"الما بعد"... ومستقبل الدولة في العالم العربي في ظلّ خطاب الإرهاب العالمي

فئة :  مقالات

"الما بعد"... ومستقبل الدولة في العالم العربي في ظلّ خطاب الإرهاب العالمي

ينشر مجلس الاستخبارات الوطني في الولايات المتحدة، والذي يقدم المشورة لإدارة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، تقريرا كل خمس سنوات محاولا التنبؤ بالاتجاهات العالمية وتحولاتها على المدى الطويل.

عام 2013م، صدر تقريرٌ مهم وخطير جدا للمجلس بعنوان "عوالم بديلة"، حيث تضمن سيناريوهات لـ (كيف سيبدو العالم عام 2030م)؟

"أحد السيناريوهات التي اقترحها التقرير في فضاءات المابعد؛ أتى بعنوان "عالم بلا دول"، يتصور الكوكب وقد تراكم فيه التحضر، والتكنولوجيا ورأس المال، حيث صار المشهد عبارة عن حكومات لا تسعى لإحداث أي إصلاح حقيقي، في حين تتعاقد على تسليم مسؤولياتها لأطراف أخرى لها قوانينها الخاصة.

التقرير يرسم تلك السيناريوهات لعام 2030م، إلا أنه لـ"عالم بلا دول" فقد يصلح السيناريو السابق للتعبير عن العام 2018م، فعلى الرغم من أن معظمنا لا يدرك ذلك، إلا أن ذلك السيناريو يصف الكثير عن كيفية عمل المجتمع الدولي حاليا. لا يعني هذا أن شكل الدولة التقليدي اختفى بالطبع، أو سيختفي، لكنها أصبحت نموذجا للحكم بين عدة نماذج أخرى" وبالطبع، فإن الأطراف الفاعلة من غير الدول مثل الجماعات الإرهابية تشارك فيه.

لقد ارتبط مصطلح "الما بعد" بالحضارة الغربية أصلاً، وظهرت التسمية في مصفوفة فضفاضة من البعديات، المرتبطة بالنهايات مثل: "ما بعد الحداثة" الذي ظهر مع أواخر القرن التاسع عشر، ثم في الاستخدامات المبكرة عند "جي أم تومبسون 1914م" أو تنظيرات المؤرخ الشهير "أرنولد توينبي 1939"، و"نهاية الدولة القومية وصعود الاقتصاديات الإقليمية" للمنظر الإداري الياباني كينيش أوهمي، 1996 م، و"نهاية الإيديولوجيا 1960م" لمنظر علم الاجتماع الأمريكي دانيل بيل، ثم مع المنظر السياسي الأمريكي فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ 1992م. قبل أن ينتشر المصطلح بشكلٍ عولمي، إلى أن وصلنا الآن إلى مرحلة بعد "ما بعد الحداثة"، وحقبة العولمة الحالية.

في عالمنا العربي حالة من الهوس البحثي - حتى لا أقول المعرفي - في العواصم العربية النشطة ثقافياً هذه الأيام من عمان إلى الرياض إلى مراكش، والقاهرة وغيرها بمسألة العناوين الكبرى والمبهرة لمفهوم "الما بعد"!

وتتركز هذه العناوين في حقل واحد هو اللاهوت الإسلامي، رغم أنها تتفرع منه أحياناً مثل: ما بعد الإسلام السياسي، ثم تتفرع أكثر أو ينزاح الغصن أبعد مثل: ما بعد السلفية، وما بعد داعش. أو إرهاب داعش، وما بعد الإخوان المسلمين. ونهاية السلفية الجهادية، أو نهاية داعش، ونهاية تنظيم الإخوان المسلمين، وهكذا.

وهي حسب اعتقادي تدور حول سؤال آخر أعمق غورا لكنه مسكوت عنه؛ أو متواطأ عليه.

وهذا السؤال مُضمر في الإطار الأوسع للعلاقة بين الدين الإسلامي والحالات الفكرية والمعرفية المعاصرة أو في إطار مفاهيمي يحاول القائمون على هذه العناوين استخدام عنوانه الكبير "ما بعد الحداثة". لكن بجسارة وعمق أقل من اللاهوتيين في الغرب الذي أنتجت منظومته المعرفية الإنسانية مفهوم الحداثة، ثم ما بعد الحداثة ثم ما بعد بعد الحداثة. ثم مكنته من الشجاعة للحديث في أمور القطع والإنهاء؛ إذا ليس من السهل أن تدعي نهاية التاريخ، أو نهاية الإيديولوجيا، أو نهاية الدولة، إذا كنت خائفا مرعوباً من مجرد التفكير بهذا الأمر، وفرض المسلمات الجديدة بعد التحقق من صوابها وصلاحيتها للإنسانية.

ما أريد قوله باختصار إن هناك سوء فهم وسطحيه مزعجة في تناولنا كعرب ومسلمين لمسألة "الما بعد" فما بعدنا تختلف اختلافا كلياً عما بعد الغرب واستخدامها اليومي والإبستمولوجي الذي أصبح راسخاً تقريباً في المنظومة المعرفية الغربية.

ما بعدنا تأخذ بعداً في الزمان؛ لكنه زمانٌ دائري.

نريد "ما بعد" تدور في نفس الدائرة، ونريد شمسا تشرق على نفس الشرفة المتهالكة وتغرب على ذاتها. ونريد أن نبقى نقرأ نفس التاريخ، والنحو، ونفس العروض، والوقوف على الأطلال؛ لكن مع بعض المحسنات التكنولوجية.

إن هذا الهوس أو الشغف باستخدام الما بعد، لم يسفر - حتى الآن - إلا عن تجذير لسرديات ونصوص تراثية (فيها الغث، وفيها السمين) لأنه لم يكن /وليس بحثاً عن حقيقة تؤسس لبداية جديدة ومُسلمّة(باراديم) جديدة.

لقد كان الما بعد في المنظومة المعرفية الغربية يتعلق بتغير المسلمّات وبناء أخرى جديدة ومختلفة على أنقاضها مع بقاء عبرتها التاريخية واحترامها كمرحلة في التاريخ، وأمام التاريخ.

ولعل هذا أهم ما تم تقعيده على يد توماس كون (1922-1996م) في كتابه المرجعي (بِنية الثورات العلمية، 1962م). الذي فتح مجالاً ما بعدياً واسعاً في كل مناحي الحياة والعلوم الإنسانية والاقتصاد، والفلسفة والفنون([1]).

لكن "الما بعد" لدينا يختلف للأسف الشديد. لقد كان سعياً محموما وهروبا إلى الأمام من الأسئلة الكبرى والشعور العميق بالنقص أمام هذا العالم؛ الذي يتفاوض مع بعضه البعض على الاقتصاد والتجارة والمشاريع العملاقة في التكنولوجيا الحديثة السلمية والعسكرية ونحن لا زلنا نناقش مبطلات الصيام واليوم الأول من رمضان ! فكيف نتفق على أن إرهاب داعش والقاعدة وبوكو حرام وطالبان باكستان وأفغانستان حرام.

إن خطورة الاهتمام "بالما بعد" وهذه الرطانة الواسعة حولها اليوم تنبئ بأن الهدف هو البحث عن مخرج آني من مأزق يشعر المدعين بالاشتغال عليه بأنه مأزق مؤقت، ولذلك يسرعون للبحث عن هذا المخرج المؤقت، وهم في هذا يعودون إلى ربقة نفس الدائرة في كل مرة.

ولذلك لا أحد يناقش الأسس المعرفية لإرهاب داعش أو القاعدة بعيداً عن مسألة شيطنتها واستحضار سرديات القرون التي خلت حول أدبيات "الملل والنحل" للشهرستاني المتوفى عام 1153م، والذي يعدّ أحد أشهر علماء "أهل السنة والجماعة الأشاعرة"([2]).

ووصف تنظيم داعش على أسوأ تقدير بالخوارج على لسان منظر السلفية الجهادية أبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي. والمفارقة أن أبا قتادة الفلسطيني كان يُتهم من معارضيه بأنه من غلاة الخوارج الإرهابيين.

هذه النوعية من الخطاب السجالي يعتمد نفس (صندوق العدة) القديم لإصلاح الخلل تحت مقولة إعادة الخلافة ونصرة الأمة عن طريق الجهاد والوقوف في وجه الطواغيت والأعداء البعيد منهم والقريب وهو بالمناسبة؛ نفسه الذي يتهم هؤلاء بأنهم خوارج ومتطرفون وإرهابيون.

وغني عن القول بأن الفروقات بين ما يطلق عليه مصطلح الإسلام المعتدل، والآخر إسلام الإرهاب والتكفير عند ابن لادن والزرقاوي والبغدادي وأبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي عصية على الفهم والتمحيص عند ما يطلقون على أنفسهم علماء الدين، فكيف على رجل الشارع العادي؟

وقد زاد من خطورة هذا الوضع، وتفاقمه استمرار عملية التواطؤ المشترك (السري والمعلن) بين رجال الدين المتنفذين في هذه الجماعات السلفية التكفيرية المقاتلة وأنظمة الحكم في الكثير من الدول العربية، وبعض العواصم الأوروبية التي احتضنتهم، رغم المصائب التي تعرضت لها من قبلهم شخصياً، أو من خلال المئات من الأفراد الذين جندوهم، وأثروا فيهم فكرياً.

ليس هناك مكان أجدر بإعادة التفكير في مفهوم الدولة والدين من الشرق الأوسط.

هناك حزن عبثي ينبع من رزم التحليل اليومي لقضايا سوريا والعراق مثلا، حيث تفشل تلك التحليلات في فهم أنه لا توجد دولة لديها حق إلهي في الوجود. بعد قرن من استطاعة الفرنسيين والبريطانيين تقسيم الدولة العثمانية إلى ولايات ضعيفة (قصيرة العمر)، كانت الدول الناتجة متداعية عصية على الإصلاح، وللأسف لا زالت كذلك.

لن يبعث العالم العربي مجده القديم إلا بعد إعادة رسم خريطته لتصبح واحات مستقلة تربطها طرق الحرير والتجارة كما كان ذات يوم. قد تضغط الطوائف الدينية والعرقية واللغوية من أجل الاستقلال، وبلا شك يستحق الفلسطينيون ذلك، وبعد فترة أخرى من التشرذم والانقسام، ستمثل تلك المجتمعات الجديدة ذات السيادة خطوة حاسمة في عملية طويلة لبناء استقرار عابر للقومية"([3]).

والإسلام اليوم بحاجة إلى دراسة وتحليل عميق ليس، لأنه متهم بالإرهاب والتطرف الديني العنيف فقط، أعتقد بأن المسألة أعمق من ذلك.

الإسلام؛ بحاجة إلى دراسة "ما بعد" حقيقية غير مرعوبة وغير مرتجفة وخائفة؛ لكل الإسلام إذا أريد له أن يصمد وينجو أمام رياح التغير وسيرورة العولمة، وأن يأخذ دورا تنويرياً لا أن يبقى أسيراً للعبة دفاع المنطقة (كما يقال في لعبة كرة القدم الحديثة)، أمام التسديدات العنيفة والصاروخية لتهم التطرف الديني والإرهاب وإطلاق "الذئاب المنفردة" في الساحات العربية والإسلامية والعالمية.

 

المراجع:

1- Agamben, Giorgio. "What is a Paradigm?" (PDF). Retrieved November 14, 2015 http://www.maxvanmanen.com/files/2014/03/Agamben-What-is-a-paradigm1.pdf

2- Watt، William Montgomery (1991). Muslim-Christian Encounters: Perceptions and Misperceptions. London and New York: Routledge. ISBN 0415054109

3- Parag, Khanna (2013), The End of the Nation-State? https://www.nytimes.com/2013/10/15/opinion/the-end-of-the-nation-state.html?pagewanted=all&_r=0


[1]- Agamben, Giorgio. "What is a Paradigm?" (PDF). Retrieved November 14, 2015 http://www.maxvanmanen.com/files/2014/03/Agamben-What-is-a-paradigm1.pdf

[2]- Watt، William Montgomery (1991). Muslim-Christian Encounters: Perceptions and Misperceptions. London and New York: Routledge. ISBN 0415054109.

[3]- PARAG, KHANNA(2013), The End of the Nation-State?, https://www.nytimes.com/2013/10/15/opinion/the-end-of-the-nation-state.html?pagewanted=all&_r=0