العلاقة بين الشريعة والتشريع عند محمد سعيد العشماوي: قراءة في كتابه أصول الشريعة

فئة :  قراءات في كتب

العلاقة بين الشريعة والتشريع عند محمد سعيد العشماوي: قراءة في كتابه أصول الشريعة

 العلاقة بين الشريعة والتشريع عند محمد سعيد العشماوي([1])

قراءة في كتابه أصول الشريعة


الشريعة ليست التشريع، كما يدّعي أنصار الإسلام السياسي. إنّهما مجالان متمايزان، لغوياً، وتاريخياً، وموضوعياً، وإثبات هذا التمايز ضروريّ في سياق الدولة الحديثة، حتّى لا يتمّ استغلال الدين (الإلهي - المقدس) في تجاذبات/صراعات السياسة (الدنيوية)، كما يحدث اليوم، بنتائج مكلفة، على المستويات كافّة. هذه هي الفكرة الرئيسة، التي يعالجها المؤلّف في هذا الكتاب، الذي يروي قصّة مختلفة عن الهاجس، الذي ما انفك يسيطر على الإسلاميين، ولا سيما العنيفين منهم، في هذا العصر: تطبيق الشريعة.

مقدمة:

تمثّل الشريعة، بوصفها التجسيد النظري والعملي لاندماج الدين والسياسة في الإسلام (مع إعطاء الأولوية للديني على السياسي)، المفهوم المركزي، الذي تقوم عليه النزعة الإسلامويّة الحديثة، على اختلاف تيّاراتها الفكريّة، واتجاهاتها الحركيّة. فمن جماعة الإخوان المسلمين، التي ظلّ مؤسّسها حسن البنا ينادي بتطبيق الشريعة في كلّ مناحي الحياة، إلى التنظيمات الجهاديّة القائمة، اليوم، على امتداد العالم العربي، التي لا تتورّع عن سفك الدماء من أجل المطلب نفسه، تتعيّن الشريعة الهدف النهائي الذي يسعى إليه الإسلاميّون جميعاً، بكلّ الطرق، سياسةً أو عنفاً، ويجيّشون له قواهم بشكل كامل ودائم، مهما كلّفهم ذلك من أثمان باهظة.

في هذا النطاق، احتلّت الشريعة، وما يتداخل معها من موضوعات (الحاكميّة، الدولة الإسلامية، الخلافة الإسلامية، الأحكام الشرعية، القانون الإسلامي)، حيّزاً مهماً من سرديات النقد المعرفي للإسلاميات المعاصرة، وتحديداً في الجانب المتعلق بجدلية الديني والسياسي، سواء في النص القرآني، أم في تجربة المسلمين التاريخية؛ حيث جرت صياغة تساؤلات شائكة بشأن إمكانات/احتمالات تطبيق نظام الحكم الإسلامي في الزمن العربي الراهن.

والكتاب، الذي بين أيدينا (أصول الشريعة)، واحد من المساهمات التأسيسيّة في هذا المجال؛ فهو يندرج ضمن أفق التفكير النقدي في التراث الديني من منظور عقلاني تنويري، وهو من النماذج المبكّرة في هذا المضمار، صدر في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، في ظلّ التوتّرات الفكريّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، التي أوجدها صعود الحركات الإسلاميّة في مصر والعالم العربي، ولا سيما بعد الثورة الإيرانية (1979م)، التي أكسبتها قوّة دفع هائلة، ومعلوم أنّ بعضاَ من هذه الحركات، ذات التوجه التكفيري - الجهادي، دخل في مواجهات عنيفة مع الدولة، وتمكّن، في تشرين الأول/أكتوبر (1981م)، من اغتيال الرئيس محمد أنور السادات (كان عدم تطبيق السادات للشريعة الإسلامية مبرراً أساسيّاً لقتله بحسب اعترافات الجناة في المحكمة).

أمّا المؤلف، فهو محمّد سعيد العشماوي (1932-2013م)، مفكر مصري، ورجلُ قانونٍ تخرّج من كلية الحقوق في العام (1955م)، مارس القضاء، فرأس محكمة الجنايات في القاهرة، ومحكمة أمن الدولة العليا، كما حاضر في أصول الدين، والشريعة الإسلامية، والقانون المقارن في عدّة جامعات مصريّة، وأوربيّة، وأمريكية. بدأ التأليف في سنّ مبكرة، فأصدر عدداً من الكتب في الإنسانيّات العامّة، ثمّ اتّجه إلى الكتابة في الإسلاميّات، فأصدر تسعة من المؤلفات أثارت جدلاً واسعاً هي: أصول الشريعة (1979م)، الإسلام السياسي (1987م)، الربا والفائدة في الإسلام (1988م)، معالم الإسلام (1989م)، الخلافة الإسلامية (1990م)، جوهر الإسلام (1992م)، الشريعة الإسلامية والقانون المصري (1996م)، حقيقة الحجاب وحجيّة الحديث (2002م)، الإسلام والسياسة (2004م).

وقد تُرجم بعضٌ من هذه الأعمال إلى الفرنسية والإنجليزية، وتحديداً أعماله الثلاثة الأساسيّة، التي ضمّنها خلاصة اجتهاداته في نقد الإسلاميات التراثية، وتطبيقاتها الحديثة: أصول الشريعة، والإسلام السياسي، والخلافة الإسلامية.

الإطار المرجعيّ للمؤلف:

يقوم الأفق الإدراكي للمؤلف، في تشخيصه النقدي للواقع العربي - الإسلامي، تاريخياً وراهناً، على الوعي بضرورة التجديد الديني، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، مع ما يقتضيه ذلك من الحفر بلا مواربة في أغوار العقل التراثي الإسلامي، وتفكيك قداساته، ومواجهة قراءاته/ادعاءاته، وإعادة تقييم جذريّة لكلّ مفاعيله في الحياة العامة الإسلامية، على ضوء معطيات العلوم الإنسانية الحديثة، باعتباره المسؤول الأوّل عن حالة الأزمة، والركود، والتخلّف، والفوات الحضاري، التي يرزح تحت وطأتها المسلمون منذ قرون طويلة.

وعلى ذلك، إنّ الأفكار الأساسية، التي تشكّل إطاراً مرجعيّاً للمؤلّف، تصدُر عنه تحليلاته في مجال الفكر الديني في الإسلام، ولاسيّما في الجانب السياسي والتشريعي/القانوني، تتلخّص في ما يأتي:

- مراجعة الفهم الحرفي للنصوص الدينية (القرآن والسنة)، والدعوة إلى قراءتها بمنهجيّة جديدة قائمة على أساس الواقعية الظرفية للنص الديني (= تاريخية النص)، مع التسليم الابتدائي بأنّ القرآن، في ذاته، نصٌّ منزّه تنزيهاً كلياً.

- تجاوز المدوّنة الفقهية التقليديّة بكلّ ما تنطوي عليه من تفاسير، وشروحات، وتأويلات، ولاسيما في ما يتعلق بموضوعات الدولة، والسياسة، والجهاد.

- إعادة تقييم التجربة التاريخية الإسلامية.

- نزع القداسة عن الإسلام التاريخي التراثي.

- الاستقراء التاريخي للفكر/الفقه الإسلامي.

- مناهضة القراءات الإسلاموية/السلفية.

- القطع مع شعار «الحلّ الإسلامي».

- إبراز البعد الإنساني للإسلام.

- تنمية الخطاب الإسلامي في اتجاه العلمنة.

وصف الكتاب:

يقع كتاب (أصول الشريعة)، الذي صدرفي القاهرة، في العام (1979م)، وصدرت طبعته الثانية المعتمدة في هذه الدراسة، في القاهرة وبيروت في العام (1983م)، في (202) صفحة من القطع الكبير، موزّعة على مقدّمة وستة فصول، هي:

- الأصول اللّغويّة للشريعة (ص - ص19-36).

- الأصول التاريخيّة للشريعة (ص - ص37-48).

- الأصول العامّة للشريعة (ص - ص49-86).

- الأصول التطبيقيّة للشريعة (ص - ص87-133).

- أصول الحكم في الشريعة (ص - ص135-173).

- الأصول الحقيقيّة للشريعة (ص - ص175-182).

وقبل أن نقلِّب صفحات الكتاب، علينا أن نوضّح نقطة منهجيّة كان حرياً بالمؤلّف أن يفصّل فيها القول قبل مباشرة موضوعات الكتاب (والحقيقة أنّه أشار إليها في المقدمة دون التوقّف عندها مطولاً)، لأهميّتها في إزالة اللبس المفاهيمي، الذي قد يقع فيه القارئ، وهي التمييز الذي يقيمه بين مصطلحيْ البحث، وهما «الشريعة» و«التشريع»؛ فالشريعة، عند العشماوي، مصطلح عام يشير إلى الطريقة، أو السبيل أو المنهج، وإجرائياً: هي مصطلح يعبّر عن مجموع «الأوامر الإلهية (الموجهة) للسلوك الإنساني» دون تحديد. أمّا التشريع، فيأتي على معنى ضيّق هو القانون في الاصطلاح الحديث والمعاصر؛ أي نطاق القواعد، التي تحدّد التأثيم/التجريم والجزاء، وتحكم الأحوال الشخصية، وتنظّم المعاملات. فالتشريع، هنا، يمكن أن يقع تحت طائلة الشريعة، لكنّهما لا يشكّلان، بالضرورة، معنى واحداً، فالشريعة، عامّةً، شاملة لكلّ جوانب الحياة الإنسانية، بينما التشريع جزئيّ خاصّ بجانب محدّد.

إنّ هذا التمييز أساسيّ، وهو حجر الزاوية في أطروحة المؤلّف، وفي الخلاصات التي ينتهي إليها.

نقطة أخرى علينا توضيحها تتعلّق بأسلوب المؤلّف في الكتابة، فالعشماوي لا يلتزم بنظام البحث العلمي الأكاديمي، بعدّته النظرية وأدواته/ خطواته المنهجيّة الدقيقة، وإنّما يكتب بأسلوب المقال الطويل المتحرر من اعتبارات التناسق النظري. إنّ نصوصه، في مجموعها، كُتبت في سياق السجال مع الآخر، لذلك يغلب عليها طابع الاشتباك الفكري والمفاهيمي المباشر مع شعارات/أطروحات الإسلاميين، وإذا قارنا، مثلاً، بينه وبين نموذج المفكر الجزائري محمد أركون، الذي يتحرّك ضمن دائرة الوعي النقدي نفسه، في اتجاه الهدف ذاته: تفكيك لاهوت التطرّف، والتكفير، والعنف، في التراث الإسلامي (أطلق أركون مشروعه النقدي «الإسلاميات التطبيقية» في العام 1979م)، سنجد اختلافاً كبيراً في مستوى التحليل ونوعيّة/لغة الخطاب.

على أنّ هذه الملاحظة لا تعني التقليل من شأن الأفكار/الاجتهادات الرائدة والاقتحامية، التي يطرحها المؤلف. إنّ مساهمته في نقد العقل/ الخطاب الديني الإسلامي، ومساءلة تراثه أساسيّة، وله التفاتات مهمّة لا يغيب عنها العمق النظري، وتستحقّ التأمّل والدراسة، إنّما الغرض توضيح أنّنا لا نتعامل مع نسق فكري متكامل، له عناصره البنائيّة الخاصّة؛ بل مجموعة من المقالات المعدّة للنشر في الصحف، جُمعت في كتاب، فهي، بذلك، تحمل مواصفات وشروط المقال على مستوى التفكير والتعبير معاً، من سيولة وكثافة... ونفَس سجالي، إضافة إلى تشابه الأفكار وتكرارها، وهو أمر نلاحظه في مجموع كتبه.

كذلك ننبّه إلى أنّ كثيراً من الأفكار والنماذج المعرفية، التي طرحها المؤلّف، في هذا الكتاب، وفي كتبه الأخرى، لا تزال محافظة على جدارتها وأهميّتها، وقد تمّ البناء عليها، وتحديثها في ما تلاها من دراسات، لكن، في المقابل، هناك أفكار وتصوّرات جرى تجاوزها لانكشاف حقائق ومعطيات جديدة، بفضل تطوّر مناهج وأنساق البحث في التراث الديني في الإسلام، فنحن بصدد اجتهادات دُوِّنت في مرحلة مبكّرة من تطوّر حقل الإسلاميّات الحديثة. فخلال السبعينيات، كان هذا النوع من القراءات التفكيكيّة النقديّة في طور النشأة والتكوّن، يتلمّس طريقه بصعوبة، في ظلّ سيطرة شبه كليّة للأنماط والقوالب الذهنيّة الأصوليّة، تحت حراسة مشدّدة من المؤسسات الدينيّة الرسميّة من جهة، وجماعات الإسلام السياسي، بمختلف تشكيلاتها، من جهة ثانية، كما أنّ الأطر الإبستمولوجية في العالم العربي، في تلك الفترة، لم تكن على درجة من الكفاية والتنوع بما يسمح بحفر أعمق في هيكل التراث «المقدس».

بقي أن نشير إلى أنّ قراءتنا للكتاب ستكون محكومة بالعنوان العريض للبحث، وهو «مفهوم تطبيق الشريعة في فكر دعاة الإسلام السياسي: تحليل ونقد»، وعليه سنركز على عرض/استنطاق الوحدات الفكرية، التي تقع داخل دائرة الموضوع، متجاوزين التفاصيل الثانوية المبثوثة بين ثنايا الكتاب، البعيدة عن مجال البحث، ما يعني أنّنا لن نلتزم بنموذج القراءة المسحيّة التقليديّة، التي تقوم على عرض الكتاب من ألفِه إلى يائِه، وإنّما سنعيد تركيب الأفكار، ودمج بعض الفصول والفقرات، بما يسمح بإبراز الأفكار التي تهمّنا، من دون الإخلال بالمضمون، أو تجاوز حدود المعنى.

محتويات الكتاب:

1- الأصول اللّغوية والتاريخيّة للشريعة:

يقول المؤلّف: «القرآن كتاب محكم وتنزيل جامع، لذلك فقد جاء على ثراء لفظي شديد، فانطوى بناؤه على كثير من الألفاظ ذات الأصول المتباينة، أو ذات المعاني البعيدة، أو ذات الأغراض المتنوعة.

ففي ألفاظه ألفاظ كانت قد دخلت العربية من لغات أخرى، وفي ألفاظه ألفاظ أُدخلت إلى العربية - من هذه اللغات - على آياته وبنصوصه... وفي تلك الألفاظ ألفاظ قريبة المأخذ سهلة التناول، وفيها ألفاظ تغوص معانيها إلى أعماق التاريخ، وتضرب فيه إلى مطاوٍ بعيدة، إلى حيث تظهر في لغات أخرى باللفظ نفسه، أو بلفظ مشاكل، وفي المعنى ذاته، أو بمعنى قريب.

وتبادل الألفاظ بين اللغات، أو اقتباس لغة لمعاني لغة أخرى، واقع تاريخي، وضرورة لغوية وحضارية، تنشأ من التعامل البشري، والتداخل الإنساني، وتؤدّي إلى ثراء اللّغات بالألفاظ الجديدة، وتعميقها بالمعاني المقتبسة»[2].

في ضوء هذه القاعدة السوسيو - لغويّة، يبدأ المؤلّف بحثه باستقراء لفظ الشريعة في لغة العرب قبل الإسلام، وتحديداً كما ورد، بنصّه ومعناه، في التوراة والإنجيل، لتعيين دلالته فيهما، ومقارنته بالمعنى المحدّد في اللّغة العربية، أولاً، وفي النص الإسلاميّ ثانياً.

الشريعة في التوراة:

وردت كلمة الشريعة باللفظ العبري في التوراة، (وتحديداً الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم)، نحو مئتي مرّة، وكلّها بمعنى يرشد، يعلِّم، ينظّم، يهدي.

جاء في سفر الخروج:

«وقال الرب لموسى وهارون هذه فريضة الفصح... تكون شريعة واحدة لمولود الأرض والنزيل النازل».

وفي سفر اللاويين:

«وهذه شريعة التقدمة يقدمها بنو هارون أمام الرب قدام المذبح».

«وهذه شريعة ذبيحة الخطية...».

«وهذه شريعة ذبيحة الإثم...».

«وهذه شريعة ذبيحة السلامة...» (6: 14، 24. 7: 11، 27).

في هذه الآيات، لم ترد الشريعة على معنى القانون؛ أي التشريع، وإنّما معناها: الطريقة، السبيل، المنهج لأداء مراسم معيّنة لبذل قربان، أو الوفاء بنذر، أو اتباع وسيلة محدّدة للوقاية وما شابه. أما حين كانت التوراة تريد أن تعبّر عن قواعد التأثيم، والجزاء، أو القانون؛ أي التشريع، فكانت تعبّر عن ذلك بلفظ آخر هو الأحكام أو الوصايا.

جاء في سفر الخروج:

«هذه هي الأحكام التي تضع أمامهم... (ثم ورد بيان لأحكام العقوبات) ومنها... من ضرب إنساناً فمات يُقتل قتلاً. من ضرب أباه وأمه يُقتل قتلاً. من سرق إنساناً وباعه أو وُجد في يده يُقتل قتلاً...». (21: 1).

وفي سفر اللاويين:

«أحكامي تعملون وفرائضي تحفظون لتسلكوا فيها، أنا الرب إلهكم: فتحفظون فرائضي وأحكامي، التي إذا فعلها الإنسان يحيا بها. عورة أمك وأبيك لا تكشف، عورة أختك بنت أبيك وبنت أمك المولودة في البيت، أو المولودة خارجاً لا تكشف. عورة امرأة وبنتها لا تكشف. ولا تأخذ امرأة على أختها للضر...» (18: 4-18).

غير أنّ الالتباس سيبدأ مع ظهور التلمود: المدونة الفقهية اليهوديّة، التي تتضمّن تفاسير اللاهوتيين الإسرائيليين، وشروحهم، وإضافاتهم للشريعة، والفرائض، والأحكام، والوصايا الواردة في التوراة. لقد ادّعى الأحبار أنّ موسى - عليه السلام - لم يترك لشعبه شريعة الأسفار الخمسة فقط؛ بل ترك لهم، أيضاً، شريعة شفوية تلقّاها عنه تلاميذه، ولأنّ موضوعات وقضايا هذه الشريعة تحتاج إلى تفسيرات يجتمع عليها اليهود المشتتون في كلّ البلاد، وتهتدي بها الأجيال القادمة، فقد اكتسبت نصوص التلمود حجيّة معياريّة فائقة، وأصبحت مقياساً للفهم الديني، خطاباً وممارسة، وهكذا جرى، تعسفاً، استدخال أحكام وتخريجات التلمود (= التشريع) الوضعية في الشريعة الموسوية الأصيلة، ومع الوقت تطابقا/تماهيا، وصارا نصاً واحداً، فبات لفظ الشريعة يستخدم للدلالة على ما ورد في التوراة والتلمود على حد سواء؛ بل إنّ أحكام التلمود غلبت أحكام التوراة ذاتها في النهاية، وأصبحت النص/المرجع الأكثر قيمة وأهمية وتأثيراً في الوعي اليهوديّ الجمعي.

وهكذا، كانت للتلمود انعكاسات سلبية على تحوّل لفظ الشريعة في الدين اليهودي من مدلوله الأصلي في التوراة، ذي الطابع التوجيهي الإرشادي التعليمي الإلهي العام، إلى معنى مستحدث مرتبط بمنظومة من الأحكام والاجتهادات/التأويلات البشرية التي تعبّر عن آراء، وتوجّهات، ومواقف اللاهوتيين اليهود في تفاعلهم مع مفردات النص المقدس، في صورته البكر: قراءةً، وإضافةً، وتعديلاً.

بعبارة أخرى: لقد اختطف التلمود التوراة، فصار التشريع قناعاً للشريعة.

الشريعة في الإنجيل:

تمّ التعيير عن الشريعة في الإنجيل بلفظ الناموس.

جاء في الإنجيل على لسان السيد المسيح عليه السلام:

«لا تظنّوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل: فإنّي الحقّ أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض، ولا يزول حرف واحد، أو نقطة واحدة من الناموس حتّى يكون الكلّ» (4: 17).

وكلمة الناموس أصلها يوناني، كانت تعني، أصلاً، القضيب المستقيم، ثمّ استعملت بمعنى العمل على استقامة الأشياء، ثمّ بمعنى قاعدة تستعمل بوساطة البنائين، وأخيراً استقرت، اصطلاحاً، على معنى القاعدة الأخلاقية السامية أو القانون الإلهي (العام)، أو الحكم الأعلى الذي لا يتغيّر، ولا يتبدّل، وتحديداً في الجانب المتعلّق بالعدالة والحق، وكلّها معانٍ تنسجم مع مدلول لفظ الشريعة في النص التوراتي، قبل أن يجري تحريفه، واختزال معالمه/مقاصده في لفظ التشريع (التلمودي)، فيحصل الاضطراب بين المعنيين.

لقد استعمل السيّد المسيح الناموس مرادفاً للفظ الشريعة بمعناها الشمولي؛ أي مجموع المطلقات الفوقيّة، التي تتنزّل من الله، وتوحي إلى النبي إرادته وأمره، دون أيّ تحديدات مخصوصة، فالنصّ السابق، مثلاً، يمكن قراءته على هذا النحو: «لا تظنوا أني جئت لأنقض الشريعة أو الرسالات»، وهي قراءة توافق المفهوم عن رسالة السيد المسيح من أنّه لم يغيّر شريعة موسى (التوراة)، وإنّما عدّل قِبلتَها فقط، بعد أن تجاوزت إطارها التوجيهي العام، وأفضى مسارها إلى بروز/سطوة خطاب كهنوتي دخيل، لكنّه رائج ومؤثر، فوجهها إلى «النية والقصد لا إلى الشكل والمراسم، وجعل معناها الحب والعطاء، لا المبادلة، ولا الجزاء، ووضع الإنسان أساساً لها بعد أن كان الأساس حكم الكهانة أو ملامة الناس»[3].

جاء في إنجيل متّى:

«تركتم أثقل الناموس: الحق والرحمة والإيمان» (33: 33).

فالمعنى واضح، الشريعة هي روح الدين التي تتجسّد، استلهاماً وتحقيقاً، في كليات إلهية (ثابتة) يلامسها الإنسان وجودياً، بما هو إنسان، ويتمثل، في أي لحظة تاريخيّة، مظاهرها من حق، وعدل، واستقامة، ورحمة، وإيمان، وغيرها من القيم الكونية بداهةً، بلا تأويلات، وهذا كله لا علاقة له بالتشريعات الجزائية وتشريعات المعاملات (= القانون) النسبية/ الزمنية (المتغيرة)، التي يعتريها ما يعتري الجهد البشري عموماً من عوامل النقص والانحياز.

الشريعة في القرآن:

ورد لفظ الشريعة بنصه في القرآن مرة واحدة:

{ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْها} [الجاثية: 18].

ثم ورد بصيغة الفعل مرة واحدة أيضاً:

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13].

كذلك ورد اشتقاقاً مرّة واحدة:

{لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} [المائدة: 48].

بالعودة إلى كتب اللّغة، نجد أنّ كلمة شرع تعني ورد: شرع الوارد تناول الماء بفيه. شرعت الدواب في الماء دخلت فيه. والشرعة والشريعة: مشرعة الماء؛ أي مورده، أو مدخله.

وقيل: الشرعة هي المنهاج، أو الطريق: منهاج الشيء، أو الطريق إليه، وهذا هو المعنى الذي قصد إليه القرآن:

{ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ} [الجاثية: 18]؛ أي: ثمّ جعلناك على منهاج من الدين، أو على طريق له.

؛ أي: منهج لكم من الدين، وضّح لكم طريقاً من الدين هو ما وصى به نوحاً... أو سنّ لكم من الدين.

{لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً} [المائدة: 48]؛ أي: لكلّ جعلنا منكم طريقاً ومنهاجاً، أو لكلّ جعلنا منكم مدخلاً (مورداً) ومنهاجاً.

ومن الممكن أن يُحمل اللفظ، أيضاً، على معنى الثبات والاستقامة؛ أي: الطريق الثابت، والمنهج المستقيم.

وهكذا، يكون المعنى القرآني للفظين: الشرعة والشريعة ما سنّ الله من الدين، وأمر به، كالصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، وسائر أعمال البر؛ أي كلّ ما يعدّ نظاماً للدين لا أحكاماً للمعاملات (= التشريع).

فلفظ الشريعة لا يعني، في اللغة، ولا في الاستعمال القرآني، معنى التشريع، أو القانون؛ بل إنّه ورد بنصه {ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ} [الجاثية: 18]، وبفعله (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا) في آيتين مكيتين نزلتا قبل ظهور التشريع، الذي لم يبدأ إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

أمّا الاشتقاق الوارد في الآية {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً}، وهي آية مدنيّة؛ أي: نزلت بعد بدء التشريع الإسلامي، فهو لا يعبّر عن معنى التشريع، وإنّما هي آية نزلت في سياق مناسبة خاصّة: تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة الزنا المنصوص عليها في التوراة، وهي الرجم، على يهودي. والمقصود بها أنّ لكلّ من الدينين، اليهودي والإسلامي، مدخلاً (مورداً) ومنهاجاً مغايراً للآخر، ولا يعني أن تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم عقوبة وردت في التوراة أنّ موردي الدينين متطابقان، أو أنّ سبيلهما واحد.

فالقرآن، عندما نصّ على التشريع، لم يذكر لفظ الشريعة، ولا حتّى أحد مشتقّاتها (ومنها لفظ التشريع).

الشريعة في الفقه الإسلامي:

ما حدث مع لفظ الشريعة في اليهودية، من استدخال أحكام التلمود في التوراة، وترجيح آراء الأحبار والكهنوت الإسرائيلي، ما أدّى إلى هدر معناه وإفراغه من مضمونه، تكرّر بالحرف في الإسلام. ففي الأصل، استعمل لفظ الشريعة في القرآن على المعنى، الذي يفيد السبيل، أو المنهاج. بعد ذلك، توسّع المعنى ليشتمل على أحكام الدين على اختلاف مضامينها، ومستوياتها، فأصبحت الشريعة تعني كلّ ما ورد في القرآن من سبل للدين، ونظم للعبادات، وتشريعات للجزاء أو للمعاملات، ثم تخطّى المعنى كلّ ذلك، فأضيف إليه ما جاء في السنة النبوية، وما تتضمنه آراء الفقهاء، وتفاسير المفسرين، ونظرات الشراح، وتعاليم رجال الدين (على اختلاف مضامينها وتحيّزاتها الفقهية والمذهبية).

وهكذا، لم يعد لفظ الشريعة يدلّ، في الفهم الدينيّ الإسلاميّ، على معناه الأصلي في اللّغة، وهو المورد، أو الطريق، ولا على معناه الأوّل في القرآن، وهو المعنى اللغوي ذاته، لكنّه أصبح يعني كلّ أحكام النظام الإسلامي، ما تعلّق منها بالدين، وما اختصّ بالتشريع، سواء وردت في القرآن، أو في السنّة، أو على الإجماع، أو من التفاسير، دون الفصل، أو حتّى التمييز، بينها (وهنا مكمن الخطورة؛ دمج الدنيوي: السياسي خاصةً، في الديني، واعتبارهما ماهية واحدة).

أي أنّ لفظ الشريعة صار يحمل في طيّاته مجمل التراث الديني الإسلامي على اختلاف مضامينه ومستوياته: ما هو عقائديّ إلهي ثابت من الوحي، وما هو فكريّ وضعيّ متغيّر من قراءات، واجتهادات، ونظريّات، ومقولات فقهيّة في الاجتماع، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، يُفترض أن تكون مفاعيلها مرتبطة بظروفها المحليّة والتاريخيّة، وما يستجدّ في واقعها من حوادث ونوازل، دون أن تتجاوزه إلى العصور اللّاحقة.

ولإعطاء صورة واضحة على امتدادات هذا الخلط/الالتباس الدلاليّ في الخطاب الإسلامي، وتأثيراته في الواقع التشريعي/القانوني، يستحضر المؤلّف، بجهد نقديّ تفكيكيّ لافت، ثلاثة ألفاظ هي الأكثر اقتراناً بلفظ الشريعة، مع أنّها، في الحقيقة اللغوية والقرآنية، لا تمتّ إليها بصلة: الحدود، والتعزير، والقصاص.

فلفظ الحد (وجمعه: حدود)، مثلاً، يرد في كتب الفقهاء والشراح بمعنى «العقوبة التي قدّرها الشارع على فعل أثّمه»[4]، ومنها عقوبة قذف المحصنات، وهي الجلد ثمانين جلدة وهكذا. غير أنّ اللفظ لم يرد في القرآن بهذا المعنى على الإطلاق، ولكن ورد بمعنى الأوامر والنواهي عموماً، أو أحكام الله في ما لا يتّصل بجرائم أو عقوبات محدّدة:

{يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق: 1].

{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها} [النساء: 14].

فلفظ الحد أو الحدود، عندما يستعمل بمعنى العقوبة، إنّما يستعمل على الاصطلاح المعهود عند رجال الدين، وليس بالمعنى الوارد في القرآن.

كذلك لفظ التعزير، الذي ورد في القرآن بمعنى التعظيم والتوقير، لكنّه أصبح في الاصطلاح الفقهيّ مرادفاً للتأديب، الذي لم يرد به نصّ.

وعلى هذا النحو: «تغيّر لفظ الشريعة في الفكر الإسلامي، فأصبح يعني النظام الإسلامي، الذي يشمل القرآن، والسنّة، والقياس، والإجماع؛ أي يشمل كلّ التراث الإسلامي من كتاب سماوي، وأحاديث وأفعال للنبي، وإجماع لذوي الرأي (إن أمكن وقوعه) وقياس أيّ مجتهد لاستنباط أي حكم أو قاعدة»[5].

هذا الفهم النمطي استقرّ في الذهنية التاريخية الإسلامية، وشاع، وامتد صامداً حتى لحظتنا المعاصرة، لذلك يبدي التيار العام من المسلمين، بشكل انفعالي في الغالب، ممانعة شديدة في وجه أيّ رؤى فكريّة تجديديّة مغايرة للسائد، تعيد مساءلة المسكوت عنه في لفظ الشريعة، وتُمَوْضِعه في سياقاته اللغوية، والأنتربولوجية، والدينيّة الحقيقية، على النحو الذي يبعده/ينزهه عن مساوئ التوظيف/الاستغلال الإيديولوجي في حسابات السلطة، وصراعات الحكم، كما تفعل التيارات الإسلاموية اليوم: سياسةً وعنفاً.

نخلص ممّا سبق إلى أنّ لفظ الشريعة يحمل معنى واحداً في الديانات الإبراهيمية الثلاث (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، على الرغم من تباعدها الزمني، والاختلاف السوسيوــــلغوي الكائن بينها؛ إنّه نموذج تمثيلي من نماذج «تسلسل الفهم، وتداعي الألفاظ، عبر معانٍ واحدة، تنتقل من حضارة إلى أخرى، وتتوثب من دين إلى دين، بينما هي، في حقيقتها، أصل واحد، له لبّ لا يتبدل، وصميم لا يتغيّر»، كما نخلص إلى أنّ للشريعة الإسلامية جذوراً تاريخية سابقة على ظهور القرآن، وأنّ معناها في اللاهوت الإسلامي التقليدي ملتبس على النحو الذي يحتّم مراجعته جذرياً في اتجاه بلورة تمييز/قطيعة حاسمة بينها وبين مصطلح التشريع الذي يكتسي، نظرياً وإجرائياً، دلالات مختلفة تماماً.

وهذا هو الموضوع الأساسي، الذي يعالجه المؤلف، في الفصول التالية من الكتاب، بكثير من الجرأة والاقتدار والتفصيل، ما أحدث هزات كبرى في فكر الإسلاميين (ومشايخ الأزهر أيضاً) دفعتهم إلى اتهامه بالردّة، وإنكار «ما هو معلوم من الدين بالضرورة»، والتحريض عليه، وملاحقة كتبه، ومصادرتها.

2- الأصول العامة للشريعة:

لأنّ لفظ الشريعة يستعمل في الفكر الديني للإسلام على غير معناه في القرآن (= المدخل، أو المنهج، أو الطريق)، حيث بات يشتمل على كلّ مكوّنات/مستويات النظام الإسلامي المركبة والمتداخلة من قرآن، وسنة، وإجماع، وقياس، دون تمييز بين ما هو إلهي (ثابت)، وما هو وضعي (متغير)، يخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لبيان الفروق بين الدين والفكر الديني، وبعبارة أخرى: بين الإسلام والفقه الإسلامي، كمدخل لتحديد عناصر الاختلاف بين الشريعة (باعتبارها تعبيراً عن الدين/أو واجهةً له)، والتشريع (باعتباره ممارسة فكرية ــــ فقهية).

فالأصل في الدين أنّه ما جاء به النبي من قرآن، ومن أفعاله وأقواله في ما يتّصل بالدين أو تطبيقه؛ أي السنّة الصحيحة، التي تتوارثها الأجيال بلا خلاف (ما عدا بعض الحديث الذي يدور حوله الجدل، من حيث صحة المتن، وصحة الإسناد، ولاسيما أنّ نحْلَ الأحاديث كان شائعاً في العصور التالية للنبي لأسباب سياسية ودينية).

إنّ القرآن والسنّة كليهما نصّ، وبديهيّ أنّ هذا النص، بعد غياب النبي، لم يكن ليتكلّم بذاته، ويشرح ما بداخله من دلالات كامنة، وشيفرات معقدة يتعيّن كشفها. فإذا كان القرآن، كما هو معلوم، قد فسرته السنة على نحو دقيق، فإنّهما معاً، بعد النبي، قد فُسرا من جانب «القلة، التي استطاعت أن تندب نفسها للتفسير، وأن تتأهّب له بما يقتضيه، وأن تتفرّغ للجهد الذي يستلزمه»[6]، وهم رجال الدين أو الفقهاء.

ومن الأحاديث، وتفسير المفسرين، على اختلاف معارفهم، ومناهجهم، وتحيّزاتهم، وآراء الفقهاء والأئمة في المسائل، التي أبدوا فيها الرأي، وهي آراء متعدّدة، وأحياناً متعارضة. من كلّ هذه الحواشي المتراكمة المتشعّبة، التي تحيط بالنص، تكوّن فكر ديني يدور على مدار الدين، يحاول أن يتداخل/يتناص معه، وأن يؤدي دوره نفسه، لكنّه ليس هو الدين، ولا يملك، بداهةً، مهما بدا حريصاً، أن يرتقي إلى نقاء الدين، ولا أن يكون صائباً ومخلصاً دائماً في رؤاه وتصوراته؛ لأنّه، في الأول والأخير، فكر إنسانيّ محكوم بظروف إنسانيّته، إنّه فكر قاصر بطبيعته، وهو شأن أيّ رأي، يحتمل الصواب والخطأ والزيغ والانحراف، بحسب السياقات الموضوعية، التي توجّه وعيه، وبحسب درجة الاستقطاب الفكري، والسياسي، والاجتماعي المحيطة به.

وفي عبارة واحدة، «يمكن أن يفرَّق بين الدين والفكر الديني، بأنّ الدين مجموعة المبادئ، التي يبشر بها النبي، أو الرسول، والفكر الديني هو الأسلوب التاريخي لفهم هذه المبادئ وتطبيقها. فكلّ فهم للنص الديني، وكل تفسير له، بعد حياة النبي، هو من قبيل الفكر الديني، لذلك إنّ هذا الفهم، أو التفسير، قد يوافق صميم الدين وقد يخالفه»[7].

غير أنّ هذا التحديد للفارق بين الدين والفكر الديني لا يبدو واضحاً للجميع، الأمر الذي أحدث التباسات كثيرة في الرؤية والفهم، وأدّى إلى الخلط بينهما على مدار التاريخ الإسلامي، الذي تملؤه التجاذبات والصراعات، وقد كانت تكلفة هذا الخلط مرتفعة جداً، على مستوى نمطيْ التفكير الديني والسياسي على السواء، حيث أُنتجت مغالطات وخطابات افتراضية لا تمتّ إلى الواقع بصلة، يتوارثها المسلمون جيلاً بعد جيل، دون أن توضع موضع المساءلة، منها خطاب تطبيق الشريعة، الذي تقوم عليه سياسات الحركات الإسلامية المعاصرة، التي لا يتردّد بعضها في القتل والموت من أجله. فهذه الجماعات لا تقصد بدعاوى تطبيق الشريعة معنى الشريعة في القرآن، وإنّما ترمي إلى ما انتهى إليه معنى اللفظ في الفكر الديني، بعناصره الاعتيادية الأربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس؛ بل إنّها حتى لا تقصد هذا المعنى، إنّما مرادها تحديداً ما يسمى الأحكام الشرعية؛ أي: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين اقتضاءً، أو تخييراً، أو وضعاً، وبتحديد أكثر: الجانب المتعلق بالجزاءات والمعاملات؛ أي التشريع.

في ضوء هذه الحقيقة، يحاول المؤلف بيان كيف أنّ الإسلاميين، وهم ينادون بتطبيق التشريع (الذي يعدُّونه، خطأً، شريعة) يجهلون أساسيّات ما يطلبون، ذلك أن تطبيق هذا المستوى/الجانب من الشريعة يستوجب تحقّق مجموعة من الشروط البنيوية، التي لا يمكن تجاهلها، أو تجاوزها؛ لأنّها تمثل أصولها العامة، هذه الأصول يستقيها المؤلف من متابعة أول مصادر الأحكام الشرعية: القرآن الكريم، متابعة تاريخية، للوقوف على غايات الشارع من التنزيل عموماً، والتبصر بالأسباب التي تحول دون تطبيق الشريعة الإسلامية اليوم، على النحو الذي يفهمه، ويسعى إليه دعاة الإسلام السياسي.

هذا، ونشير إلى أنّ المؤلف يستعمل، في هذا الفصل، تجاوزاً، لفظ الشريعة على معنى التشريع (كما هو متداول عند الإسلاميين).

إنّ الأصول العامة للشريعة الإسلامية تتضمن ما يأتي:

أولاً: تنزيل الشريعة تعلّق على قيام مجتمع ديني، وتطبيقها منوط بوجود هذا المجتمع.

بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الإسلام في مكّة (610م). ولفترة تبلغ نحو ثلاث عشرة سنة اقتصرت رسالته على الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، فكان الجانب العقدي (أي الشريعة) هو الأساس، الذي قامت عليه جهود النبي في هذه المرحلة، فتوالت «آيات القرآن تبشّر المؤمنين بالله، وتتوعّد الكافرين به، وترسم صوراً حية واضحة للجنّة والنار، وتتنادى بقرب يوم الحساب، وكان من شأن ذلك توطيد معايير جديدة للإيمان، والتقوى، والأخلاق، والعمل على تنمية فهم للعالم مؤسّس على الحكم الإلهي، دونما تحديد لشكل هذا الحكم»[8].

لكن بعد أن هاجر النبي إلى المدينة (622م)، وانتهى إليه أمر قيادة الجماعة المسلمة، بمنظومتها الدينية، والفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بكلّ ما تحفل به من مشكلات متجذّرة وتحوّلات متسارعة، بدأ نظام الحكم الإلهي (أي التشريع) يتّضح، تدريجياً، من خلال نصوص القرآن والحديث، التي تحدّد أحكام الحرب والسلام، والزواج والطلاق، والميراث والوصيّة، والبيع والشراء، وغيرها من مناحي الحياة، التي تحتاج إلى تفاعل تشريعي ينظمها، ويحرص على توازنها.

الملاحظة الأساسية، التي يرصدها المؤلف، هنا، هي أنّ التتابع الزمني في صدور الأحكام لم يكن المقصود منه فحسب موافقة مقتضى الحال، حيث يقترن التشريع، وجوداً، بما يستوجبه؛ بل استُهدف به أمراً آخر له أهمية قصوى: «أن تركن أحكام الشريعة إلى ضمائر المؤمنين، وأن تعتمد على إيمان المحكومين، وأن تكتسب قوّتها من خشية الله وتقوى المتقين»[9].

فإذا كان التشريع: أيّ تشريع، فلا بد من أن تستتبع قواعده جزاءات صارمة على مستوى الواقع، وإلا كان مجرد تصورات أخلاقية مجرّدة، غير مجدية، ولا تلزم أحداً. وإذا كان تطبيق هذه الجزاءات يتطلّب، ضرورةً، وجود أنظمة وسلطات ماديّة مهمتها المتابعة وعقاب المخالفين (أجهزة تطبيق القانون)، فإنّ الإسلام يهدف إلى استبدال هذه السلطات بالضمائر، والاستغناء عن الشرطة بالتقوى، فيعتمد في تطبيق أحكامه اعتماداً أساسياً على المسلمين أنفسهم: على البعد الروحي الإيماني، الذي أيقظه فيهم الإسلام.

إنّ الشريعة لا تركن إلى الجزاء؛ بل إلى الإيمان.

وفي المنطق الحق: يسبق الإيمان الجزاء، ويتقدّم العفو على القصاص.

فالنهج البيّن للشريعة يقوم على مخاطبة الضمائر، واستنفار الفضائل، حيث «يتبدّل الجزاء تقوى، ويتحوّل القصاص عفواً، ويصبح الخوف بذلاً وعطاء». وعندما يتحقّق ذلك، لا تتراءى العقوبة للمؤمن إيذاء وإيلاماً؛ بل هي تطهير له من الإثم، وتنقية لنفسه من الذنب. ولا يعود القصاص تشفياً من الجاني، وانتقاماً منه؛ بل شفاء للمجتمع من الخطايا، وتقوية للمذنب على السير في طريق الحق. ولا يكون الخوف من القانون هو السبيل الأوحد للالتزام، وصلاح المجتمع، وإنّما الإيمان والتقوى ما يجعل المجتمع كلّه صالحاً ظاهراً وباطناً.

إنّ هذا البعد/الأصل، الذي تتميز به الشريعة، يجب أن يكون حاضراً عند الدعوة إلى تطبيق تشريعاتها. فليست الشريعة مجرّد قواعد، أو جزاءات، تُفرض من منظور ديني لا يقبل المساومة؛ بل هي، أولاً، جوّ عام يسيطر على المجتمع، بكلّ مستوياته، روح واحد يتلبس كلّ أحد، وكلّ شيء، حيث «يحيا الفرد والجميع بأنفاس المحبة، وتنبض قلوبهم بنبض الحق، وتتغذى علاقاتهم بالتقوى والفضل»[10].

وما لم يحدث ذلك أن تسبق ضوابط الإيمان والضمير ألفاظ النص، وتكون التقوى المعيارَ المبدئي في الحكم والتطبيق، لا التخويف والسياسات العقابية، فإنّ إعمال التشريع يعني «استخدام الأحكام الشرعية لأهداف غير شرعيّة، وتوجيه الدين لأغراض ليست من الدين في شيء، ووضع أدواته في أيدٍ تخدم أغراضها الشخصية، وأهدافها الخاصة، ولا تقصد حقيقة إعلاء الحق، ونصرة الدين، وتقدم الإنسان»[11].

فالذي يريد تطبيق الشريعة على حقيقتها في الإسلام، لا بدّ من أن يتحرك في الاتجاه الصحيح؛ أن يهيّئ المجتمع لذلك أولاً. تلك سنة الله، فلقد هُيِّئ مجتمع المسلمين الأوائل لمدة ثلاث عشرة سنة، عبر حركية خاصة أساسها الدعوة بالتي هي أحسن، فلمّا استقرت نفوسهم، ورضيت ضمائرهم، بدأ التشريع حكماً حكماً، في كلّ واقعة حكم، ولكلّ سبب آية، يغلب العفو القصاص، وتسبق التقوى الإثم، ويعلو الفضل عند أيّ عقد، أو علاقة.

والخلاصة: قبل أيّ دعوة إلى تطبيق التشريع الإسلامي في المجتمعات المعاصرة، يجب التأكّد من أنّ المسلمين جاهزون داخلياً لذلك؛ أي يتمثلون روح الشريعة، في ذاتها ولذاتها، كما تنزّلت في القرآن، وفسّرها النبي في السنة الصحيحة (وهذا لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها؛ بل هي عملية تراكمية قد تستغرق عقوداً وأجيالاً)، وإلا فلا تشريع يُفرض دون الاستعداد له روحياً: من خلال الإيمان والتقوى، وحتى لو طُبّق قسراً، لن يكون له أيّ قيمة أو تأثير.

ثانياً: الشريعة كانت تتنزل لأسباب تقتضيها وأسباب التنزيل ليست مناسبات له.

بدأت الشريعة الموسوية، عندما صعد موسى - عليه السلام - إلى جبل سيناء، ثمّ عاد إلى قومه يحمل لهم الوصايا العشر، غير أنّ الوضع في الإسلام لم يكن كذلك، لم يتنزّل القرآن كلّاً، ففي ما عدا السور الأولى، في بداية الدعوة، لم تتنزل آية إلا بسبب. كانت تحدث الواقعة، أو يُسأل النبي رأياً أو حكماً، فتتنزل الآية على السبب الذي طلبت من أجله.

{وَيَسْأَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219].

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَىً} [البقرة: 222].

{يَسْأَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ} [المائدة: 4].

هذه آيات يتّضح منها أنّها تنزّلت ردّاً على سؤال، غير أنّ كثيراً من الآيات ليس كذلك، وإنّما تورد حكماً يكون في الواقع حلاً لمشكلة، أو تأكيداً له (أي الحكم)، مثال ذلك: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} [الحجرات: 11]. هذه الآية تنزلت بسبب أنّ بعض صحابة النبي ذكر آخر باسم أمّه يعيّره بها، وبسبب أنّ وفداً من قبيلة عربية استهزأ بفقراء الصحابة، وبسبب أنّ بعض نساء النبي عِبْنَ على إحداهنّ قصرها.

فكلّ آيات القرآن تنزّلت على الأسباب، حتى وإن تضمّنت حكماً شرعياً، أو قاعدة أصولية، أو نُظماً أخلاقيّة عامّة. غير أنّ هناك من يقف عند قراءة الآيات ولا يتعدّاها إلى العلم بأسباب التنزيل، ومن ثمّ لا يفهم حقيقتها؛ ذلك أنّ بيان سبب التنزيل يوضّح المقصود من الآية غير ما يظهر من ظاهر اللفظ.

فالخلاف في فهم القرآن يحدث عندما تُحمل آياته وأحكامه على التفسير دون استحضار أسباب التنزيل، التي تعني «الظروف الواقعية التي كانت سبباً للنص، أو كانت سبباً لتعديله».

إنّ أسباب التنزيل هي ما يمكن أن يقال عنه بلغة القانون المعاصرة «الأعمال التحضيريّة للقانون». وإذا كانت هذه الأعمال لازمة لبيان سبب وضع النص القانوني وظروف وضعه، وكلّ الإجراءات المتعلقة به، حتّى صار إلى شكله النهائي، فلا يمكن فهم النص القانوني، وتطبيقه تطبيقاً سليماً دونها، فإنّ أسباب التنزيل ألزم في تفسير آيات القرآن، بأشكالها اللّغوية المتنوّعة. فالخطأ في تطبيق النصّ القانوني قد يؤدّي إلى نتائج سيّئة، لكنّها، في الغالب، محصورة في نطاق ضيق، أمّا الخطأ في فهم/تطبيق آية قرآنية، أو حكم شرعي، فهو أمر خطير جداً، يدفع الجميع ثمنه؛ لأنّه خطأ محصن بقدسية الدين، فتعميم فهم خاطئ، أو نشر حكم شرعي على غير حقيقته، يؤدي إلى تزييف الشريعة، وتشويه غاياتها، ولاسيّما عندما لا يكون هناك تدخل لتصحيح الخطأ، على اعتبار أنّ هذا الفهم أو الحكم من الدين، والدين لا يمكن أن يكون معتلاً، وهكذا تحكمُ الناسَ الأغراضُ الفردية والتأويلات المغرضة، بحسبانها تطبيقاً لشريعة الله.

وهنا يتوقف المؤلّف عند نقطة جوهرية نادراً ما يتمّ الانتباه إليها، وهي الخلط الذي يقع فيه البعض بين أسباب التنزيل، ومناسبات النزول، دون اعتبار للفرق بينهما، وما يترتب عليه من آثار سلبيّة على مستوى فهم النص وتطبيقه. فالسبب، تعريفاً، هو «الظروف الواقعية التي تفاعلت مع النص ليظهر على النحو الذي أصبح به حكماً»[12]، أمّا المناسبة، فتعني أنّ النص «كان معداً سلفاً، وأنّه كان يتحيّن مناسبة ليظهر ويتربّص فرصة ليكون، فإذا حانت المناسبة، وظهرت الفرصة، كان النص، أو تنزّلت الآية»[13].

ولتقريب الفكرة، يضرب المؤلف مثلاً لخلط كانت له آثار خطيرة في الفكر الإسلامي لا تزال ممتدة حتى اليوم؛ فبعد فتح مكة، وحجّ النبيّ والصحابة، تنزّلت الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]. بعض الفقهاء أخذوا هذه الآية على معنى المناسبات، فاقتطعوها عن أسباب نزولها على أساس أنّها نصّ عام المقصود منه أنّ الدين (أي الإسلام) كان غير كامل قبلها، وأنّه اكتمل يوم نزلت فحسب، وأنّها دليل على أنّه لا معنى لأيّ اجتهاد لم يرد به نصّ في القرآن، الذي فصّل كلّ شيء، وأنّ الشريعة قد خُتمت بنزولها، وفي هذا الفهم تناقض واضح مع آيات سابقة تفيد أنّ الإسلام، الذي دعا إليه النبي، هو ملّة إبراهيم حنيفاً، وهو دين نوح، وموسى، وعيسى، وكلّ الأنبياء عليهم السلام:

{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

{قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].

فإذا فسّرنا الآية بأسباب التنزيل، يتّضح كلّ غموض، ويزول أيّ لبس، فهي قد تنزّلت بعد حجّ النبي والصحابة، والمعنى أنّ الحج أكمل شعائر الدين، أمّا الدين نفسه، فهو كامل أبداً، منذ آدم حتّى النبي.

إذاً، قراءة النص من دون استحضار أسبابه، أو تأويله مجرّداً عنها، أو خلط أسباب التنزيل بمناسباته، هي قراءة متهافتة تؤدي إلى عزله عن واقعه، وفصل الآية عن الظروف التي تنزلت فيها، بما يصل إلى نتائج وخيمة: خطأ الفهم والتفسير، واقتطاع الآيات على جزء منها تُبنى عليه الأحكام دون الأجزاء الأخرى، واستعمال النصوص في غير موضعها، وهي أمور أدت إلى اضطراب شديد في المفاهيم والأحكام، فضلاً عن أنها دفعت البعض إلى الظنّ بوجود تعارض بين ظواهر الآيات، مع أنّنا لو تفحّصنا أسباب نزولها، لزال أيّ تعارض أو تناقض، مهما كان بسيطاً.

إنّ أسباب التنزيل ركيزة أساسيّة وخلفيّة صادقة لتفسير القرآن ككلّ، واستنباط الأحكام منه، واستخلاص المقصود من كلّ آية، وما تنزلت إليه: القرآن بما هو كائن حيّ يكمل بعضه بعضاً، لفظاً، ومعنى، وحكماً.

إنّ هذه الفكرة، بالضبط، تختزل كلّ المقصود من الشريعة في فهم واحد: أنّها (أي الشريعة) تفاعل حيّ مع ممارسات الحياة الواقعية، بإكراهاتها المتجدّدة، وضروراتها المتغيّرة، قديماً وحديثاً، وليست مجرّد نظريات للفكر المجرد لا تحتمل أيّ اختلاف، وتظل تدور في حلقة مفرغة من الادعاءات الإيديولوجية والمذهبية المتحجرة، الرافضة لأن تتحرّر من قيود التاريخ المزمنة، والمتناقضة مع ما تدعو إليه هي نفسها؛ أي: تطبيق الشريعة.

ثالثاً: الشريعة كانت تستهدف المصالح العامّة للمجتمع، فينسخ بعضها بعضاً ليحقّق هذه المصالح، وسداد الشريعة وصلاحها مرتبط بالتقدّم على الوقائع المتغيّرة والأحداث المتجدّدة.

تهدف الشريعة؛ أيّ شريعة، في أيّ دين، إلى التقدّم لتحقيق مصالح المجتمع والأفراد المتجدّدة، على اختلاف أنواعها، في الاتجاه الذي يضمن استمرار التطور الإنسانيّ ورفاهيّة الحياة. فهي، في الأصل، منهج للتقدّم والتطور على مستوى كلّ الظواهر والتحدّيات التي يشهدها المجتمع، لا يتنكّر لأيٍّ من معطيات السياق التاريخي، وتحولات الواقع الموضوعي، ولا يتوقّف عند ظرف محدّد، أو يتشبث بحكم خاص، أو يلتفّ حول قاعدة ثابتة، وإنّما هو منهج يتحرّك بما يحقّق التوازن في حياة المجتمع كلّه.

فإذا نظرنا إلى الإسلام، نجد أنّه كان دائماً لصيقاً بمجتمعه، مرتبطاً باحتياجاته، حريصاً على مواكبة الأحداث، والتدرّج في تأطيرها، وتنزيل أحكامه عليها، دون تسرّع أو اندفاع، ودون جمود أو تكلّس، ويمكن الاستدلال على هذا المنهج التفاعلي الحي بتتبّع أحوال النص القرآني مع مختلف الظواهر والعادات التي كانت سائدة في المجتمع الإسلاميّ الأول.

ففي الخمر مثلاً، سأل المسلمون النبيّ عن حكمها فنزلت الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما} [البقرة: 219]. فالآية لم تتضمّن أيّ حكم غير بيان نفع الخمر وضررها، لذلك ظلّ المسلمون يشربونها إلى أن اضطرب أحدهم، وكان مخموراً، فالتبست عليه ألفاظ القرآن، وهو يصلّي، فنزلت الآية: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ} [النساء: 43][النساء: 43]. وشرب حمزة: عمّ النبي حتى ثمل، فسبّ علياً بن أبي طالب، وسبّ النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: {إِنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90].

وفي الحرب، كان القتال محظوراً على المسلمين قبل الهجرة بآيات متعدّدة، منها: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34]، {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13]، فلمّا هاجر النبي إلى المدينة، وتحصّن بها، نزلت الآية: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، فكان المسلمون يقاتلون من يقاتلونهم، ويكفّون عن غيرهم، فلمّا قويت شوكة الإسلام نزلت الآية:

{وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كافَّةً} [التوبة: 36]، فكانت أمراً بالقتال لجميع المشركين، سواء اعتدوا على المسلمين أم لم يعتدوا. فالقتال هنا لصفة الشرك لا بسبب الاعتداء.

في هذين المثالين، وأمثلة أخرى، يتّضح الطرح، الذي انتهجه القرآن على الدوام: أن تتلاحق الأحكام لمواكبة ركب الحياة، والتفاعل مع الأحداث المتجدّدة، وملاءمة الوقائع المتغيرة، وذلك ما لم يفهمه البعض على أيّام النبي، فقالوا إنّ ربّ محمّد يغيّر رأيه بين وقت وآخر، في حين أنّ النسخ في القرآن؛ أي التغيّر من آية إلى آية، لم يكن يحدث من باب البداء، ولكن لنقل الناس من حكم إلى حكم هو أقرب إلى مقتضى الحال.

لذلك، إنّ من ينظر إلى تغيّر الأحكام في القرآن، دون الأخذ في الاعتبار الحكمة من النسخ، لا يفهم أنّ الشريعة إنّما جاءت لتحقيق مصالح الناس جميعاً، في كلّ زمان ومكان، دون تحجّر في نصّ جامد لا يتّسع لحركة الواقع، أو سكوت عند حكمٍ بات لا يصلح للتطبيق، أو تكلّس لدى قواعد تجاوزتها الحياة، وعبرت عليها المعاملات.

رابعاً: بعض أحكام الشريعة خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعضها مخصّص بحادثة بذاتها.

لم تتنزّل كلّ أحكام القرآن على نسق واحد، فمنها آيات وجّه فيها الخطاب إلى المؤمنين جميعاً:

{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6].

{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183].

ومنها آيات وُجّه فيها الخطاب إلى النبيّ، بحكم عام مشترك بين الجميع:

{يا أَيُّها النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1].

ومنها آيات وُجّه فيها الخطاب إلى النبي ليختصّ بها وحده، أو وردت دون خطاب، لكنّها واضحة الدلالة على أنّها خاصّة بالنبي وحده:

{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79].

{يا أَيُّها النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ} [الأحزاب: 50].

{إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].

ومنها آيات وجّهت إلى غير النبي لكنّها مخصّصة به وبحياته:

{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2].

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33].

ومنها آيات خصّصت لحادثة بذاتها كآية الإفك.

إنّ هذه الآيات تثير أسئلة كثيرة عن طبيعة الأحكام في القرآن: ما المطلق منها، وما الموقوت، سواء كان التوقيت محدّداً بحياة النبي أم بغير ذلك؟ وما الضابط لتحديد المطلق والمؤقّت؟ وما حكم تطبيق المؤقت بعد وقته، أو استخراج قاعدة عامّة مطلقة منه؟

هناك آيات واضحة الإطلاق، أو واضحة التخصيص (بحياة النبي، أو شخصه، أو أزواجه)، لا تثير لبساً، أو إشكالاً كبيراً، لكن، أيضاً، ثمّة آيات ليست واضحة الإطلاق، أو بينة التخصيص، أو على الأقل، هي ليست كذلك في نظر البعض، ما يثير اللبس والإشكال.

فمثلاً:

{إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10].

{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59].

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ} [النساء: 80].

هل المقصود بالرسول في هذه الآيات شخص النبي ذاته، حيث يرتفع الحكم بوفاته، أم أنّ المقصود التعاليم والمبادئ النبوية، حيث يظلّ الحكم ممتداً إليها بعد وفاة النبي؟ وإذا كان المقصود بالرسول، في الآيات المذكورة، وغيرها، تعاليم النبي ومبادئه، فمن يكون الَحكَم في تفسير هذه التعاليم والمبادئ؟ ومن يملك سلطة صرفها إلى اتجاه آخر إذا اقتضت الضرورة تعديلها؟ وممن يستمدّ الحق من يدعي لنفسه هذه السلطة؟ وما ضمان صوابه فيما يقرّر، وحدود خطئه إن أخطأ؟

إنّ هذه الأسئلة ليست جديدة، فهي قد ثارت إثر وفاة النبي، عندما امتنعت بعض القبائل عن أداء الزكاة لأبي بكر الصديق، على أساس أنّ ذلك حكم خاصّ بالنبي، تفسيراً منهم للآية: {خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103]، حيث كان الفهم أنّ دفع الزكاة إلى النبي يقابل صلاته عليهم، وأنّ وفاة النبي ترفع حكم تسليمه الزكاة بانقطاع هذه الصلاة، وهو الرأي الذي عارضه أبو بكر، فأصرّ على محاربتهم. من هنا برزت الحاجة إلى وضع قاعدة عامة لإطلاق الأحكام وتخصيصها، ثم تطبيقها بعدل وصرامة على كلّ حالات ومواضع الالتباس، حتى تتّضح المسائل التي تثير الاضطراب في الفهم والتفسير.

فإذا كان الحكم مطلقاً، كان حكماً شرعياً، تنصّ عليه أحكام الشريعة. أمّا إن كان مخصصاً، فإنّه لا يكون حكماً شرعياً بعد انتهاء الواقعة، أو الظروف، أو الوقت الذي تخصص به.

فالآية مثلاً: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2]، لا تصبح حكماً شرعياً بعد وفاة النبي، وإنما قد تُستمد منها قاعدة سلوكية تندمج في التراث الاجتماعي، مفادها عدم رفع صوت الأصغر سناً أو مقاماً على صوت من يكبره.

والآية: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33]، لا تصبح حكماً شرعياً بعد وفاة أزواج النبي، لكنها قد تكون أسوة لنساء المسلمين كمنهج أخلاقي، ومسلك اجتماعي.

وهنا، يتّضح الفارق الجوهري بين الحكم الشرعي والقواعد السلوكية، أو الأخلاقية، أو الاجتماعية. فالحكم الشرعي من مبادئ الشريعة وتطبيقاتها يترتب على مخالفته إثم ديني. أمّا غيره من القواعد والمواضعات السلوكية، أو الأخلاقية، أو الاجتماعية، فلا إثم دينياً في مخالفتها، إنما الجزاء هو استهجان المجتمع، أو ملامة الناس، غير أن هذا الفارق لا يبدو واضحاً في فكر الإسلاميين، الذي يخلطون بين الاثنين، دون وجه حقّ لأغراض شخصية وإيديولوجية لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالشريعة.

خامساً: الشريعة لم تكن منقطعة الصلة بالماضي، منبتّة الجذور عن المجتمع الذي تنزلت فيه؛ بل إنها أخذت من قواعد المجتمع، وأعرافه، وعوائده، ما أصبح أحكاماً فيها.

لأنّ القرآن وصم المجتمع العربي المشرك قبل الإسلام بالجاهلية، أصبح المسلمون يرون أنّ كلّ ما قبل الإسلام جاهلية، مع أنّ فيه من العادات والأعراف ما امتد إلى ما بعد الإسلام، وصار جزءاً من أحكام شريعة الإسلام وشعائره.

ذلك أنّ القرآن قصد بالجاهلية بصفتها مجتمعاً لا يدين بالله، تجري قيمه على هذا الأساس. أمّا في خصوص مجتمع يعبد الله كالمجتمع اليهودي، أو المجتمع المسيحي، فالقرآن حثّ على احترام الأديان الأخرى؛ بل أمر بإقامة التوراة والإنجيل:

{وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].

وبذلك نفهم أنّ الشريعة الإسلامية لم تكن منقطعة الصلة بالماضي، منبتّة الجذور عن المجتمع الذي تنزّلت فيه؛ بل إنّها أخذت من قواعد المجتمع وأعرافه وعاداته ما أصبح أحكاماً فيها. فقبل أن ينزل حدّ السرقة في القرآن، قطعت يد السارق في الجاهلية، ثمّ أمر القرآن بالعقوبة نفسها على السارق. وقد كان الحج شعيرة جاهلية، ثمّ تغيّرت قبلتها بعد الإسلام، فصارت الوجهة إلى الله سبحانه، وتبدّل المضمون، فلم تعد التجارة هدف الحج، كما كان في السابق، وإنّما اجتماع المسلمين لتدارس أحوالهم. والجمعة كانت، يوماً، لاجتماع العرب في الجاهلية للاحتفال، وعندما هاجر النبي إلى المدينة جمع المسلمين، وخطب فيهم، فنزلت الآية: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9].

إنّ تواصل الشريعة بالمجتمع، ودمج بعض عوائده في أحكامها، مثال نموذجي للكيفية، التي يجب أن تطبق بها قواعد التطور في النظام الإنساني. ذلك أنّ التطور السليم لا يعني أن تنزل على المجتمع قواعد من السماء مرة واحدة، أو تدخل عليه فجأة وهي غريبة عنه، وإنما لا بد، أيضاً، من استبقاء الصالح من القواعد المألوفة، ثمّ التوجه بها إلى القبلة المرجوة في تناغم تام مع الأغراض الإنسانية السامية، وهو ما حصل مع الشريعة الإسلامية، التي أخذت من قواعد المجتمع، ما رأته ملائماً، كقطع يد السارق، والحج، والاحتفال بالجمعة، وغير ذلك، ثم خلّصته إلى سبيل الله بما فيه من صوالح للناس جميعاً.

إنّ هذا الأصل من أصول الشريعة يجب أن يكون ملحوظاً على الدوام؛ ذلك أنّ «العادات الاجتماعية طبائع ثانية، ربّما غلبت الطبائع الأولى، كما أنّ ثقل النظام الاجتماعي وضغطه قد يغلب الإيمان عند بعض الأفراد. وما لم تكن الشريعة على وعي بذلك، فإنّها قد تضطرب في نفوس الناس عند التطبيق»[14].

3- الأصول التطبيقية للشريعة:

يختلف التفكير المجرد، والتأصيل النظري عن التطبيق. فهو يقوم على أفكار تتداعى حتى ينشأ بناء كامل محكم من السياقات الفكرية المجرّدة يحكمه التناسق المفهومي، لذلك عندما يتّصل بالواقع يختلّ ويضطرب، لاختلاف المجال الذي نشأ فيه، واكتمل عن المجال الذي يراد تطبيقه فيه.

لذلك كانت الشريعة الإسلامية حريصة على مراعاة هذا المعطى القدري، الذي يحكم العلاقة بين الفكرة والتطبيق، فلم تجئ مرّة واحدة، ولم تتنزل أمراً مجرداً، وإنّما ارتبطت بالواقع منذ أوّل لحظة، تدور معه في تجانس كامل، تأخذ منه عاداته وأعرافه، وتحكم قواعدها على أسباب منه، وتلاحق أحكامها تطوّره، وتتقدّم على هذا التطوّر. وهو ما يتابع المؤلف مساراته في هذا الفصل، من خلال أمثلة واقعية تشير إلى الكيفية، التي جرى بها تطبيق أصول الشريعة في المجتمع الإسلامي الأول.

في مسائل العلاقات الدولية: عندما ظهر الإسلام، كانت على تخوم بلاد العرب دولتان قويّتان هما فارس (وهي دولة مشركة)، والروم (المسيحية). وكانت داخل البلاد قبائل كثيرة، فضلاً عن مشركي مكة. لذلك نشأ المجتمع الإسلامي الجديد، وهو يرى أنّه بطبيعة قيمه وتكوينه يقابل أيّ مجتمع آخر يهوديّ، أو مسيحيّ، أو مشرك. وأدّت صراعاته مع المجتمع اليهودي في المدينة، وحروبه مع المجتمع الوثني في مكّة، إلى تعزيز المقابلة بينه وبين المجتمعات الأخرى، التي بات يخشى منها على نفسه، وهو في مرحلة التكوين. وكانت بعوث النبيّ إلى حكام الدول المجاورة تهدف إلى نشر الدين، كما تهدف إلى كفّ أذاهم عن المجتمع الإسلامي حتى يكبر ويشتد، دون حروب أو صراعات.

ولم تنته حروب المسلمين مع المجتمع الوثني في مكّة إلا قبل وفاة النبي بقليل، وبعد ذلك بدأت حروب المسلمين مع فارس والروم، التي استمرت نحو قرن من الزمان، حتى فتح المسلمون الأندلس. وخلال هذه الفترة، نشأت مختلف الأفكار والنظريات، التي حكمت علاقة المجتمع الإسلامي بغيره من المجتمعات. ثمّ حدث أن استمر البعض في إضفاء الاستمرارية على هذه الأفكار والنظريات، دون أن يتنبه إلى أنّها مخصّصة بالحال، الذي فرضته الظروف على المجتمع الإسلامي الأول، وجعلت منه مجتمعاً «يحارب حتى يطمئنّ، ويجاهد لكي يسلم». ويبدو ذلك واضحاً من تتبع أهم فكرتين نشأتا في هذه الظروف: فكرة أنّ دولة الإسلام تكون حيث يوجد الإسلام، وفكرة أنّ الدولة الإسلامية دار سلام، وما عداها دار حرب.

فعن الفكرة الأولى: قيام دولة الإسلام، حيث يوجد دين الإسلام، لم يتضمّن القرآن أيّ آية، أو حكم عن إنشاء دولة، أو عن نظام الحكم فيها، كما أنّ أحاديث النبيّ جاءت خلواً من ذلك، وهو أمر طبيعي؛ لأنّ الأصل في الدين أنّه «يُوجّه إلى الإنسان، ويستهدف رفعة الإنسانية، وبذلك لا يتميّز بأرض، ولا يتشكّل في دولة».

لقد كان خطاب القرآن، دائماً، للناس أو للمؤمنين، وليس للمواطنين: {يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ} [الحجرات: 13]، {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136].

فالدين يُعنى بالإنسان، ويهتمّ بالمجتمع، لا بالدول؛ لأنّ تأسيس الدول ليس من صميم الدين، ولكنّه من طبيعة البشر وظروف المجتمعات. فالمجتمع الدولي كلّه مجتمع الإنسان، والإسلام يمتدّ حيث يوجد مسلمون، دون النظر إلى طبيعة، أو شكل الدولة القائمة.

وعن الفكرة الثانية: أنّ الدولة الإسلامية دار سلام، وما عداها دار حرب، فقد ظلّ الإسلام، فترة طويلة، يوصي المسلمين بكبح النفس والصبر على المكاره، حتى إذا ما خرج المسلمون إلى المدينة فارّين بدينهم، وطاردهم المشركون، أذن لهم بالقتال لدفع ما لحق بهم من ظلم الشرك والمشركين: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 39-40].

وبعد ذلك، نزلت آية تقصر الحق في القتال على من يبدأ المسلمين بالقتال، وتنهى عن الاعتداء: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

وبعد ذلك، نزلت الآية التي تحدّد أحكام الحرب: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ} [البقرة: 191].

فالمقصود بالقتل في آيات القتال لا القتل بالمعنى المعروف. فحكم الآية أن يقاتل المسلمون من قاتلوهم من قبل من المشركين. وأن يردّوا عليهم جرمهم، فيخرجوهم من مكّة، التي سبق أن أخرجوا المسلمين منها، حتى يكون الدين لله لا للأوثان، التي كانت في المسجد الحرام. والقتال موقوف عند انتهاء العدوان، ومشروط بأن يكون مماثلاً للاعتداء الذي تمّ.

وعلى ذلك، يكون القتال، في منهج الإسلام، وفي شريعة القرآن، قتالاً للمشركين، الذين آذوا النبيّ، وأخرجوه مع المؤمنين من مكّة، ثمّ تعقبوهم في المدينة بالقتال والعدوان. ولم تقصد الشريعة، أبداً، أن يكون القتال للمؤمنين بالكتب السماوية (اليهود، والمسيحيين)، إلا أن يكون دفعاً لاعتداء، أو وقفاً لتهديد. كما لم تقصد أن يكون الهدف من القتال جعل الناس جميعاً مسلمين: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيما آتاكُمْ} [المائدة: 48]، {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً} [يونس: 99]، {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

وهنا، يتوقّف المؤلّف عند آيتين تثيران كثيراً من الشبهات بسبب إساءة الفقهاء تفسيرهما:

{قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ} [التوبة: 29].

{يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ} [التوبة: 123].

فقد رأى بعضٌ ممّن أساؤوا فهم الشريعة أنّ هاتين الآيتين تأمران بقتال أهل الكتاب، وقتال الكفار على الإطلاق، ورتّبوا على ذلك دعوى تتأدى في أنّ الصلة بين الإسلام وغيره من الدول، أو المجتمعات، هي الحرب دائماً، وأنّ السلم ليس إلا هدنة مؤقتة ريثما يتهيأ المسلمون، مع أنّ الآية الأولى لا تأمر بقتال الذين أوتوا الكتاب حتى يسلموا بإطلاق، وإنّما تأمر بقتال الذين لا يؤمنون بالله وباليوم الآخر منهم (أي الملحدين منهم)، والذين لا يدينون دين الحق (والمقصود بذلك الإسلام كما دعا إليه كلّ الرسل والأنبياء)، حتّى يعطوا الجزية (أي ينتهوا إلى السلم مع المجتمع الإسلامي دليلاً على حسن نواياهم، دون أن يستلزم ذلك إسلامهم).

أمّا الآية الثانية، فلم يقصد بها قتال كلّ الكفّار على ظهر الأرض؛ بل الكفّار الذين كانوا يجاورون المسلمين، ويلونهم في المكان. فالآية، بذلك، أقرب إلى التنظيم الحربي، الذي أمر بتطهير الأماكن المجاورة للمجتمع، حتى يأمن هذا المجتمع كلّ تهديد، ويتّقي شرّ أيّ إيذاء.

فالإذن للمسلمين بالحرب كان من قبيل الدفاع عن النفس والعقيدة، ومن باب وقف التهديد، أو منع الإيذاء، وهو منهاج يساير الطبيعة الإنسانية الراقية، ويتوافق مع عزة النفس التي «تأبى السكوت على الضيم، وترفض الخنوع والمذلة»[15]. فالشريعة فرضت السلام أصلاً، ودعت إليه، وجعلت منه مثلاً أعلى لجماعة المؤمنين: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61].

غير أنّ الفكر الديني أوجد أفكاراً ونظريات استخلصها من الظروف التي تعرّض لها المجتمع الإسلامي في بداياته، والدولة الإسلامية في طورها الأول، وزعم أنّ هذه الأفكار والنظريات هي الدين الخالص والشريعة الدائمة، وفاته أنّ ما وصل إليه كان مخصصاً بوقته، ومرهوناً بظروفه.

في مجال القانون الداخلي: حرصت الشريعة، في مسائل الأحوال الشخصية والميراث، على التأكيد على أهمّ أصل من أصولها العامة، وهو أن تطبيق الأحكام منوط بوجود مجتمع دينيّ ومشروط بالركون إلى ضمائر الناس الحية: {وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241]، {فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]، {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237].

ذلك أنّ الزوجيّة والبنوّة، وما يتّصل بها من عقد زواج، أو طلاق، أو وصية، أو ميراث، مسائل تتداخل فيها العاطفة البشرية أكثر ممّا يحكمها منطق العدل، لذلك ركنت الشريعة إلى الضمائر والذمم، كي يكون المنح والمنع ضمن حدود الله؛ أي في نطاق العدل، ثمّ أمرت بالفضل، حيث يعطي الإنسان الحقّ، ويزيد عليه من عنده، ولا يفعل هذا إلا نفسٌ سمت بالدين، وتجرّدت بالتقوى.

كذلك ينطبق على أحكام الزواج والطلاق الأصل الذي يقضي بترتيب الأحكام على أسبابها، فمثلاً: الطلاق كان بغير نهاية، فللزوج أن يراجع زوجته متى شاء، وحدث أنّ رجلاً قال لامرأته في عهد النبي: لا آويك ولا أدعك تحلين، قالت: كيف ذلك، قال: أطلقك فإذا دنا مضيّ عدتك راجعتك، فذهبت إلى النبي، وقصّت عليه ما حدث، فنزلت الآية: {الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ} [البقرة: 229].

وفي أحكام المواريث، يمكن للشخص، متى كان تقياً عادلاً، أن يحدث من الأحكام، على المستويين الفردي والعام، قواعد جديدة تلائم حوادث لم تكن موجودة على عهد النبي؛ ذلك أنّ أحكام المواريث، كانت تتنزل على الأسباب كشأن كلّ أحكام الشريعة، التي لا تتوقف ما دامت أحداث الحياة الجارية تأتي كلّ مرّة بجديد يقتضي حكماً مناسباً.

أمّا في المسائل المدنية، فإنّ من أهمّ الأصول، التي تقوم عليها المعاملات المدنية، الرجوع إلى الصالح من العرف السائد، والأخذ بما هو ملائم من العادات القائمة، وقد أُمر النبي بذلك في القرآن: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

وقبل نزول الإسلام، كان الشرق الأوسط متقارباً في ثقافاته، وأعرافه، وعاداته، فكان احترام العقود شريعة، وكان تسجيل المعاملات بالكتابة قاعدة، وعندما بدأ الإسلام تنظيم معاملات المجتمع حرص على أن يجمع الأعراف إلى التقوى، وأن يزاوج بين العادات والفضل، فكانت أغلب الأحكام القرآنية الخاصة بالمعاملات تسري ضمن العرف الاجتماعي، وتوافق الطبيعة البشرية، وقد تضمّنتها أغلب التشريعات المعاصرة، في الدول الإسلامية وغير الإسلامية.

في المسائل الجزائية، يتتبّع المؤلف النظام الجزائي الإسلامي في حالاته الثلاث: الحدود، التعزير، القصاص، فيلاحظ أنّ الحدود؛ أي: «العقوبة التي قدرها الشارع على فعل أثمه»[16]، لم تقتصر على ما قدره القرآن؛ بل جمعت إليها جزاءات رويت عن النبي، وجزاءات اجتهد فيها الصحابة، وبذلك أصبح معنى «الشارع» لا يقتصر على المشرع الأعظم في القرآن، أو في فعل النبي، وإنما يمتد إلى الاجتهاد بالقياس (أي ما هو داخل في نطاق الفكر الديني).

ففي حدّ السرقة (قطع اليد): يرصد المؤلف أنّ تطبيقه يتطلّب شروطاً يصعب أن تتحقّق، منها أخد المال على وجه الخفية والاستتار، فلا يدخل فيها المختلس (من يخون الأمانة)، والمنتهب (الخاطف)، وأن يكون المسروق مالاً متقوّماً؛ أي تحسب له قيمة، لا شبهة في قيمته ولا قصور، وأن لا تكون للسارق شبهة ملك فيه، وأن يكون في حرز يخرجه منه وينقله إلى مكان آخر، وأن يتحقّق العود: أي تكرار السرقة، وأن لا تكون بالسارق حاجة لما سرقه.

وعلى هذا، فإنّه لا حدّ على من يسرق أموال الدولة، مثلاً، لأنّ لكلّ فرد حقاً فيه (أي شبهة الملك في المال)، كما أنّ المختلس من مال الحكومة، أو أي مؤسّسة، لا يسري عليه الحدّ؛ لأنّه ليس سارقاً، وإنّما هو خائن للأمانة.

وفي حدّ القذف: يلاحظ الكاتب أنّ الحكم القرآني {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً} [النور: 4]، اقتصر على تأثيم قذف المحصنات من النساء، وأنّه لم يؤثم قذف الرجال، ولكنّ قطاعاً كبيراً من الفقهاء خرج على ظاهر النص، ورأى التسوية بين قذف الرجال وقذف النساء، قياساً للعلّة في الحالتين، وأوجب الحدّ فيهما معاً.

وفي حدّ الزنا، نزل التأثيم، وتقدير عقوبته على ثلاث مراحل انتهت بتحديد العقوبة في مئة جلدة لكلّ من الزاني والزانية، غير أنّ جريمة الزنا في التشريع الإسلامي، بأركانها وشروطها، من الصعب إثباتها فعلياً، وإن حدثت بصورة يمكن إثباتها، تكون أقرب إلى الفعل العلني الفاضح في لغة القانون المعاصر، أمّا ما يكون منها في الخفاء، أو دون أن تتوافر شروطه وأركانه (عملية جنسية كاملة يشهدها أربعة شهود)، فإنّه يفلت من الحدّ المقرّر، ويصبح إثماً دينياً يجازي الله عليه في الآخرة.

وفي حدّ شرب الخمر، تدرّج القرآن في بيان الرأي في الخمر، وانتهى إلى الأمر باجتنابها، غير أنّه لم يحدّد لها عقوبة واضحة، كما أنّ النبي لم يُحدّث بحدّ، وإنّما أمر بضرب رجل كان قد شرب الخمر. العقوبة تحدّدت في عهد عمر بن الخطاب، استناداً إلى قياس أجراه عليّ بن أبي طالب: «إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فحدّوه حد الافتراء»، وهو ثمانون جلدة.

ويرى المؤلف أنّ هذا القياس محلّ نظر؛ لأنّ العلة: وهي الافتراء، محمولة على التقدير بأنّ «من سكر هذى، ومن هذى افترى»، بينما قد لا يحدث ذلك، والحقيقة أنّ اعتماد هذا القياس دليل على أنّ النبي لم يحدّد عقوبة على شارب الخمر، وإلا لتمّ الأخذ بها دون قياس، كأمر يقيني، وبذلك، طالما لم يقضِ بها القرآن، أو يأمر بها النبي، فالأولى أن تكون تعزيراً من وليّ الأمر لمن شرب الخمر، دون افتعال هذا التفسير المتعسّف، مع الأخذ في الاعتبار أنّ العقوبة يجب في كلّ الأحوال، حداً أو تعزيراً، أن لا توقع إلا على المكلف، القاصد السكر، لا لدفع حاجة، ولا لصدّ غائلة.

وفي حدّ الحرابة (قطع الطريق)، جاء في القرآن: {إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]. وسبب نزول هذه الآية أنّ النبي كان قد قطع أيدي وأرجل أشخاص قتلوا راعيه، وسرقوا ماشيته، ثم سمل أعينهم بالنار، فنزلت الآية بجزاء يخالف جزاء النبي.

وواضح من سبب تنزيل الآية أنّها تقضي بالجزاء على من يحارب الله ورسوله؛ أي يحارب دين الله، وشخص الرسول، فهي، بذلك، من الآيات المخصّصة بشخص النبي، والنبي وحده هو من يوقع الجزاء على الذي يحاربه، ويحارب الله في شخصه، وهو الفيصل العدل في تحديد شخص من حاربه، وما يُعدّ حرباً عليه. أمّا بعد النبي، وبعد خلفائه الراشدين، حين صار الملك عضوداً، فمن ذا يكون عادلاً، أو حتى قريباً من العدل؛ الخلفاء ومنهم الفاسقون، أم الفقهاء وفيهم المغرضون؟

ويلاحظ المؤلف أنّ الفقه الإسلامي جرى على اعتبار هذه الآية سنداً في إيقاع الحدّ على من يحارب الجماعة، وعلى من يقطع الطريق وما شابه، مع أنّ النبي يقول: «من حمل السلاح علينا فليس منا»[17]، ويقول كذلك: «من خرج على الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته جاهلية»[18]. فهذان الحديثان لا يقرران حكماً على من يحمل السلاح على الجماعة، أو يخرج عليها، ليتضح أنّ الجزاء المنصوص عليه في الآية ليس جزاءً لمن يحمل السلاح على الجماعة، أو من يخرج على طاعتها، وإنما هو خاص بمحاربة شخص النبي، ودين الله، ويؤيد هذا النظر سبب التنزيل ذاته.

ويشير المؤلف إلى أنّ هذه الآية، بالذات، دليل واضح على الخلط والاضطراب، الذي يحدث في فهم معنى الشريعة، عندما يتوسع الفقه، واجتهاد الفقهاء (= الفكر الديني) على حساب أحكام القرآن، ونصوص الحديث (= الدين).

أمّا في حدّ الردة، فبالنظر إلى أنّ أساس الدولة في العصور الوسطى يخالف أساس الدولة في العصر الحديث؛ حيث لم تكن فكرة الدولة في تلك العصور واضحة ومحدّدة في ذاتها، وكان الدين هو أساس الدولة، كما كان التديّن هو الجنسيّة، وهو المواطنة بالمفهوم الحديث، كان الخروج من الدين يقارب معنى اقتراف جريمة الخيانة العظمى؛ لأنّ الشخص حين يترك دينه إنّما ينضم إلى دين الأعداء، الذي هو دولتهم أيضاً، لذلك رُوي عن النبي أنّه قال: «من بدل دينه فاقتلوه»[19]، والواضح أن النبي لم يحدّد ما المقصود من تبديل الدين، غير أنّ السياق يفيد تغيير دين الإسلام إلى غيره، فجرى القول بأنّ جزاء المرتد عن الدين القتل.

على أنّه لم يثبت أنّ النبي أقام حدّ الردة على أحد، وإنما جاء في القرآن: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256]، {وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]. وهي آيات تترك للناس الحرية في اختيار دينهم، ولا ترى إكراههم على الإسلام. ومن جانب آخر، إنّ عدم الإكراه على الإسلام ابتداء يفيد عدم الإكراه للاستمرار فيه، فلا خير فيمن يظلّ مؤمناً بدينه على خوف، أو تحت ضغط الإكراه.

إنّ ما نصّ عليه القرآن من حريّة العقيدة هو من الحقوق الطبيعية للإنسان، التي تراعيها الشريعة ابتداءً، وقد أصبح، اليوم، حقاً من حقوق الإنسان تقرّره المواثيق الدولية، وتنصّ عليه الدساتير، فالدولة، اليوم، لا تقوم على أساس الدين، ولكن على أساس الانتماء إلى الوطن، ومن ثَمَّ إنّ التخريجات الفقهية التقليدية في الموضوع متجاوزة؛ بل لا معنى لها؛ لأنّها أصبحت على مفهوم آخر لم يعد قائماً في هذا العصر.

بالنسبة إلى التعزير، الذي يشمل «العقوبات التي لم يرد نصّ من الشارع ببيان مقدارها، وترك تقديرها لولي الأمر»[20]، يرى المؤلف أنّ من حقّ ولي الأمر، أيضاً، تأثيم ما لم يؤثمه الشارع؛ لأن القرآن والسنة لم يؤثما كلّ فعل في الحال، وإنما اقتصرا على تأثيم ما حدث في عهدهما ممّا يجب تأثيمه. ولما كانت الحياة متغيرة متجددة، فلا بد من أن «يحدث مع كل تغيير وتجديد ما يقتضي تأثيم ما لم يكن مؤثماً، أو تغليظ العقاب في حالة، أو تخفيفه في حالة أخرى... وهكذا، لكلّ قضية حكم وجزاء»[21].

فمثلاً، حدّ السرقة لا ينطبق على المختلس، ولذلك كان تجريم الاختلاس، ووضع عقوبة له فعل تعزير من وليّ الأمر، الأمر نفسه ينسحب على أفعال أخرى كالرشوة والخطف، وما شابه.

كذلك من حقّ وليّ الأمر تقدير عقوبة خاصة لحالة من حالات الحدود لم تتوافر فيها شروط إقامة الحد، أو لحقت بها شبهة حالت دون إقامته، أو لحالة من حالات القصاص تنازل فيها وليّ الدم (صاحب الحق في القصاص) عن حقّه.

وعلى ذلك، يلاحظ المؤلف أنّ كلّ قوانين العقوبات، والقوانين الجزائية الأخرى، داخلة في باب التعزير، الذي هو من صلاحيّات وليّ الأمر، وهو اليوم السلطة المختصة: تشريعية أو قضائية، تبعاً للنظام الدستوري الحديث.

أمّا في القصاص، الذي يعني «متابعة الجاني العامد حتى يُقتص منه بالمثل»، فيقوم نظامه على نصوص صريحة من القرآن والحديث، تشير إلى أنّ هذا القصاص يمكن أن يسقط إذا دفع الجاني الدية، وقبلها المجنيّ عليه، أو وليّ دمه. ويلاحظ الكاتب أنّ فكرة الدية كانت سبباً وجيهاً في بداية الإسلام، حين كان المسلمون قلّة أمام الكفّار، فكان حفظ الحياة لرجل واحد أمراً مطلوباً لحماية الجماعة كلّها. هذا فضلاً عن أنّه لم يكن هناك خوف من أن تؤدّي الدية إلى ترخيص حياة الناس، ودفع الأغنياء إلى الاستهانة بالنفس، والعبث بالروح، التي حرم الله، ما داموا يستطيعون مقايضتها بالمال؛ لأنّ الإسلام كان قد تمكّن من ضمائر الناس، فأصبحوا تقاة عادلين، يتمثلون مبادئه في كلّ شؤون حياتهم، غير أنّ الوضع الآن يختلف، بسبب ضعف الإيمان ورقة الدين عند معظم الناس، فالمكافأة بين النفس والمال تؤدي إلى خلل فادح في نظام العدالة؛ إذ يستطيع مَن يملك المال، حتى لو من مصدر غير مشروع، استعماله لإرهاب السلطات، وأصحاب الحق، وإرغامهم على قبول الدية، والعفو عنه، وهو ما لا يمكن أن تقرّه الشريعة على أيّ حال.

لذلك رأى بعض فقهاء المسلمين أنّ سقوط القصاص لا يمنع وليّ الأمر من تعزير الجاني، حتى لا يفلت من العقاب كلياً، وهو ما يؤيّده المؤلّف؛ لأنّه رأي داخل في منهج الإسلام، وشريعة القرآن، التي تقوم على التطوّر الذي يجاري روح العصر، وهو ما يحدث، اليوم، بالفعل، في التشريعات القانونيّة المختلفة، حيث يقوم الإدعاء العام، نيابةً عن المجتمع، بتحريك الدعوى العمومية ضدّ الجاني، ومتابعته للقصاص منه، حتى لو تنازل المجني عليه، أو أولياؤه عن حقّهم (الحق المدني)؛ لأنّ الحقّ لا يخصّهم وحدهم، وإنّما هو عام يطال كلّ أفراد المجتمع.

وبهذا التحليل، يخلص المؤلف، في جرأة، إلى أنه من الصعب جداً (إن لم يكن من المستحيل) تطبيق الشريعة، بالمعنى الحرفيّ المتداول، في المجتمعات الحديثة، لاعتبارات متعدّدة أهمها تعذر تحقق شروطها، وأركانها المعتبرة يقيناً، الأمر الذي يمنح المشرع الوضعي مجالاً واسعاً للتدخل في سنّ القوانين، التي تناسب ظروف الواقع الراهن، في حدود الأحكام العامة للإسلام، ومن ثَمَّ إن دعاوى تطبيق الشريعة، التي يرفعها الإسلاميون، اليوم، ويجعلونها أساساً لمشروعهم السياسي، ليست واقعية من كلّ الوجوه، ولا تساير حقائق العصر، ولا الأصول، التي تقوم عليها الشريعة نفسها، موضوعاً وتوقيتاً، من حيث إنّها منهج حيّ يتجسّد اكتماله في السعي الدائم والمستمر إلى ملاحقة أحوال المجتمع، والتفاعل مع الحياة، والتقدم بالإنسان، بما هو إنسان كرمه الله، وجعله خليفته في الأرض.

4- أصول الحكم في الشريعة:

لم يتعرّض القرآن لنظام الحكم في الإسلام بعد النبي، ولم ترد عن النبي أحاديث تدل عليه. لقد فوجئ المسلمون بوفاة النبي، فارتبكت أحوالهم، واهتزت نفوسهم، وفي هذا الوقت، لم تتحدّد طبيعة الحكم والنظام، الذي يتعين على الخليفة الذي اختاروه: أبو بكر الصديق، التزامه، بسبب تسارع الأحداث، وانعدام أيّ شكل من أشكال الفكر السياسي. كما أنّ لفظ «الخليفة»، وما يرتبط به من معنى وراثة كلّ الحقوق والالتزامات الخاصة بالنبي، ساعد على اضطراب الفهم، وغموض المشهد السياسي، ليس في تلك الفترة المبكرة فحسب، ولكن على امتداد التاريخ الإسلامي، حتى اختفت الحقائق تماماً، وتغير شكل المفاهيم كلياً.

في هذا الفصل، يتلمس المؤلف أصول الحكم في الشريعة، ليصل إلى طبيعة الحكومة الإسلامية؛ أهي في الأصل حكومة الله (التي يسعى إليها الإسلاميون) أم حكومة الناس (الحكومة المدنية)؟ وهل لفظ الخلافة يعني خلافة النبي في كلّ حقوقه في سياسة الدين والدنيا، أم أنه يفيد معنى «ما بعد حكم النبي» في الزمان والمكان، مع مراعاة الفارق الدقيق بين عصر النبي وعصر غيره؟ أيعني لفظ الخليفة الخلافة الحكمية (أي السياسية) أم الخلافة الحقيقية (خلافة الديني والزمني في آن واحد)؟

حكومة الله:

لم يتضمّن القرآن، خلال العهد المكي، شيئاً من التشريع، فقد كان معظم التنزيل متعلقاً بمسائل التوحيد والعقيدة، والحث على مكارم الأخلاق (أي الشريعة)، وخلال ذلك، في غياب أيّ بعد سياسي واضح في القرآن، نشأ فهم يقوم على حاكمية الله للعالم، دون أن يكون هناك توضيح لشكل هذا الحكم، أو تحديد لأسلوبه. لكن بعد ظهور المجتمع الإسلامي الأول في المدينة، برزت الحاجة إلى وجود تشريع ينظم حياة هذا المجتمع من الداخل وإزاء العدو الخارجي، فاتخذت آيات القرآن أسلوب التشريع، وسارت معها في هذا الاتجاه الأحاديث النبوية، وبذلك قامت حكومة الله التي يرأسها النبي.

فالعهد المكي كان، من الجانب السياسي، تمهيداً لحكومة الله؛ إذ أعاد صياغة نفوس المؤمنين في اتجاه الإيمان الشديد بالله، والتعلق بحاكميته. فلما تحقّقت هذه الحكومة في العهد المدني، كان هذا الإيمان، وما يقتضيه من التسليم الكامل لأمر الله، والخضوع المطلق لإرادته، أهمّ دعامة لها.

لكن: ماذا تعني حكومة الله؟

إنّها الحكومة، التي تكون فيها الحاكمية لله وحده، فهو الحاكم الوحيد للجماعة، إمّا بأسلوب مباشر؛ بطريق وضع الأحكام، وإما بأسلوب غير مباشر؛ هو إقرار أمر تمّ، سواء كان ذلك بالوحي بالكلمة قرآناً أم بالوحي بالمعنى للنبي حديثاً.

فحكومة الله تجعل الحكم لله فعلاً، ولا يكون النبي فيها إلا منفذاً لإرادة الله. وبهذا تكون طاعة النبي هي طاعة لله، وتكون مخالفته عصياناً لله: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، {إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10].

وتتميّز حكومة الله بعدد من الخصائص، التي تجعلها نظاماً فريداً لا مثيل له بين الحكومات، مهما تشابهت معها، أو ادعت الصلة بها؛ بل إنّ مجرّد هذا الادعاء يشكّل خطورة شديدة على شكل الحكم، ونظام الحكومة، وحقوق المحكومين جميعاً، لما يترتّب عليه من خلط شديد بين حكومة الله وحكومة الناس، على النحو الذي يجعل الناس تُحكم باسم الله، دون رقيب، وبلا ضوابط، فيساء إلى معنى الألوهية، وتُزيَّف القيم، وتُهدَر الحقوق.

إنّ خصائص حكومة الله ليست الوقائع، التي يمكن أن تقع دائماً، أو تتكرر من حين إلى آخر؛ لأنّها خصائص مرتبطة بالاختيار الإلهي، تقوم على نظام دقيق، وتفوّض الحاكم سلطات خاصة يراقبه فيها الله، ويلازمه معها الوحي، هذه الخصائص تتمثل في:

- أنّها اختيار إلهي للحاكم فيها: وهو النبيّ، وليس للمحكومين (أي الشعب)، إلا أنْ يؤمنوا بالله ورسوله، وأن يرتضوا حكمه، ويسلّموا به على أيّ حال، ما داموا مؤمنين بأنّ النبي/الحاكم موصول إلى الله بوحي مستمر طوال حياته/حكمه. فالشعب، هنا، لا يمكنه أن يختار النبيّ، أو يسحب الثقة منه، أو يعزله، فذلك كلّه حق الله، وليس حق الناس. فإمّا أن يقبلوه، فيكونوا مؤمنين، أو يرفضوه فيكونوا كافرين.

- أنّها تقوم على التحكيم، الذي يقبله كلّ الأطراف، ويرتضون نتيجته، لا على الحكم الذي يُفرَض بالقهر والسلطان. فالإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بالنبيّ وهو يحكم، والتسليم بحكمه، بنفسٍ صافية، مهما كان: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65]. فالنبي لا يفرض نفسه على المؤمنين، حاكماً أو قاضياً، إنّما يلجأ إليه المتخاصمون طائعين، بنفسٍ راضية، يحكّمونه، ثم يرتضون حكمه وينفذه كلّ واحد منهم عن طيب خاطر.

- أنّ الشورى فيها عمل يستأنس به النبي، وليست إلزاماً له، لأنّه موصول إلى الله بوحي. فهو غير ملزم بتنفيذ ما يشير به المستشارون إذا لم يقتنع به، أو رأى رأياً آخر، فإذا استقرّ على أمر عزم عليه، وأنفذه بإذن الله، محمولاً على الحق. فالشورى تكون ضرورة على الحاكم، حين يلزم أن يشرك المحكومين معه في الحكم، والحال، بالنسبة إلى حكومة الله، أنّ النبي فيها يحكم منفرداً باسم الله، حقيقةً لا مجازاً، وينفذ إرادته العليا في الأرض.

- أنّ حقوق الحاكم فيها: وهو النبي، مقصورة عليه لا تنتقل إلى غيره باستخلاف، أو ميراث؛ لأنّها حقوق محدّدة بالوحي، لها دلالتها المتعالية في الزمان والمكان، لذلك نصّ القرآن دائماً على حقوق النبي/الحاكم وعلى التزاماته، ولم تشر آيات القرآن أبداً إلى حقوق، أو التزامات أيّ حاكم آخر، ولذلك لم يستخلف النبي أحداً من بعده، ولم يُشِر القرآن إلى حكومة بعد حكومة الله؛ لأنّ القرآن أراد للناس أن يقيموا حكومتهم بطريقتهم، كلٌّ بما يقتضيه زمانه ومكانه، على أساس العدل والتقوى. ولو كان لأحد أن يخلف النبي، أو يرث حقوقه لنصّ القرآن على ذلك صراحةً، ولحدّد النبي خليفته، ورسم له حدوده بوضوح.

حكومة الناس:

حكومة الناس، تعريفاً، هي كلّ حكومة غير حكومة الله: حكومة تتشكل بظروف الواقع، وأحواله، وروابطه الاجتماعية، والاقتصادية المتجددة، وقد يفرضها واقع القوة: قوة طبقة أو جماعة. أمّا نطاقها فيتحدّد بقيم المجتمع، وعلاقاته، وحاجاته، المتغيرة، ووعي الناس، ورغبتهم في إقامة مجتمع إنساني صالح ومتطوّر، وإرادة التغيير إلى الأفضل دائماً.

وبعد النبي، بويع أبو بكر بالخلافة، فنودي به خليفة لرسول الله، ولم يتحدّد نطاق حكومته، كما لم يتحدّد المقصود بكلمة «خليفة»، ولاسيما أنّها وردت في القرآن مرتين بالمعنى الأدبي الذي يفيد «استخلاف الله للناس على الأرض».

غير أنّ المشكلة بدأت عندما لم يفهم المسلمون أنّ اللقب يعني «من تبع النبي وتلاه»؛ أي المعنى اللغوي، ولا يفيد المعنى القانوني، الذي هو وراثة كلّ الحقوق والالتزامات الخاصة بالنبي، وقد ترسخ الالتباس مع حروب الردة، التي قادها أبو بكر ضد بعض القبائل، التي ارتدت عن الدين الإسلامي، ولما كان الدين في العقل الإسلامي، وقتها، يمثل الوطن والمجتمع، فقد عُدّت هذه الردة انقلاباً على الوطن وخروجاً على المجتمع (أي خيانة عظمى)، لذلك كان من الطبيعي أن يحارب أبو بكر هذه القبائل حفاظاً على وحدة الدولة والمجتمع، وحفاظاً على الإرث النبوي.

ويشير المؤلف إلى أنّ هذا الالتباس المبكّر كانت له أثار سيّئة ممتدة على نظام الحكم في الإسلام، وعلى الفكر السياسي الإسلامي عموماً؛ إذ جرى دمج الدين والسياسة في شخصية الخليفة، وأصبح هذا اللقب يحمل مدلولاً دينياً يفيد السمو والقداسة، فاستمر الحكام/الخلفاء في اعتبار أنفسهم ورثة للنبي، وظلّوا يحكمون ويمارسون سلطتهم على الناس على هذا الأساس، ما أدّى إلى حدوث اضطراب كبير في السياسات، وفي نظام الحكم، نتجت عنه كوارث كثيرة، وفجائع كبيرة، ومع ذلك لا يزال هذا الالتباس سارياً حتى اليوم في أدبيات دعاة الإسلام السياسي، التي تنادي بإقامة دولة «الخلافة»، التي يجمع فيها الخليفة بين السلطتين: الدينية والزمنية؛ أي استنساخ حكومة الله في زمن النبي التي انقطعت بوفاته، ولا يمكن أن تقوم ثانيةً لانتفاء شرطها وركنها الأساسي، وهو وجود نبيّ على رأسها يمارس سلطته بوحي من الله.

خاتمة:

أدّت القواعد والأحكام، التي نزل بها القرآن في القرن السابع الميلادي، إلى تغيير/تجديد شامل في الروابط الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وفي علاقات الناس بأنفسهم، وبعضهم ببعض، وبالعالم، وبالكون، وبكل الموجودات. غير أنّ الروابط الجديدة، لمّا استقرت، وانتهت إلى الحال المطلوب في المجتمع، كما أراد لها الله ونبيّه، بدأ الفقه (الفكر الديني) يتدخّل ليُنظِّر للحياة الجديدة، ويصرفها إلى وجهة أخرى غير الوجهة التي قررتها الشريعة، محكوماً باعتبارات تاريخية مختلفة يتداخل فيها الذاتي والموضوعي بصورة لا يمكن تمييزها دائماً.

وإذا كان قطاع من هذا الفقه قد أوجد تفسيرات وتطبيقات (فرعية) تساير واقع المجتمع والناس على ضوء روح الشريعة، فإنّ من الفقه، أيضاً، ما حاد عن هذه الروح، وعقّد الواقع بلا مبرر من الدين، بإقرار اختيارات/خطابات تخفي أكثر ممّا تكشف، وتلبّس على الناس أكثر ممّا توضح، ظاهرها الشريعة، وباطنها إيديولوجيات دينية، وطائفية، ومذهبية لا تخدم إلا نفسها.

وتمثل الشريعة المجال، الذي تعرّض، أكثر من غيره، للالتباس الفقهي، حيث جرى تحريف اللفظ إلى غير معناه الحقيقي، واستبدل بالأصل الفرع (التشريع)، الذي تفرّع، بدوره، إلى جزئيّات متفرّقة في كلّ اتجاه، أفقدت الدين منهجه/وحدته، فتسرّبت إليه الأفكار، واقتحمته الصراعات، حتى تحوّل إلى رهان للجميع في مزادات الملل، والنحل، والسياسات، تُطلَب به المنافع، وتُفتَح به الطرق إلى أحلام السلطة وطموحات الحكم والهيمنة.

ويبقى الكتاب، الذي عرضنا له، شهادة أمينة على واحد من نماذج فكر التنوير في المجال التداولي العربي؛ إنّه جهد مخصّص بالكامل لإعادة قراءة/تمثل الإسلام في جوهره؛ أي: في إطار رسالته الحضارية، بهدف تخليصه من إسار الأدلجة، ومكائد التوظيف السياسي السلطوي والاحتجاجي معاً، التي أساءت إليه بشدة، في الماضي والحاضر، وانتشال المسلمين من عزلتهم الحضارية، ووضعهم بالشكل الذي يليق بهم على مسار التاريخ الإنساني، الذي تخلّفوا عنه طويلاً: تخلّفوا بفعل فاعل.


[1]- نشر في إطار مشروع بحثي تحت عنوان "مفهوم تطبيق الشريعة في فكر دعاة الإسلام السياسي مقاربة نقديّة"، تقديم أنس الطريقي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[2]- العشماوي، أصل الشريعة، ط2، 1983م، ص 21.

[3]- العشماوي، ص 29.

[4]- العشماوي، ص 35.

[5]- المصدر نفسه، ص 48.

[6]- المصدر نفسه، ص 52.

[7]- المصدر نفسه، ص 53.

[8]- المصدر نفسه، ص 56.

[9]- المصدر نفسه، ص 57.

[10]- المصدر نفسه، ص 59.

[11]- المصدر نفسه، ص 59.

[12]- العشماوي، ص 64.

[13]- المصدر نفسه، ص 64.

[14]- العشماوي، ص 82.

[15]- العشماوي، ص 97.

[16]- العشماوي، ص 117.

[17]- الحديث في صحيح مسلم رقم: 101.

[18]- الحديث في صحيح مسلم رقم: 1848.

[19]- الحديث في صحيح البخاري رقم: 3017.

[20]- العشماوي، ص 129.

[21]- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.