الفنون في عالم الإسلام اليوم

فئة :  مقالات

الفنون في عالم الإسلام اليوم

تستمد هذه المقالة وجودها من مقولة، إنه يتعين تقديم الفكرة أية فكرة في أوعية وأدوات (فنون) تعبر عنها أو تقترب منها وفق فلسفة تحكم هذا التعبير وتقوده، وفي ذلك فإنها تنظر إلى التطبيق الإسلامي (الخطاب) القائم اليوم أو تستدل عليه من خلال محاولة تتبع وملاحظة أدوات وأوعية تقديم الإسلام والتعبير عنه وتطبيقه، وهي مقالة مرتبطة بمقالتين سابقتين، وهما الفنون ومؤشرات التقدم، والحالة الدينية مستدلا عليها بالفلسفة والفنون، وتواصل هذه المقالة محاولة التطبيق والاستدلال فيما يقدم في الدين اليوم أو من خلاله، ويمكن أن نلاحظ في عالم الإسلام من ذلك، ترتيل القرآن وتجويده، من حيث هو (الترتيل) في ذاته أداء موسيقى أو غنائي يسعى إلى التأثير في المستمعين، والأذان (النداء إلى الصلاة) - ويستحضر هنا الحديث النبوي عن الأذان، عندما قال الرسول لعبد الله بن زيد عنه (الأذان) "علمها بلال فإنه أندى منك صوتا" - والأناشيد والغناء الديني والخطابة والوعظ والإرشاد والكتابة والنشر والتدوين والبث الإذاعي والتلفزيوني وبناء المساجد وعمارتها واللباس الديني أو المستمد من تعاليم وأفكار دينية.

ويمكن أن يشار هنا (مع الجدل ربما أو الاختلاف) إلى غياب أو ضحالة أو نقص الأعمال الفنية الأساسية والأكثر امتدادا وتأثيرا في حياة الناس وأفكارهم، مثل الفنون التشكيلية والتصميم والمسرح والموسيقى والشعر والرواية والقصة والعمارة والسينما والدراما وتخطيط المدن والمجالس الثقافية والفنية.

ومؤكد أن المحاولة ستكون مغامرة إذا لم تفشل، فإنها لن تحيط بموضوع معقد ومتسع وفي مساحة محدودة وبخبرة للكاتب قليلة، وربما يصاب القارئ في نهاية المقالة بالخيبة والإحباط؛ لأنه لم يجد ما كان يتوقعه من دليل عملي أو إرشادي لفهم واستيعاب الحالة الدينية القائمة اليوم من خلال الفنون، ولكن يكفيها أنها محاولة تشجع القارئ أو تحثه على النظر والتقييم والمراجعة من خلال الذائقة الفنية التي يحوزها أو يفترض أن يحوزها كل من اجتاز مرحلة أولية من التعليم والثقافة والتجربة، أو النقل إنها ليست أكثر من دعوة إلى استخدام الذائقة الفنية في الفهم والتطبيق وربما في ملاحظة التطرف والكراهية السائدة اليوم في عالم الإسلام، والحماس في المواجهة مع التطرف والكراهية من خلال الفنون الجميلة، ولذلك فإن المقالة ليست نقدا أو تحليلا فنيا (وإن كان الكاتب يطمح أن يفعل ذلك مقالات او محاولات قادمة) ولكنها تدور في فلك وفكرة المقالتين السابقتين المشار إليهما في المقدمة.

وبالطبع، فإنه من نافلة القول إن المقالة ليست دعوة إلى فن ملتزم برؤية ما أو رسالة ما وإن كانت ليست ضد ذلك على أي حال، ولكنها تحديدا محاولة للنظر في التقدم والفشل القائم اليوم من خلال الحالة الدينية وسواها من الحالات الاجتماعية والاقتصادية؛ ذلك أنها منظومات متداخلة يصعب فصلها عن بعضها إلا لأغراض الدراسة.

وببساطة، فإننا نقيم الحالة السائدة ونفكر للأفضل من خلال مؤشر واضح؛ هو إدارة الموارد وتنظيمها وتجديدها على النحو المنشئ للتقدم المستمر، وولاية المواطنين على مواردهم ومصائرهم وشؤونهم، ثم ملاحظة موقع الفن المفترض في هذه العمليات، باعتباره (الفن) حلقة ضرورية وأساسية في تحريك وتفاعل هذه المنظومات على نحو يمكن تبسيطه بالمسار التالي: موارد وتقنية - نظام اقتصادي - نظام سياسي - نظام اجتماعي وثقافي - موارد وتقنية جديدة وإضافية! وهذه الموارد الجديدة والإضافية هي بطبيعة الحال ما يمكن وصفها تقدما أو تنمية.

نقيم الفنون أو نحللها بقدر ما تمنح الأفراد والمجتمعات الإدراك والتصورات المنشئة للتقدم أو المشجعة عليه، فبغير هذا الإدراك، لا يمكن أن ينشأ تقدم أو إصلاح، ولا أن تتطور أفكار وسلع ومنتجات، ولا أن ترتقي تصوراتنا لحياتنا واحتياجاتنا الأساسية من الطعام واللباس والعمارة؛ إنه ببساطة أداتنا في معرفة ما نحب وما يجب أن نكون عليه، والفرق بين الواقع والمطلوب، ودليل السعي الدائم نحو ما هو أفضل. ذلك أن ثمة ما هو أفضل دائما، ولا يمكن إدراكه بغير "الجمال". وهذا ما يطور الحياة السياسية والاجتماعية، ويحمي المنجزات الاقتصادية ويفعلها، ويساعد في إنشاء الموارد وتطويرها. فالثقافة والفنون متطلبان ضروريان، ومدخل حتمي للتقدم وتحسين حياة الناس؛ إذ بغير ثقافة الجمال ورؤيته وملكاته ومواهبه التي تلاحظ القبيح، لا يمكن الحكم على الأعمال والحياة حكما صحيحا أو كاملا، فلا تنشأ العمارة على النحو الذي يحقق راحة الناس واحتياجاتهم، واللباس على النحو الذي يحب أن يرى الناس أنفسهم عليه أو يراهم الآخرون، وكذلك الطعام والطرق والنقل. وكذا يمكن القول عن تصميم السلع والمنتجات والخدمات جميعها، وجودتها ومواصفاتها، إلى الحديث والسلوك والعلاقات والانتخابات والتشريعات والقرارات والسياسات... إنها جميعها تتقدم نحو الصواب والتقدم والأفضل، بناءً على ما يملك الناس من ذائقة. وبذلك، ينظم الناس حياتهم، ويقدرون على اختيار الأفضل والمقارنة. فالمجتمعات والأفراد والأعمال والمنجزات والسلع والأفكار والأذواق والخدمات، والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والبيوت والملابس والطرق والأحياء والمدن والأمكنة، تتحدد بالقدرة على تصميمها وإدراك الحالة التي يجب أن تكون عليها. وهي نهاية تقررها القدرة على الرؤية والخيال؛ أي الجمال. فحياتنا، إذن، تكون على النحو الذي نتخيله ونراه، وهي في ذلك في تقدمها وتخلفها بمقدار قدرتنا على إدراك الجمال.

والسؤال التلقائي هنا هو إلى أي مدى تساعد الحالة الدينية بالنظر إليها من خلال فنون وأدوات تطبيقها على التقدم والارتقاء، أو تحمي الأفراد والمجتمعات؟

تتشكل اليوم مرحلة اقتصادية واجتماعية توصف بـ"المعرفة" أو ما بعد الصناعة، وهي تقوم أساسا على وحول تقنيات الحوسبة والمعلوماتية والاتصالات، ويمكن ملاحظة كيف تكونت شركات واقتصاديات جديدة عملاقة حول "المعلوماتية والمعرفة" مثل ميكروسوفت وآبل ماكنتوش وغوغل وفيسبوك وتويتر وياهو، ويمكن أيضا ملاحظة كيف تعيد الحواسيب والبرمجة صياغة الشركات والموارد والأعمال والعلاقات، وكيف تغيّر شبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي في الموارد وتنظيمها وإداراتها، وما يتشكل حول ذلك بطبيعة الحال من مهن وأعمال ومؤسسات، وكيف تختفي مهن وأعمال وأنظمة ادارية واقتصادية أخرى!

وهنا ينشأ سؤالان: كيف يمكن الإمساك بمدخلات التقدم في هذه المرحلة؟ وكيف يساعد الدين والتدين في ذلك، أو كيف ننشئ تدينا "معرفيا" وفنونا تقدم الدين في حالة تلائم عصر المعرفة؟

كان التقدم في المرحلة الصناعية الممتدة منذ القرن الثامن عشر يقوم أساسا على العلوم والتقنية، وبذلك كانت مجالات الدارسة والبحث والعمل في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والهندسة والطب ... تقود الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي مرحلة المعرفة يقوم التقدم على الإبداع والخيال، وهذا يقتضي بطبيعة الحال إعادة النظر في التدين نفسه وفي تقديمه وتطبيقه كما في المناهج والمؤسسات التعليمية لأجل إنشاء بيئة إبداعية، تشجع وتنشئ الإبداع لدى الأجيال وتدربهم وتلاحظ هذه المواهب وترعاها وتطلقها، .. إلى أي مدى تشجع الخطابة والأناشيد والاذاعات والفضائيات، .. وسائر الفنون التي تقدم الدين اليوم على الإبداع؟

إن الإبداع كما المهارات والمعارف لا يهبط على التلاميذ والشباب تلقائيا ولا مصادفة، ولكنه يتشكل في بيئة تعلّمية وعملية وتدريبية تمنح الأجيال المهارات الإبداعية الأساسية، وتلتقط المواهب وتلاحظ الموهوبين، فالموهبة تحتاج إلى تدريب واكتشاف ووعي.

ولأن التقدّم "المعرفي" في الحوسبة وما حولها يقوم على محاكاة الإنسان واللغة، فإن العلوم الإنسانية مثل اللغات وعلم النفس تأخذ شأنا جديدا، لأن الإنسان يتقدم اليوم بمقدار معرفته لنفسه، ثم تحويل هذه المعرفة إلى تقنية حاسوبية، فالبرامج الحاسوبية هي محاكاة للغات، ولنتخيل ما يمكن ان يحدث من تقدم عندما يمكن الاستيعاب الحاسوبي للوعي والمشاعر والتداعيات والتذّكر!! أو غير ذلك من المهارات الإنسانية!

وهكذا، فإنه يمكن القول ببساطة إن العمليات الدينية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية في مؤسساتها وبرامجها وأساتذتها في حاجة إلى مراجعة وإعادة تشكيل على النحو المشجع للإبداع، وما يطلق المواهب والأفكار، ما يعني الاهتمام وزيادة الاهتمام بالفنون والعلوم الإبداعية أو ما ينشئها ويشجعها، مثل الآداب والفنون والموسيقى والكتابة والشعر والمسرح والدراما واللغات والفلسفة وعلم النفس، فهذه العلوم والمهارات هي التي تهيئ الشباب للمشاركة في اقتصاد المعرفة وتمكنهم من اكتساب المهارات والمواهب التي تؤهلهم في السوق والأعمال المتشكلة اليوم، .. وبطبيعة الحال ينشئون تدينهم وعلاقتهم بالدين على هذا النحو وفي هذا الاتجاه.

فالتقدم يقوم اليوم ببساطة على الفنون والآداب، لأنه لا تقدم بلا إبداع، ولا إبداع بلا خيال، ولا خيال بلا شعر وفنون وموسيقى وتعبير وقصة ورواية ودراما وسينما، والمجتمعات المتشكلة حول اقتصاد المعرفة تعلي من شأن الثقافة والعمارة والموسيقى؛ لأنها مصدر ازدهارها ووجودها أيضا، .. وكذا الحال يفترض أن يكون في عالم الدين والمساجد والطقوس والشعائر كما كل مجالات التدين وفهم الدين وتطبيقه.

يمكن الرمز إلى الإبداع بالشعر لأنه يستوعب جميع الفنون الإبداعية كما يؤسس لفنون أخرى وينشئ حلقة متوالية وصاعدة من الإبداع، كما يطلق كل أشكال وصيغ الإبداع، ولعله الراعي الحصري للإبداع، ومنه تستمد حركة الفنون والإبداع مسارها.. والموسيقى بالطبع.. وأهم مصادر الشعر الفلسفة والتأمل والتصوف والجمال، كما تلهم الشعر قيم الحرية والتسامح والحب. وإن كان الحب يبدو عاطفة قوية، فإنه مستمد في الحقيقة من الالتزام والمسؤولية والمعرفة...

وتمثل الموسيقى خلاصة ومحصلة الإبداع، بما هو السلام مع النفس والكون والحياة، ولا تأتي بطبيعة الحال من الفراغ ولكن ينشئها ويصممها حالة وبيئة الإبداع القائمة جماعيا وفرديا.. وتعبر الموسيقى عن نفسها تطبيقيا في شكل رئيس هو العمارة.. فنحن نصمم بيوتنا ومدننا ومرافقنا والأثاث... وفق تطلعنا إلى السلام والانسجام...

ما مصير الثقافة والفنون في ظل الحالة الدينية السائدة والصاعدة اليوم ومنذ خمسة عقود؟ وما البرامج والإنجازات الثقافية والفنية في عالم الدين والتدين؟ لا يوجد لدى الجماعات الدينية وبخاصة جماعات الإسلام السياسي مشروع أو إنجاز ثقافي قائم يمكن ملاحظته أو التوقع على أساسه. ولا توجد أيضا رؤية ثقافية واضحة يمكن محاكمتها. ولكن هناك محاولات ثقافية للإسلاميين محدودة، ومن ملامحها حظر الموسيقى والنساء والاختلاط. ومن الملفت أنه لا يكاد يوجد للإسلاميين نتاج ثقافي من الرواية والشعر والقصة أو الفنون التشكيلية والمسرحية أو السينما أو الموسيقى؛ هناك أمثلة قليلة وقديمة جدا لأعمال شعرية وروائية.

وبالطبع، فإنها حالة تدعو إلى الخوف؛ من وجوه عدة: فلا أمل بارتقاء ثقافي وفني على يد هذه الجماعات، وهناك خوف من مواقفها وسلوكها تجاه الثقافة والفنون، مثل زيادة الرقابة الاجتماعية والدينية وتشددها، أو توجيه وتشكيل الثقافة على نحو رجعي، كحظر الموسيقى ومشاركة النساء، وربما ينشئون هم أيضا برامج ثقافية وفنية تخلو من الموسيقى والتجارب والمنجزات الفنية العالمية الإنسانية. وسوف يصيب ذلك الثقافة والفنون بالخواء والهزال، وهي ابتداء في حالة صعبة. لماذا يكون الخوف على مصير الثقافة والفنون أمرا بالغ الأهمية ويدعو إلى القلق؟ نشعر بالقلق على الحال الثقافي والفني بدون مزيد من التدخل الاجتماعي والديني والمعوقات والصعوبات، لأن حال الثقافة القائم لا يسر كثيرا. ولكن مصدر الخوف هو التراجع الكبير في تقدير دور الثقافة والفنون في النهضة والإصلاح، فذلك لا يؤدي فقط إلى إصابة الحياة الاجتماعية واليومية بالخواء وتريف المدن والمجتمعات المدينية، ولكنه يؤدي أيضا إلى سلسلة من الكوارث والأزمات، مثل الروابط العشائرية والقرابية والدينية في العمل السياسي والنقابي. لنتخيل كيف يكون حال النقابات المهنية في ظل تنافس قائم على العشائرية والجهوية والدينية! ولنتخيل الحال السياسي والاجتماعي عندما ينقسم المحامون والأطباء والمهندسون والصيادلة والصحفيون والمعلمون على أسس وروابط لا علاقة لها بالمهن ولا بالعمل العام، ويؤدي أيضا إلى العنف المجتمعي القائم على أسس بدائية، وأهم من ذلك بكثير عندما يغيب الإبداع كقيمة ومورد، وما يعنيه ذلك من تراجع شامل في الاقتصاد والأعمال والمهن والعمارة والتخطيط في مرحلة يعتمد فيها الاقتصاد العالمي على المعرفة والإبداع! ولذلك، فإن الثقافة والفنون والإبداع يجب أن تحتل اليوم أهمية قصوى أكثر من أية مرحلة سابقة. وفي المحصلة، فإنه لا أمل في ارتقاء الحريات والثقافة في ظل الحالة الدينية السائدة وبخاصة ذلك التدين الجماعاتي والشعبي المشحون بالعنف والخواء، .. ولكن هل ثمة أمل في المجتمعات لتجعل الحريات والثقافة معيارا في الانتخاب وإعادة الانتخاب؟

ويمكن الإشارة هنا في مجال الإيجاب والإنجاز إلى الموسيقى الصوفية، والتي استطاع بعضها مثل تلك القائمة على أشعار جلال الدين الرومي أن تلاقي قبولا وانتشارا في معظم الثقافات والأسواق العالمية للموسيقى والفنون، وهي ظاهرة تشجع على الدعوة إلى استعادة الصوفية في تطبيقاتها وفنونها وفلسفتها للارتقاء بالتدين والحياة، ولمساعدة المسلمين في المشاركة العالمية على النحو الذي يتقبلون به العالم ويتقبلهم.

ويمكن أيضا الربط بين صعود ظاهرة الإسلام السياسي، وبين انحسار الثقافة والفنون من عالم العرب، ليس بالنظر إلى الظاهرة أنها مسؤولة عن ذلك، ولكنها نتيجة لانحسار الثقافة والفنون الفلسفة، ليحلّ مكانها «الإبهار» في الإعلام، ومن عجب أن التيارات والمؤسسات "عير المؤسلمة" أو التي يقوم عليها غير المتدينين تخلت أيضاً عن الثقافة والفنون الراقية، وانساقت وراء الإبهار و«الآكشن» في الإعلام والفنون والسياسة والتعليم والإدارة، كأن الموجة الدينية السياسية ذاتها تعبر عن تحولات وصدمات عميقة في الأفكار والمجتمعات، وكأنها عرض لظاهرة أخرى، وليست هي (الأسلمة) التي صنعت الخواء والضحالة! ويلاحظ ذلك إريك فروم؛ عالم النفس الشهير، إذا يعتقد أن الظاهرة الدينية تعكس عمق أزمة المجتمعات وتحولاتها.

فقد أعقب الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثــانية (1990) تحول كبير في بنية "الإسلام السياسي". كما حدث تحول سابق كبير بعد حرب 1967، فقد صعدت بقوة الحركات السلفية والقتالية، وانخرطت جماعة الإخوان المسلمين في مشاركة سياسية واسعة من خلال الانتخابات النيابية والعامة.

ثم حلّ أو تشكّل الربيع العربي في ظل صعود سياسي كاسح للإخوان المسلمين والسلفيين بلا عمق فكري وثقافي واجتماعي أو وعي يستصحب التحديات والتحولات، ووجدنا أنفسنا دولاً ومجتمعات وأفراداً نمضي إلى المغامرة والمجهول لنواجه صدمة عميقة، ونسأل أنفسنا هل دخلنا في عصر الحروب الـــــدينية؟ أم نؤسس لحالة ثقافية واجــتماعية جديـــدة نتجاوز بها المحنة ونؤســس دولاً ومجتــمعات ديموقراطية عصرية؟

ولكن يجب الملاحظة أن الجماعات السلفية والاسلامية السياسية بعامة استخدمت فنون التأثير الإعلامية القائمة الجديدة منها والتقليدية بكفاءة عالية بمعيار استقطاب المؤيدين والجماهير، فيمكن ملاحظة العدد الكبير من جمهور ومؤيدي الدعاة والخطباء والفضائيات الدينية ومواقع الإنترنت ووسائل الإعلام، والتي تحظى بجمهور واسع، ويشتغل فيها عدد كبير من الدعاة والإعلاميين، ولا شك أنهم تقدموا في ذلك من الناحية الفنية والتقنية تقدما يشهد له ويمكن ملاحظته بوضوح.

ويمكن النظر إلى الحالة الاجتماعية والثقافية في بعدها التطبيقي في ظل انحسار الفنون والذائقة الفنية بملاحظة أن جزءا كبيرا من ظاهرة الفقر والبطالة في مجتمعات عربية وإسلامية كثيرة، إنما هي قضية اجتماعية ثقافية، بسبب تغييب قيم وثقافة العمل، أو غياب البيئة الثقافية والفنية التي تمنح لجميع الناس مهما كانت منزلتهم الاقتصادية والاجتماعية منزلة اجتماعية تعوضهم المنزلة الاقتصادية والمهنية المتواضعة، وتتساءل بالطبع كيف لا تساعد الحالة الدينية الكاسحة وقيم العمل الدينية في إنشاء إقبال على العمل والحرف والإتقان فيها؟

ولا تتوقف الخسارة عند الفقر والبطالة، ففي قطاعات من الأعمال المتصلة بحياة الناس وذائقتهم وأسلوب حياتهم يتواصل الخواء، فعلى سبيل المثال تتصل قطاعات الزراعة والبناء والمطاعم بأسلوب حياة الناس وثقافتهم المنشئة للقيم والفنون والموسيقى.

المسألة ليست إجراءات وقرارات وسياسات وتشريعات تتخذ للتشجيع على العمل والحرف، ولكن العمل ينشئ منظومة اجتماعية ثقافية، فأعمال البناء وحرفها ومهنها واقتصاداتها، مرتبطة بالمجتمع نفسه، أو منبثقة عنه أساسا. وغياب الناس عنها حتى لو استقدمت عمالة وافدة يحول المواطنين في أحيائهم ومدنهم إلى ساكنين وعابرين، وليسوا كتلة اجتماعية ثقافية يتجمعون معا حول المكان والمصالح والاحتياجات والأولويات، ويعود صعبا أو غريبا سؤال مثل كيف ننشئ الكتل الاجتماعية الحقيقية؟ كيف يكون أهل الحي/ المدينة/ البلدية مجموعات وجماعات تلتقي حول القضايا والاهتمامات الأساسية للمكان والسكان؟ ويصعب تصور أن يكون لهم، وبتمويلهم ومشاركتهم، أندية رياضية اجتماعية ثقافية، ومدارس وحدائق ومكتبات، وأسواق ودور عبادة، ثم يتطور نشاطهم هذا إلى تجمعات وجدل حول تنظيم العمل والموارد، واختيار القيادات وإدارة المصالح والموارد، والادخار والإسكان، والمشاركة التجارية والتعاونية... سوف تنشئ الأسواق الاجتماعية والمجتمعية، بطبيعة الحال، أنظمة عمل وحياة تشجع المواطنين على الانخراط في جميع/ معظم قطاعات العمل الحرفية والتجارية، لأنها سوف تمنحهم آمالا وآفاقا لتطوير أنفسهم وأعمالهم ومصالحهم الصغيرة لتصبح مشروعات كبيرة، وفرصا في الحصول على السكن والتقاعد والتضامن. كما أن المشاركة الاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية، والانتماء والمشاركة القائمة حول ومع الإقامة والعمل في المدينة، تمنح المواطنين، أيا كان عملهم ودخلهم، تعويضا اجتماعيا وثقافيا كبيرا، وفرصا للارتقاء بالحياة وخيارات عمل وحياة متعددة، لا تقتصر على الحرفة والعمل. فالمواطن بالإضافة إلى أنه حرفي أو بائع أو عامل، فنان أو شاعر أو رياضي أو متطوع مشارك في أعمال وبرامج الحي والمدينة، يشعر بالرضا عن نفسه ومشاركته، وقد تمنحه مشاركته فرصا أخرى وجديدة للتقدم القيادي، أو لتطوير وتنويع مصادر دخله. وبطبيعة الحال، فإن هذه المنظومة تشجع وتنشئ منظومات جديدة، ثقافية واجتماعية، للحياة والاحتياجات الأساسية؛ التصميم، والتهوية والخصوصية، والطهو والصناعات المنزلية.. ترتقي بمستوى الحياة، وتفعّل الوصول إلى الاحتياجات الأساسية من غير تكاليف إضافية، وتنشئ أسواقا وأعمالا وموارد جديدة. ثم إنها تنشئ وتشجع اتجاهات جديدة في العلاقات الاجتماعية والانتخابية، وبناء المنظمات المجتمعية والاقتصادية التي تتجاوز الروابط القرابية والدينية إلى تجمعات قائمة على أساس تفعيل الإنفاق العام والمصالح المشتركة والمهن والخدمات والمرافق الأساسية وحماية المستهلك.. وهذا هو الإصلاح والتقدم.