i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - الغيريّة والنقد النسوي والاختلاف: حوار مع الدكتور محمد بكاي

الغيريّة والنقد النسوي والاختلاف: حوار مع الدكتور محمد بكاي

فئة :  حوارات

الغيريّة والنقد النسوي والاختلاف: حوار مع الدكتور محمد بكاي

فرش معرفي:

من واجبنا في هذا الأفق التاريخي، أن نتحاور مع الشخصيات المعرفية التي بدأت تظهر على الساحة الفكرية، في الجزائر وفي العالم العربي، وهي، في منظرونا المتواضع، فضيلة إتيقية أخذتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" على محمل الجد والحرص على الذهاب بها بعيدًا، ومن صلب هذا التمشي، كان لنا لقاء فكري، مع الباحث الدكتور (محمد بكاي)؛ الجاد في أطروحاته، والوفي لمنطلقاته الفكرية، والساعي إلى مقاربة المسائل الشائكة في الفكر العربي والغربي، بكل شجاعة، ويحمل قلمه مهمات خطرة، خاصة، عندما يتحدث عن الاختلاف وضرورته الأنطولوجية؛ حيث اجتهد في تأسيس خطابه على مرجعيات حداثية بامتياز، من بينها؛ التفكيكية، والماركسية، وعلم النفس عند أكبر ممثليه، والاطلاع على الحوارات التي تجري بين الأديان، والانشغال بالهموم الثقافية الراهنة والحارقة، قراءة النصوص التي تتحدث عن الثقافة النسوية، وكل ما يرتبط بفضاء التنوع.

مرحبًا بك على منبر مؤسسة "مؤمنون بلا حدود".

ربوح بشير: ما هي أهم ملامح المسار الأكاديمي لباحثنا؟

د. محمد بكاي: في فاتحة هذه الـمحاورة؛ أودّ التقدّم بجزيل الشّكر إلى مؤسّسة "مؤمنون بلا حدود"، على دورها الريادي في النهوض بالحِراك الثقافي والمعرفي العربي، من الـمحيط إلى الخليج، وإتاحة الفسحة للعقول اليانعة، والأقلام الشابة، لخلق فرصٍ واعدة في إبراز الرُّؤى وفرض الاختلاف. ومن ناحية ثانية؛ أتقدّم بجميل العرفان والودّ لصديقي في هموم الفكر وحقول الإنسانيات، الأستاذ الفاضل (ربوح بشير) على دعوته الطيبة، واستضافتي في إثراء هذا الحوار.

بخصوص مساري العلمي والبحثي؛ فأنا كاتب وأكاديمي جزائري، من مواليد الشمال الغربي في الجزائر (تلمسان) سنة 1986م، تتأرجح اهتماماتي بين اللسانيات، والفلسفة، والنقد الأدبي.

بدأ تطفلي على حقل الفلسفة، منذ شروعي في الدراسات العليا ضمن مشروع ماجستير (النقد الأدبي ما بعد البنيوية)؛ حيث تعمّقت في مجال الحقل التداولي ونظريات التواصل، بين اللغويات، والفلسفة، والسوسيولوجيا، والتأويلات الثقافية، لأتفرغ لمجال التصورات ما بعد الحداثية في الفكر والإنسانيات، طيلة السنوات الست التي خلت، وتتوّجت بحصولي على دكتوراه علوم في التخصص ذاته، بإنجاز رسالة جامعية انصبّ بحثي فيها على (مقاصد الـمؤلف وإستراتيجيات الـمؤول في تحليل الخطاب الشّعري)، وفي ثنايا التحضير لأطروحتي الجامعية؛ أنجزت بعض الدراسات والبحوث التي نُشرت في مجلات علمية محكمة، أو ضمن كتب جماعية، وقد جمعت بعض تلك الدراسات والمقالات في كتاب صدر لي مؤخرًا في أونتاريو (كندا)، وبيروت (لبنان)، عن دار الرافدين و(OPUS)، تحت عنوان "أرخبيلات ما بعد الحداثة".

ربوح بشير: تتحدّثون في كتابكم، الصّادر مؤخّرًا، "أرخبيلات ما بعد الحداثة"، عن رهانات الذات البشرية في عالمنا اليوم، وتتخذون من هذه الرهانات عنوانًا فرعيًّا للكتاب، هل يمكنكم توضيح الرهانات التي تتخبط فيها ذواتنا؟

د. محمد بكاي: تواجه المجتمعات ما بعد الحداثية إغواءات متعدّدة، طغت فيها الفرديّات، إلى أن أصبحت تمثل خطرًا لا يُطاق، ونتيجة لذلك؛ اضمحلّت رمزية العلاقات الـمزدوجة تدريجيًّا، في طموحاتها للعيش مع الآخر المختلف. وبالتالي، أصبح الاختلاف يعيش مواجهةً حاسمة، أمام أنانية الفرد الذي أنتجته الحداثة الغربية، وأضحى الغير الآخر مصدرَ قلقٍ عرقي، وديني، واجتماعي. فكيف نواجه الآخر؟ هل سنحتفي به؟ هل نستضيفه بشروط أم بغير شروط، فاتحين له الأحضان، ومتقبلين اختلافاته وثقافته؟ أم نقوم بإقصائه ونبذه؟ وما الحلّ أمام تلك التوجهات الثقافية الثّائرة؛ تلك الفئات التي تعيش نفيًا وإقصاءً، كشرّ مسلّط عليها؟ ما مصير الدخلاء الذين يقبعون في الهاوية، ويُعانون من الغرابة والسلبية؟

أساليب الكتابة وصور التفكير، ليست بتلك النمطية الـمعتادة والـمستهلكة؛ بل هي مقاومة للاعتراض ومضادّة للمهيمن، وهمّها إنقاذ الغرابة، والتصالح مع الآخر، وهو مسعى ما بعد الحداثيّ وسرّ جاذبيته التي تكمن فيه.

وهنا، يجب إدراك أنّ مرحلة ما بعد الحداثة، قد شهدت عصر إنتاجٍ إنسانيّ جديدٍ كليًّا، ابتكرت فيه قيمٍ ثقافية وإتيقية جديدة، تتنافس مع نظيراتها الاجتماعية أو السياسية، أو تفوقها حدّة، وتمثل خطرًا لا يُطاق في وجه الطّغيان الإمبريالي، ورهانات التعدد الثقافي. هنا، يتضاعف اهتمامها بالغيرية، وملامحها الحمّالة للغرابة والتفرد الغير قابل للاختزال، وبالتالي، استدعت فلسفة الاختلاف الآخر الدّخيل، والغريب ثقافيًّا، ولسانيًّا، وعرقيًّا، لتستحضر الإغواءات التي تحمل تـمثّلاته، وتعيد إحياء العلاقات الـمزدوجة التي تربطنا بالآخر رمزيًّا، وثقافيًّا، وفكريًّا؛ وذلك للحدّ من الصعود الفاحش للقيم الفردية في الحضارات. وتلتمس فلسفة الاختلاف، في موضوع الآخر، منزلة رحبة لها ولتفكيرها، لتنتج ما اعتُبِرَ مصدر قلق فكري للأنا، وعلاقاتها الاجتماعية، ومصائرها.

ومن الملفت للنظر؛ أن قضية الاختلاف، فلسفيًّا، ولّدت منعطفًا ما بعد حداثي، لا يقلّ أهمية وخطرًا، هو: الاختلاف الجنسي؛ الذي يحاول أن يلتمس الفروق، والخصائص التشريحية والنفسية للجنسين، ولكن هذه الصياغة التي صاغ أركانها الفكر الأفلاطوني في المدينة الفاضلة، تكرّس طراز الأساس، والقانون، والطبيعة، لتشي برغبة مبطنة في انعدام ذوبان الجنسين معًا، بما في ذلك فكر الجنس والرغبة. نستشف، هنا، التواطؤ الذكوري مع نظيره العقلاني، ليرسم تعيينًا للمسافات والحدود بين الجنسين، ويعلّل، ضمنيًّا أو علنيًّا، نقل ملكية أحد الجنسين إلى الآخر، ربما هذا ما يتوازى مع مشاريع التسوية بين الجنسين، في عصور ما بعد الحرب العالمية الثانية في أوربا، ولكن النقد النسوي ما بعد الحداثي، تجاوز هذه التصورات، ولم يتوقف عند قضية المساواة، بقدر ما حمل هستيريا فكرية ونقدية، كشف من خلالها عن مدى الغلط الذي وقعت فيه الكلاسيكيات الفكرية الغربية، وذلك بإقصائها للأنثى، كذات غير مفكّر فيها، ليُعاد تركيبها في جوّ أكثر عمومية، ضمن سياق كوكبي قابل للتغير والانقلاب على نموذج المعيار البشري الثّابت، وهو ما ارتأته جوليا كريستيفا، عندما عبّرت عنه بالثورة الأنتروبولوجية الجديدة، بنماذجها النفسية والجنسية المتميزة.

ربوح بشير: من خلال إعادة الاعتبار للآخر، كما أسلفتم الذّكر، كيف تمّ إدراج الذات النسوية ضمن موجات النقد ما بعد الحداثي؟ هل تُعدّ النسوية وجهًا آخر لما بعد الحداثة الغربية؟ وما هي طموحات الثورة النسوية؟

د. محمد بكاي: داخل الحلقات الثقافية والبؤر الأكاديمية في الديمقراطيات الرأسمالية الغربية، برز تياران رائدان هما: ما بعد الحداثة، والنسوية؛ باعتبارهما ضد السرديات الكبرى، المتمثلة في "التنوير والحداثة"، ولهذه العلة؛ ارتبط النقد النسوي أو النسوية بالتيار الـما بعد الحداثي، حتى أنّ البعض اعتبر تقابلهما أمرًا مفروغًا منه.

إن ابتكار الأنوثة، والاهتمام بقضاياها، ومعالجة إشكالاتها، وفحص أساليبها في الفكر والفن والكتابة؛ هو الذي أعاد قضية الـمرأة إلى المشهد الفكري بشكل حادّ، وجادّ، وملحّ، أضحى فيه النقد النسوي لازمة فكرية في عصر الاختلاف؛ الذي لا يبحث أو يؤسس للواحد، بقدر ما يحاول أن يتعاطى مع الواحد الـمزدوج، وهو ولع وتعلّق الآخر في غيريته، في تشكيلة المستحيل؛ وهي نظرات ثائرة أكثر من أي وقت مضى وبشكل هستيري، على مركزيات الذكر، وأساطير الفالوس، لتحقق نوعًا من الـمقاومة لهذه الثقافة الأحادية، وتشتغل كعقل مضادّ لهذه الهيمنة الرجولية.

وقد تشكّل النقد النسوي، على هامش المطالبات السياسية لتجارب اليسار الجديد، بزعامة مختلف الحركات النسوية، مناداة منهنّ بالمساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، ومنحهن أفقًا أوسع للتفكير داخل هياكل العلوم الإنسانية، والاجتماعية، والفلسفية، بعيدًا عن الرّهاب الذكوري. ويُعد هذا النقد اشتباكًا فكريًّا وتواصليًّا مع تيارات ومذاهب فلسفية مختلفة، برزت في القرن العشرين، تأتي على رأسها النظرية الماركسية؛ حيث يرى الكثير من الدارسين والمنظرين، أنّ النسوية تناسلت عن الماركسية، والبعض يرى بينهما تحالفًا، وعلاقة زواج قوية، وأكثر إغراء.

وتشترك النظرية النسوية مع ما بعد الحداثة في رغبتهما الجامحة في التفكيك والإزاحة، فاستعارت، بذلك، مفاهيم وتصورات جوهرية، مثل: موت الرّجل؛ حيث وظّفت رائدات النقد النسوي، ما جادت به نظريات اللسانيات والتحليل النفسي، لتُفكّك الذات الذكورية (والنسوية كذلك)، وتُعيد المياه إلى مجاريها؛ حيث تُعدّ الذكورية، في نظرها، قطعةً أو جسمًا مؤثّثًا؛ اجتماعيًّا، ولسانيًّا، وتاريخيًّا، وأحيانًا، عقائديًّا، بإمكان الباحث والمحلّل تجاوزه، وذلك عن طريق مقاومة تلك الطبيعة المهيمنة والاحتكارية، وقد تعزّز هذا الـموضوع بين النسويات إلى حدود أكثر توغّلًا، باعتبار الذكورية شبكة من المعاني الـمغلقة، والتصورات الوهمية، والخطابات المضلّلة، التي يجب إزاحة منطلقاتها، الداعية إلى التجانس أو السيطرة، مفكّكة بذلك ما تتشدّق به الأساطير التاريخية، بوجود الرجل كشرط مسبق على المرأة، وإعادة النظر في المخيالات الإنسانية والثقافية، المشبعة بالإعلاء من قصّة الرجل، وامتيازاته السياسية والتاريخية.

ومن المعروف أن موضوع الرجل، فلسفيًّا وعقليًّا، كان سياديًّا في التاريخ الغربي، منذ أفلاطون على الأقل، وهذا الاحتكار يُبطّن نوايا السيطرة على العالم، ضمن نظام هرمي وهمي، يسعى إلى المطلق، ويتوافق مع كائن أحادي خارج التاريخ، سعيًا منهم إلى تأسيس الحقيقة وراء لهاثهم هذا، وهم يلعبون الدور التأسيسي في بناء وتشييد المعارف والحقائق، ويكتنف خطابَهم كثيرٌ من الزيف واللّبس والتعمية على الملحقات والهوامش، وعلى كل ما يستبعده أرباب الحقيقة.

ولعلّ هذا التوصيف اتّضح أكثر بتبني ما بعد الحداثة مواقف صارمة وناقمة على الـمثل العقلانية الغربية ونماذج التنوير، التي بدت أكثر انحيازًا لسلطة الأعلى ومنوال الرجل، وتتجلى، هنا، المقولات المفصلية للنقد النسوي، بمناداتها بموت الرجل، والتاريخ، والميتافيزيقا، وهي بذلك تتوازى، كما أسلفنا الذّكر، مع التصورات ما بعد الحداثية في انفلاتاتها من عقال الحداثة، وصيحتها الجنونية ما بعد النتشوية.

ربوح بشير: إذن، ما بعد الحداثة هي حلقة تتجاوز الثابت وتُقوّض الـمؤسَّس، أو هي خير ترجمة للاختلاف والتمرد؟

د. محمد بكاي: هو خير تمثيل طبعًا، فقد وصلت ما بعد الحداثة إلى نقاط قصوى في مسار التحول النظري والمعرفي، والذي أصبح أكثر رمزية في واقع اجتماعي منصهر داخل حقل من التمثيلات والعلامات، وارتبطت في جميع تمظهراتها بنقد الأفكار التقدمية، والواثقة من نفسها بشكل مفرط، والتي تمثلها الرأسمالية الكلاسيكية في مختلف التجليات الثقافية، مثل: العمارة، والسينما، والتلفزيون، والفنون البصرية والرأسمالية المتأخرة، وبدأت تعرف فترة ركود طويلة، تلتها انتقادات حادّة لحداثتها ولتفوقها، وكان ذلك في الفترة من 1970م إلى 1974م؛ حيث كانت الرأسمالية تتخبّط في الأزمة تلو الأخرى، وهذا ما مهّد لمخاض ما بعد الحداثة، وبروز أساليبها في الفكر، والنّقد، وعلم الاجتماع، نادى هذا التوجه الجديد بالتفكك، والتنافر التاريخي، والتغير السريع، وهو ما يعكس، طبعًا، أزمة إيديولوجية عميقة لمجتمع ناضج ومتحوّل، وحالم بالتغيير والتفكير بشكل مختلف، ولكنه مضطرب في تحقيق ذلك.

وتزايَدَ انتشار هذه الأفكار التشاؤمية والسّوداوية، حول الرأسمالية المتوحشة، وسيرها نحو الهاوية، وتفسّخ الـمصائر البشرية، وتمزّقات الهويات الإنسانية، وقد انتهجت ما بعد الحداثة دروبًا ثقافية مغايرة فعلًا، امتدّت لتمس قطاعات حساسة: كالسياسة، واللغة، والفلسفة، والفن. غير أن امتدادها الأخطر، كان في مساسها بالمجتمع، لتقوم باختراقه بشكل استفزازي، مـلحّة على تفكيك الثوابت، وما أبدته مسلّمات الـمؤسّسة الاجتماعية.

لهذا، يسعى خطاب ما بعد الحداثة إلى الانفصال، بشكل متمرد، عن مصادر المؤسسة (السلطة، الدين، المجتمع)، وينفتح بدينامية عبر آفاق جامحة، تكسر المتطلبات القانونية والأخلاقية والسياسية. وبالتالي؛ فهي تتّخذ أشكالًا غير متجانسة، ومبعثرة، ومتشظية، تعتمد لغة مصاحبة للعشوائية، والتعسفية، وتفسخ أية محاولة للاعتقاد بالاتفاق بين اللغة ومواضيعها، ونلاحظ، هنا، غياب سرد تأسيسي ينتج لنا خطابًا فلسفيًّا مبتورًا، أو نصًّا يتيمًا يحمل علامات عائمة. ذلك ما يعكس خيبات العقل، بعد تاريخ نقدي طويل للفلسفة ما بعد النيتشوية، وعدم مقدرتها في الوصول إلى تجسيدِ نموذج فوق تاريخي.

ما بعد الحداثة ليس لها أسس واضحة، وإذا كانت لها أسس؛ فهي جهد مستمر، لم يبدأ ولم يكتمل بشكل نهائي ومنجز، وتُتَرجَم ما بعد الحداثة، هنا، إلى إرادة والتزام، بنسف المبادئ الكبرى للتيولوجيا التاريخية الخاصة بسرديات التحرر البشري، وهذا لا يعني، أخيرًا، حرمان كل مدى أنطولوجي للتاريخ، فقط، ولكن مناداة، أكثر راديكالية، بإسقاط وهم مشروع التاريخ المنسجم.

في الحقيقة، تتبرأ ما بعد الحداثة من الوحدة الـممكنة بين النظرية والتاريخ، وتتوقّف عن استعارة كل مصداقية معيارية لسرد سياسي معين، لهذا؛ فقد كان وصف ما بعد الحداثة، كفترة تعيش على المابعدي، محقًّا.

ربوح بشير: أبديت اهتمامًا ملحوظًا بجاك دريدا في أعمالك؟ وضّح لنا الأهمية التي تراها في قراءته أو إعادة قراءته من جديد؟

د. محمد بكاي: وُلدت تفكيكية دريدا في فرنسا، مع منتصف السبعينات، وانتشرت كما تنتشر النار في الهشيم، بعدما سجّل الحقل الفكري، متمثّلًا في؛ الـماركسية أو الـمادية الفلسفية، خيبة وعقمًا، وتزامن ذلك بانتهاء نشوة الـمثقفين الفرنسيين ما بعد الحداثيين، في تحقيق تغيير بعد ثورة الطلاب سنة 1968م. يلي ذلك، انهيار الستالينية البطيء، والذي كان لا مفر منه آنذاك، بعد تزايد رفض أيّ نظام للقيم الـمتماسكة، ومن ثمّ، رفض السياسة المنظمة، والتي انتهت برفض السياسة تمامًا، وقد ساعد كلّ ذلك على الإطاحة بالستالينية في شرق أوروبا، وعزّز في الإسراع بانهيارها الإيديولوجي.

من هنا، كان الاهتمام بأدبيات التفكيك عند جاك دريدا، أو حفريات ميشال فوكو، أو التنظيرات الجديدة لعمل التحليل النفسي عند جاك لاكان، بلا شكّ، أفضل طريقة للاحتكاك بالتصورات ما بعد الحداثية الغربية، وفهم جذورها.

لقد لعبت تلك النصوص (التحليل النفسي اللاكاني، والأركيولوجيا، والتفكيك)، إصرارًا على تقويض السلطة المركزية لنصوص الفكر الكبرى، إضافة إلى جوانب الحياة العامة والسياسية، كما قال تيري إيغلتون. وتتجلى السلطة في كل مكان؛ لهذا سيتمظهر التفكيك في كل مكان، لإزاحة الدوغمائيات والإيديولوجيات، وإيجاد سبيل لتغيير طرائق تفكيرنا، وأساليب عيشنا، وهو ما يجعل التفكيك يحظى باهتمام مبالغ فيه، من طرف أيّ قارئ شغوف بدريدا.

فعملُ دريدا ينضوي في رفضه للموضوع الـموحّد، وهيمنة الحقيقة الأحادية، ليلقي ظلالًا من الشّك على المفاهيم الكلاسيكية للحقيقة، والواقع، والمعنى، والمعرفة، منقّباً عن الحقائق داخل معمارية النص، بتفكيك ما تمّ تشييده وهندسته، بقراءة صبورة وحصيفة متعدّدة، لها أكثر من وجه، وتحتمل أكثر من دلالة أو معنى.

يعلّمنا التفكيك أنّنا سجناء لخطابنا الخاص بنا، والذي يطالب بالحقيقة، والمعقولية، والشمولية؛ فهل يضعنا التفكيك أمام نسبية خطاباتنا ومكر لغتنا؟ أم هو تعرية النصوص عن إطارها الأمامي لاختبار بنيانها، وفضح ما تنشده من عقلانية ومعرفة؟ فهل يُعرّض التفكيكُ النصوصَ للخطر؟

وعودة إلى الوراء قليلًا، يرجع اهتمامي بالتفكيك؛ عندما دعاني الـمفكّر الجزائري اللاّمع (محمد شوقي الزين) في خريف 2010م، إلى الـمشاركة في كتاب جماعي حول الرّاحل جاك دريدا، من إعداده وإشرافه (دار الفارابي ومنشورات الاختلاف، 2011م)، فانطلقت في فحص "مقولة الشبحية"، لألقي بعض الضّوء على فانتازيا فلسفة التفكيك، وبالنسبة إلى هذه الأخيرة؛ فهي فلسفة مشحونة بالإياب، وملتبسة بتيولوجيا عريقة، تأخذ في الاعتبارات حديث العودة الـمستحيلة، ذلك البعث الذي لا نتيقّن منه بقدر ما نتشبّث بحدوثه، وهي فلسفة الحدث الـممكن والمستحيل.

نحن الآن في حضرة دريدا، في تحمّل وطأة غيابه، وسواء أحببنا أم أبينا فنحن في استقصاء آثاره؛ آثار مسجلة ومؤرشفة، تأبى الانمحاء، لتقفز فوق ميتافيزيقا الـموت، ليعيش النهاية كما اشتهاها، كما وكأنها المرة الأولى، هي حلقة حلزونية، أو متاهة دائرية لا تنتهي، يتيه في دروبها المتابعون، ويتعب القراء؛ فالتفكيك هو: فلسفة الحدث الـمؤجّل بامتياز.

ربوح بشير: لـماذا تصطبغ النصوص ما بعد الحداثية بنزعة هيدغرية؟

د. محمد بكاي: يرتكز جدول أعمال ما بعد الحداثة، أساسًا، على استجواب المفاهيم والتصورات الديكارتية، حول المعرفة، والعقل، والحقيقة وتجاوزها، لتلتفت إلى الأطراف والهوامش، وتصبح تلك المطالبات شاغلًا فلسفيًّا مرتبطاً بتجاوز التقليدي، وخلخلة يقينياته، وتسجل أعمال هايدغر الفلسفية المحاولات الأولى لهذه النقلة الفلسفية، انطلاقًا من كتابه "الكينونة والزمن"، المثير للنقاش والجدل، والذي يُعدّ مصدر إلهام وتأثير، لا يمكن إنكاره على العديد من التيارات الفكرية المعاصرة والبارزة لفلاسفة كبار، أمثال: غادامير، وسارتر، وآرندت، ودريدا، وفوكو، وليفيناس، وليوتار، وغيرهم ممّن قدّموا مشاريع ومساهمات ثرية، فكريًّا ونقديًّا؛ كـالهيرمينوطيقا، والفينومينولوجيا، والوجودية، والتفكيكية. ولا شكّ أن النظرة الهيدغرية الجديدة للّغة في الكتاب المذكور أعلاه، ستكون مؤثرة ومزعزعة لطرق تعامل فلاسفة الجيل الجديد، في صوغ قوالب وهياكل جديدة في الكتابة والنقاش الفلسفي بشكل ملموس.

يُعدّ الموقف الهيدغري جرأة وشجاعة فكرية قوية، اعتبرها أتباعه ضربة عبقرية، في حين اعتبرها خصومه توقيعًا يتجاهل فيه القارئ، بطغيان التعقيد وكثافته، داخل معجمه الفلسفي، واختياره تركيبات سوداوية مثخنة بالالتواءات، وهو ما عُدّ من قبلهم ضعفًا في القدرة على التعبير عن الفكر بطريقة واضحة، إلا أن الأوجه ما بعد الحداثية، تبنّت تلك النزعة الهيدغرية، وتأملاتها اللغوية والخطابية، كملاذ آمن من مخاطر الحقيقة وأصنامها، وتضاعف ذلك القلق المبالغ فيه عبر أطروحاتهم الفلسف-لغوية، والمسائل النقدية والتاريخية، وما يتعلق بالنظرية الاجتماعية، والدراسات الثقافية التي تكثفت عليها جوانب التحقيق أكثر من أي زمن مضى.

إذن، وتحت وطأة الإعجاب بلغة هيدغر وفكره، أعادت المذاهب ما بعد الحداثية النظر في طبيعة اللغة والخطاب، ومنحتهما دورًا بارزًا ومفصليًّا داخل دوائر العلوم الإنسانية والاجتماعية، وما ميّز هذه الرؤية المختلفة للغة؛ أنها رؤية قلقة ويقظة، مثّلت منعطفًا حاسمًا، وذلك بانتقاد التقاليد الميتافيزيقية المركزية، ودعوة حثيثة إلى طرق جديدة لممارسة الفلسفة.

ربوح بشير: ما هي الـمشاريع الـمستقبلية لباحثنا؟

د. محمد بكاي: غالبًا ما يفتح الباحثُ أمامه أفقًا واسعًا، يـحرّكه شغف القراءة وقلق السّؤال، بيد أن الزّمن يلعب دورًا حاسمًا في إنجاز تلك الـمشاريع، توقفها أو استمراريتها؟ حاليًّا، أشتغل على حقولٍ متعدّدة، تقبع دومًا تحت مظلة ما بعد الحداثة؛ منها؛ ما هو مُخصّص للتفكيك: كإعادة قراءة دريدا، وتلقيه في الوسط العربي من ناحية، ومن ناحية ثانية؛ أعكف على ترجمة إحدى كتابات جاك دريدا، حول الضيافة والصّفح، كما أوسّع دائرة أبحاثي بالـمزاوجة بين الفلسفة وقراءة الأدب، بتخصيصِ مقارباتٍ تشريحية لنصوص أدبية وفلسفية، إلى جانب ذلك، يمكن تسجيل اهتمام بالنظرية النسوية الفرنسية يتضاعف يوميًّا، خاصة مع أعمال فيلسوفات، أمثال؛ جوليا كريستيفا، وهلين سكسو، ولوس إريغاراي، وسيلفيان آجاسنسكي، وجيزيل حليمي، وقد خطوت في النقد النسوي خطوات لا بأس بها كتابةً، وقراءةً، ونظرًا. إلى جانب ذلك، تحظى معضلة الغرب والإسلام باهتمامي منذ فترة ليست بالقصيرة، واتصلت مؤخرًا بالبروفيسور الجزائري (مصطفى شريف)، الذي يُعدّ أول مفكرٍ عربيٍّ، يلتقي مع بابا الفاتيكان، في نقاشات حول الأديان البشرية، وإمكانات الحوار فيما بينها، وقد أنجز في ذلك الحقل أعمالًا مهمة باللغة الفرنسية، تُرجِم كثير منها إلى اللغة الإنجليزية، مثل: "الإسلام والغرب: لقاء مع جاك دريدا"، و"الإسلام: متسامح أم غير متسامح؟" و"لقاء مع البابا: الإسلام وحوار الأديان"، وقد وصلت إلى اتفاق ضمني مع الدكتور (م. شريف) بنقل إحدى أعماله المذكورة إلى اللغة العربية.

أما بخصوص الكتب المشتركة؛ فأقوم حاليًّا بالإشراف على عمل جماعي، حول الناقد الفرنسي رولان بارث، يصدر ضمن اشتغالات المنتدى العربي للتفكيك، وقد كنتُ أشرفت، سابقًا، على كتاب "جاك دريدا: فيلسوف الهوامش"، الصّادر قبل سنتين، ونعمل على إعادة طبعه قريبًا، أملًا أيضًا في أعمال مشتركة لصالح مؤسسة "مؤمنون بلا حدود".

في ختام هذه المحادثة، أتقدّم إلى طاقم العمل في هذه المؤسسة الفكرية المهمة، وإلى أخي العزيز الأستاذ ربوح بشير، بخالص الشّكر والـمودّة، على الاهتمام والعناية الفكرية بمجالات اشتغالي.