i مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث - المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحدّيات المستقبل

المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحدّيات المستقبل

فئة :  قراءات في كتب

المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحدّيات المستقبل

المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحدّيات المستقبل

تأليف التجاني بولعوالي، مركز الحضارة العربيَّة، القاهرة، 2006


1- بمقدمة مؤلفه، يحسم الكاتب القول: إنَّ "العيب ليس في الإسلام، وإنّما في المعتقدين به، لكن للأسف، فالإعلاميون والسياسيون يتعاملون مع القضيَّة من خلال واقع المسلمين، وليس من خلال محتوى الإسلام وتعاليمه". ويتابع: إنَّ الظرفيَّة التاريخيَّة الراهنة للمسلمين إنَّما تدفع هؤلاء إلى أن يقدّموا "نموذجاً مقزماً للإسلام. غير أنَّ هذا يتخذ طابعاً أكثر خطورة على أولئك المسلمين الموجودين في الغرب، الذين كثيراً ما يُنعتون بسفراء الإسلام الرديئين".

ويعبّر المؤلف، بحديثه عن الشباب المسلم في أوروبا، عن خشيته من أن يفرز سلوكهم مجموعة من الحماقات، تتأرجح "بين أدنى درجة من الإيمان، وهي العصيان الذي لا يخلف إلا انحرافات غير مقبولة شرعاً أو منطقاً، وبين أقصى درجة من الإيمان، وهو الغلو والتطرف، الذي لا يسبب كذلك إلا انحرافات غير مقبولة كذلك شرعاً أو منطقاً، وكلا النموذجين يقدّم صورة مشوَّهة عن الإسلام".

ويقرُّ الكاتب، في امتداد لذلك، بأنَّه "إذا لم نتمكن من إقامة حوار صريح مع الذات والهويَّة، فإنَّنا لا محالة سوف نفشل في إقامته مع الآخر، كيفما كان. وآليَّة الحوار هذه تمكننا بشكل أو بآخر، من الكشف عن حقيقتنا الضائعة بين أنقاض الصراعات المتتالية، التي ضيَّعت علينا فرص الدعوة العقلانيَّة والممنهجة لإسلام معتدل ومتسامح، حتى أصبحنا أمام صورة لإسلام واقعي مهشّم، لا يمثل من الإسلام الحقيقي الخالص إلا الطقوس والعبادات واللباس، أمَّا ذلك الوجه الحضاري والعلمي والأخلاقي، فلا نلمسه إلا عند أفراد منعزلين، يحيون خارج أسوار المجتمع".

2- ينقسم كتاب "المسلمون في الغرب" إلى فصلين أساسيين، خرج الباحث في محصلتهما بمجموعة خلاصات، استنطبها المؤلف من واقع الحال الذي يعيشه هو نفسه مع المسلمين بالغرب:

ـ في الفصل الأول ("راهِنُ المسلمين في الغرب: تشخيص ومحاولة فهم")، يقول الكاتب: "لم يوجد المسلمون في الغرب مصادفة، وإنَّما حصل ذلك نتيجة عوامل شتى، أهمُّها حاجة الغرب إلى اليد العاملة، التي سوف يستوردها من دول العالم الثالث، لتؤدي بعض الأدوار التي لا يرضى الغربي بأدائها، أو لا يتوفر لدى المجتمع الغربي من يقوم بها، أو أنَّ شيخوخة ذلك المجتمع وهرمه تلحُّ عليه التفتيش عن سواعد شابة وفتية، تعوض ذلك النقص الناتج عن تلك الوضعيَّة، تنضاف إلى ذلك جملة من العوامل الثانويَّة، كالدراسة والاضطهاد السياسي والاستثمار وغير ذلك".

ويلاحظ المؤلف أنَّ "الغالبية العظمى من مهاجري العالم الإسلامي إلى الغرب تشكلها اليد العاملة، التي تغلب عليها الأميَّة وانعدام الخبرة العلميَّة والعمليَّة، ممَّا يؤثر سلباً على نوعيَّة الأداء الذي تقدّمه الجالية الإسلاميَّة، سواء على صعيد الحياة الأسريَّة، حيث تفشي ظاهرة الطلاق وغياب التربية الممنهجة والموجّهة للأولاد، أو على مستوى العلاقات العامَّة، حيث يعاني الكثيرون من مشاكل جمَّة في المدرسة والعمل، ومع شتَّى المؤسسات الإداريَّة والحكوميَّة". وهو ما يدفع هؤلاء، بنظر الكاتب، إلى الانغلاق والتقوقع.

ويقرُّ الكاتب بأنَّ هذه الأقليات المنغلقة، غالباً ما توضع أمام الأمر الواقع. فـ"إمَّا أن تقبل قيم الغرب وتقاليده فتندمج وتنصهر، فتجني بذلك قطوف الاستقرار والضمانات الاجتماعيَّة والسياسيَّة المتنوعة، لكن على حساب هويتها وعقيدتها ورسالتها، وإمَّا أن تتمسك بقيم الإسلام وتقاليده، وتعتصم بتعاليم عقيدتها وخصائص هويتها، فتحجم عن أيّ اندماج في بوتقة الثقافة الغربيَّة، فتجني بذلك أشواك العنصريَّة والاحتقار والدونيَّة، فتخسر حاضرها ومستقبل أبنائها".

المسلمون بالغرب، يقول بولعوالي، إنَّما هم "أمام خيارين أحلاهما مر: إمَّا الاندماج أو الإحجام، إمَّا الانفتاح المشروط أو الانغلاق، إمَّا ثقافة الغرب التي تضمن لهم العيش الكريم والاطمئنان، أو قيم الإسلام التي تجلب لهم سخط الغرب وعدم رضاه"، تماماً كالمهاجر المسلم المقيم بديار الغرب، والذي يجد نفسه "متراوحاً بين نارين: هل يوالي تعاليم دينه ويطبقها بالتمام، فيطلق اللحية، ولا يحيّي مديرة عمله أو زميلته في الشغل، ويعادي اللواطيين فيبصق في وجوههم ويلعنهم وهكذا، فيسقط في دوامة البغض لكلّ ما هو غير إسلامي". أم يسعى إلى الغرب بكل السبل "لنيل لقمة العيش، فيراوغ ويداور، وأحياناً يكذب قصد نيل مساعدة اجتماعيَّة، أو تعويض أو ما شابه ذلك"؟

ويميز الكاتب في حديثه بين أجيال مختلفة من المسلمين، حيث يذكر أنَّ الجيل الأخير منهم إنَّما هو "الابن الشرعي للجيل الأول"، وهو "ضحية ظروف متنوّعة، ساهمت كلُّ الأطراف في نسج ملامحها، كما أنَّ جيل الآباء أو الجيل الأول كان ضحية ظروف من عيار آخر، تولدت عن السياق الذي كان ينخرط فيه."

لم يكن الجيل الأول من المهاجرين مثار إشكال بالبداية، و"لم ينشغل الإعلام ولا السياسيون بالمشاكل التي يسببونها، لأنَّهم كانوا يرون في أولئك الأجانب المستوردين قوة دافعة للاقتصاد الغربي، لكن بمجرَّد ما استفاد الغرب من عطاء المهاجرين وإسهامهم البدني والمادي، راح يفتش عن أسباب يبرّر بها خطورة وجودهم في المجتمعات الغربيَّة".

من ناحية أخرى، يقول الكاتب، "فإذا كان الجيل الثاني، الذي يوصف بالرزانة والجديَّة، قد انخرط في الحياة الغربية...، وإذا كان الجيل الثالث الذي ينعت بالطيش وسخونة الدم، مندمجاً في المجتمع الشمالي، أحياناً إلى حدّ الذوبان...، فإنَّ الجيل الأوَّل الذي يوصف بالتحمُّل والتجلد والإذعان، رغم الظروف السيئة التي عانى من وقعها، فإنَّه يستحق أن نقف له بإجلال، وأن نبادر بأقلامنا وأصواتنا وحتى نياتنا لنجلي حقيقة الأمر الذي كان عليه، ونزيح عنها غبار الانطماس الذي يعلو ملامحها".

وفي حديثه عن سياسات الاندماج، يلاحظ المؤلف أنَّ المصطلح بات على كلّ الألسنة، فبات مشحوناً "بشتى الأفكار والحمولات والتأويلات الفكريَّة والسياسيَّة والإيديولوجيَّة التي حرَّفت معناه الأصلي، فراح كلُّ تيار أو حزب أو توجُّه يؤوّل اندماج المسلمين في المجتمعات الغربيَّة والأوروبيَّة وفق رؤية المرجعيَّة التي ينتسب إليها".

ويلاحظ الكاتب أنَّ سياسة الاندماج التي اعتمدتها أوروبا تعطي الانطباع بأنَّ المشرفين على القضيَّة إنَّما يؤمنون بأنَّه "لا خيار للأجانب والمسلمين إلا الاندماج في المجتمعات الغربيَّة، وأنَّ رضى الغرب عنهم لا يأتي إلا من بوَّابة اندماجهم وفق رؤيته الفكريَّة والتنظيريَّة، وإلا فإنَّهم سوف يحشرون لا محالة في خانة الخوارج الجدد".

ـ في الفصل الثاني "راهِنُ المسلمين في الغرب: نمذجة ومحاولة تقريب"، يلاحظ المؤلف أنَّ التضييق على المسلمين بالغرب بات سياسة قارَّة، ليس فقط على مستوى المضايقات التي تعترض مسألة بناء المدارس الإسلاميَّة (0.7 بالمائة من عموم المدارس الخاصة بهولندا مثلاً)، بل أيضاً بالنسبة إلى التلاميذ الذين يلجون هذه المدارس.

ويقف الكاتب مطوَّلاً عند إشكاليَّة الحجاب التي أثارت الكثير من المجادلات بالغرب، ويعتبر "أنَّ هذه المعركة ليست موجَّهة إلى الحجاب في حدّ ذاته، وإنَّما إلى الحجاب باعتباره مقوماً ومظهراً إسلامياً. فلو أنَّه كان عادة هندوسيَّة أو بوذيَّة لما وصل الأمر إلى هذا الحد".

ويتابع المؤلف: إنَّ القرار الفرنسي بمنع الحجاب يضع كلَّ الرموز الدينيَّة في سلة واحدة، "ولا يستوعب قيمة كلّ رمز، وفي إطار الثقافة والدين الذي ينحدر منه. فإذا كان الحجاب ضرورة دينيَّة، فالمرأة المسلمة البالغة مأمورة بالنص بارتدائه، ولا خيار لها في ذلك، وغياب الحجاب يعني عصيانها لخالقها وخروجها عن طاعته، فإنَّ الصليب المسيحي أو القبعة اليهوديَّة أو العمامة السيخيَّة، لا تعدو أن تكون مجرَّد رموز دينيَّة، وحملها أو طرحها لا ينقص ولا يزيد ذرَّة في إيمان صاحبها".

من كلّ ما سبق، يخرج الكاتب بالخلاصات التالية:

- الأولى: "إنَّ موقف المسلمين من الغرب أميل إلى الازدواجيَّة منه إلى الأحاديَّة، وهي ازدواجيَّة تتخطى ما هو نظري وفكري إلى ما هو واقعي وسلوكي. وأهمُّ ما يترجم هذه الازدوايجيَّة هو موقف قبول الآخر، وفي الآن ذاته رفضه، ممَّا يعرّض هؤلاء المسلمين إلى السقوط في مأزق التناقض سواء مع الذات، أو مع الهويَّة، أو مع الواقع، أو مع الآخر".

- الثانية: إنَّ الفشل الذريع "في التعامل الإيجابي من قبل الغرب مع المهاجرين المسلمين أو العكس، وهو فشل معترف به رسمياً، يكمن سببه الجوهري في رفض العديد من أفراد الجالية الإسلاميَّة للغرب الإيديولوجي، في حين أنَّهم يقبلون في انبهار على الغرب الحضاري. وهذا الرفض لا يفهم إلا من خلال مدارسة شتى الأسباب المؤديَّة إليه"، وضمنها الماضي الاستعماري للغرب، واستغلاله ثروات هؤلاء والتنكيل بهم والدوس على قضاياهم الكبرى، وما سوى ذلك.

- الثالثة: إنَّ المسلمين الموجودين بالغرب، إنَّما هم "سفراء رديئون"، لا يمثلون الإسلام خير تمثيل، ممَّا يؤثر على صورة الإسلام ويشوهها. بل ويسيء للمسلمين الذين يتمثلون الإسلام الصحيح والمتسامح.

- الرابعة: "إنَّ فهم الآخر فهماً موضوعياً يجنبنا الوقوع في شراك التصادم غير المثمر، ولا يتمُّ إلا بفهم ذواتنا، وهذا الفهم يكون بالعودة العقلانيَّة إلى أساس هويتنا وشخصيتنا وثقافتنا، وهذا الأساس هو المرجعيَّة الدينيَّة التي نؤمن بها".

الخامسة: إنَّ علماء الأمَّة مطالبون بتثمين نطاق المشترك بين المسلمين وبين الغرب، ومطالبون بـ "تأكيد نقاط التماس والالتقاء الكائنة بين ثقافة المسلمين الأصليَّة وثقافة الغرب. وهي نقاط لا تحصى، مع تجاوز أو تأجيل نقاط الخلاف والتوتر، وهذا يبدأ من الأخذ بالمشترك الإنساني الذي يوفق بين سائر البشر".

- السادسة: "زرع فكرة أنَّ الإسلام لا يعادي أحداً، بقدر ما يواجه الذي يبدأ العداوة ضدَّه، وهذا لا يضعه في موقع المعادي، وإنَّما في موقع المدافع عن وجوده...، هذه الحقيقة لا ينبغي أن تظلَّ مرهونة بفكر النخبة وتنظيراتها، وإنَّما يجب أن تعمَّم على سائر الصعد، وبين أوساط مختلف الشرائح الاجتماعيَّة".

- السابعة: "الاستمرار في الحملة التي بدأها العديد من الجمعيات والمؤسسات، بخصوص تحسين صورة الإسلام لدى الآخر. وإنجاحاً لهذا المشروع الهادف، نعتقد أنَّنا ملزمون بتحقيق عنصرين حيويين: أولهما أن نبدأ بتحسين هذه الصورة لدى المسلمين أنفسهم، وبالتحديد لدى أجيال الهجرة الأخيرة، التي تفتقد الوعي الكافي بحقيقة عقيدتها وتاريخها وثقافتها، لأنَّها هي التي سوف تتسلم في المستقبل القريب مشعل تمثيل الإسلام في الغرب. وثانيهما: أن تعمم هذه الحملة أفقياً على سائر المستويات؛ كالبيت والمسجد والمدرسة والإدارة والحي والمدينة والدولة وغير ذلك، وعمودياً على سائر الصعد؛ اجتماعيَّة كانت أو ثقافيَّة أو سياسيَّة أو تعليميَّة أو غير ذلك".