المنزلة العرفانيَّة للّقاء عند ابن عربي

فئة :  مقالات

المنزلة العرفانيَّة للّقاء عند ابن عربي

المنزلة العرفانيَّة للّقاء عند ابن عربي([1])([2])


تقديم:

تشكّل آليَّات بناء الخطاب الصُّوفي مسلكاً لمقاربة الحقيقة، من حيث إنَّ هذه الأخيرة هي أعلى مطالب التحقق، باعتماد إمكانيَّات للتفكير خارج العقل الخالص والنقل الحرفي، مع الانفتاح على قوَّة الخيال كبؤرة معقولة. ممَّا أدَّى بهذا الفكر إلى الرغبة في تشكيل الحقيقة أو تصوير حقائق متجاوزة للحسّ والعقل. وذلك للتأكيد أنَّ للأفق الصُّوفي أساساً نظريَّاً، وهو المعرفة المباشرة، المعبّر عنها بالقلبيَّة والذوقيَّة واللَّدنيَّة والكشفيَّة....وهذا ما يؤكد أنَّ هناك منهجاً لأهل الباطن، بل رؤية منظّمة وموجّهة حسب سياقات ومناسبات. ويتخذ أفق الاتصاف والتحقق بأوصاف الحق طريقاً للوصول والتواصل، ممَّا يجعل من العارف أو العالم بمسالك هذه التجربة متَّجهاً نحو بناء المعنى المجمل للإحاطة بالأوصاف الحقانيَّة، من أجل تفصيل معناها وإيضاحه.

ما يميّز اللحظات الإشراقيَّةـ الإبداعيَّة، التي يعيشها صاحب المسالك، هو ذلك الوصل بين المعنى والمناسبة، أي تلك الإشراطات الممكنة في بناء ما هو حقَّاني. وأعلى مناسبة دالّة على المعرفة المباشرة والإدراك القلبي هي لحظة اللقاء، سواء أكان واقعيَّاً أم متخيلاً، شهوديَّاً أم وجوديَّاً، إنَّه ذلك الإشراط الذي يجعل من الحقيقة ماثلة أمام "العارف"، وقابلة للانكشاف والظهور بسياقها العلامي الإشاري. وهذا في عمقه طريق للقبض على التجلّيات في حضورها وغيابها، فإذا كانت فكرة التجلّيات هي ما يوجّه المعنى العرفاني، فإنَّ لا نهائيتها تستدعي يقظة مستمرَّة، من أجل التحكّم في المعاني المتناسلة ذاتها، ألا يتطلّب هذا قوَّة على المواجهة والتوجُّه؟ وهل هي مواجهة للظهور والتخفّي؟ وهل تجربة اللقاء بالآخر، في هذا السياق "الأكبري"، لا تتخذ دلالتها التيوصوفيَّة إلَّا بتمثلها في أعلى منظر من المناظر العلوَّية، أو هي المنظر العلوي ذاته، والممثل في صورة الله؟

تبرز فكرة التجلّيات معنى آخر للحقيقة، وهو المتمثل في قوَّة صاحب النظر على المواجهة، وأنَّ

له قوَّة ذاتيَّة وشخصيَّة، تجسّد ما يمكن تسميته "الذاتيَّة المطلقة"[3]، كمرآة وجوديَّة تنعكس فيها المعاني، وتتمظهر فيها الأعماق الخفيَّة، بحسب استعداد المرآة الذاتيَّة واتساعها؟ فهل مناسبة اللقاء المثبت في "الفتوحات المكيَّة"[4]هو تتويج لأنواع اللقاءات السابقة "لابن عربي" بشيوخ عصره، التي تتجاوز الخمسين لقاءً، كما هو الأمر في كتاب "روح القدس"؟ وهل خطاب هذه الموسوعة العرفانيَّة (الفتوحات المكيَّة) وراءه همٌّ بيداغوجي يريد من خلاله "الشيخ الأكبر" تنبيه القارئ لعواصة المطلوب، وبالتالي مسالكه؟ أليس الأمر معالجة لكيفيَّات تمثل صورة الله؟ وهل تمَّ تمثل لذات الصُّورة في ذاته؟ وهل هي ذلك الخفي والمطوي في كلّ كائن بشري؟

1- صورة "الفتى الفائت" ومكانته التعليميَّة

ضرورة الالتفات إلى الوراء، هي مسلك عرفاني لملامسة النّور في ضيائه والزمن في تجلّيه الماورائي (قدسيَّته). ولهذا الغرض تحدَّدت تجربة اللقاء بـ"الفتى الفائت"، التي من خلالها عمل "الشيخ الأكبر" على إعادة إنتاج تجربة الحقيقة الموحاة، كما عايشها "النّبي العربي" في تلقيه الوحي وتدوينه بعديَّاً. وما افتتاح ابن عربي "الفتوحات المكيَّة" بهذا اللقاء تحت عنوان "الفتى الفائت" إلّا للتنبيه للأهميَّة التعليميَّة لهذا الفعل -اللقاء-. فمن خلاله يتمُّ العبور إلى فضاء أعوص في الكتابة، يلتقي فيه المجمل بالمفصَّل: إنَّه مسلك يسعى من خلاله بيان كيفيَّات تمفصل الحقائق القابلة للتبديد، فبهذا اللقاء ارتسمت معالم الكتابة ومفاصلها، ومواضيعها المستقبليَّة القابلة للتفصيل، وفي الوقت ذاته التنبيه إلى أهميَّة الانطلاق ممَّا هو خفي ومجمل، وهو ذات الحقيقة القابلة للتشكيل والبناء.

ففي باب اللقاء بـ"الفتى الفائت" نكون أمام مضامين سريَّة، أهمُّها الاطلاع على أسرار النشأة الآدميَّة الممثلة في معرفة الحقيقة الإجماليَّة، المجسَّدة في "الروح الأصلي"، الطالب للتسطير والتجسيد. وآليَّة هذا الانكشاف هي بقوَّة النظر إلى أعلى تجلٍّ نوراني: إنَّه نظر لا بالعين، ولا بالجسد، بل بالله. وفعل النظر هذا تمَّ عبر اللقاء في أعلى منظر من "المناظر العلويَّة"، وهو الكعبة-الطواف: إنَّه لقاء في المركز، وبالضبط عند "الحجر الأسود"، حيث هناك إمكانيَّة النظر (الالتفات) في كلّ الجهات، وللداخل والخارج.

وما تحدَّد من خلال هذا المشهد هو أنَّ صاحب اللقاء ليس شخصاً كباقي الأشخاص، لا ذكر ولا أنثى، وجسد لا كباقي الأجساد. ونعته بـ"الفتى الفائت" دالّ على ذلك، لأنَّ حضوره هو بالرُّوح، وغيابه هو بالجسد، وحقيقته واحدة وأصليَّة بجمعها بين المتضادَّات، وموحدة بين تضاربها: بين الكلام والصمت (المشاهدة)، والحياة والموت، التركيب والبساطة...إنَّه لقاء بـ"الصورة المطلقة "كوساطة مرآويَّة، يلتقي فيها المرئي واللَّامرئي، وهي وساطة المعرفة أو بابها، وبها يتمُّ بناء "الذاتيَّة المطلقة"، أو فعل التضخيم للصورة الوجوديَّة، وبالتالي للنشأة الإنسانيَّة في كمالها.

والنتيجة من هذا هي أنَّ صاحب اللقاء، هو مناسبة للولوج إلى عالم الأسرار ولتجربة الخفاء. وهذا ما يجعل من اللقاء مناسبة لتعلم كيفيَّات إدراك الأشياء، أو كيفيَّات النظر، بالجمع بين العينين، لأنَّ صاحب اللقاء (الفتى) متميز بعلومه ومعرفته. ويصف "الشيخ الأكبر" هذا الفتى قائلاً: وقال لي قولة رادع زاجر: "انظر إلى سرّ البيت قبل الفوت، تجده زاهياً بالمطيفين والطائفين بأحجاره، ناظراً إليهم من خلف حجبه وأستاره". ص217

يحدّد "الشيخ الأكبر"، هذا الرّوح الأصلي، بقوَّته الناطقة الآمرة والعارفة بسرّ المكان والمكانة (أصحاب المكان ومرتبتهم)، وهو في عمقه تنبيه لكيفيَّة رؤية البيت والجماد، وبالتالي الخفاء والمظهر: إنَّه لقاء بصاحب الحكمة، وبهذه الأخيرة يتمُّ إدراك المناظر في تعاليها وقوَّتها، ونظامها عبر "عين القلب"، يقول "الشيخ الأكبر":

ولكــن لعين القلب فيــــه منـــــاظر

إذا لم يكن بالعين ضعف ولا صدع" ص217

في تجربة المناظر تثار مسألة العلاقة بين الرائي والمرئي، الأنا والآخر، لأنَّ منزلة الفتى الحكيم، هي مناسبة لرؤية الحقائق المنظّمة والمرتّبة، بحثاً عن الحقيقة الوجوديَّة أو "حقيقة الحقائق". يقول "الشيخ الأكبر": "وعاينت مكانته في الوجود وأحواله، قبّلت يمينه، ومسحت من عرق الوحي جبينه". ص218

تتار مسألة العلاقة بين الرائي والمرئي، الأنا والآخر، في تجربة المناظر، لأن منزلة الفتى الحكيم، هي مناسبة لرؤية الحقائق المنظمة والمرتبة، بحثاً عن الحقيقة الوجودية أو حقيقة الحقائق.

إنَّ المكانة الوجوديَّة المطلوبة هي تجسيد للصورة المطلقة ذات الوجهين: السماوي والأرضي؛ وجه الله، ووجه الإنسان. ويميز "كوربان"[5] بين مضمونين لهذه الصورة: الأوَّل متمثل في القطب السماوي، والثاني في القطب الأرضي؛ الأوَّل دالٌّ على التجلّي الذاتي في أعلى صورة، والثاني دالٌّ على التجلّي الشهادي أو حضور المتعالي "في أنا شخصي". وينتج عن هذا في نظر كوربان علاقة تناظر بين ذات إلهيَّة وإنسانيَّة. وبهذه الرابطة التناظريَّة تتحوَّل الرؤية إلى "تجربة شهوديَّة"، وبالتالي إلى حضور عبر القطب الدنيوي: والسؤال المثار من خلال بناء فكرة التناظر بين الإلهي والإنساني هو: هل أنا "الفتى" شخصي، أم إلهي؟

فإذا كانت تجربة اللقاء بالفتى أو مرتبة "الفتوَّة"[6] عامَّة هي تكسير للأنا الفردي الشخصي، من أجل استبدالها "بأنا إلهي"، فإنَّ هذا يتطلّب استعداداً أقوى من تجربة اللقاء، وهو الاستعداد للإلقاء، ولتقبّل الخطاب الإشاري أو الوحي المسترسل.

2ـ صورة الله في تجربة اللقاء بالفتى

يعمل "الشيخ الأكبر" على استعادة تجربة الحقيقة الموحاة مع صاحبها أو مسالك استقبالها، فهو مطّلع على كيفيَّات تلقي الإلقاء، وما ينتج عنه من أحوال ورموز. فعنه -الفتى-، تعلّم "الشيخ الأكبر" كيفيَّات الاستعداد لتقبّل الإلقاء وآليَّات تلقيه. وهذا الأفق موجَّه بتعلم كيفيَّة "منازلة الحجب"، وتخطّيها بتحقيق لحظة الجمع بين "الكلام والمشاهدة"؛ الكلام والصمت كمناسبة لترجمة الأحوال والرموز. وما يميّز هذا الفتى هو أنَّه شخص عالم بمسالك الفتح والانفتاح، أو ما يسمّيه الشيخ الأكبر بكيفيَّة تحريك المفتاح أثناء الفتح: "يا أيَّها البشير، وهذا خير كثير، فعرّفني باصطلاحك، وأوقفني على كيفيَّة حركات مفتاحك...". ص 218

تعلّم كيفيَّة الفتح هو دراية بطرق الوصول والتواصل، من أجل تكسير الظاهر والإطلالة على الداخل. لهذا فمناسبة اللقاء بالفتى الحكيم هي أصل البحث عن الخفاء والتخفّي الكامنين في الأشياء والموضوعات والذوات. إلَّا أنَّ كينونة هذا الفتى هي أوسع وأضخم بصورتها الدالّة على النشأة الإنسانيَّة المتضمّنة للكنز المخفي والحافظة له: فمن هو "الفتى الفائت"؟ هل هو الحقيقة الإلهيَّة المتمثلة في النشأة الإنسانيَّة؟ هل الأمر يتعلّق بالذاتيَّة المطلقة الخاصَّة بهذا الكائن؟

إنَّ مفهوم الذاتيَّة المطلقة يحوّل صاحب اللقاء إلى شاهد ومشهود، أو خزانة ومخزون: ففي طوافه وعمله، وحكمته، لا يطلع إلّا على سرّه المخزون المكنون، ولا يرى إلّا نفسه (الصندوق)[7]؛ إنَّها تجربة شهوديَّة بالعين، باستحضار صورة الحقّ في الخلق، ممَّا يؤكد أنَّ رؤية الله ممكنة، لكن كتجليَّات لا نهائيَّة، وأعلاها ذلك التجلّي الممثل في "القطب الدنيوي". وبناء هذه التجربة الشهوديَّة لا يتمُّ إلا بإدراك وحدة المتضادَّات الكامنة والمبطونة وراء الستور، فما النعت الوجودي الذي يؤهّل هذا الشخص لمكانته الحقانيَّة-الخلقيَّة؟

البُعد الحقاني لهذا الفتى، حسب "ابن عربي"، هو "اللطف" علماً وعملاً، وهو ذات الصفة الكامنة في الوجود، والمدبّرة لتحوُّلاته، والضامنة لوحدته السرّيَّة، فبه يتحدَّد مضمون المرآة، وحقيقتها القابلة للتضخيم. إضافة إلى أنَّ "اللطيف" هو اسم من أسماء الله، لذا فالعودة إلى النشأة الإنسانيَّة، عبر صورة الفتى، هي عود إلى الأصل البدئي أو حقيقة الظهور الأوَّلي، حيث هناك أسرار مودعة، وهي المبحوث عنها والظاهرة في مجموعة من الأوصاف والأحوال. فباللطافة يتجسَّد التناظر ما بين الإلهي والإنساني، بتحوُّل الجليل جميلاً، وما به يتحقَّق الجلال-الجمالي وبالتالي الكمال.

يعمل "كوربان" على إعطاء بُعد عيسوي لهذه العلاقة، بالتأكيد على المكوّن التصويري للحقيقة، من خلال مشهدي "النّبي العربي" ليلة المعراج، و"ابن عربي" في لقائه "بالفتى الفائت". وما يجمع بينهما هو فعل التمظهر الذي يثير مسألة أساسيَّة، وهي البُعد الجمالي للمشهد المرئي: هل هذا يتطلّب تصويراً للحقيقة عبر التجلّي أم التجسيد؟ هل هذا تصوير للمظهر المتجلي أم لصاحبه؟

إنَّ حديث الرؤية الخاص "بالنّبي العربي"، يؤكّد على هذا البُعد الجمالي، والمحدّد في المعنى التالي: "رأيت ربّي ليلة المعراج في صورة شابٍّ أمرد، عليه حلة من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب، وفي رجليه نعلان من ذهب...".

وهذا الأفق التصويري في نظر "كوربان"، حاضر لدى "ابن عربي" في لقائه بالفتى، من خلال تجربة شهوديَّة. إلَّا أنَّ "كوربان" يذهب إلى أكثر من ذلك، بالبحث عن الجذور المسيحيَّة لفعل اللقاء "بالفتى"، بجعل هذا الأخير أقوى دلالة على المعنى السماوي والمتعالي عبر فعل التجسيد. ويستنتج "كوربان" من هذا مفارقات التصوير لدى متصوّفة الإسلام وآليَّاته مقارنة بالفكر المسيحي، فإذا كانت تصاوير متصوّفة الإسلام تعتمد الخيال في إبداعيته، فإنَّ تصاوير المسيحيَّة عرفت اختلافاً ونزاعاً بين أنصار التصوير ورافضيه.

فصورة المسيح ـ فتى ذات معنيين: في الموقف الرّسمي يتمُّ التأكيد على تجسيد المسيح، وغير الرسمي يؤكّد على تجلّيه. والمسيحيَّة كما يرى "كوربان" انتقلت من عيسويَّة مؤسَّسة على التجلّي (رافضي التصوير)[8]، إلى عيسويَّة تقول بالتجسيد (القائلين بالتصوير)، والموقف الأوَّل هو خاص بأهل الرُّوحانيَّة، يتحوَّل فيه الوضع البشري إلى مرآة لظهور الحق كنور، وبه تتحدَّد الوحدة المتحققة في حضرة الإبداع الخيالي. هكذا يتمُّ حضور الألوهي في الإنساني كتجلٍّ. أمَّا التجسيد فهو ليس نيّراً بل هو حسيّ: فهل أفق "ابن عربي" في تمثله لصورة الفتى هو إعلاء من وجود الصورة، وبناء لوجهها المتعالي؟ هل هو انتصار لمعناها الماورائي والحقّي وبالتالي النيّر؟

إنَّ صورة الفتى عند "ابن عربي" هي تأكيد وانتصار للحضور، وفي الوقت ذاته مديح لتجربة التجلّي، وذلك عبر تشكيل خيالي من أجل الإحاطة بالسرّ الكامن في الصورة ذاتها وهو المعنى النيّر؛ إنَّها صورة قابلة للتضخيم بحجم أو مقدار التجليَّات المتحوّلة. ولهذا كان الحوار مع "الفتى" يأخذ أبعاداً أو تلوينات متعدّدة، والأقوى على تمثل هذا التعدُّد المتمظهر، هو تجربة التجلّي المشتركة بين أهل الرُّوحانيَّة، فبوساطتها يتمُّ بناء صورة الألوهيَّة في الذات البشريَّة، على شاكلة النّور الذي يأخذ حجم الزجاجة الحاوية له، ليتحوَّل إلى مصباح مضيء. وبالتجليَّات يتمُّ وضع الصورة في الوجود، حسب مقدار المرآة، وهو حضور ليس حسيَّاً، وإنَّما هو خياليّ: فما المفارقة بين الحضور الحسّي والخيالي على مستوى الوجود والزمن؟ هل هذا ما يعطي مفهومي التاريخ وما وراءه؟

3- مشاهد اللقاء وتحوُّلاته:

إنَّ اللقاء بالفتى هو سفر في الزمن"[9]، والتفات أو عودة إلى الوراء، حيث القوَّة النيّرة كامنة ومستورة، ممَّا يجعل من الفتى رامزاً لحقائق النشأة الإنسانيَّة في إجماليتها، والتي لا يتمُّ الوصول إليها إلَّا بالطرائق (المسالك). لذا فاللقاء بالفتى هو مناسبة لطيّ مسافة الزمن الماورائي. فإذا كان أساس المعرفة هو البدء برؤية المخلوق، فإنَّ طيَّ مسافة المعرفة هو بلقاء الحقّ الخالق أو "الحقّ المخلوق به": "الذي خلق به الأرض والطرائق"، ص 220 "فالفتى الفائت" رامز لزمن النشأة ومدارجها، فمن أجله تمَّت الأشياء، وتحققَّت التسوية. فهو الصورة العادلة والممكنة في كمالها الوجودي، والقابلة للتعيّن مع أصحاب الحقائق والطرائق، فهل هو الحقّ المخلوق به؟

ينتج عن هذا أنَّ أهمّ مكونات العرفان هو كونه حقيقة وطريقة، وأنَّ إدراك الحقائق هو معرفة إجماليَّة، واتّباع الطرائق هو معرفة تفصيليَّة. وبهما تتمُّ الإحاطة بالنشأة الكماليَّة الجامعة بين الإجمال والتفصيل: فإذا كانت مناسبة المعرفة عوداً بالزمن إلى الوراء مع صاحب الحقائق، فإنَّ قوَّة الانكشاف تستدعي تموضعاً في أعلى الأمكنة، بل في مركزها القدسي -الكعبة كوسط- والغرض من ذلك هو تحويل النظرة المنقّبة (المحجوبة بذاتها) إلى "سافرة"، وصولاً إلى "مقام التمكين في مشاهدة التعيين". ص 220

تجربة اللقاء "بالفتى الفائت" هي انكشاف مزدوج للذّات والآخر. فثنائيَّة الكلام والصمت (المشاهدة) تبرز أنَّ هناك حواراً وعلاقة بين مستمع أو متلقٍّ، ومتكلّم أو مرسل. وأمَّا موضوع اللقاء-الرّسالة، فواحد، وهو الاطلاع على كيفيَّة إدراك الحقائق: هل بالعقل وحده، أم بما يتجاوزه ويتخطَّاه -طور ما فوق العقل-؟

فكلُّ واحد منهما هو صاحب علم ومطّلع على أسرار الوجود، إلّا أنَّ تحقق هذا مشروط بامتحان الحجاب. ولهذا ظهر الفتى شخصاً ممتحناً لمحاوره: "اعلم يا فصيحاً لا يتكلم، وسائلاً عمَّا يعلم"، ص 222. وما عمَّق الحوار بين الطرفين هو أنَّ الشيخ الأكبر يدرك أنَّ محاوره هو صاحب كلام ومشاهدة (علم)، وأقوى على الجمع بينهما، ويتبيّن من هذه المحاورة أنَّ هناك تدرُّجاً في معالجة المسائل، بدءاً من وصف الفتى إلى مضمون اللقاء، ثمَّ وصف مكان الوصول إلى مكانة محاوره. نتج عن هذا اعتراف الفتى بعلم محاوره وبمكانته، وأهمّ ما يتبيَّن من هذا هو تأكيده -الفتى- على ولاية صاحبه (محاوره): "لقد أسمعتني سرَّاً غريباً، وكشفت لي معنى عجيباً، ما سمعته من ولي قبلك، ولا رأيت أحداً تمّمت له هذه الحقائق مثلك، على أنَّها عندي معلومة، وبذاتي مرقومة". ص222

إنَّ ما أدركه "الشيخ الأكبر" لدى الفتى هو ذلك العلم الإشاري الخاصّ بأهل الأسرار، وهذا ما حرَّك الفتى للاعتراف بمكانة محاوره، بكونه صاحب كمال وتمام: إنَّها مرتبة غير مسبوقة بكماليتها؛ لأنَّ ما يجمع بينهما هو إدراكهما لعلم الحقائق، ولسرّ صاحبه. إلَّا أنَّ هذا الأخير (السرّ)، هو عند الفتى ذاتي، وعند "ابن عربي" مكتسب بالتجربة، المجسَّدة في الأبعاد الثلاثة: اللقاء، والإلقاء، والكتابة. وهذه الحقائق المكتسبة هي المعاني المرقومة أو المنقوشة نفسها في ذات الفتى. فكلاهما واصل؛ الأوَّل بذاته، والثاني بتجربته، فهما أهل تحقّق في أعلى مدارج الاعتقاد، وهي حضرة الإحسان.

يرمز ''الفتى الفائت '' لزمن النشأة ومدارجها، فمن أجله تمَّت الأشياء، وتحققَّت التسوية.

فبهذا الوصول يتمُّ الاطّلاع على خبايا وخفاء الموجودات والحقائق وبالتالي الأسرار: "اعلم يا فصيحاً لا يتكلّم، وسائلاً عمَّا يعلم - (أنّي) لما وصلت إليه من الإيمان، ونزلت عليه من حضرة الإحسان- أنزلني في حرمه وأطلعني على حرمه". ص222

إنَّ الاطّلاع على عالم الأسرار هو انكشاف لحقائق التجلّيات، فكلُّ واحد منهما تحقّق لديه ذلك الحضور، الممثل في حضرة الإحسان (أن تعبد الله كأنك تراه)، لأنَّ أعلى تمثل لحقانيَّة الحق، هو الرؤية أو المشاهدة، المحدّدة في: "مشهد البيعة الإلهيَّة"، فما درجة هذا المشهد (المبايعة) في الوصول والتواصل؟

يشكّل مشهد المبايعة أعلى مستويات التوجُّه في حضرة الإحسان، بناءً لأعلى مفارقة وجوديَّة أو للمقابلة ما بين وجه الله ووجه الإنسان، حيث الحضور والغياب والخفاء والتجلّي أو علاقة التناظر: إنَّها وضعيَّات تشكّل تلك المواجهة الصعبة، لما هو غير قابل للضبط والانضباط (اللَّا منضبط)، وبالتالي المنفلت كوعي بتجربة المنازلة، وكيفيَّة مواجهة التحجّب الذي يتحوَّل بدوره إلى تجلٍّ. وإدراكه في كلّيته (التحجب) هو خاصٌّ بصاحب الإحاطة العلميَّة بالمعارف اللدنيَّة أو "صاحب العلامة". لذا فتجربة المبايعة هي تعلّم كيفيَّة إدراك التحجُّب كتجلٍّ والتجلّي كتحجُّب، دون التثبت حول عطاء محدَّد أو حقيقة نهائيَّة. وهذا يستدعي تمرُّناً على كيفيَّة استقبال الواردات والعطاء: إنَّها قوَّة الذات على اكتساب الاستعداد الوجودي من أجل فكّ الطلسمات المستورة والمبطونة.

إنَّ "مشهد المبايعة"، هو تمرُّن على كيفيَّات إدراك التحوُّلات والتقلّبات وبالتالي الشؤون الإلهيَّة. فهو مناسبة لتحوُّل التجربة ذاتها إلى منافذ وفتوحات للانكشاف، وصولاً إلى حقيقة الذات الممثلة في "النُّور الحوائي" المتناسل في الموجودات والكائنات: وما اللقاء بالفتى إلّا لقاء بصاحب هذا السرّ (النُّور الحوائي). فهو لا ذكر ولا أنثى، وجامع بين الوجهين، وكامل بوحدتهما الكامنة في شخصه، لكنَّ صورته أميل إلى المعنى الأنثوي أو الوجه الحوائي"، بغالبيَّة صفة اللطف على ذاته علماً وعملاً. ولهذا فوظيفة اللقاء بصوره المتعدّدة هو أنَّه مناسبة للحفر في عوالم المعنى الظاهر والخفي، والأهمّ في هذا هو تعلّم كيفيَّة الجمع بين الكلام والمشاهدة؛ لأنَّ المعلّم ـالشيخ- والمريد، في هذه العلاقة، لا ينتظران جواباً نهائيَّاً، بل كلّ جواب مقدَّم هو بدون معنى. وهذا الأخير هو المبحوث عنه عبر العودة إلى الوراء. فلو كان المعنى معطى ونهائيَّاً وثابتاً لما كان هناك التفات إلى الوراء. ففي هذا اللقاء تنمحي ثنائيَّة الأنا-الآخر، الذات-الموضوع، لأنَّ قوَّة المحاور هي بتحويل الموضوع (الآخر) إلى ذات صامتة-ناطقة، عالمة جاهلة، ولأنَّ المحاور لا يسعى إلى فرض فكرته -سلطته- على ما سواه، بل يعمل على تحريره من ذاته الضيّقة، وإيصاله بذاتيَّته المطلقة وإبعاده عن حقيقته الحصريَّة والضيّقة. لهذا فتجربة اللقاء بالفتى الفائت هي مناسبة لتعلّم كيفيَّة الالتفات إلى الوراء، من أجل تجاوز ذلك إلى ما هو أعلى، وهو التوجُّه؛ فهل التوجُّه هو لشخص معيَّن أم للاسم وحاكميته؟ هل هو توجُّه للاسم "اللطيف" كنور حوائي؟

4ـ اللقاء كأفق للانكشاف

إنَّ اللقاء السابق بالفتى يمكن اعتباره لقاءً تفصيليَّاً للقاء سابق، والمحدَّد في خطبة الكتاب (الفتوحات المكيَّة)، والخاص باجتماع الأولياء والأنبياء، ويعتبر هذا مشهد المشاهد وأعلاها، وأكثرها إجمالاً. وما يجمع بين اللقائين هو فكرة التعلّم: فاللقاء الخاص بالفتى هو تعلّم كيفيَّة الالتفات إلى الوراء، من أجل تلمُّس النُّور، والثاني -اللقاء بالأنبياء- هو تعلّم كيفيَّة التوجُّه إلى كلّ الجهات لإدراك تجليَّات الاسم: "فكلُّ عبد له اسم هو ربُّه، وهو جسم، ذلك الاسم قلبه "إنَّ التوجّه إلى الاسم هو تجميع للنظرة، من أجل استحضار الغائب وإظهار الخفي، وبهذا الوضع: "تزول من العبد في تلك الحضرة الجهات، وينعدم عند قيام النظرة به منه الالتفات"[10] .

إنَّ ما أدركه ''الشيخ الأكبر'' لدى الفتى هو ذلك العلم الإشاري الخاصّ بأهل الأسرار، وهذا ما حرَّك الفتى للاعتراف بمكانة محاوره، بكونه صاحب كمال وتمام.

إنَّ النظر إلى الاسم هو ترحال نحو الجذور، وغوص نحو أعماق التجليَّات ومقاصدها، وهذا مشروط باللقاء بصاحب العلامة الدّال على ذلك. يقول عن لقائه بالأنبياء: "ولما شهدته -صلى الله عليه وسلم- في ذلك العالم سيّداً معصوم المقاصد، محفوظ الشاهد منصوراً مؤيَّداً- وجميع الرُّسل بين يديه مصطفّون، وأمَّته التي هي "خير أمَّة" عليه ملتفّون، وملائكة التسخير من حول عرش مقامه حافُّون، والملائكة المولدة من الأعمال بين يديه صافُّون"[11].

إنَّ المشهد السابق هو رؤية مناميَّة في عالم المثال، فهي مشهد غيبي، وبالتالي فهي حق، لأنَّ صاحب اللقاء هو سيّد معصوم، وبه تحقق الجمع والاجتماع، فهو المركز الواصل ما بين الملائكة والأنبياء والأولياء. وحضرة الاجتماع تعكس سرّ "العلاقة الحبيَّة" ما بين أصحاب اللقاء، والموجّه لهذه العلاقة، وهو حصول النظرة، وتمركزها حول موضوع محدَّد؛ إنَّها نظرة لصاحب الحضرة. وهذا ما يجعل من اللقاءين متضمّنين إشارات عرفانيَّة: الأولى خاصَّة بالالتفات كتثبّت حول موضوع مجرَّد (النُّور)، والثانية هي تلوين لذات النُّور، من أجل تحقيق ما يسمّيه ابن عربي "الثبوت على التلوين"[12]، كأفق لتحقّق الكمال، وبالتالي الصورة الجامعة ما بين الجمال والجلال؛ فهل هذان اللقاءان دالَّان على أنَّ "الشيخ الأكبر" هو صاحب كمال؟ وهل بهذين اللقاءين تمَّ التحقّق من مكانته الرّوحيَّة والوجوديَّة في تجربة شهوديَّة عرفانيَّة؟

يضيف "ابن عربي" مصوّراً اللقاء السابق بالأنبياء قائلاً: "والصدّيق على يمينه الأنفس، والفاروق على يساره الأقدس، والختم بين يديه قد جثا يخبره بحديث الأنثى، وعلي -صلى الله عليه وسلم- يترجم عن الختم بلسانه، وذو النورين مشتمل برداء حيائه، مقبل على شأنه، فالتفت السيّد الأعلى، والمورد العذب الأحلى، والنّور الأكشف الأحلى، فرآني وراء الختم، لاشتراك بيني وبينه في الحكم"[13].

إنَّ نظام اللقاء موجّه بمواقع أصحابه: اليمين، اليسار، الأمام، الوراء، وأمَّا الختم المشار إليه، وهو عيسى عليه السلام، كخاتم للنبوَّة العامَّة، وأمَّا مترجمه، فهو صاحب ولاية. والأساسي في هذا المشهد هو أنَّ مقام "ابن عربي" هو المقصود من هذه الإشارات، وبالتالي فهو دالٌّ على مكانته الحقانيَّة من بين الأولياء والأنبياء، هكذا نكون أمام مصطلحات عرفانيَّة قويَّة: الختميَّة، الأنوثة، النورين، المترجم.

فالنُّور المحمَّدي من خلال هذا المشهد هو كاشف لحقائق، وبه تمَّ الاجتماع، والغاية منه إيصال ذات النُّور للآخرين، لكن عبر مترجم (وسيط). وهذا المعنى الأخير -الترجمة- هو أعلى صفة يتَّصف بها العارف في إيصاله وتوصيله، وبالتالي تعليمه للحقائق النيّرة. وحديث الأنثى المشار إليه هو "النُّور الحوائي" الأصلي الممتد في كينونة كلّ كائن، وأساس اللّطف والتلطيف.

إنَّ ما يميّز هذه اللقاءات هو أنَّ الأوَّل (المشهد الأوَّل)، شكَّل معايشة لتجربة النظرة القلبيَّة، وتعلّم كيفيَّة الحضور في حضرة الأنبياء، والثاني (اللقاء بالفتى) هو تعلّم كيفيَّة النظر إلى الوراء (الالتفات). واللقاء الأوَّل هو شرط للثاني، أي لكيفيَّة العودة إلى المستور والمحجوب والمخفي، وبالتالي إدراك ما وراء الحجاب الواحد (النيّر).

نتج عن هذا حدا للوجود العرفاني "للشيخ الأكبر"، بتنبيه صاحب النورين (النّبي العربي) للعلاقة السريَّة بينهما، قائلاً: "فإنَّ فيك شعرة منّي، لا صبر لها عني، هي السلطانة في ذاتيتك، فلا ترجع إليَّ إلّا بكلّيتك. ولا بدَّ لها من الرجوع إلى اللقاء، فإنَّها ليست من عالم الشقاء، فما كان مني، بعد بعثي، شيء في شيء إلا سعد، وكان ممَّن شكر في الملأ الأعلى وحمد"[14]. فما طبيعة العلاقة بين "رأس الجماعة" -النّبي العربي- و"ابن عربي"، وما مضمونها؟

فالإشارة المحمَّديَّة "لابن عربي" حاملة لمضمونين: الأوَّل محدَّد في رابطة الانتساب لذات الهويَّة المحمديَّة، والمعبّر عنها بالشعرة، وهي من الشعور الواصل بينهما داخليَّاً، وهي إشارة دالّة على العلم بباطن "ابن عربي" وخفائه أو شعوره القلبي. فالأقوى في ذاتيَّة "الشيخ الأكبر" هو الحقيقة النيّرة أو الصورة المحمَّديَّة، وهي السلطانة المركوزة في نفسه، أمَّا المضمون الثاني، فإنَّه يتعلّق بمستقبل الشيخ الأكبر، وبالتالي سيره في الطريق، بكونه لن يكون من السالكين بل من الراجعين، لأنَّ أصحاب الوصول في سلوكهم محكوم عليهم بالرجوع إلى الخلق، "فلا ترجع إليَّ إلا بكليّتك، ولا بدَّ لها من الرجوع إلى اللقاء"[15]. وتشكّل عودة الراجع من أصعب المهام وأعلاها، وهي المحدّدة مكانة الإرث المحمَّدي في شخص ابن عربي، والمجسّدة في المسؤوليَّة التربويَّة والتعليميَّة للأتباع والمريدين. وهكذا يتحدَّد الوجود "العرفاني" للشيخ الأكبر كوارث "للنُّور الأزهر" أو للمقام المحمَّدي، فما الفرق بين المقام المحمَّدي ووارث المقام؟

إنَّ تجربة هذا المشهد المحمَّدي -اللقاء بالأنبياء- تحمل في طيَّاتها مضمونين أساسيَّين: الأوَّل خاصٌّ بالمقام المحمَّدي، وهو لواحد، والثاني خاصٌّ بوارثيه، وهو ممكن لأكثر من واحد. والفرق بين المعنيين الأوَّل والثاني، هو في انكشاف الحقائق وإدراكها، لأنَّ "المقام الذي شاهده من ربّه لا يشاهده الورثة إلّا من وراء ثوبه، ولولا ذلك لكشفنا ما كشف وعرفنا ما عرف"[16].

تشكّل رمزيَّة الثوب ـالرّداءـ تأكيداً على وساطة "حقيقة الحقائق" ما بين الوارث والحق: فالمشاهدة المباشرة غير ممكنة لأنَّ حجاب الرداء -الغطاء- المحمَّدي ضروري لتلطيف النّور القاهر بالنّور الأزهر؛ لذا فالفرق بين معرفة النّبي والوارث هو أنَّ الأوَّل يواجه الحقيقة بدون وساطة، أمَّا الوارث، فمعرفته مشروطة برداء أو حجاب الأوَّل، الصورة المطلقة (المحمَّديَّة)، فبهذا المسلك يتواصل العارف بالحقيقة، ولهذا فكشف العارف هو حقّ لكن بعد تضخيم صورة الذات، وإيصالها بالصورة المطلقة، تلك هي لحظة تحقّق الذاتيَّة المطلقة المتجاوزة للذاتيَّة الضيّقة والعاديَّة.

5ـ اللقاء كصحبة وعشق

إنَّ تجربة اللقاء في مذهب أهل العرفان تُعتبر من أهمّ المحطّات واللحظات المقرّبة للحقيقة: فهي سفر داخلي نحو الجذور، وبها تتمُّ استعادة المكبوت والمنسي والمنفلت، وبالتالي "الغيب المغيّب" في الإنسان، وهو المطلوب كشفه وانكشافه. وهذا يشترط الانتقال من الضيق إلى الانفتاح عبر فعل التضخيم؛ إنَّه تضخيم لصورتنا الذاتيَّة، لكي تستقبل الصورة المطلقة أو الواسعة، ولتعلم كيفيَّة الشعور بوجود الأشياء في خفائها وسرّيتها.

واللقاء كتجربة وجوديَّة محكوم بالحلّ والترحال بلغة "ميشال مافيزيولي" (michel mafesioli) وبالتالي كسفر، وكحركة انصراف وابتعاد"[17]. لقد اتخذ اللقاء مكانة مركزيَّة في الحقل العرفاني، فكلُّ ممارسي التصوُّف شكَّلت لديهم هذه التجربة -اللقاء- مناسبة لإعادة بناء الذات. فمع جلال الدين الرّومي "تحوَّل اللقاء إلى تجربة عشق وإلى صحبة عالمة. اقترنت حياة جلال الدّين وفكره بلقائه المتميز "بشمس الدين التبريزي"، فما أبعاد تحوُّل اللقاء إلى صحبة وعشق؟

للصحبة العالميَّة والعلميَّة قوَّة اجتماعيَّة ودينيَّة، فبها ينمحي الخلاف البين-ذاتي والبين-ديني، بالتقريب بين المشاعر والأجساد والذهنيَّات والاعتقادات والأديان. وبمعناها الجمالي تنمحي الصداقة والعداوة. وما يتبقَّى هو اللقاء غير المخطط له، كما هي الولادة بمعناها الوجودي والكوني.

فبالقوَّة الجماليَّة للّقاء نكون أمام الوحدة الوجوديَّة، التي ينمحي فيها كلٌّ من "الأنا" و"الأنت"، وما يتبقى هو: "الهو" الكامن في صلب كلّ واحد منَّا. ويعبّر "جلال الدين الرّومي" عن هذا الانمحاء الجدلي للصداقة والعداوة، وللأنا والأنت قائلاً في رباعيَّاته[18]:

لشغفي بك، لم يبقَ صديق ولا عدو

داخل جمعك لم يبقَ كأس ولا جرَّة

يا معشــوق، أظنك شربت دمــــي

فالرائحة قد علقت بشفتك النَّاعمــة

إنَّ اللقاء بمعناه العشقي-العرفاني هو تعلّق وتحقّق، وهو صحبة بالأكبر والأعظم، وانمحاء للثنائيَّة، وانبراء للاستضاءة، أي للوجود النيّر بقوَّته على استنارة الطريق، وبيان سرّ الكينونة بشمّ رائحة الوجود، لأنَّ أصحاب اللقاء هم ذوقيَّاً "أهل شم"، وتجتمع لديهم الحواسّ في حاسَّة واحدة كقدرة على الشعور بحركيَّة الريح الحاملة معها سرَّ اللقاء بالأمكنة التي تمرُّ بها. يقول جلال الدين الرومي[19]:

قلت: لا تقعد حزيناً بصحبة المعشوق

لا تجالس سوى ذوي القلوب الحنونـــــة والوديعـة

عندما تدخـــــل البستان لا تتَّجـــه صــوب الأشواك

لا تجاور سوى الورود وأزهار الياسمين والنسرين

اللقاء هو مجاورة ومحاورة، وهو إحساس بوجود ما هو جميل في هذا الوجود الناطق ـ الصامت؛ لأنَّ كلَّ كائناته دالَّة وجوديَّاً على حقيقة واحدة مجسّدة للمعنى المتعالي حسيَّاً، والممثلة في رؤية الحقّ في كلّ شيء، وفي لا شيء. وأصل هذا هو استنارة الكينونة عبر العشق الذي يدعو إليه أهل المحبَّة والمعرفة القلبيَّة. فلا عشق بدون صحبة (الآخر)، ولا صحبة بدون لقاء. فبهما يشمُّ الكائن رائحة الوجود، ويتحوَّل من عدميَّته إلى موجوديَّته النيّرة والخلَّاقة. يقول "مولانا جلال الدين الرومي":

"بصحبة العشق انطلقت راحلتنا من العدم

عاد ليلنا مضيئاً بخمـر الاتحـاد إلى الأبـد

من هـــــذه الخمـر المبــــاح فــي ديننـــا

لن ترى شفاهنا يابسة، حتى فجــر العدم"[20].

إنَّ الشعور بالوجود النيّر هو انمحاء للتضادّ بين المتضاربين، وهو تشريع لحقائق تبدو مخالفة للعادي والاعتيادي، لكنَّ ممارسيها هم إمَّا أولياء أو أنبياء أو تابعون؛ هم أصحاب الخمر المباح حسب تعبير "مولانا جلال الدّين الرومي"، والحامل لمعنى "الكفر الحلو"، كما جاء في "قواعد العشق الأربعين"، تلك هي تجارب اللقاء التي تتحوَّل إلى صحبة خلَّاقة ومبدعة، فلقاء العارفين لا كباقي اللقاءات، إنَّه شعور بوجود بعضهما بعضاً، إنَّه تلقٍّ للنُّور الكامن في كينونة الآخر.

تعتبر تجربة اللقاء في مذهب أهل العرفان من أهمّ المحطات المقربة للحقيقة: فهي سفر داخلي نحو الجذور، وبها تتمّ استعادة المكبوت والمنسي والمنفلت.

إنَّ السفر والإقامة هما شرطا اللقاء، فمن خلالهما يمكن فتح أمكنة خفيَّة والتواصل معها، لأنَّ السفر هو في عمقه بحث عن السرّ الذي قد يكون في الشخص أو المكان والزمان. وتجربة اللقاء كسفر وتيه وترحال هي حدث يهدّد المكان بمعناه الهندسي والجغرافي ويحوّله إلى حدّ أو إلى "بلد اللَّا أين" (le pays du non-où): حيث هناك إمكانيَّة لمد النظرّ إلى ما وراء الحجب الظاهرة، و"لما بين اثنين".

[1]- نشر هذا المقال في مجلة يفكرون، الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 12

[2]- اعتمدنا في نصوص الفتوحات المكيَّة على: ابن عربي (محي الدين)، الفتوحات المكيَّة، السفر1، تحقيق عثمان يحيى، الهيئة المصريَّة العامة للكتاب 1985: خطبة الكتاب من ص 41-47، والصفحات الخاصَّة بالفتى الفائت، الباب الأوّل من الصفحة 215-230.

[3]ـ مفهوم الذاتيَّة المطلقة، يتخذ عند "ابن عربي" دلالة الصورة المطلقة، وهي عنده الصورة المحمديَّة. وهذا المفهوم -الذاتيَّة المطلقة- حاضر بشكل أعمق في التجربة البوذيَّة: بوذيَّة ـزن- انظر:

- ت. سوزيكي، التصوُّف البوذي والتحليل النفسي، ترجمة ثائر ديب، تقديم وفيق خنشة، 2007، ص 32.

[4]- مقدّمة كتاب "الفتوحات المكيَّة" المعنون بـ: "اللقاء بالفتى الفائت". النصوص المشار إليها في هذا المقال هي من صلب مقدّمة الفتوحات المكيَّة". ابن عربي (محي الدين) "الفتوحات المكيَّة"، السفر1، تحقيق عثمان يحيى، الهيئة المصريَّة العامَّة للكتاب، 1985.

من أهمّ اللقاءات في تاريخ التصوُّف الإسلامي، ذلك اللقاء التاريخي بين "مولانا جلال الدين الرومي"، و"شمس الدين التبريزي" الذي شكَّل موضوعاً جوهريَّاً في الكتابات الصوفيَّة، وأدَّى إلى قراءات متعدّدة: أدبيَّة، تاريخيَّة، ... لكنَّ أهميته العرفانيَّة محدّدة في ذلك التحويل، أو تلك الولادة الجديدة التي حدثت "لجلال الدين الرومي"؛ بتحوُّله إلى كاتب ومبدع، وشاعر وصاحب قول عرفاني كوني متمركز حول العشق. فاللقاء هو "حدث" يتمُّ من خلاله ذلك التواصل الوجودي النادر بين الأنا والآخر، فهو مناسبة لرؤية النّور في الآخر.

وخاصيَّة اللقاء في التجربة الصوفيَّة هي كونه لقاءً بالأكبر، وهذا ما يجعله ممتلئاً بالحيرة، لأنَّه يتَّجه نحو الأحسن والأفضل ـالسكينة-، وأهم ّما يؤسّس تجربة اللقاء سواء أكانت حيَّة أو برزخيَّة، وهو العيش وفق تجربة اللطف. لأنَّ جماليَّة الوجود هي بانكشاف هذه اللطافة عبر اللقاء. ولهذا فاللقاء بالأكبر هو أعظم حيرة، وأصحابه كما يسمّيهم جامي (عبد الرحمن): "أهل الحيرة الأخيرة".

- Corbin(h) Face de Dieu, face de l'homme: Herméneutique et soufisme. Flammarion, 1983 p. 24-46-47.

[5]. Corbin (h) en islam iranien, ed, galimar, tome1 ,1971 p19-20-34.

5. Chodkiewicz (m): l’illumination de la Mecque Albin Michel 1997.

[7]ـ مثال الصندوق وارد عند ابن عربي لتفسير منزلة الخفاء الكامن في الإنسان.

[8]- حول إشكاليَّة التصوير انظر: بحثنا للدكتوراه، حول "الصورة بين الخفاء والتجلّي عند ابن عربي" تحت إشراف الدكتور "محمَّد المصباحي"، جامعة محمَّد الخامس، كليَّة الآداب، الرباط.

[9]ـ مفهوم "السفر" تمَّت معالجته من طرف صدر "الدين القونوي في النفحات الإلهيَّة". القونوي صدر الدين، النفحات الإلهيَّة، صحَّحه وقدَّم له: خواجوي، طهران ص 6.

[10]ـ "ابن عربي"، الفتوحات المكيَّة، السفر 1، ص 42.

[11]ـ حول لقائه بالأنبياء انظر: خطبة الفتوحات المكيَّة السفر 1، تحقيق عثمان يحيى، من ص 41-47.

- الفتوحات المكيَّة السفر 1، ص 42.

- "ابن عربي" فصوص الحكم، "فص حكمة أحديَّة في كلمة هوديَّة"، تحقيق "أبو العلى عفيفي":

- في تجربة اللقاء، هناك نوعان "الحيَّة" و"البرزخيَّة". فالأولى: مثل لقائه بالشيوخ وابن رشد... والثانية كلقائه بالخضر وستّ العجم البغداديَّة... وهذا اللقاء الأخير تمَّ في عالم المثال، أي هو لقاء روحي جرى بينهما بعد وفاته بما يقرب من نصف قرن (أي لحظة تأليفها لشرح المشاهد سنة 686هـ. تتحدث بأنَّها رأته بحضرة جماعة من الأولياء، وأنَّها سألته الاستمداد من سيرة الولاية. وقد طلب إليها ابن عربي بالمقابل في نهاية هذه الرؤيا أن تشرح له كتاب المشاهد. وتفتح استغلاقه لأنَّه من غوامض كتب المشكلة.

ـ ستّ عجم بنت النفيس بن أبي القاسم بن طرز البغداديَّة، شرح المشاهد القدسيَّة لتكميل دائرة الختم الموصوف بالولاية المحمديَّة، محمَّد بن عربي، تحقيق وتقديم بكري علاء الدين، سعاد الحكيم، المعهد الفرنسي للشرق الأوسط، دمشق 2004.

[12]ـ مفهوم الثبوت على التلوين يوظفه ابن عربي لمعالجة الإشكال الميتافيزيقي المتعلق برابطة الأعيان الثابتة ووجودها، وهو ذو دلالة ذوقيَّة في تقريب البُعد الجمالي للصورة.

[13]ـ الفتوحات المكيَّة السفر1، ص 44.

[14]ـ المرجع السابق، ص 45.

[15]ـ نفسه.

[16]ـ نفسه.

[17]ـ مافيزيولي "م"، في الحلّ والترحال، عن إشكاليَّة التيه المعاصرة، ترجمة عبد الله زارو، إفريقيا الشرق 2010، ص 16.

[18]ـ ميروفتش (إيفا دو فتري)، رباعيَّات مولانا جلال الدين الرّومي، ترجمة عائشة موماد. ط 1، لبنان، ص 40.

[19]ـ المرجع السابق، ص 43.

[20]ـ نفسه، ص 174.