المثقف والإعلام: العداء الكلاسيكي والمنعرج الإلكتروني

فئة :  مقالات

المثقف والإعلام: العداء الكلاسيكي والمنعرج الإلكتروني

يستخدم مفهوم الثقافة خارج النطاقات الأكاديمية الأنثروبولوجية، وتحديدًا داخل الفضاء العام، بشكل غامض ومبهم يجعل من فهم طبيعة الفعل الثقافي أمرًا صعبًا جدًّا، ويضاف إلى ذلك لغط آخر حينما يضاف وصف المثقف إلى سياقات النقاش حول الفعل الثقافي، حيث يستخدم هذا الوصف بطريقة عشوائية ويتعذر في الكثير من الأحيان تمييز المثقف من غير المثقف.

لطالما استخدم مفهوم المثقف والثقافة بطريقة تعسّفية ليس في الأوساط العامة فقط، وإنّما أيضًا داخل الأوساط الأكاديمية. قد يتفق الأنثروبولوجيون إلى حد ما على مفهوم للثقافة باعتبارها انعكاسًا للوضع العام للمجتمع في لحظة زمنية ذات امتدادات تاريخية، غير أنّ هذا المفهوم أبعد ما يكون عن المفهوم المتداول داخل مختلف الأوساط الاجتماعية العامة، والشيء نفسه يقال بخصوص مفهوم المثقف، فبالنسبة إلى الأنثروبولوجيين فإنّ كل إنسان مثقف، غير أنّ الاستخدام المتداول داخل حقول علم الاجتماع السياسي وعلم اجتماع المعرفة والفلسفة والسياسة والإعلام يوحي بأنّ ثمة اختلافًا جوهريًّا، فصفة المثقف لا يمكن أن تنسب إلى كل الناس، لأنّ الأمر لا يتعلق بموروث ثقافي وإنّما بدور اجتماعي غير واضح المعالم ويتداخل مع عدة متغيرات.

يتم تناول هذا الدور من قبل الكثير من محللي الثقافة باعتباره مكافئًا من ناحية الأداء لدور اليسار السياسي، أي اتخاذ موقف معارضة للوضع السياسي الراهن، غير أنّ وجهة النظر هذه سرعان ما تُنسَف من قبل بعض المفندات نتيجة ذوبان مفهوم المثقف في مفاهيم أخرى على غرار الخبير ورجل السياسة، وهذا ما يفسّر في الحالة البريطانية مثلاً تلك الصورة السلبية التي تسقط على المثقف والنظرة المبتذلة لدوره كما يقول إدوارد سعيد.

إنّنا بحاجة لأن نؤكد بأنّ علاقة المثقف بالإعلام وبالفضاء العمومي هي علاقة تلازم، فالدور المناط بالمثقفين يقتضي بالدرجة الأولى التورط في الشأن العام، إذ لا مثقف غائب عن النقاش حول القضايا العامة، وهذا التورط في الزمن الحالي سيجد منافذ أفضل وسيفتح المجال لبروز نمط جديد يطلق عليه عزمي بشارة اسم "المثقف العمومي"، وهذا النمط من المثقفين له قدرة كبيرة على بلوغ الفضاء العام من خلال توسل آليات الإعلام الجديد التي يصعب على الأنظمة السياسية مراقبتها، إذا ما وقعت المقارنة بحالة الإعلام التقليدي حيث تتسم العلاقة بين الطرفين بنوع من الإقصاء والمعاداة.

1- بعض مشكلات مفهوم الثقافة:

مفهوم الثقافة متعدد التشعبات ومستمد من عدّة حقول معرفية، يرتبط بنشاط إنساني أساسي تجاه الطبيعة، فتأثيله اللاتيني يرتبط بالأساس بفكرة الزراعة. غير أنّ الثقافة بوصفها مفهومًا شائع الاستخدام حاليًّا ترتبط بالعلوم الاجتماعية، وبالبحث الأنثروبولوجي على وجه التحديد. لقد ساهمت الأنثروبولوجيا بشكل عميق في التصورات والنماذج النظرية الأساسية للثقافة، وبسبب هذا الإسهام، بقي المفهوم الأنثروبولوجي الأكثر دقة، وصمودًا وشمولية إذا ما قورن بالمفاهيم المستخدمة في بقية التيارات المعرفية.

ومن بين التعاريف الأنثروبولوجية، يشكل المفهوم الذي يقترحه إدوارد تايلور، والذي يرى بأنّ الثقافة "هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والأعراف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع"[1]. تحت هذا التعريف، رسم التيار الأنثروبولوجي براديغمًا شاملاً يمكن تسميته بالثقافوية، وهي التي تنظر إلى كل سمات الحياة الاجتماعية باعتبارها منجزات ثقافية، غير أنّ هذا المنظور الشامل سرعان ما واجه الكثير من الانتقادات، لأنّ إضفاء وصف "الثقافي" على كل ممارسات الإنسان يجعل من الصعب فيما بعد التعامل مع إشكالية مفهوم المثقف الذي ينتهي إلى توصيف يُسقَط على الجميع.

خارج أسوار الأكاديميا الأنثروبولوجية، يفقد مفهوم الثقافة شموليته، وخصوصًا من جراء الاستخدام المفرط للمصطلح ضمن مختلف شؤون الحياة العامة، ومن هنا يمكن أن نفهم رأي كلفورد غيرتز، واحد من أبرز علماء الأنثروبولوجيا المعاصرة، والذي يقول بأنّ "كلمة ثقافة تتضمن شبهات عميقة ولكن لا يمكن العمل من دونها"[2].

إلى حدّ ما، ثمة إمكانية لضبط مفهوم أكاديمي للثقافة خارج التصور الأنثروبولوجي التايلوري على الرغم من الاستخدام الفضفاض للمصطلح في الكثير من مجالات الحياة من قبل العامة. يمكن الاستناد هنا إلى نظرة عالمي الاجتماع الفرنسيين ريمون بودون وفرانسوا بوريكو التي تفرق بين مستويين للمكتسبات الثقافية داخل المجتمع: هناك ثوابت تتدخل بوصفها محددات للفعل وتضم البنى، التقنيات، المؤسسات، القواعد، القيم، الإيديولوجيا، وهناك الكثير من المتغيرات البنيوية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها شأنًا ثقافيًّا[3]، ومن هنا فإنّه يمكن إعادة تعريف الثقافي بوصفه كل ما يتعلق بترجمة الحقيقة إلى رمز لتصبح الثقافة بذلك أكثر ارتباطًا بالفكر وبالفن.

هكذا نكون إزاء أنموذج نظري محكم يمكن الاستعاضة به عن التصوّر العامي للثقافة باعتبارها مزيجًا من التعليم والمعرفة بأمور كثيرة، لكننا نبقى أمام إشكالية أخرى: كيف يمكن التعامل مع هكذا تصور إذا كانت عملية إنتاج الثقافة ذات طابع سياسي؟

يمكن هنا أن نعود إلى تصورات المدرسة النقدية الألمانية وكذا تصورات أتباع النقد الثقافي ما بعد الحداثي. إنّ هذه التيارات تعالج مسألة الثقافة من زاوية الاقتصاد السياسي، إذ هي تطرح إشكاليات عميقة تتعلق بطبيعة الثقافة والثقافات المنتجة والمتداولة داخل الحيز الاجتماعي وطرق استهلاكها ومقاصد السلطة الكامنة ضمن سيرورة إنتاجها، توزيعها وتطبيقها، وهنا يمكن العودة إلى قراءات ميشال فوكو العميقة حول العلاقة البنيوية الكامنة بين المعرفة والسلطة.

إنّ الدرس المعياري لمسألة الثقافة كما نجده عند رواد مدرسة فرانكفورت يرتبط بجملة من المفاهيم الأساسية، فإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الثقافة تعني كما قال بودون وبوريكو وكذا لوكليرك إنتاج الأفكار والرموز، فإنّ ذلك يُستَتبع بجملة من التساؤلات الجوهرية: من يملك الحق في إنتاج الرمز وعلاقة ذلك بفكرتي السلطة والثروة؟ ثم ما هو الهدف السياسي غير المعلن من هذه الوظيفة الرمزية؟. غالبًا ما كانت مختلف المسائل تعالج بالنسبة إلى مدرسة فرانكفورت في ضوء هذه الثنائية: السلطة أو القوة من جهة، والعقلانية والأداتية من جهة ثانية.

بالنسبة إلى المسألة الأولى، ومن دون الخوض كثيرًا في تصوره لمفهوم المثقف، كان أنطونيو غرامشي قد أكد كثيرًا ضرورة أن يتصدى المثقف لما أسماه ثقافة السلطة، والدفاع بالمقابل عن ثقافة الطبقات والفئات التي ينتمي إليها اجتماعيًّا أو سياسيًّا. وفي الكثير من الدراسات المعاصرة، يستخدم المفكرون تصورًا مانويًّا للثقافة: فهناك من جهة الثقافة السائدة، وهناك الثقافة المضادة. الأولى تمثل نظامًا فكريًّا يؤطر لهيمنة أصحاب السلطة، وكل من يدافع عن هذا النظام أسماه غرامشي مثقفًا تقليديًّا أو مثقفًا محافظًا كما يجري تصوره اليوم، أما المثقف الحقيقي في رأيه فهو المثقف العضوي الذي يدافع عما يسمى حاليًّا بالثقافة المضادة، وهي التصور الفكري المضاد للنظام الفكري للمهيمن والمدافع بالأساس عن حق بقية الطبقات في تكريس أفكارها ورموزها.

وفقًا لهذا التصور، نكون إزاء تصور جديد ومكتمل للثقافة يبتعد عن شمولية الأنموذج الأنثروبولوجي ويعيد بناء المفهوم العامي المرتبط بوصف المتعلم على أسس أكاديمية، حيث يصبح مفهومنا للثقافة يعني استخدام مختلف أصناف المعرفة المكتسبة والمنتجة لا في طريقها الأكاديمي والعملي المتخصص، وإنّما في إطار كفاح ومقاومة اجتماعية لأي مسعى لاحتكار السلطة والهيمنة داخل المجتمع.

إضافة إلى إنتاج الفكر، ثمة مكون آخر نبه إليه المفكر الفلسطيني عزمي بشارة، وهذا المكون يفسر لنا لماذا لا يرتبط مفهوم المثقف كما سنتناوله لاحقًا بطبقة اجتماعية أو مهنية أو ثقافية بعينها. إنّ فكرة المقاومة تتضمن توجهًا سياسيًّا معينًا، وأفضل توصيف لهذا سيكون الاستعانة بمفهوم "الموقف العمومي"[4]، فبعض المثقفين قد لا ينتجون معارف وأفكارًا متخصصة بقضايا السلطة داخل الجماعة، ولكنهم يتخذون مواقف معلنة عموميًّا تجاه هذه القضايا، وبذلك فإنّ الوظيفة الرمزية تصبح مفهومًا أوسع يتضمن إنتاج الأفكار وكذا المواقف.

سيشكل تصورنا الجديد مدخلاً مهمًّا لنبني مفهومًا وسطيًّا للثقافة يقع بين التصور الأنثروبولوجي البالغ الشمول وبين المفهوم العامي البالغ السطحية، حيث سيكون بالإمكان تحديد طبيعة الوظائف المرتبطة بالثقافة كما يمكن تصورها داخل الفضاء العام ممثلاً في وسائل الإعلام. إنّ المهن التي تدخل ضمن هذا الإطار يمكن تقسيمها إلى شقين:

الشق الأول: يحتضن الفئات التي تنتج الأفكار العمومية حول الأشكال اللازمة للحياة الاجتماعية، وتتمثل بالأساس في الأدباء، الشعراء، الأكاديميين في الجامعات، الرسامين، الصحفيين، المعلمون، رجال الدين...

الشق الثاني: وهو المجال المفتوح لإنتاج المواقف، ويتضمن مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية التي تنتج إضافة إلى أفكارها المستهلكة داخل حقولها المهنية مواقف داخل الفضاء العام تستهدف مناقشة قضايا السلطة داخل الجماعة. سنناقش على كل حال في موقع قادم حقيقة التزام هذه الأطراف بإنتاج الثقافة على هذا النمط، وحقيقة توزيع الأدوار بينها.

2- المثقف بوصفه دورًا ووظيفةً:

إذا كان مفهوم الثقافة ضمن حقل تحليل الإعلام الجزائري يطرح إشكاليات عديدة فإنّ مفهوم المثقف يثير كمًّا أكبر وأكثر إحراجًا من الأسئلة. من الناحية النظرية، يحظى مفهوم المثقف باهتمام واسع في عدة حقول معرفية، وإن كانت الدراسات الأولى لمفهوم المثقف قد ارتبطت بتحليلات علم الاجتماع السياسي لفكرة النخبة والأنتلجنسيا مثلما نجدها لدى فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا بوصفها طبقة اجتماعية غير واضحة المعالم، غير أنّ النخبة مفهومًا إجرائيًّا لا يقدم لتحليل الأدوار الاجتماعية والسياسية الأداء نفسه لمفهوم المثقف مثلما صوّره أنطونيو غرامشي لأول مرة، ثم التحليلات التي تلته.

يعرف علماء الاجتماع السياسي النخبة بوصفها طبقة مهيمنة داخل مجال نشاطها، ومن ثم يتم الحديث عن نخبة عسكرية، نخبة علمية ونخبة سياسية[5]... وهذا التصور يطمس إلى حد كبير طبيعة النخبة وتقييمها من طرف ذاتها ومن طرف الجماهير.

إضافة إلى ذلك، فإنّ مفهوم النخبة سرعان ما يسبب لنا سوءًا في الفهم لأنّه لا يوضح بدقة ما إذا كان الأمر يتعلق بطبقة اجتماعية أم بمكانة اجتماعية، وهذا الأمر يفسره بشكل جلي جيرار لوكليرك في كتابه سوسيولوجية المثقفين حين يقول بأنّ النظرة السوسيولوجية السيئة لمفهوم النخبة والمثقفين تبرز من خلال التوجه إلى الفئات والطبقات القريبة مهنيًّا، ثقافيًّا واجتماعيًّا، والتي يكون موقعها في قمّة السلم الاجتماعي[6].

إنّ واقع المجتمعات المعاصرة يفند تمامًا ادعاءات مفهوم النخبة بوصفها طبقة اجتماعية تستقر في أعلى السلم الاجتماعي، بدليل أنّ التحليل المتركز على طبيعة نجوم المجتمع الحالي يكشف بأنّ النجومية ليست مرتبطة بالضرورة بطبقة اجتماعية بقدر ما هي مرتبطة بالتقبل والالتفاف الاجتماعي الذي يحظى به الفرد داخل الجماعة، فنجوم الرياضة يشكلون حقلاً للاستقطاب الاجتماعي أكثر من أي فئات اجتماعية أخرى. يمكن القول بأنّ التصوّر الأرستقراطي للنخبة قد فشل فشلاً ذريعًا في تبيان الدور الذي يراد إلباسه للمثقف في المجتمع الحديث، وهذا ما دفع إلى اعتماد مفهوم المثقف بدلاً من النخبة لما يتعلق الأمر بقضايا الشأن العام.

وحتى مفهوم الطبقة المهيمنة الذي يقترحه بيير بورديو لم يوضح الصورة كثيرًا، فغالبًا ما ينظر إلى الطبقة المهيمنة ruling class ضمن عدة مستويات سوسيولوجية، فهناك طبقة مهيمنة ضمن الحقل الديني، وطبقة مهيمنة في السياسة[7]... وهذا التصور لا يعكس تمامًا التصور الحديث لدور المثقف، خصوصًا فيما يتعلق بآليات الهيمنة كما سنوضح.

من هنا يبدو مفهوم المثقف ذا خصوصية أخرى، فالأمر لا يتعلق بطبقة اجتماعية ولا بامتداد اجتماعي معين للمثقف، يشير روبرت بريم هنا إلى صفتين رئيسيتين للمثقف: أولاهما بأنّه غير طبقي classless، وثانيهما بأنّه ليس وضعًا اجتماعيًّا ساكنًا، وإنّما هو سيرورة قابلة للتحول ومن دون امتدادات واضحة rootless[8].

يمكن قراءة فكرة بريم بطريقة أخرى والقول بأنّ المثقف ليس انتماءً اجتماعيًّا بقدر ما هو دور أو وظيفة اجتماعية يمكن لأي فرد القيام بها ضمن حدود معينة، وهذا ما يفسر جيدًا تعريف أنطونيو غرامشي الشهير بأنّ "كل الناس مثقفون لكن ليس كل الناس يقومون بدور المثقف"، أو تعريف جون بول سارتر الذي تحول إلى شعار، والذي يرى بأنّ المثقف هو "شخص يتدخل في الكثير ممّا لا يعنيه"[9].

قد يبدو التعريف الذي يقترحه سارتر، وهو المعروف بمواقفه التاريخية بوصفه مثقفًا ملتزمًا، على درجة عالية من التجريد وعدم الدقة، ذلك أنّه يفتح الباب أمام مسألتين رئيسيتين:

- هل كل شخص بإمكانه أن يلعب دور المثقف؟

- ما هي المواضيع التي يكون فيها التدخل مرادفًا لفاعلية المثقف؟ وما هي الحدود الفاصلة في فعل التورط فيما لا يعني؟

بالنسبة إلى المسألة الأولى، هناك تداخل تاريخي وإجرائي بين مفهوم المثقف ومفهوم المتعلم. يوضح جيرار لوكليرك بأنّ وظيفة المثقف داخل المجتمع ترتبط بإنتاج الخطابات الضامنة لهوية الجماعة والقيم المركزية السائدة فيها وبثها في الزمان والمكان.. وهذا الذي يقوم به المثقف هو ما يسميه لوكليرك الوظيفة الفكرية أو إدارة الرمزي[10]. يتطلب هذا الدور باتفاق كل الباحثين مجهودات أكبر من المثقف بالمقارنة مع بقية أفراد المجتمع، فالتفرغ لإنتاج الأفكار يستلزم مستوى تعليميًّا كبيرًا، ولهذا فقد ارتبط من الناحية التاريخية بالطبقات التي تمتلك مستويات تعليمية جيدة على غرار العلوم الدينية في العصور القديمة والعلوم التقنية والتطبيقية والإنسانية في العصر الحديث.

من الناحية التاريخية، لطالما ارتبط المثقف ضمن المخيال العام بفعل التعليم، ومن الناحية الإجرائية يشكل المستوى التعليمي أحد الأبعاد الرئيسية للمثقف، غير أنّ هذا الارتباط ليس تماثليًّا، وإنّما هو احتوائي، فالتعليم يبقى شرطًا أساسيًّا لقيام المثقف، إلا أنّ المثقف قد لا يحتاج إلى معرفته تقنيًّا لاتخاذ الموقف، وإنّما يحتاج إليه لإضفاء الشرعية على تدخله في القضايا المتداولة ضمن الفضاء العمومي، فالناس عادة ما تثق في الشخص المتعلم لأنّه الأدرى بالأمور منها.

يبدو هذا التقديم مناسبًا للدخول في تصنيفات المثقفين، فاستخدام المعرفة والتعليم المكتسبين من قبل المثقف يقوده ضمن قضايا الشأن العام إلى اتخاذ موقف من بين الموقفين: فهو إما أن يؤيد الوضع القائم بخصوص القضية العامة أو الثقافة السائدة، وإما أن يعارضه ويسعى لتغييره. يسمي أنطونيو غرامشي من يؤيد الوضع القائم بالمثقف التقليدي أو كما يسميه بعضهم المثقف المحافظ، في حين يسمي من يعارض هذا الوضع بالمثقف العضوي، ويفضل الكثيرون وصف المثقف الثوري، الملتزم وغير ذلك من التسميات...

يمكن إعادة قراءة هذا التصنيف في ضوء معطيات عديدة متشعبة التخصصات، يمكن تقديم أوصاف أخرى لهذين النمطين من المثقفين في ظل تعقيدات المجتمع المعاصر، وكذا في ظل معطيات المشهد الإعلامي المعاصر. في هذا الصدد، يمكن أن نتحدث عن الأنموذج الذي يقترحه رجال العلاقات العامة والصحافة والإعلام للمثقف المحافظ، وهو ما يسمونه بـ"طبيب الدوران" spin doctor، والذي يمكن تعريفه بأنّه ذلك الذي يتولى الدفاع عن سمعة المؤسسة ووجهة نظرها، وعادة ما تكون له قدرات اتصال قوية[11]، ليس المقصود طبعًا المؤسسة الاقتصادية فحسب، وإنّما كل شكل منشآتي.

يقترب تصوّر طبيب الدوران هذا من أنموذج المثقف المحافظ. في الكثير من الدول، يلاحظ طغيان هذا الطبيب على المشهد العمومي، حيث يتصدى الكثير من المثقفين للدفاع بشكل شرس عن النظام القائم وتقديم المبررات التي قد تدفع بقية الطبقات الاجتماعية لتبني النظام الثقافي الذي تقترحه الطبقة المهيمنة. يمثل طبيب الدوران ما يمكن أن نسميه متحدثًا أو ناطقًا باسم السلطة، وهو يفيد في ذلك كثيرًا من تعليمه وشرعيته المعرفية والتقنية.

بالمقابل، فإنّ أنموذج المثقف الثوري والعضوي يبدو الأكثر تجذرًا من الناحية النظرية لوصف المثقف، وهذا الرأي نجده عن الكثير من المفكرين الذين يرون بأنّ أصحاب السلطة هم من يتولى الدفاع عن ثقافتهم ومواقفهم، فيما يمثل المثقف على الدوام الصوت المعارض. في هذا الصدد، نذكر تصوّر عالم الاجتماع السياسي البريطاني جوزيف شومبيتر الذي يؤكد أنّ إحدى اللمسات التي تميز المثقفين من غيرهم هي السلوك النقدي، وكذا الفرنسي ريمون آرون، الذي يرى أنّ النزوع إلى انتقاد النظام القائم هو المرض المهني للمثقفين[12].

هكذا ينكشف مفهوم المثقف مفهومًا سياسيًّا شديد الارتباط بممارسة السلطة داخل الجماعة، فبقدر ما قد تضمنه الديمقراطية التمثيلية أو التشاركية من حقوق لمختلف الطبقات الاجتماعية، فإنّ ثمة حاجة دائمة لإطار معرفي وسياسي يضمن التوزيع العادل للإيديولوجيا بوصفها وظيفة لإنتاج الأفكار والمواقف السياسية. إنّ مسألة قيام المثقف لا تتطلب كما ذكرنا سابقًا تأشيرة انتماء اجتماعي لطبقة محددة من أجل الدفاع عن مصالحها، ويكفي أن نذكر هنا بوجهة نظر عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم عندما تحدث عما أسماه "الأنتلجنسيا الطافية بشكل حرّ"[13]، والمقصود من ذلك أنّ طبقة المثقفين التي تتولى إنتاج المعرفة داخل المجتمع هي مؤسسة لا منتمية اجتماعيًّا، ولكنها تعبر عن كتلة سياسية موحدة تستخدم معرفتها من أجل لعب دور سياسي رئيسي هو ضبط السلطة وفرض الرقابة عليها.

3- المثقفون والإعلام التقليدي: تفاوت السلطة، العداء والإقصاء

لكي يستقرّ دور المثقف على هذا النحو، فإنّه لا مناص عن الخوض في مسألة الفضاء العام. من الناحية التاريخية، كان للأدباء والفلاسفة دور مهمّ في بلورة الفضاءات العامة البرجوازية مثلما يقول جورغن هابرماس، إذ كانت المقاهي هي المكان الأنسب حينها لمناقشة القضايا العامة وإيصال صوت المثقف للعامة. إنّ المثقف ليس دورًا اجتماعيًّا فحسب، بل هو أيضًا خطاب مواقف يسعى لبلوغ العمومية ومنافسة بقية الخطابات التي تسعى للهيمنة.

تمثل وسائل الإعلام مسلكًا محتملاً يأخذه خطاب المثقف لبلوغ الجماهير، بل إنّها المسلك الوحيد لهذا العصر، إذ يكفي أن نراجع بعض أفكار مارشال مالكوهان على غرار فكرة أنّ التلفزيون والأقمار الصناعية وتقنيات الاتصال الإلكتروني هو ما أفرز العالم/القرية بالشكل الحالي، ويضيف واحد من أهم مطوري أعماله، الفيلسوف الفرنسي روجيس دوبري بأنّ عالم البشر المعاصر هو أقرب ما يكون إلى فضاء ميديائي une mediasphère ذي طابع خاصّ صنعته التقنية التي سمحت بنقل الأفراد وتناقل الرسائل في أزمنة قياسية[14]. ويضيف دوبري بأنّ هذا الفضاء ذو طابع تاريخي، أي أنّه يخضع لقانون التغيّر المستمرّ، ومن هنا يجب الانتباه إلى وجود العديد من الفاعليات التي تحفز هذا التغيّر الذي يرتبط على نحو أو آخر بمسألة السلطة. يمثل المثقف واحدًا من أهمّ هذه الفاعليات، ومن دون التحرّك داخل هذا الفضاء ضمن ما هو متوافر له من سلطة، يفقد المثقف صفة الفاعلية ويتحوّل تدريجيًّا إلى عنصر محايد أو سلبي.

يبقى من الخطأ تحميل كامل المسؤولية للمثقفين في ضياع الفاعلية، إذ يجب الانتباه كما أسلفنا سابقًا إلى أنّ دور المثقف سياسي بامتياز، ومن الساذج تصوّر أن يجد المثقفون الطريق إلى غايتهم مفروشًا بالورود، إذ الفضاء العام بحسب هابرماس دائمًا هو ساحة لمعارك بين أطراف تبحث عن شرعية وسط صراع بين العدالة المطلوبة معياريًّا وحقيقة المصالح الخاصة[15]. يمثل المثقف مشروع حالة معيارية تسعى لتحقيق الخير العادل، ولكن علينا أن نتنبّه إلى أنّ معيارية هابرماس هي طرح أنموذجي لا يعكس الواقع بقدر ما يدعو في الغالب إلى إزاحته.

الواقع أنّ وظيفة المثقف تجد نفسها في مواجهة حقيقة الباراديغم الصحفي، فالإعلام يبقى جزءًا من منظومة السلطة التي تتحقق من خلالها المصالح الخاصة، ومن ثمّ، فقد واجه المثقفون الإقصاء من الظهور على وسائل الإعلام التي بقيت حكرًا على من يمتلك السلطة. لقد نجم عن ذلك حالة عداء صريحة بين المثقف ووسائل الإعلام، يمكن تلمسها في العديد من الآراء، من كارل بوبر ووصفه للتلفزيون بأنّه وسيلة فاشلة للتعليم، إلى بيير بورديو وتهكمه على المبالغة في منح كامل الأولوية للأوديمات، ووصولاً إلى نقد الثقافة الجماهيرية من قبل عدد معتبر من مفكري مدرسة فرانكفورت ومعهد برمنغهام.

إنّ استحكام مقاربة الاقتصاد السياسي في عمل وسائل الإعلام خلف ضررًا جسيمًا على علاقتها بالمثقف، سواء على المستوى الهيكلي أو على مستوى الخطاب. على المستوى الهيكلي، تبدو وظيفة المثقف محكومة بمحددات تختلف عن تلك التي تحكم وظيفة الصحفي، إذ عجزت الكثير من وسائل الإعلام عن إيجاد حالة انفصال ولو من طرف واحد عن مصادر المال والسلطة، فيما تعتبر هذه المصادر الوثن الأول الذي يسعى المثقفون لتحطيمه. أما على مستوى الخطاب، فإنّ ما يقدمه الإعلام هو خطاب مؤدلج يكرّس وجهات النظر المهيمنة ويطمس كل تلك المعارضة.

على الرغم من اهتراء هذه العلاقة، لم يفقد المثقفون الأمل في الظهور على وسائل الإعلام وتفعيل دورهم داخلها وضدّها، إذ ينتهزون كلّ فرصة لبلوغ الفضاء العام عبرها من أجل رفع شعارات معادية لأحادية الخطاب الإعلامي المهيمن، ولكن هذه الفرص نادرة جدًّا. وقد يصل الصراع ليس لمجرد الإقصاء فحسب، بل إلى حد جعل المثقفين مادة دعائية من قبل الإعلام، حيث يتحدث ريتشارد رووك عمّا يسمّيه التيار المضادّ للمثقفين anti-intellectualisme في إنجلترا، والذي تحدث عنه إدوارد سعيد كما رأينا آنفًا، حيث تكرّست فكرة ذات خلفية غامضة تقول بأنّ وسائل الإعلام تنقل الوقائع في حالتها العذراء، الخام والموضوعية، فيما يحاول المثقفون تشويهها بمواقفهم وشروحاتهم[16].

وعلى الرغم من أنّ رووك لم يتّهم الإعلام صراحة بحشو هذه الفكرة في مخيال الجماهير إلا أنّه لمّح ضمنيًّا لكونه سببًا مباشرًا في ذلك، على الأقل من خلال الشعارات التي يرفعها على غرار الموضوعية، المصداقية، الحقيقة وفقط.. والتي هي شعارات جوفاء في الغالب، ذلك أنّ جوهر الباراديغم الصحفي مرتبط بإنتاج الخطابات الاستهوائية وتسويقها، وهي المنبثقة عن مراكز السلطة والساعية لمضاعفة مكاسبها، في غياب أي ممارسة نقدية فعلية. وبعيدًا عن أي معيارية، فإنّ المثقف واجه صعوبة بالغة في تحدي وسائل الإعلام، لأنّه لم يكن يتحداها هي بقدر ما كان يقاوم المراكز الفعلية للسلطة في المجتمع وهو مجرّد من أي سلطة تمكنه من النفاذ بخطاباته إلى العمومية.

4- المثقفون والمنعرج الإلكتروني: تحولات السلطة وخطر النشوة

في السنوات الأخيرة، هناك ملامح لتحوّل هيكلي عميق في موازين السلطة بين الطرفين. لقد شكّل بزوغ الإعلام الجديد مولد شكل جديد من الاتصال على النطاقات الاجتماعية، إذ أصبح إنتاج الخطابات المستهلكة عموميًّا لا مركزيًّا، وما تراجع الاعتماد على الإعلام التقليدي وتعاظم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها إلا نتيجة حتمية لذلك. لقد أصبح بإمكان أي فرد أن يلج إلى الشبكة/الفضاء العمومي الجديد ويقدم من المواقف ما يستطيع، وهذا التغيّر لا يرتبط بحالة التطور التي مسّت الوسيط فقط، أي أنّه ليس خاصية ميديولوجية فحسب، بل هو تهديد محتمل للأشكال التقليدية للسلطة في المجتمع.

نحن نعيش الآن في زمن مجتمع الشبكة، وهو مجتمع برأي مانويل كاستيلز، يتجاوز الأنموذج البيروقراطي العمودي للسلطة إلى أنموذج أفقي متعدد الفاعلين ويضمن سلاسة وحرية ومرونة أكبر في نقل المعلومات والموارد[17]. يخلق المجتمع الشبكي نوعًا من الروح المعادية للمأسسة anti-institutionnalisme، ويسهّل بهذا الشكل على المثقفين أن يكونوا فاعلين ذوي سلطة ولو أفقية، وبفضل شبكات التواصل الاجتماعي سيكون بإمكانهم ولوج الفضاء العام من دون أي اعتبار لكوابح الإعلام التقليدي أو كل القوى التي تسعى لتجريده من سلطته، وهذا تحديدًا ما قصده عزمي بشارة حينما تحدث عن فضاء تواصلي عقلاني بإمكانه استيعاب وظيفة المثقف العمومي[18].

يطرح وصف العقلاني هنا ملاحظتين أساسيتين، أولاهما هي حالة انتقام التاريخ لذاته من خلال استعادة المثقف لسلطته المصادرة بفعل النظام الأفقي للسّلطة في المجتمع التقليدي، فميلاد هذا الفضاء التواصلي العقلاني كان بحسب هنري جينكينز في لحظة الصدام بين الميديا القديمة وتلك الجديدة، وسيكون المثقفون قادة جيدين لما يسميه جينكينز الذكاء الجماعي بديلاً لسلطة وسائل الإعلام التقليدية[19]. إنّنا بحاجة هنا إلى أن نعيد النظر في بعض نظريات السلطة، ومنها تحديدًا تراث كل من ماكس فيبر وميشال فوكو، إذ لم يعد التنظير العمودي للسلطة ذا فائدة تفسيرية في ظل بروز هذا الشكل الجديد من السلطة، ذلك الذي يمكن لكل شخص أن يستحوذ عليه بأقل مجهود.

أما الملاحظة الثانية، وهي الأهم في نظري، فهي ضرورة إخضاع وصف العقلانية لمراجعة نقدية استباقية، فإحقاق التاريخ للعدالة لا يجب أن يعمينا عن حقيقة السلطة ونشوتها، وفي هذا الصدد ينبغي استذكار عبارة فريديريك نيتشه الشهيرة "وأنت تحارب الوحوش احذر من أن تصبح وحشًا". إذا ما حدث وأعادت شبكات التواصل للمثقف سلطته المصادرة، فإنّ أول خطر يواجهه هو نفسه المنتشية بالانتصار وبالطرق السريعة والمفتوحة نحو السلطة، ما قد يوقعه في فخ نسيان وظيفته الأساسية باعتباره ضامنًا للتوزيع العادل للأفكار والإيديولوجيا.

أمام هذا التحول العميق الذي لا يزال يدشّن بداياته فقط، لا مناص من طرح العديد من الأسئلة: هل يدرك المثقف حجم السلطة التي صار يمتلكها؟ هل يمتلك مناعة ضد غوايتها؟ هل يمكن أن تنحرف هذه السلطة عن غاياتها النبيلة؟ وهل يمكن أن تتعرّض هذه السلطة للتعسّف من قبل المثقف الأنثروبولوجي والعامي؟ ينبغي من الآن إقامة حدود بيّنة بلغة ريجيس دوبري لكي لا يتماهى الضحية مع الجلاد، فالمثقف في النهاية هو نبيّ للعدالة، لا خارج عن القانون.

بالنسبة إلى الخروج عن القانون، ثمة ما يجب ملاحظته. لقد انتبهت الأنظمة التقليدية للسلطة إلى تنامي سطوة شبكات التواصل الاجتماعي، وسارعت إلى تحيين ترسانتها القانونية، فلم يعد التضييق مقتصرًا على وسائل الإعلام التقليدية فقط، بل هناك مؤشرات قوية عن تحوّل آخر في طبيعة التشريع نحو الجرائم الإلكترونية، ما يستدعي من المثقف أن يكون أكثر ذكاءً وأكثر عقلانيةً لكي لا تُستنزَف سلطته سدًى.


[1] لويس دولو: الثقافة الفردية وثقافة الجمهور. ترجمة: عادل العوا. منشورات عويدات. بيروت. 1982. ص 15

[2] طوني بينيت وآخرون: مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع. ترجمة: سعيد الغانمي. المنظمة العربية للترجمة. بيروت. 2010. ص 225

[3] ريمون بودون وفرانسوا بوريكو. المعجم النقدي لعلم الاجتماع. ترجمة: سليم حداد. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1986. ص 231-232

[4] عزمي بشارة: عن المثقف والثورة. مجلة تبين. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة. العدد 4. 2013. ص 128

[5] ريمون بودون وفرانسوا بوريكو: مرجع سابق. ص 553

[6] جيرار لوكليرك: سوسيولوجيا المثقفين. ترجمة: جورج كتورة. دار الكتاب الجديد. بيروت. 2008. ص 14

[7] Edgar Borgata & Rhonda Montgomery: Encyclopedia of sociology. McMillan. New York. 2000. p. 1356.

[8] روبرت بريم: المثقفون والسياسة. ترجمة: عاطف أحمد فؤاد. دار المعارف. بيروت. 1985. ص 152

[9] Jean Paul Sartre: Plaidoyer pour les intellectuels. Gallimard. Paris. 1972. P. 12.

[10] جيرار لوكليرك: مرجع سابق. ص ص 17-18

[11] Robert Heath (ed): Encyclopedia of public relations. Sage. London. 2005. P. 835

[12] عزمي بشارة: المرجع السابق. ص 131

[13] Iris Mendel: Mannheim’s free-floating intelligentsia: the role of closeness and distance in the analysis of society. Studies in Social and Political Thought. No12. 2006. P 31.

[14] Regis Debray: Media manifesto: On the Technological transmission of cultural forms. Verso. London. 1996. P. 27.

[15] Thomas McCarthy: Practical discours: On the relations of morality to politics. In. Craig Calhoun (ed). Habermas and the public sphere. The MIT Press. Camridge. 1996. P. 54.

[16] Richard Rooke: The contemporary debate on the role of the intellectual and the media. Contemporary Politics. Vol. 1. N4. 1995. P. 121.

[17] Manuel Castells (ed): The network society: A cross cultural perspective. Edward Elgar Publishing Limited. Cheltenham. 2004. PP. 4-5.

[18] عزمي بشارة: مرجع سابق. ص 132

[19] Henry Jenkins: Convergence culture: Where old and new media collide. New York University Press. New York. 2006. P. 4.