعية، فإنّها تبدو منفصلة عن باقي الكتاب والمواضيع التي يطرحها، تمامًا مثل مسألة الخمر.

وقد تناولت مسائل من قبيل؛ حريّة التنقّل في أرض الإسلام، الرّقيق، الوضع القانونيّ والاجتماعيّ لأهل الذمّة، تخطيط المدينة الوسيطة، الحرف، المعاملات الماليّة، التّعليم، المسكن والملبس، وضعيّة المرأة داخل الأسرة وفي الفضاء العامّ، وتعرّض في الأثناء لعقد القران القيرواني، كلّ هذا في إطار أنثربولوجيا تاريخيّة تناولت وجوهًا من الحياة الاجتماعية للمسلمين في العصر الوسيط.

والجدير بالملاحظة؛ هو أنّ هذه الملاحظات، التي تمثّل تلخيصًا لأهم الاستنتاجات التي توصّل إليها الطالبي من خلال أبحاثه السابقة، لم تكن مقيّدة بالزّمان أو بالمكان اللذيْن يعبّر عنهما عنوان الكتاب؛ أي القيروان في الفترة الأغلبيّة، وهذا ما يدفعنا إلى طرح جملة من النّقاط والاستنتاجات التي نستخلصها من خلال هذا العمل للدكتور الطّالبي.

IIملاحظات نقديّة:

لهذا البحث، شأنه شأن كلّ البحوث العلمية، عدّة إيجابيّات، رغم أنّه لا يخلو من النقائص، ولعلّ من إيجابيّاته:

● تمثّل المخطوطات التي تمّ تحقيقها إضافة مهمّة، وإثراءً للمكتبة التاريخيّة، وتفتح آفاقًا جديدةً للمهتمّين بالبحث في الصّراع المذهبيّ في إفريقيا خلال الفترة الوسيطة.

● تمثّل هذه المخطوطات، كذلك، مدخلًا للبحث في تاريخ الذهنيّات؛ إذ توضّح لنا جوانب من النّظرة التي يحملها أهل السنّة تجاه من يخالفهم من المذاهب الأخرى، وتمثّلاتهم للآخر المختلف، وكيفية التعامل معه؛ فهذه المخطوطات، كما نقرأ ذلك على الغلاف الخلفيّ للكتاب، "تكشف لنا منابع التخلّف والإرهاب التي كانت تنبع من الأحاديث الخرافيّة التي تفقد الشّخص كل شخصيَة، وتفقده العقل والعقلانية، وتغسل دماغه من كلّ فكرٍ نقدي، وتجمّده، وتجعله يرفض التّجديد والرّقي والتّقدم"، بذلك ينزَّل المؤلّف بحثه هذا ضمن الإطار الزمانيّ الذي نعيش فيه، ويجعله معبّرًا، ومستجيبًا، وملتزمًا بقضايا عصره؛ أليس "التّاريخ ابن زمانه" كما يقول لوسيان فابر؟

أمّا نقائصه فتتمثّل في الآتي:

● في تحليله لأهم القضايا التي تطرحها المخطوطات، أتى الطّالبي على أغلبها، واتّسم تحليله بالعمق والاستفاضة، إلّاَ أنّنا نلاحظ أنّه من جملة المخطوطات الثلاثة التي قام بتحقيقها، اهتمّ الطالبيّ في طرحه للقضايا بمؤلَّفي أحمد بن يزيد ويحي بن عون فقط، ولم يهتمَ بالمؤلَّف الثّالث المنسوب إلى محمد بن عثمان، في حين أنَه يطرح بعض القضايا التي يمكن تناولها بالتحليل، وبمزيدٍ من التّركيز عليها، لعلَّ أهمّها مسألة الإيمان بالأساطير والخرافات؛ التي تبدو جليّة في هذا الكتاب.

● رغم ما يحيل عليه عنوانَا الكتاب الرّئيس والفرعيّ من أنّه سيهتمّ بمسألة الصّراع اللاَهوتي بالقيروان، من خلال تحقيق ثلاثة مخطوطات، إلّا أنّنا نلاحظ عند قراءة الكتاب أنّه يعالج مسائل أخرى تتجاوز العنوان، وهو ما يدفعنا إلى التشكيك في هذا الأخير، والتساؤل عن مدى توفّق المؤلَّف في اختياره، خصوصًا، أنّه قد سبق وصدر للمؤلِّف نفسه كتاب بعنوان "دراسات في تاريخ إفريقيا في الحضارة الإسلاميّة في العصر الوسيط"[9]؛ فتقسيم الكتاب - في واقع الأمر - كان يمكن أن يكون على النّحو الآتي:

قسم يقوم فيه المؤلَّف بتحقيق المخطوطات والتّعليق عليها، وقسم يتضمَّن دراسات وقضايا فقهيّة وحضاريّة مختلفة حرص الكاتب على تضمينها كتابه.



[1] محمّد الطّالبي، الصّراع اللّاهوتي في القيروان أيَام الأغالبة (184- 296/ 800- 909)، منشورات سوتيميديا، تونس، 2017م.

[2] للاطّلاع أكثر على مبادئ المذهب القرآنيّ، راجع:

الطّالبي (محمد)، دليل المسلم القرآنيّ، فنزي للطّباعة، كانون الثاني/ 2016.

أيضًا: الموقع الإلكترونيّ "أهل القرآن"؛ الذي أسّسه المصريّ أحمد صبحي منصور، وهو أحد روّاد المذهب القرآنيّ (اضغط هنا)

[3] نذكر أساسًا استضافته في قناة الحوار التونسيّ في مرّات عديدة، وكانت له في كلّ منها مشادّة كلاميّة مع خصومه، نذكر من بينها:

المشادّة مع المحامي حسن الغضباني في برنامج تونس 24/7، بتاريخ 06 مارس 2015.

المشادّة مع الباحث شاكر الشرفي في برنامج "لَبَاس"، بتاريخ 07 مارس 2015.

المشادّة مع كلّ من فريد الباجي ورضا بلحاج في برنامج "لمن يجرؤ فقط"، بتاريخ 08 مارس 2015.

[4]ـ الطّالبي (محمد)، الصّراع اللّاهوتي في القيروان...، ص 153.

[5] المصدر نفسه، ص 149.

[6] يذكر أنّ الدكتور محمد الطالبي أسّس سنة 2013 الجمعية الدولية للمسلمين القرآنيّين، ورأسها لمدّة 3 سنوات (إلى حدود سبتمبر 2016).

[7] الرازي، التفسير الكبير، ج 7، ص ص 180- 181.

[8] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر (59): 7].

[9] الطّالبي (محمد)، دراسات في تاريخ إفريقيا في الحضارة الإسلاميّة في العصر الوسيط، منشورات الجامعة التونسية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، 1982م.