الظّاهريّات في فكر حسن حنفي

فئة :  مقالات

الظّاهريّات في فكر حسن حنفي

تسعى هذه الدّراسة إلى الكشف عن حضور الفينومينولوجيا في بعض أعمال المفكّر المصري حسن حنفي (1934 - )، سواء على مستوى التّعريف بالتّيار والمنهج، أو من خلال تطبيقاته على ظواهر بعينها - كالظّاهرة الدّينيّة - أو حتّى تجاوز ذلك إلى الاستعانة به في وصف بعض التّجارب والخبرات الحياتيّة (السّيرة الذّاتيّة)، وليس من أهداف هذه الدّراسة الرّصد التّاريخيّ، لكلّ أعمال حنفي الّتي تناولت الفينومينولوجيا؛ بل الهدف: هو التّوقّف عند بعض أهمّ المحاولات الّتي قدّمها، وتعدّ إنجازًا حقيقيًّا في مجال البحث الفينومينولوجيّ، لذا؛ سيرُكَّز - بصورة رئيسة - على المحاولات الّتي غلب عليها التّطبيقيّ؛ أي الّتي ساهمت في تطوير المنهج - بالفعل - واكتشاف مناطق جديدة فيه ربّما لم تكن مأهولة من قبل.

والواقع أنّ التّيار الفينومينولوجيّ لم ينل نصيبًا كبيرًا من الاهتمام في مصر، ولم يكن معروفًا على نطاق واسع كغيره من باقي التّيارات، فعلى الرّغم من أنّ التّيار الوجوديّ الفينومينولوجيّ، قد وجد مناصرين له في مصر، إلّا أنّ المنهج الفينومينولوجيّ نفسه، ظلّ مجهولًا لفترات طويلة ربّما؛ أي أنّ الفينومينولوجيا عرفت من خلال تطبيقاتها عند الفلاسفة اللّاحقين على هوسرل (E. Husserl/ 1859 - 1938م)؛ مؤسّس الفينومينولوجيا، الّذين انطلق معظمهم من أرضيّة وجوديّة، غير أنّ هوسرل نفسه، لم يكن معروفًا في العربيّة إلّا على نطاق محدود، وربّما يرجع ذلك إلى أنّ هوسرل قد اهتمّ - بصورة أساسيّة - بوضع المنهج وترك التّطبيق لتلامذته، ومنهج هوسرل شديد التّعقيد والصّعوبة، فكان الطّريق الأسهل إلى فهمه؛ هو اللّجوء إلى تطبيقاته، ثمّ العودة منه إلى المنهج ذاته، وقد كان هذا مسار الفينومينولوجيا في مصر.

وبالنّظر إلى المؤلّفات الّتي اهتمّت بالتّأريخ للفلسفة آنذاك؛ ككتابات زكريّا إبراهيم، وعبد الرّحمن بدوي، ويحيى هويدي؛ فإنّنا لن نجد اهتمامًا كبيرًا بهوسرل والفينومينولوجيا، والاهتمام الأكبر كان منصبًّا على التّيار الوجوديّ الفينومينولوجيّ؛ لذا كانت القفزة موجودة دائمًا من هوسرل إلى تلاميذه، ومن المنهج إلى تطبيقاته.

ولأنّنا لا نسعى في هذه الدّراسة - كما أشرنا - إلى الرّصد التّاريخيّ لظهور البحث الفينومينولوجيّ في مصر وتطوّره([1])؛ فسنتعامل مع الموضوع عبر بنيته الّتي تكشف عن مستويَين:

1- المستوى الأوّل: هو الخاصّ بالتّعريف بالمنهج وخطواته، ومفاهيمه، وإجراءاته، ونستطيع أن ندرج في هذا المستوى دراستَي حسن حنفي، الواردتين في قضايا معاصرة "الظّاهريّات وأزمة العلوم الأوروبيّة"، و"فينومينولوجيا الدّين عند هوسرل".

2- المستوى الثّاني: هو مستوى التّطبيق على ظواهر محدّدة - كالظّاهرة الدّينيّة - ونستطيع أن ندرج في هذا المستوى دراستَي حسن حنفي، وربما مشروعه بأكمله، "تأويل الظّاهريّات وظاهريّات التّأويل".

والواقع أنّ الفينومينولوجيا لا تمثّل لحظة واحدة في مشروع حنفي الفكريّ؛ بل تعدّ روحًا عامّة تسري فيه منذ نشأته، لهذا؛ هي - من بين كلّ المناهج والأدوات الّتي وظّفها في أعماله - تكتسب وضعيّة خاصّة لا يمكن تجاهلها.

المستوى الأوّل: الأعمال التأسيسيّة الأولى للفينومينولوجيا

رغم أنّ الفينومينولوجيا في ثمانينيّات وبدايات تسعينيّات القرن العشرين، أضحت معروفة على النّطاق الأكاديميّ بجهود حنفي وآخرين (محمود رجب، سعيد توفيق)، إلّا أنّ مؤلَّفات حنفي كانت تطبيقًا مباشرًا للمنهج على الظّاهرة الدّينيّة، وباستثناء الدّارستين الواردتين في قضايا معاصرة؛ فإنّ حنفي كان مشغولًا أكثر بتطبيق المنهج، الّذي ظهر بعد ذلك في مشروع التّراث والتّجديد، ويبدو حنفي - في هاتين الدّراستين - أشبه بمن يعرِّف القرّاء بمصادره النّظريّة لمشروع التّراث والتّجديد.

نستطيع أن نقول: إنّ هوسرل - في حدود اطّلاع الكاتب - لم يعرف بصورة واسعة إلّا في دراستَي حسن حنفي، الواردتين في قضايا معاصرة: الأولى؛ "الظّاهريّات وأزمة العلوم الأوروبيّة"، والثّانية: "فينومينولوجيا الدّين عند هوسرل"، والواقع أنّ اختيار حنفي للظاهريّات في قضايا معاصرة، لم يكن اختيارًا عشوائيًّا، ولم يكن - أيضًا - بدافع تعريف القارئ العربيّ بأحدث المناهج الغربيّة المعاصرة؛ بل كان الهدف منه - وهو هدف يتّضح أكثر عندما نتأمّل باقي اختياراته الأخرى في كتابه - تحديد بعض الاتّجاهات والمناهج الغربيّة الّتي سيوظّفها بعد ذلك في مشروعه، سواء كان ذلك بصورة صريحة أو مضمرة.

في "الظّاهريّات وأزمة العلوم الأوروبيّة" يكشف حنفي - أوّلًا - الظّروف الّتي دفعت هوسرل إلى كتابة مؤلَّفه "أزمة العلوم الأوروبيّة والفينومينولوجيا التّرنسندنتالية"، وهي ظروف تتعلّق بأزمة العلوم الإنسانيّة، وتخلّفها عن نظيرتها الطّبيعيّة؛ إذ تكشف هذه الأزمة أنّ الإنسان الغربيّ - في مطلع القرن العشرين - لم يعد محور اهتمام العلوم "إنّ القرن العشرين، هو بداية أزمة العلوم الإنسانيّة، وبداية أزمة الضّمير الأوروبيّ نفسه؛ إذ كان بمثابة مرآة عكست انتصارات القرن السّابق، وصوّرتها بوصفها عقبات وخيمة تهدّد كيان العلم، وتنذر الحضارة الأوروبيّة بالخطر"([2]).

أزمة العلوم - إذن - هي أزمة الإنسان المعاصر الّذي تحوّل إلى شيء يخضع للتّجربة كبقيّة أشياء العالم الماديّ، بهذه الأزمة نشأت معظم فلسفات القرن العشرين واتّجاهاته النّقديّة، بما فيها الفينومينولوجيا، إنّها أزمة اغتراب الإنسان وتهميشه، وهي الأزمة - نفسها - الّتي سيولد من رحمها مشروع "التّراث والتّجديد"([3]).

يمضي حنفي بعد ذلك إلى الكشف عن أساسيّات المنهج الفينومينولوجيّ، والتّطورات الّتي لحقت بفكر هوسرل، ويتوقّف عند بعض مصطلحات هوسرل؛ كالإيضاح والحدس([4])، وهي مصطلحات استخدمها هوسرل عندما أراد أن يوسّع نطاق الفينومينولوجيا، لتشمل موضوعات الوعي التّاريخيّ، "الإيضاح حركة إصلاحيّة في التّاريخ؛ لأنّ مهمّة الفينومينولوجيا مهمّة إصلاحيّة، إن لم تبشّر بعالم جديد؛ فهي - على الأقل - تحلّ أزمة العلوم الإنسانيّة"([5])، هذا الجانب الإصلاحيّ في الفينومينولوجيا، هو ما سعى إليه حنفي، غير أنّ أزمة العلوم الأوروبيّة عند هوسرل، ستتحوّل إلى أزمة العلوم الإسلاميّة لدى حنفي، لذا؛ فمشروع حنفي - في الأساس - هو كيفية إعادة بناء العلوم القديمة وإحيائها، لتتوافق مع مستجدّات العصر، وتصبح فاعلة في الحياة المعاصرة، وهو هدف إصلاحيّ في التّاريخ - أيضًا - كما كانت الفينومينولوجيا.

ويتحوّل حنفي إلى مناقشة أزمة الشعور الأوروبيّ في مختلف مراحله، مبتدِئً بمصادره الّتي لم يذكر منها هوسرل سوى المصدر اليونانيّ الرّومانيّ، وأهمل المصدرين الآخرين؛ اليهوديّ والبيئة الأوروبيّة نفسها، أمّا نقطة البدء الحقيقيّة في الشّعور الأوروبيّ، فقد تمثّلت في الكوجيتو الدّيكارتيّ، وكتب هوسرل في مرحلة متأخّرة كتابه "التّأمّلات الدّيكارتيّة"، ليربط نفسه بديكارت؛ فديكارت هو البداية، وهوسرل هو لحظة الاكتمال، والواقع أنّ هذا التّصور هو الّذي سيبني عليه حنفي رؤيته للحضارة الغربيّة، في الجبهة الثّانية من مشروعه، وتحديدًا في "مقدمة في علم الاستغراب"، مقسّمًا إياها إلى مجموعة من اللّحظات (البداية - الذّروة - نهاية البداية - بداية النّهاية)، وهي رؤية افتراضيّة يغلب عليها الأمل - وربّما الطّوباويّة - في إمكانيّة قيام بداية جديدة للفكر في العالم الثّالث، لتستمرّ دورة التّاريخ والحضارات كما تصوّرها ابن خلدون وحنفي، والسّبب الّذي يجعل رؤية حنفي تدور في مدار الافتراض والطّوباويّة: أنّه يصعب - وربّما يستحيل - تحديد بداية وذروة ونهاية تاريخ الفكر والحضارة، إلّا بعد انتهاء الحضارة وأفولها بالفعل، هنا فقط، نستطيع أن ننظر ونتأمّل ونحدّد مسار الفكر، كيف بدأ؟ ومتى انتهى؟

الغرب - حتّى اللّحظة - هو المنتج، والعالم العربيّ - حتّى اللّحظة - هو المستهلك، إضافة إلى ذلك، لا يوجد مانع - وفقًا لافتراضات أخرى شبيهة - أن يكون الفكر الغربيّ في ذروته الآن، وأنّ هذه الذّروة ستستمرّ إلى قرونٍ أخرى؛ فالفكر يمرّ بانحناءات ولا يسير على خطّ مستقيم دومًا، ولا تدلّ هذه الانحناءات على شيء، سوى على خاصيّة جوهريّة من خصائص الفكر ذاته: أنّه متغيّر، لذا؛ فلا يعني ظهور الفلسفات العدميّة والتّشاؤميّة، وتيّارات ما بعد الحداثة، أنّ الفكر الغربيّ يهوي في خطّ هابط، يفضي في النّهاية إلى أفوله، فمن الطّبيعيّ أن تتغيّر صورة الفكر وطبيعته بتغيّر الواقع ومستجدّاته.

لكنّ اللّافت للنّظر؛ تركيز حنفي على ارتباط الفينومينولوجيا - رغم ما توصف به من تجريد - بالواقع الاجتماعيّ الأوروبيّ آنذاك، والنّظر إلى هوسرل على أنّه أشبه بالمصلح الاجتماعيّ، أو "نبيّ العصر" - على حدّ وصفه - لكنّ حنفي سيجد في الفينومينولوجيا صبغة روحيّة إشراقيّة "نزعة صوفيّة يسهل على أيّ اتّجاه اجتماعيّ عمليّ - كالماركسيّة - رفضها"([6])، ولعلّ هذا ما دفع حنفي إلى العودة بالفينومينولوجيا مرّة أخرى إلى هيجل، حتّى يحوّلها من منهج شعوريّ خالص، إلى منهج حركيّ شعوريّ بالدّيالكتيك الهيجليّ.

على أنّ حنفي في دراسته الثّانية المنشورة - أيضًا - في قضايا معاصرة، الّتي عنونها بـ "فينومينولوجيا الدّين عند هوسرل"، يحاول أن يكشف جانب من فينومينولوجيا هوسرل، ظلّ خارج دائرة الضّوء حتّى لدى تلاميذه (هيدجر، سارتر، ميرلوبونتي)، وهو الجانب المتعلّق بالدّين، ويناقش حنفي قضيّة "الله كموضوع خارج الدّائرة"؛ أي تعليق الحكم على الله من حيث هو موضوع متعالٍ، والتّعالي عند هوسرل: "هو ما يندّ عن الشّعور، وما يخرج عنه"، بالتّالي؛ هو ما لا يمكن الحكم عليه إيجابًا أو سلبًا، وبعد تعليق الحكم، تأتي لحظة "البناء"؛ أي إعادة بناء الله في الشّعور، من ثمّ؛ تظهر التّفرقة الرّئيسة بين التّعالي والحلول، فالموضوعات المتعالية هي الموضوعات المكانيّة، والموضوعات الحالّة هي الموضوعات الزّمانيّة، وفكرة الله فكرة زمانيّة يمكن للشّعور أن يعيد بنائها بداخله.

والله عند هوسرل - وفقًا لحنفي - لا يتدخل في الإدراك الحسيّ، ولا يضمن موضوعيّته وصحّته، ويرفض هوسرل - أيضًا - النّظريّة القائلة باتّحاد الذّهن الإنسانيّ مع الذهن الإلهيّ، كما أنّ الله عند هوسرل - أيضًا - لا يتدخّل في العالم، وليس له دور في حفظ العالم الخارجيّ، أو ما يعرف بـ "العناية الإلهيّة"، إضافة إلى ذلك، فإنّ الله لا يتدخل في النّظام العقليّ، وفي قوانين الرّياضة، وطبيعة الأشياء، والخلاصة: أنّ الله - عند هوسرل - غير فاعل في العالم، عكس التّصوّرات الدّينيّة على اختلافها.

لكنّ الله يتحوّل إلى موضوع حضاريّ عند هوسرل، الله كتطوّر وكفاية واكتمال، ويبدو هذا المعنى واضحًا في الخلط بين الفلسفة واللّاهوت في الشّعور الأوروبيّ، بدءًا من نظريّة "الصّدق الإلهيّ" الدّيكارتيّة، الّتي قضت على استقلال العلم والطّبيعة معًا، ومرورًا بواحديّة سبينوزا ومونادولوجيا ليبنتز، ومثاليّة كانط الّتي هي خليط بين المعرفة والإيمان، إلّا أنّ هذا التّداخل بين الفلسفة واللّاهوت لم يستمر في الفلسفة المعاصرة، الّتي استطاعت تحويل الدّين إلى بحث نظريّ خالص، حتّى أصبح الله هو العقل الشّامل، يظهر من خلال الإنسان، وينظر هوسرل إلى اللّه - على هذا النّحو - بوصفه دليلًا على كمال الجماعة البشريّة، يلمس حنفي - هنا - جانبًا خفيًّا، ربما سيكون له انعكاساته على تصوّراته الذّاتيّة لله، في الفينومينولوجيا، وهو الجانب المتعلّق بمسار الحقيقة في التّاريخ، وأنّ الإرادة الإلهيّة تتحقّق بتقدّم التّاريخ وقوانينه، بالتّالي، لا فرق بين العناية الإلهيّة والتّقدّم البشريّ، يلحق حنفي هوسرل - من هنا - ما قاله كلًّا من؛ كانط وهردر ولسنج وهيجل؛ فيصبح الله - عنده - هو الدّافع المحرّك للشّعور الأوروبيّ في البحث عن الحقيقة، بحثًا نظريًّا خالصًا، وبصورة ما، يعدّ حنفي امتدادًا لهذا الفهم الهوسرليّ.

المستوى الثّاني: الفينومينولوجيا التّطبيقيّة.

ربّما يكون حسن حنفي في أطروحتيه (تأويل الظّاهريّات وظاهرّيات التّأويل) أوّل من قدّم نموذجًا تطبيقيًّا للمنهج الفينومينولوجيّ، هذا النّموذج يتّخذ من الظّاهرة الدّينيّة موضوعًا له، لكن ظلّت هاتين الأطروحتين غير فاعلتين في الحياة الأكاديميّة المصريّة، ولعلّ السّبب الرّئيس في هذا، يعود إلى أنّهما نشرا في البداية باللّغة الّتي كتبا بها؛ أي الفرنسيّة، ولم تترجم إلى العربيّة إلّا في بدايات القرن الحادي والعشرون، ما جعل تأثيرها محدودًا لا يتجاوز نطاق المتخصّصين ممّن يعرفون الفرنسيّة.

يمكن عدُّ دراسة حنفي الأولى "تأويل الظّاهريّات، دراسة في الفينومينولوجيا، استكمالًا لجهود هوسرل وتلاميذه من الفينومينولوجيين، من أجل تطويرها، سواء على مستوى اللّغة الاصطلاحيّة "الظّاهريّات الآن مثقلة بلغتها، غَمُضَت مقاصدُها، وقلّ وضوحها، بسبب تعقّد مصطلحاتها، وتجديد لغة الظّاهريّات ممكن عن طريق دلالة اللّغة الموروثة، من أجل خلق ألفاظ مستمدّة من اللّغة العاديّة للتّعبير عن بداهات الخبرات اليوميّة"([7])، أو على مستوى قواعد المنهج "قواعد المنهج الظّاهرياتيّ مغلّفة داخل الظّاهريّات نفسها، الّتي خرجت لتوّها من مكتب مؤسّسها، من الضّروريّ - إذن - ضبط هذه القواعد، وترتيبها وفق نظام واضح، من أجل إمكانيّة تطبيقها؛ بل إنّه من اللّازم تبسيطها في عدد قليل من القواعد، يمكن تطبيقها بطريقة واضحة بسيطة"([8]).

الواقع أنّه من الصّعوبة بمكان، الحديث عن منهج واحد يطبّقه حنفي على الظّواهر الّتي تناولها، والأصحّ الحديث عن مناهج عدّة، تضافرت معًا، فكوّنت منهجًا خاصًّا بحنفي وحده، لا يوجد نظيره في تاريخ المناهج المتعارف عليها، لذا؛ فالحديث عن فينومينولوجيا حنفي، يعني الحديث عن فينومينولوجيا خاصّة، لها استقلاليّتها الذّاتيّة، وهو الوصف الّذي وصف به بول ريكور فينومينولوجيا حنفي([9])، بالتّالي، لا يمكن ردّها بأكملها إلى هوسرل؛ فهي منفتحة على تاريخ الفلسفة السّابق عليها، فغدت مصبوغة بصبغة سبينوزا، وهيجل، وماركس، وفويرباخ، وبرجسون، إلى أن تتلاقى في النّهاية مع دلتاي، وشلايرماخر، وريكور.

يبدو حنفي مهتمًّا - في البداية - بمسألة "النّقل الحضاريّ"؛ أي نقل فلسفة ما، أو منهج ما، من ثقافة إلى ثقافة أخرى مغايرة، ومن ظرف تاريخيّ إلى آخر مختلف، وما يسبّبه هذا النّقل من شعور بالتّغريب.

أولى الخطوات الّتي اتّبعها حنفي لإزالة هذه الهوّة الثّقافيّة والزّمنيّة: إزاحة الدّلالات المستقرّة للمصطلحات، وإبدالها بدلالاتٍ أخرى، تتوافق مع أهداف مشروعه، والأهمّ أنّها تتوافق مع الموروث الثّقافيّ الإسلاميّ([10]).

تظلّ فكرة تجاوز الثّنائيّة ركيزة أساسيّة من ركائز مشروع حنفي؛ فهي حاضرة في كلّ مؤلَّفاته، لكنّ الثّنائيّة - بالنّسبة إلى حنفي - ليست ثنائيّة معرفيّة، كما هو الحال مع هوسرل؛ بل ثنائيّة الحاضر والماضي، التّراث والتّجديد، الأصالة والمعاصرة، فالإنسان العربي يعيش حالة من الإزدواجيّة بين حاضره وماضيه، والسّؤال: كيف يمكن التّغلّب على هذه الإزدواجيّة؟ وكيف يمكن إعادة إحياء الماضي - ليس بنقله كما هو - بل بإعادة بنائه كي يتوافق مع الحاضر؟ سيجد حنفي الحلَّ في إعادة بناء العلوم القديمة، ونقلها من دائرة النّقل إلى دائرة الإبداع، فهو لا يسعى إلى إحداث قطيعة مع التّراث؛ بل هدفه إحداث ثورة داخله، تفجّره من الدّاخل، واتّخاذه نقطة بدء لعملية إصلاح شاملة، لا تتنكّر من ماضيها "التّراث: هو نقطة البداية، كمسؤوليّة ثقافيّة وقوميّة، والتّجديد هو إعادة تفسير التّراث طبقًا لحاجات العصر، فالقديم يسبق الجديد، والأصالة أساس المعاصرة. التّراث: هو الوسيلة، والتّجديد: هو الغاية، وهو المساهمة في تطوير الواقع"([11])، والواقع أنّ تجاوز الثّنائيّة سيظلّ أشبه بالهاجس المسيطر على فكر حنفي، الّذي سيتخذ العديد من الصّور؛ بدءًا من إشكاليّة التّراث والتّجديد، وانتهاء بمحاولة تجاوز العداء المتبادل بين التّيارين الرّئيسَين في الفكر العربيّ الحديث، الإسلاميّ والعلميّ العلمانيّ؛ إذ لا مبرّر للصّدام بينهما، فالإسلام دين علمانيّ في الأصل.

هذه الرّغبة هي الّتى تحكم اختيار حنفي، وممارسته للمنهج الفينومينولوجى؛ إذ إنّه يستعيد الإطار الهوسرليّ للفينومينولوجيا.

أزمة العلوم الأوروبيّة وتجاوز الثّنائيّة، هذا الهاجس حاضر في معظم أعمال حنفي، ويتوازى - من حيث الحضور - مع محاولة إعادة بناء العلوم القديمة، أو لنقل: إنَّه إحدى النتائج المنشودة.

تجاوز الثّنائيّة - إذن - همّ رئيس من هموم حنفي، وليس الأمر كما ذهب جورج طرابيشي، في كتابه (ازدواجيّة العقل: دراسة تحليليّة نفسيّة لكتابات حسن حنفي)، من أنّ حسن حنفي لديه ازدواجيّة أدّت إلى نوع من الفصام؛ إذ يقول: "منذ عصر الجرح النّرجسيّ؛ أي منذ صدمة اللّقاء مع الغرب، واكتشاف العالم العربيّ تخلّفه في مرآة أوروبا المتقدّمة، والنّخب المثقّفة العربيّة تعاني من ازدواجيّة عضال، هي (المنافحة عن الذّات في مواجهة الوافد الغربيّ)، ونقد الذّات لانتشالها من هوّة التّأخّر والفوات الحضاريّ، ثمّ وجدت النّخب العربيّة المثقّفة نفسها في موقف سيزيفيّ منهك القوى؛ إذ كان شأنها كشأن المضطر إلى أن يردم باليسرى ما يحفره باليمنى، الوارث الأكبر لهذه الازدواجيّة، هو حسن حنفي الّذي أراد أن يجمع في شخصه بين الفيلسوف والفقيه، وفي فكره بين الانتصار للحداثة والانتصار للقدامة، بين طلب التّماهي مع الغرب، وطلب فكّ الارتباط مع الغرب، بين نقد التّراث إلى حدّ الهدم، والدّفاع عن التراث إلى حدّ الأَمْثَلة"[12]؛ فالواقع أنّ حسن حنفي لا توجد لديه مثل هذه الإزوداجيّة؛ بل فلسفته - كلّها - قائمة على الخروج من الازدواجيّات والثّنائيّات، وهو نفس الهدف الّذي قامت من أجله فينومينولوجيا هوسرل، وإذا كان طرابيشي يقترح منهج التّحليل النّفسيّ، للتّعامل مع مؤلَّفات حنفي "قد لا يعود أمام الدّارس من منهج آخر لتشخيص الحالة سوى التّحليل النّفسيّ"([13])؛ فإنّ منهج التّحليل النّفسيّ قاصر وعاجز عن تقديم أيّ جديد؛ بل هو ينطوي على سوء طوية واضح؛ إذ يعتمد - في المقام الأوّل - على تصيّد العبارات الّتي تخدم افتراضًا سابقًا، بدل القراءة الّتي تحاول اكتشاف إمكانيّات النّصّ وطاقاته.

على أنّ الفينومينولوجيا تحوّلت مع حنفي؛ من كونها منهجًا معرفيًّا خالصًا، إلى أنطولوجيا، فالواقع أنّ حنفي لم يكن مشغولًا في فلسفته بقضايا الإبستمولوجيا (إمكانيّة المعرفة، أداة المعرفة، طبيعة المعرفة، ....إلخ)؛ أي لم يسع إلى تأسيس نظريّة في المعرفة، وربّما يكون السّبب في ذلك؛ المركزيّة المعرفيّة الّتي يشكّلها النّصّ الدّينيّ في الحضارة الإسلاميّة؛ لذا يبدو حنفي مشغولًا بالوجود في المقام الأول - الوجود الإنسانيّ في العالم تحديدًا - ولمّا كان مبحث الإنسان غائبًا في العلوم القديمة، أخذ حنفي على عاتقه استبدال المركز؛ أي استبدال الإنسان بالله، والاستبدال لا يعني الإلغاء، أو حتّى الإقصاء، ولكنّها مسألة مرتبطة بترتيب الأولويّات، وفهم المقاصد، وقلب العلاقات من "الله إلى الإنسان"، إلى "من الإنسان إلى الإنسان"، وهي صورة من صور العلاقة التّبادليّة الّتي نادت بها الفينومينولوجيا؛ إذ يشكّل الواقع الإنسانيّ - عند حنفي - نقطة البداية والنّهاية معًا، فاللّاهوت صناعة بشريّة "الشّخص الإنسانيّ معروف تمامًا، أمّا الشّخص الإلهيّ؛ فإنّه يتجاوز التّجربة الإنسانيّة، الشّخص الإنسانيّ؛ أصل كلّ دين"([14]).


[1] - إذا شئنا الرّصد التّاريخيّ؛ فيمكن القول: إنّ الاهتمام بهوسّرل في الفكر العربيّ بدأ منذ الخمسينيّات، فقد ظهرت سنة 1958م، أوّل ترجمة لنصوص هوسّرل، قدّمها تيسير شيخ الأرض بعنوان: "تأمّلات ديكارتيّة أو المدخل إلى الفينومينولوجيا" (دار بيروت للطّباعة والنّشر، بيروت، 1958م)، وقد أرفق المترجم ذلك النّص بمقدّمة مطوّلة عرّف فيها بهوسّرل، وبأهمّ أفكاره الفينومينولوجيّة (انظر نفس المرجع، ص ص 3 - 38)، كما ترجم سنة 1959م كتابًا لإميل برييه تضمّن بعض التّحديدات لأفكار هوسّرل، وهو بعنوان: "اتّجاهات الفلسفة المعاصرة"، ترجمة: محمود قاسم، دار الكشّاف للنّشر والطّباعة والتّوزيع، بيروت، 1959م. ثمّ ظهرت في السّتينيات بعض المقالات والتّرجمات في السّياق ذاته، نذكر منها - على سبيل المثال -: إعادة ترجمة نصّ هوسّرل "التّأمّلات الدّيكارتيّة" من قبل نازاي إسماعيل حسين، بعنوان: "تأمّلات ديكارتيّة المدخل إلى الظّاهراتيّة"، دار المعارف ودار الكتاب العربيّ للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1969م، وترجمة بعض الأعمال الغربيّة الّتي تتضمّن أقسام أو تحليلات مباشرة للفكر الهوسّرليّ، مثل: ترجمة بعض أعمال سارتر، وأهمّها: "الوجود والعدم بحث في الأنطولوجيا الظّاهراتيّة"، ترجمة: عبد الرّحمن بدوي، منشورات دار الآداب، بيروت، 1966م. وترجمة كتاب لريجيس جوليفيه، بعنوان: "المذاهب الوجوديّة من كيركجورد إلى جان بول سارتر"، ترجمة: فؤاد كامل، الدّار المصريّة للتّأليف والتّرجمة، القاهرة، 1966م، وقد تضمّن فى آخره ملحقًا قدّم فيه الكاتب بعض عناصر المنهج الفينومينولوجيّ الهوسّرلي. أمّا الدّراسات والبحوث؛ فنذكر مثلًا: - أحمد عبد الرّحمن، "هوسّرل وفلسفة الظّواهر"، مجلّة الفكر المعاصر، سبتمبر 1965م، القاهرة.

 - عبد الفتّاح الدّيدي، "الاتّجاهات المعاصرة في الفلسفة"، الدّار القوميّة للطّباعة والنّشر، القاهرة، 1966م، ( وقد خصّص فيه قسمًا لعرض آراء هوسّرل، وقارنها ببعض أقطاب الفينومينولوجيا، خاصّة، هيدغير ومرلوبونتي: انظر الصّفحات: من 14 إلى 62).

 - زكريّا إبراهيم، "دراسات في الفلسفة المعاصرة"، مكتبة مصر، القاهرة، 1968، (انظر مثلًا: الباب السّابع بعنوان "الفلسفة الفينومينولوجيّة"، ص ص 315 - 368).

أمّا مرحلة السبعينيّات؛ فهي مرحلة تميّزت بظهور عدد هامّ من الأعمال المُخصّصة لهوسّرل، وقد كانت زيارة سارتر إلى مصر(1967م)، حافزًا مهمًّا لزيادة الاهتمام العربيّ بالأعمال الفينومينولوجيّة، فقد بدأ حسن حنفي ترجمة أهمّ كتبه، الّتي خصّصها لهوسّرل، ونشره سنة 1972م، بعنوان: "تعالي الأنا موجود"، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، بيروت، 1982م، بعد أن كتب مقالين عن هوسّرل، أوّلهما بعنوان: "الظّاهريّات وأزمة العلوم الأوروبيّة"، مجلّة الفكر المعاصر، يناير1970م، القاهرة. ثانيهما: "فينومينولوجيا الدّين عند هوسّرل"، مجلّة الفكر المعاصر، يوليو 1970م، القاهرة، وهو مقال سيعمّقه لاحقًا في أطروحة الدّكتوراه باللّغة الفرنسيّة، بعنوان: "L'exégèse de la phénoménomogie l'état actuelle de la méthode phénoménologique et son application au phénomène religieux", Dar al - fikr al - arabi, Le Cair, 1988، وظهر في نفس السّنة مقال لأنطوان خوري، بعنوان: "حول مقوّمات المنهج الفينومينولوجيّ"، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، 8/ 9، 1970م، بيروت، أعيد نشره ضمن كتابه: "الفلسفة الظّاهراتيّة"، دار التّنوير للطّباعة والنّشر، 1983م، ص ص 116 - 179)، تضمّن ذلك الكتاب - أيضًا - مقاله الّذي نشره سنة 1971م، بعنوان: "الكوجيتو؛ بين هوسّرل وديكارت"، مجلّة الفكر العربيّ المعاصر، 16، 1971م، بيروت (انظر نفس المرجع، ص ص 201 - 215).

أمّا الدّراسات الّتي خُصّصت للفينومينولوجيا في الثّمانينيّات والتّسعينيّات؛ فرغم أنّها تميّزت بظهور اهتمامات متزايدة بأعلام فينومينولوجيا آخرين، هيدغير خاصّة؛ فإنّ بعضها تميّز بالسّعي إلى الدّقة والتّفصيل في تقديم مسائل الفكر الهوسّرليّ (مثال كتاب سماح رافع محمّد: "الفينومينولوجيا عند هوسّرل"، دار الشّؤون الثّقافيّة، بغداد، 1991م.

وما ورد في أطروحة محمود رجب: "المنهج الظّاهراتيّ في الفلسفة" (رسالة دكتوراه غير منشورة حسب علمنا). ومقال إسماعيل مصدّق: "هوسّرل وأزمة الثّقافة الأوروبيّة"، ورد ضمن مجلّة مدارات فلسفيّة، 1، المغرب، 1998م. وقد حاول بعضها أنّ يوسّع الاهتمام الفينومينولوجيّ بظواهر أخرى، مثل: الظّاهرة الجماليّة (كتاب سعيد توفيق، "الخبرة الجماليّة؛ دراسة في فلسفة الجمال الظّاهراتيّة"، المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات والنّشر والتّوزيع، بيروت، 1992م). اعتمدتُ في هذا الرّصد التّاريخيّ على ما أورده محسن الزّارعيّ، في دراسته "الفينومينولوجيّ والتّرنسندنتاليّ والإنسانيّ في فكر هوسّرل"، المنشورة في الموقع الآتي: http://www.assuaal.net/studies/studies.83.htm

[2] - حسن حنفي، قضايا معاصرة "في الفكر الغربيّ المعاصر"، دار الفكر العربيّ، القاهرة، 1977م، ص 295.

[3] - لا تطمح هذه الدّراسة، عبر صفحاتها القليلة، إلى تتبّع المنهج الفينومينولوجيّ - بأدواته وإجراءته - في أعمال حنفي، فالواقع أنّ هذا يحتاج إلى دراسة مطوّلة مستقلّة، وحسبي - هنا - أن أقدّم بعض الأفكار والملاحظات البسيطة في هذا الصدد.

[4] - يصعب شرح وتفسير كلّ المصطلحات الّتي سترد في متن الدّراسة، ويمكن الرجوع إلى مراجع الدّراسة للوقوف على دلالات تلك المصطلحات.

[5] - حسن حنفي، المصدر نفسه، ص 311.

[6] - حسن حنفي، المصدر نفسه، ص 321.

[7] - حسن حنفي، تأويل الظّاهريّات، دار النّافذة، القاهرة، 2006، ص 22.

[8] - حسن حنفي، المصدر نفسه، ص 24.

[9] - أنور مغيث، دروب الفينومينولوجيا: قراءة في كتاب تأويل الظّاهريّات، مجلّة أوراق فلسفيّة، العدد 28، سنة 2010م، ص 73.

[10] - من هذه المصطلحات: (أولاني apriori)؛ الّذي يحوّله حنفي إلى (شرعيّ)، و(بعدي posteriori)؛ الّذي يحوّله إلى (وضعيّ).

[11] - حسن حنفي، التّراث والتّجديد، ص 11.

[12] - جورج طرابيشي، ازدواجيّة العقل: دراسة تحليليّة نفسيّة لكتابات حسن حنفي، دار بترا للنّشر والتّوزيع، بيروت، 2005م، ص 5.

[13] - المصدر نفسه، نفس الموضع.

[14] - حسن حنفي، تأويل الظّاهريّات، ص 341.