المنعرج الهرمينوطيقي للنص الديني الإسلامي

فئة :  قراءات في كتب

المنعرج الهرمينوطيقي للنص الديني الإسلامي

المنعرج الهرمينوطيقي للنص الديني الإسلامي

قراءة في كتاب محمد مجتهد شبستري:

الهرمينوطيقا: الكتاب والسنة*


هذا كتاب في الهرمينوطيقا، وفن التأويل، لكنه لا يطرق باب الهرمينوطيقا من زاوية التنظير، بل من زاوية التطبيق، لذلك جاء العنوان الرئيسي منفصلا عن نظيره الفرعي: الهرمينوطيقا: القرآن والسنة، وهو للإشارة عنوان مثير وجذاب، خصوصاً للباحثين المهتمين بالهرمينوطيقا وفن التأويل. يُعتبر الكتاب من المؤلفات القليلة التي حاولت قراءة النص الديني بشقيه قراءة هرمينوطيقية، أو على الأقل الاستفادة من المنهج ذاك لقراءة النص الديني الإسلامي. يعد محمد مجتهد شبستري أحد أهم المفكرين المعاصرين الدين يولون أهمية كبيرة للمباحث الفكرية المعاصرة، أهمها الهرمينوطيقا والعلوم الإنسانية بشكل عام، إضافة إلى اطلاعه الكبير والدقيق على فلسفة الدين المسيحي، وجُلُّ الفلاسفة وعلماء اللاهوت المسيحيين الدين حاولوا إما إعادة بناء أو إصلاح الدين المسيحي، وساعده على ذلك إتقانه للغة الألمانية، وهي اللغة التي ينحدر منها أغلب المفكرين اللاهوتيين المعاصرين.

1- نبذة عن المؤلف

محمد مجتهد شبستري كاتب ومفكر إيراني بدأ مساره سياسياً في البرلمان الإيراني كبرلماني سنة 1979، لكنه ما لبث أن ترك العمل السياسي أواسط الثمانينات وانهمم بالفكر والثقافة خصوصاً الجانب الديني وما يتعلق بنقد الفكر الديني، وقد جرَّت عليه مساهماته في هذا المجال وابلاً من الانتقادات خصوصاً السياسية منها، فقد طالب السيد أحمد خاتمي، عضو مجلس خبراء القيادة وأخ الرئيس السابق محمد خاتمي، بتوضيح موقف المفكرين الإيرانيين من تصورات شبستري حول عصمة الرسول والأئمة، الأمر الذي يناقض الأس الأهم في التصور الشيعي، معتبراً أن سكوتهم عن تصورات شبستري بمثابة كفر، ووُصفت أفكاره بمثابة انقلاب ناعم على أطروحات وتصورات الفكر الشيعي خصوصا فيما يتعلق بمسألة ولاية الفقيه والعصمة.

انهمم شبستري القيام بمراجعات نقدية للمعرفة الدينية، مستجدياً منهج الهرمينوطيقا لفهم وتفسير القرآن الكريم والسنة، معتبراً أن النص الديني يتوفر على تاريخ يجب أن يُقرأ على ضوئه، بعبارة أخرى فإن وصول النص الديني إلينا معاصراً يجعله يختلف من حيث الدلالة والمعنى عن سياقه التاريخي الذي وُجد فيه، تقوم دينك الفكرة أساساً على إخضاع النص الديني إلى القراءة التأويلية التي تراعي مجموعة من الشروط في مطالعة النصوص كما سنرى.

2- في هرمينوطيقا النص

يبدو الكتاب للوهلة الأولى أنه محاولة تطبيقية للمنهج الهرمينوطيقي على القرآن الكريم والسنة، لكن ما أن يطلع القارئ على مضامينه حتى يتفاجئ بالبون الواسع والشاسع بين العنوان ومحتوى الكتاب، على الرغم من أن المؤلف حاول في بعض لحظات الكتاب ملامسة المنهج الهرمينوطيقي، لكنه لم يكن موفقاً في نظرنا في محاولته هاته. ذلك أن المؤلف لم ينخرط في مغامرة استنطاق النص الديني في ضوء الهرمينوطيقا، بل ظل بعيداً نوعاً ما عن مضمون وغاية العنوان. بَيْد أن القارئ سيجد بعض الأعذار للمؤلف، حينما سيعلم بأن الكتاب عبارة عن محاضرات، الأمر الذي أعطى للمضمون طابعاً تعليمياً تدريسياً، بحيث لا نجد عملاً أكاديمياً منسجمَ الشكل والمضمون، بقدر ما نلمس جانباً كبيراً من التلقين والتعليم.

يبدأ الكتاب بتنظير شامل لجل أطروحات الهرمينوطيقا الحديثة والمعاصرة، منطلقاً من مفهوم مركزي داخل الهرمينوطيقا هو الفهم، الذي يعتبر الحجر الأساس في فك شفرات النصوص بشتى أشكالها، لكن الفهم يحتاج إلى التفسير، حسب شبستري، فليس هناك من يفهم المعاني من دون تفسيرها[1]، ويعتبر شبستري، على شاكلة تصورات غادامير Gadamer وريكور Ricoeur، أن التفسير يتأسس على ثلاثة مستويات: 1- الفهم الصحيح للنص لا يتمخض إلا عن التفسير، 2- يمكن تفسير النص الواحد بعدة أشكال، ولكل نص وجوه متعددة، ولا يمكن أن يحصل فهم النص بالبداهة. 3- ضرورة تشخيص المعنى الصحيح للنص واختياره، واستبعاد المعاني والتفاسير الخاطئة.[2]

يهمنا الإشارة في هذه النقط إلى أن شبستري يعود بطريقة مباشرة إلى تصورات الفيلسوف الفرنسي Paul Ricoeur[3]، الذي يربط بشكل وثيق بين التفسير والفهم تجاوزاً للثنائية التي سيطرت علىWilhelm Dilthey ومضمونها أن التفسير مجاله هو العلوم الطبيعية، بينما مجال الفهم هو العلوم الإنسانية[4]. ينطلق ريكورمن مقولته الشهيرة: "فسر أكثر يعني أن نفهم أفضل فهم ممكن"[5]، التي تعبر عن إدماج جدلي بين التفسير والفهم من خلال استحضار المقاربات التفسيرية للإشارات والعلامات الكامنة في النص، وهو الموقف الذي يعارض مسألة حصر النص في معنى واحد، في حين أن شبستري يعتبر أن النص يتوفر على معنى واحد ويجب استبعاد المعاني والتفاسير الخاطئة. فإذا كنا سننطلق من الهرمينوطيقا حسبها أرضية لقراءة النص الديني خصوصاً، فإننا لن نركن إلى معنى واحد ووحيد، لأن من شأن ذلك أن يقصي المقاربات التفسيرية الأخرى، خصوصا وأن مجال البحث هو النص الديني بما له من حمولة ثقافية وسوسيولوجية، باعتباره يعبر عن إيمان الجماعة المؤمنة.

لا يتوانى شبستري في التركيزعلى مضامين الهرمينوطيقا المعاصرة خصوصاً في قراءة النص، ويستحضر في ذلك الأحكام المسبقة[6]، والحلقة الهرمينوطيقية، وضرورة استحضار تاريخ النص. تكمن أهمية هذه المعطيات الهرمينوطيقية في علاقتها بالنص الديني الإسلامي، في إمكانية استحضار مجموع القراءات التي تشكلت حوله عبر التاريخ، حيث يتحقق الفهم داخل إطار تلاقي الأفق التاريخي للفهم مع الأفق التاريخي لظهور النص[7]، الأمر الذي يحمله إلينا كما لو أنه نص جديد تماماً، حيث تقطع القراءة الهرمينوطيقية مع أطروحة النص "الأصلي" وتعتبر أن الفهم القبلي وميولات القارئ ذات أهمية كبيرة، فلابد دائما من معلومة مسبقة أوفهم قبلي يتكامل ويتضخم طوال مراحل متتالية ومتشابكة من العمل. لكن شبستري لا يمشي النعل بالنعل مع هذه القبليات، أو الأحكام المسبقة، بل يحذرمن اعتبارها الأُسَّ الوحيد للفهم، الأمر الذي سيحرف معنى النص أو يسقطه في الفهم الخاطئ[8].

3- قراءة الوحي هرمينوطيقياً

يؤكد شبستري على أن معرفة أسرار الوحي لا تتم اعتماداً على الوحي نفسه بطريقة مباشرة، بل تحتاج إلى قراءة بشرية، فلا أحد يمكنه أن يُقبل على الوحي دون مسبقات قبلية، فالمعرفة الإنسانية هي الأسُّ الذي يمكن الاعتماد عليه في فهم الوحي، فلا أحد يخرج من بطن أمه حاملاً لاستدلالاته معه، والذين يرتبطون بالحقائق عن طريق أنوار الإشراق والعرفان هم قلة نادرة[9].

تكمن أهمية أطروحة مثل هذه في إخراج الوحي من طابع المتعالي وإقحامه في مجال التاريخ، ذلك أن الانتقال من الشفوي إلى المكتوب يحدث تماسفاً بين المتلقي والمرسل، ليس لأن المكتوب يُعبِّر عن شيء آخر غير ذلك الذي يعبر عنه الشفوي، بل لأن هذا الأخير يمكنه أن يتلاشى ويندثر، عكس المكتوب الذي يحدث نوعاً من المقاومة، إنه يمثل نصباً تذكاريا لا يمكن مقاومته[10]، يفتح النص المكتوب آفاقاً للانفصال عن القصدية الأولية والمعنى الأصلي، فيدخل في علاقة جدلية مع القارئ، الذي يوظف كل أساليبه وعتاده المعرفي والثقافي والتراثي لقراءته. تحاول الكتابة أن تحدث علاقة تماسف بينها وبين المؤلف، ويفصل النص المكتوب بين القصد الشفهي والذهني أو النفسي للمؤلف، كما تشكل الكتابة عالماً خاصاً بها ينفصل عن عالم المؤلف، لذلك نجد أن النص تاريخياً يبقى منفتحاً على تأويلات لامتناهية.

إن القرآن والسنة ليسا من ثمرات المعرفة البشرية، بيد أن استنباط الحكم منهما مهمة بشرية[11]، فما من مفسر أو عالم يمكنه استنطاق النص القرآني دونما الاستناد على المعارف البشرية والعلوم الإنسانية.

لا يمكن، في هذا المعرض، حسب شبستري، الزعم بأبدية الأحكام الدينية التي ينتجها الفقهاء، لأن الحياة البشرية في تغير دائم، الأمر الذي يحتم عليهم العودة إلى علوم الاجتماع والتاريخ والسياسة وعلم النفس... لكن لا يعني هذا أن يتحول الفقيه إلى عالم اجتماع أو عالم سياسة...بل يجب عليه مراعاتها نظراً للتطور الهائل الذي حققته عبر تاريخها.

لا يفوت شبستري توجيه سهام نقده للمؤسسات العلمية الإسلامية التي انفصلت وأهملت العلوم الانسانية، فوجدنا أنفسنا بلا مناهج قانونية، ولا مناهج أخلاقية مدونة، ولا نُظم سياسية واضحة، فكيف تستطيع النهضة الفكرية الإسلامية العالمية اقتحام المسرح الثقافي دون تدوين هذه المعارف؟[12]

إن مطالبة شبستري للفقهاء الاطلاع على العلوم الانسانية، تبقى أطروحة بعيدة المنال، نظراً للحساسية التي تواجه بها المؤسسات الدينية هذه العلوم، حسبها علوماً غربية، هذا إضافة إلى اعتقاد هذه المؤسسات أن النص القرآني يفسر نفسه بنفسه، ومن ثمة لا حاجة لنا بكل هذا الكم من العلوم.

تستند رؤية شبستري على نفحة تجديدية تحاول أن تواجه القراءات التي تتعسف على النص القرآني وتدَّعي أنه نص تأسيسي، بيد أنه يرى أن النص القرآني ليس نصاً تأسيسياً، فعلى ما تنطوي عليه أطروحة مثل هذه من جرأة، لا يتواني شبستري في التأكيد عليها من خلال مجموعة من الأمثلة القرآنية، فمسألة البيعة والشورى ليست هي السبيل الوحيد للحكم في الإسلام وإنما يرتكز أيضا على أسس دينية ووراثية خالصة[13]، ومنها حكومة داوود وسليمان، التي تعتبر حكومات مشروعة في نظر القرآن الكريم. إن القضية الرئيسية في القرآن هي العدالة وليس نظام الحكم[14]، حيث أنه لم يشدد على شكل نظام الحكم بقدر ما شدد على مسألة العدالة.

ما يهم في كل هذه التفاصيل هو أن النص القرآني له دور التنظيم والتوجيه، وليس دور التأسيس والإبداع[15]، ذلك أن سر امتداد الإسلام يكمن في اعترافه بالأساليب المتفاوتة للحياة الإنسانية، وعدم سعيه لإلغائها، والاكتفاء بالتدخل فيها بمقدار ما يضمن تطابقها مع المنظومة الأخلاقية الإسلامية. يحضر في هذا المعرض تصور نصر حامد أبوزيد، الذي يؤكد بدوره أن القرآن لم يكن ليلغي كل أساليب الحياة قبله، الأمر الذي يؤكد على ارتباط النص بالواقع، ومثال ذلك مسألة تحريم الخمر، التي مرَّت من ثلاث مراحل: "يَسْئَلونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فيهِما إِثْمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ من نَفْعِهِما" (البقرة، 219)، ثم الأية 43 من النساء: "يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا لاَ تَقْرَبوا الصَّلاَةَ وَأَنْتمُ سُكارى حَتَّى تَعْلَموا ما تَقُولونَ"، وأخيراً: "يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجتَنِبوهُ لَعَلَّكُمُ تُفْلِحونَ. إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغْضاءَ في الخَمْرِ وَالمَيْسِر وَيَصُدُّكُمْ عن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصَّلاةِ، فَهَلْ أَنْتُمُ مُنْتَهونَ" (المائدة، 90-91)، مثل هذا التدرج يبين بجلاء انعكاس النص على الواقع، أي مراعاته لمجريات الواقع وتعقيداته، السبب الذي لم يجعله يُحرِّم الخمر دفعة واحدة بغاية إصلاح وتغيير الواقع وعلاج عيوبه[16].

إن استمرار ودوام دين معين لا يتحقق من خلال استمرار القوالب الثابتة للقضايا والمقولات العقائدية، لأنها تتغير باستمرار على امتداد الزمان، ولا يمكن أن تكون معياراً لاستمرار ودوام الدين، فدوام كل دين يرتبط باستمرار الحركة الفكرية والحوارية المنسوبة إليه[17]. لذلك يجب أن يساير النص الديني متغيرات الزمان والمكان، ولا مجال للقول أن ما يجب القيام به من سياسة واقتصاد... مذكور في القرآن[18]، فهذا من باب القول المضلل، والقول الصحيح هو أن ما نقوم به في دائرة السياسة والاقتصاد يجب ألا يتعارض مع قيم الشريعة[19]. لذلك لا يمكن الاعتماد على الفقهاء وفتاويهم في تأسيس وبناء المجتمع السياسي أو الاقتصادي، ومن الواجب أيضاً أن نهدم مسألة قدسية النظريات الدينية، التي بفعل قوتها، اختلطت بالدين حتى أصبحت منه. فالاجتهاد الفقهي عبارة عن رأي شخصي أو مؤسساتي، ولا يمكنه أن يحوز صفة القدسية والاطلاق، فلكل شخص الحق في إبداء رأيه حول القيم الدينية[20].

4- في الحاجة إلى نقد الفكر الديني

يهتم القسم الثاني من الكتاب بنقد وإصلاح الفكر الديني، منطلقاً من دلالة إعادة تشكيل الفكر الديني، وعلى الرغم من أن مسألة الإصلاح تتطلب جرأة وتجاوزاً للسابق، فإن شبستري يعتبر أن الإسلام والفكر الديني مرَّا منها[21].

يحاول شبستري إرساء دعائم الإصلاح الديني من خلال اعتماده على رهانات وإشكالات معاصرة تقارب الفكر الديني مقاربة معاصرة، فإذا كان الأقدمون تعاملوا مع الظاهرة الدينية في سياقها، فإن ذاك التعامل لا يمكن أن يستقيم اليوم، فتجربة الإنسان المعاصر لنفسه متباينة عن تجربة السابقين، هذا إضافة إلى أن الفكر الديني يتعامل مع الدين باعتباره كلاَّ شاملا لا يتجزأ، بما فيه التراث الفقهي، لذلك يشدد شبستري على التمييز بين الفكر الديني والدين[22].

يحتاج الفكر الديني إلى مقاربة تأويلية - تاريخية معاصرة تجعله مسايراً ومساوقاً للزمن الذي نعيشه، ذلك أن النقد التاريخي هو منهج للفهم، ولا يمكن الاستغناء عنه لأنه يساعد على استنطاق النصوص في سياقها التاريخي وينقلها إلينا معاصرة. أمام أهمية هذا المنهج يمارس شبستري نوعاً من التمويه[23] عندما يعتبر أن المسيحية كانت قد خضعت لمنهج النقد التاريخي، نتج عنه خلخلة في المفاهيم الدينية الأساسية:

1- وحيانية ألفاظ الوحي، 2- المعنى التقليدي للمعجزة، 3- دخول الله إلى التاريخ لإنقاذ الإنسان[24]. لكن نقد الفكر الديني لا يمكن أن يحصل من الخارج، بل إنه مهمة داخلية، فالسبيل الوحيد لاستعادة سلامة الفكر الديني التوحيدي هو النقد الداخلي الإيماني، ذلك أن منفعة نقد الفكر الديني تعود على الدين نفسه[25]. يساهم النقد الداخلي في تحريك المياه الراكدة التي اتخذت لنفسها مكانة القدسية داخل الدين، في حين أنها تبقى اجتهادات بشرية يمكن تمحيصها وفحصها. لا يتردد شبستري في هذا المعرض الإشادة بالتراث الفكري والفقهي والفلسفي والكلامي، معتبراً أن المجتمعات الإسلامية المعاصرة يجب أن تصبوا إلى استرجاع نموذج الفكر الإسلامي كما كان عند أجدادنا، فلا مجال لوجود نمط واحد من التفكير، بل يجب فسح المجال أمام تعدد الأقطاب الفكرية[26]. إن المؤمن المعاصر يجب عليه أن ينصت للنقود الموجهة إلى تصوراته الدينية، حتى يتسنى له مراجعتها وتصحيحها، ومن ثمة لا ينبغي رسم خطوط حمراء للنقاد في المجتمعات الإسلامية، بل يجب أن تبقى مجالات النقد مفتوحة تماماً وبدون قيد أو شرط.

5- في قيمة الكتاب

تكمن أهمية كتاب شبستري في كونه استطاع أن يتجاوز الخطوط الحمراء في نقد ومراجعة الفكر الديني بكل تلاوينه، يشعر القارئ أن الكاتب يتلمس جرأة في تصوراته، لكنها جرأة لطيفة ومهادِنة، أي أنها لا تهدف إلى الصدام أو المواجهة، بقدرما تحاول أن تُحدث انقلاباً ناعماً على التصورات الدينية التراثية المسيطرة اليوم على الفكر الديني.

يحاول شبستري استلهام المناهج الفكري المعاصرة كذريعة لجرأته الفكرية والدينية، حسبه أنها لا مندوحة عنها لقراءة وتأويل النصوص والفكر الدينيين، كما أنه متأثر كثيراً بالمقاربات الفكرية والدينية للمسيحية[27]، معتبراً أنها حققت قفزة نوعية داخل الفكر الديني المسيحي. نفس الأمر يحاول أن يؤسس له شبستري عندما يستشهد بتلك المقاربات الفكرية الفلسفية والدينية ويبين خصوصيتها ونتائجها في إصلاح الفكر الديني المسيحي، ليبين أن الفكر الديني الإسلامي يحتاج هو الآخر إلى مقاربة نقدية لاهوتية - فكرية بهدف إخراجه من تحجره وتعصبه الديني والمذهبي.

نعتقد أن شبستري لم يأت بجديدٍ في مجال نقد الفكر الديني اعتماداً على المناهج الفكرية المعاصرة، فقد سبقه في ذلك محمد أركون، ونصر حامد أبوزيد، وهو في ذلك لا يقدم قيمة مضافة. إضافة إلى أن محاولته هاته، وحتى في كتابه "قراءة بشرية للدين"، لا تقتحم المجال الديني في صميمه بهدف قراءته وتأويله اعتماداً على المناهج المعاصرة، خصوصا الهرمينوطيقا، فقد ظل كتابه سطحياً نوعاً ما، قد نجد له العذر في ذلك اعتباراً أن الكتاب عبارة عن محاضرات عمومية، حيث جاءت أطروحاته سطحية وليست بذي عمق فكري أو أكاديمي، فصيغة الكتاب أنه تعليمي أكثر منه فكري.

يصرح شبستري في المقدمة أن محاولته في هذا الكتاب هي قطع خطوة في طريق التحرر من غفلة الأروقة العلمية التي تعتقد أن بإمكانها تفسير النصوص الدينية بذهنية خالية من القبليات والميول. فإذا كان الكتاب مجرد خطوة، فلماذا يا ترى هذا العنوان الجذاب والمثير؟ ذلك أن القارئ يبدو له للوهلة الأولى أن الكتاب سيُخضع القرآن والسنة إلى منهج الهرمينوطيقا، لكنه سيصاب بخيبة أمل عندما سيكتشف، من دون كبير عناء، أن المضمون لا يستقيم والعنوان، اللهم في الإحالة إلى مبحث الهرمينوطيقا وأطروحات فلاسفتها، إضافة إلى التركيز على أهمية هذه الأطروحات في قراءة الدين الإسلامي، لكن دون يغامر بقراءة هرمينوطيقية له[28].

بقيت محاولة شبستري حبيسة الفكر الديني التراثي، ولم تَطَلْ مباشرة النص الديني نفسه، بَيْدَ أنه حينما ينتقد الفكر الديني، فإنه ينتقد قراءة معينة للدين من طرف الفقهاء والعلماء، على الرغم من إشادته المستمرة بجهود فقهاء وعلماء أمثال ابن تيمية والغزالي والفرق الكلامية، إلا أن القارئ يتلمس نفحة نقدية لكل هذه الاتجاهات الدينية والفكرية، ومن ثمة نقد تصورهم للنص الديني.

نؤكد في هذا الباب أن شبستري حاول إخراج النص الديني من قبضة التفاسير الفقهية التراثية، مؤكداً على أننا حينما نحبسه داخل سياق تفسير تاريخي معين، نُلفيه لا يساير السياق المتغير للمجتمعات، ذلك أن النص القرآني توجيهي بالأساس وليست مهمته هي التأسيس، لا يهم الدين ما إذا كان نظام الحكم مثلا خلافة أو مُلك... بل هدفه هو نظام العدالة. يعتقد أغلب الناس أن القرآن الكريم كتاب جامع لكل تلابيب الحياة من سياسة واقتصاد واجتماع.... وهو اعتقاد ترسخ بفعل سيطرة قراءة فقهية واحدة للنص الديني، بيد أن شبستري يهدم من الأساس أطروحة مثل هذه، معتبراً مسألة شمولية القرآن الكريم لكل المجالات الإنسانية الفكرية والسياسية والاقتصادية، هو قول مضلل وتعوزه الدقة[29]، إن لم نقل أنه تعبير عن إيديولوجية تنفر من الانتاجات الفكرية الانسانية الكونية، كما أنه تعبير عن مدى الكسل الذي أصاب الفكر الإسلامي حينما لم يستطع مسايرة تطور الفكر الانساني.

تبقى أفكار كهذه مهمة جداً في فكرنا الإسلامي، كونها تنتشله من جُبَّةِ الكسل التي لبسها منذ زمن طويل، بحيث ما أن يظهر علم من العلوم، سواء الطبيعية أو الإنسانية، حتى يحاول الفكر الديني إثبات أن القرآن الكريم تطرق لكل هذه العلوم، فيظهر علم الاجتماع الإسلامي، وعلم النفس النبوي، والاقتصاد الإسلامي... إن أطروحة شبستري تفتح باب الاجتهاد الإسلامي في المجالات المعرفية الأخرى التي لا يطالها النص القرآني، ذلك أن هذا الأخير لا يمكنه أن يشمل كل المعارف والعلوم التي دشنها الفكر الإنساني الكوني، بحيث تساعد مثل هذه النظريات العلمية على انبعاث إمكانيات كبيرة أمام الفكر الإسلامي لتدشين نظريات دينية تجديدية تُخرج العقل الإسلامي من خموله وجموده بدل الركون إلى مضامين القرآن الكريم باعتباره الجامع الشامل.


* نشرت هذه المادة في مجلة "ألباب"، العدد 5، ربيع 2015، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[1]- محمد مجتهد شبستري، الهرمينوطيقا: الكتاب والسنة، ترجمة، حيدر نجف، مراجعة، عبد الجبار الرفاعي، مركزدراسات الدين بغداد، دار التنوير، ط.1، 2013، ص 13

[2]- نفسه.

[3]- لا يشير شبستري إلى الإحالات في الهامش للفلاسفة الدين اعتمد عليهم مما يبين ما قلناه سابقاً من أن الكتاب عبارة عن محاضرات.

[4]- Wilhelm Dilthey, Hermeneutics as fondation of the Geisteswissenschaften, in Richard Palmer, Interpretation theory in Schleiermacher, Dilthey, Hiedegger and Gadamer, Evanston, Nortwestern, UP, 1969, pp, 164-174.

[5]- Paul Ricoeur, Du texte à l’action, Essais d’herméneutique 2, Seuil, 1986, p. 22.

[6]- يمكن العودة إلى Hans Georg Gadamer في تركيزه على أهمية الأحكام المسبقة في كتابه العمدة الحقيقة والمنهج (1960)، والتي تعتبر أساسية في فهم النص، فالقارئ لا يقبل على النص وهو فارغ الذهن بل مُحمل بمجموعة من الاحكام المسبقة التي تساعده على الفهم والتأويل، ذلك أن هذه الأحكام أكبر من أن يُنظر إليها أنها مجرد اعتبارات شخصية، بل تمثل الحقيقة التاريخية لكينونة القارئ. مصدر هذه الاحكام المسبقة هو التراث الذي نحيا فيه، حسبها علاقات حية وأفق نسبح فيه، فمنطق الحكم المسبق يعتبر أن قبل النص هناك نص قبلي، وقبل الفهم هناك فهم قبلي، وقبل التأويل يوجد تأويل قبلي، فالمواضيع التي يقصدها الوعي ليست مستقلة أوموضوعية، بل إنها آفاق منصهرة من تأويلات وقراءات آنية تشكلت في الحاضر والماضي.

انظر، مصطفى العارف، الهرمينوطيقا والفهم، شلايرماخر، دلتاي، غادامير، مدارات فلسفية، مجلة الجمعية الفلسفية المغربية، ع. 14، 2006، ص 151

انظر أيضا:

Hans Georg Gadamer, Vérité et méthode, les grandes lignes d’une herméneutique philosophique, tr. Pierre Fruchon, Jean Grondin, Gilbert Merlio, Seuil, 1996. pp. 293- 303.

[7]- محمد مجتهد شبستري، قراءة بشرية للدين، ترجمة أحمد القبانجي، دار الفكر الجديد، 2007، ص 10

[8]- محمد مجتهد شبستري، الهرمينوطيقا: الكتاب والسنة، سبق ذكره، ص 18

[9]- نفس المرجع، ص 27

[10]- يمكن العودة في هذا المعرض إلى الباحث الشاب رشيد بن الزين الذي كتب مقالا في مجلة Rue Descartes بعنوان: "قراءة القرآن الكريم مع بول ريكور"، وحاول تطبيق مقاربة ريكور الهرمينوطيقية في قراءة بعض الآيات القرآنية. انظر:

Rachid Benzine, « Lire le Coran avec Paul Ricoeur: de la révélation au texte révélateur », Rue Descartes, Revue du Collège International de philosophie, L’Homme capable, autour de Paul Ricoeur, n. Hors série, Paris, 2006, p. 21.

[11]- محمد مجتهد شبستري، نفس المرجع، ص 31

[12]- نفسه، ص 44

[13]- نفسه، ص 50

[14]- نفسه.

[15]- نفسه، ص 51

[16]- نصر حامد أبو زيد، ، مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء بيروت، ط. السادسة، 2005، ص ص 104- 105

[17]- محمد مجتهد شبستري، قراءة بشرية للدين، سبق ذكره، ص 17

[18]- محمد مجتهد شبستري، الهرمينوطيقا: الكتاب والسنة، سبق ذكره، ص 83

[19]- نفسه.

[20]- نفسه، ص 87

[21]- يرى شبستري أن ابن تيمية والغزالي كانا قد دشنا نموذجا للإصلاح الديني، فالأول اعتبر أن الإسلام دخل عليه الكثير من البدع، في حين أن حجة الإسلام اعتبر أن العلوم الدينية اختزلت إلى مجرد علوم سطحية. نفسه، ص 135

[22]- نفسه، ص 144

[23]- حسبنا هنا أن شبستري عندما يشير إلى أهمية المنهج التاريخي في نقد المسيحية، إنما يشير ضمنياً إلى ضرورة اعتماد ذينك المنهج من أجل خلخلة بعض التصورات التي أخذت صبغة المقدس، وهي نفسها التي خُلخلت في المسيحية، وما الإشارة إليها في الكتاب سوى تلميح مبطن إلى ضرورة إخضاع الفكر الديني للنقد التاريخي حتى يتسنى اعتبار الوحي كلام إلهي مقدس، لكنه أصبح تاريخياً عندما انخرط في نقاش مع السياق، ثم مسألة التصور التقليدي للمعجزات باعتبارها حدثت بالفعل، ثم تحويل في دلالة مفهوم الله من الخالق المقدس إلى الخالق الذي يهدف إلى إنقاذ الإنسان. انظر شبستري، الهرمينوطيقا: القرآن والسنة، ص 155

[24]- نفسه، ص 155

[25]- نفسه، ص 171

[26]- نفسه، ص 173

[27]- يمكن العودة إلى كتاب المؤلف، قراءة بشرية للدين، سبق ذكره.

[28]- يمكن العودة إلى محاولات نصر حامد أبوزيد الجادة في هذا المعرض في كتابه: مفهوم النص، سبق ذكره.

[29]- محمد مجتهد شبستري، الهرمينوطيقا: الكتاب والسنة، سبق ذكره، ص 83