العلماء والسلطة السياسية: علماء مدينة صفاقس أنموذجًا

فئة :  مقالات

العلماء والسلطة السياسية: علماء مدينة صفاقس أنموذجًا

كانت الصلة بين علماء صفاقس والسلطة السياسية مضطربة ومتغيرة؛ فتارة هناك انسجام وتضامن بين الطرفين، وتارة أخرى يكون هناك تصادم وانفصال بينهما، بسبب اختيار بعض العلماء التعبير عن الرأي الحرّ الذي لا يعجب الحاكم في كل الأحوال، وهذا ما دعا كثيرًا من العلماء إلى الزهد في المناصب السياسية، على غرار (علي النوري)؛ الذي كان زاهدًا في جميع المناصب، لقول القطب الشيرازي (محمد بن مسعود بن مصلح الفارسي، مفسر وعالم بالعقليات، وصاحب تآليف كثيرة في التفسير، والطب، والفلسفة، والهيئة (توفي عام 710هـ)): "المناصب مصائب، والولايات بليّات"[1].

وقد تعرض هذا الشيخ لمحنة، تمثلت في السعي به لدى حاكم زمنه بتونس؛ فقد خوّفوه بأنّه سيكون سببًا في تغيير الدول، لما شاهدوا من إقبال الناس عليه وطاعة أمره، فأرسل السلطان جماعة من رجاله لأخذ الشيخ وأتباعه، ونهب أموالهم، ولما بلّغ الشيخ بالمؤامرة التي ستنفّذ ضدّه، "لبس حرام امرأة ونعلها، وخرج مع نساء الشيخ أبي عبد الله السيالة متخفيًّا ومهاجرًا بدينه، فذهب في خفاء إلى زاوية الشيخ سيدي أبي حجبة، بين تونس وزغوان، ولمّا دخل رجال السلطان، نهبوا أتباعه وسجنوهم، وسلّم الله الشيخ"[2].

ومن أمثلة غياب التوافق في الصلة بين العلماء والسلطة؛ ما حدث لوالد إبراهيم الخراط الصفاقسي؛ فقد كان من علماء عصره العاملين، لا يسكت عن منكر حتى يغيره بقدر وسعه، فسعي به لأمير وقته الأمير علي بن حسين باي (علي باي بن حسين بن علي، أو علي باشا، أو أبو الحسن علي باشا، أو علي باي الثاني، هو باي تونس من 12 فيفري 1759م إلى 26 ماي 1782م، وهو رابع بايات تونس)، وقبل هذا السعي، فسجن الشيخ وشدّد عليه. ولمّا سمع ابنه (إبراهيم الخراط) أن علي بن الأمير محمد بن الأمير الشهير إسماعيل، سلطان فاس، سيصل إلى قابس متوجهًا إلى الحج، مدحه بقصيدة مؤثرة مستشفعًا به في والده لأمير تونس علي باي، فقبل التوسط، وكتب كتابًا إلى الأمير شافعًا، فقبل علي باي الشفاعة وأطلقه.

وقد انتقد الشيخ محمد النيفر تعسف السلطة السياسية في ممارستها إزاء العامة والخاصة، قائلا: "ولمّا كانت ملوك الإسلام لا تزال تضغط على الأمة لسلبها الإصداع، بتغيير ما يضر بمصالح العامة والخاصة من المنكر، وما يخالف الدين، ليتم لهم الاستبداد، وتصبح الأمة، جميعها، بمنزلة حيوان سخّر في أغراض مالكه، وتلك خطتهم التي دأبوا عليها، وتواصوا بها، افتراءً على الشرع، واستخفافًا بحقوق من استرعاهم الله، والعلماء العاملون لا يسعهم السكوت امتثالًا للأوامر الإلهية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قبلت تلك السعاية..."[3].

ومن المحن التي أصيب بها بعض العلماء؛ محنة الشيخ أبي عبد الله محمد كمون (ت 1170هـ ونيف)؛ فقد ألزم على تولي القضاء بعد رفض الشيخ الأومي له، ومن أدلة كرهه للقضاء: "أنه خرج يومًا من مجلس حكمه، فخرج الناس من أعوان وأصحاب دعاوى حتى امتلأ الطريق، فلقيتهم امرأة، فحسبتهم كانوا في جنازة، فقالت لهم: من مات؟ فأجابها الشيخ القاضي: مات محمد كمون، يعني نفسه. فكان فيه إشارة لطيفة لقوله عليه الصلاة والسلام: {من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين}.

وتتمثل محنته في أنه كان مستقيمًا في قضائه، ومتقيدًا بالشرع، لا تأخذه في الحق لومة لائم، فاتفق أن تولى حمودة الغزالي قائدًا على البلد، وكان، وفق ما يرويه المؤرخ محمود مقديش، رجلًا ظلومًا وغشومًا، وذا شدة وعسف، فسعي بالقاضي إلى السلطان "ولبّس عليه فأشخصه لتونس، وكان الكاتب أبو عبد الله الشيخ محمد أبو عتور ابن خالة الشيخ كمون، فدافع عنه عند السلطان وعرّفه مقامه، فعفا عنه وأعفاه من القضاء، وولاّه الفتوى، ورجع إلى بلاده وقد أثر فيه الخوف، وأصابه رعب باطني نشأ منه أمراض عسر علاجها"[4].

وكان الابتعاد عن السلطة السياسية ديدن علماء آخرين في صفاقس، منهم الشيخ محمد النوري ابن أحمد النوري (ت1195هـ)؛ فقد كان، وفق رواية المؤرخ محمود مقديش، معتزلًا عن الناس إلاّ بقدر الحاجة إليهم، "ولا يعرف للأمراء بابًا، ولا يوجّه إليهم خطابًا، وكان تاركًا للمناصب على سيرة آبائه، ولا يأخذ مرتبًا على تعليمه؛ بل حسبه لوجه الله تعالى"[5].

وكان الشيخ محمد حامد النوري، وهو من أنجال الشيخ أحمد النوري، معرضًا عن الأمراء وأبوابهم، وعن المناصب وعلائقها، يأكل من كسبه بالفلاحة، حسب المؤرخ، ومن تجليات النفور من السلطة؛ رفض تولي منصب القضاء، والأمثلة على هذا كثيرة، منها: مثال الشيخ أبو الحسن علي المصمودي (ت1199هـ)، وكان فقيهًا نحويًّا، وعارفًا بالنوازل والأحكام، طلب للقضاء، وشهد فيه أهل البلد بأنه أهل له، وأنزلوا بذلك أمرًا من السلطان بتونس، فذهب إلى السلطان، واعتذر، واستعفى، فأعفاه. وكان، حسب شهادة مقديش: (عالي الهمة، ولا يبالي بأولي الأحكام والأمراء، ومنقبضًا عن الناس إلاّ بقدر الحاجة)[6].

والظاهر؛ أن من خصوصيات مدينة صفاقس؛ وجود ضغط بنّاء من أهلها على العلماء، يفرض عليهم، أحيانًا، المشاركة في دواليب السلطة، حتى وإن كانوا نافرين منها، وهذا ما ينطبق على الشيخ عبد الله الجموسي (ت1140هـ ونيف)؛ فقد تفقه على الشيخ عبد العزيز الفراتي وغيره من فقهاء بلده، وبعد مرحلة التتلمذ، نظم (المختصر وألفية في النحو)، وكان، حسب شهادة مقديش: (يفرّ من تولي المناصب والأحكام جهده، فأنزل فيه أهل البلد أمرًا من السلطنة على أن يحضر مع الفقهاء مجلس يوم الخميس، لفصل ما يصعب من نوادر الوقائع على عادة فقهاء البلد، فكان يحضر، ويشدّد في الأحكام، ويعارض القضاة والفقهاء، بحسب اجتهاده، نصرة للحق، فتأذوا منه وأتوا بأمر من الحضرة في تونس بمنعه من الحضور، فكان بعدها يقول: (نِعم البلد، ونِعم السور، ونِعم الناس، لولا ما فيه من المداهنة، وترك الجمعة، وترك الفقهاء وما هم فيه، وأقبل على التعليم رافضًا الدنيا وأبناءها وأمراءها"[7].

والجلي أنّ من الأسس التي يقوم عليها موقف الإعراض عن السلطة السياسية؛ الاستقلال المالي للعلماء واعتمادهم في كسب قوتهم على شغلهم الخاص، لا على مساعدات الحكام، وهذا ما يتجلى من خلال أنموذج الشيخ عبد الرحمن الفراتي؛ فقد تولى الخطبة سنة تسع وستين ومائة وألف، وكان، وفق رواية المؤرخ مقديش: (رجلًا غلب عليه الإعراض عمّا فيه الناس، فينسج القماش بيده ليقتات من كدّ يمينه، وكان فقيهًا واعظًا، ومحدّثًا خطيبًا، ومفتيًا رقيق القلب قلّما خطب إلاّ وبكى).

ومن أهم العوامل التي تفسر العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية؛ الخشية من استبداد الحكام، وأثر تغير السلطة الممسكة بالحكم في امتحان العلماء، على غرار ما وقع للشيخ أحمد الشرفي المتوفى سنة 1195هـ، يروي مقديش: (أنه امتحن بما امتحن به إخوانه الفقهاء، أشخصهم الباشا، عفا الله عنه، من أوطانهم، وذلك أنه لمّا وقعت الفتنة بينه وبين سيدي حسين؛ (أي رئيس الدولة عم علي باشا)، واختلف الناس، فسعى بعض أهل الشر من كل بلاد بفقهائهم، فأقاموا بتونس حتى أطلق الله سراح من طال عمره، ومن عجلت منيته انتقل لرحمة الله، ولمّا أشخص الشيخ سيدي أحمد، صاحب الترجمة، ظهرت فتاويه بتونس، واشتهر فضله، وتبينت نزاهته من كل سوء، وبلغ ذلك إلى الباشا، فعفا عنه، وأذن له بالرجوع إلى وطنه)[8].

وفي سياق مشابه؛ نجد الشيخ أبا الحسن علي الأومي المتصف بالهمة، والعفة، والصيانة "قد سدّ باب الطمع من جميع الخلق في متاع الدنيا، وترفّع عن المناصب كلّها، طلبه أهل بلده في تولي القضاء، فأبى، فكتبوا فيه وثيقة بأنه؛ الأليق بنا. فأبطل جميع ما عملوه"[9]. هذا النفور عن السلطة السياسية، كان مقترنًا عنده اقترانه عند غيره بالمحافظة على الاستقلال المالي عن السلطة؛ فهو لمّا رفض القضاء، ألزموه بالتدريس في الجامع الأعظم، فقبل طلبهم، وجعلوا له راتبًا يستعين به من المجابي (الضرائب) المخزنية (المخزن بمعنى الحكومة)، فأبى أن يقبله، بحجة: أن أكثر المجابي ظلم، وكل نبت من حرام فالنار أولى به.

وعلى خلاف ما تقدم، كان بعض العلماء والأدباء منسجمين مع السلطة السياسية، ومتضامنين معها، ومتمتعين بعطاياها وهداياها، من ذلك؛ أن الشيخ إبراهيم الخراط مدح الأمراء شرقًا وغربًا، ونال منهم على ذلك العطايا الجزيلة، وقد تأتى له هذا بفضل ما كان يتصف به من لطافة وسياسة زائدة، تروّض كلّ صعب من الأمراء، فضلًا عن (الذين دونهم) حسب عبارة مقديش.

 

قائمة المصادر:

-          محمود مقديش، نزهة الأنظار في عجائب التواريخ والأخبار، تحقيق: علي الزواري ومحمد محفوظ، ط 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1988م.

-     محمد النيفر، عنوان الأريب عمّا نشأ بالبلاد التونسية من عالم أديب، تذييل واستدراك: ابن المؤلف الشيخ علي النيفر، ط 1، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1996م.


[1] محمود مقديش، نزهة الأنظار، 2/362

[2] المصدر نفسه، 2/362

[3] النيفر، عنوان الأريب عمّا نشأ بالبلاد التونسية من عالم أديب، 2/705

[4] مقديش، نزهة الأنظار، 2/ 377

[5] المصدر نفسه، 2/379

[6] المصدر نفسه، 2/436

[7] مقديش، نزهة الأنظار، 2/386

[8] مقديش، نزهة الأنظار، 2/ 396-397

[9] المصدر نفسه، 2/ 425