المنهج المقاصدي وإعادة التفكير في دلالات النَّص القرآني

فئة :  مقالات

المنهج المقاصدي وإعادة التفكير في دلالات النَّص القرآني

إنَّ من أخصِّ خصائص النصِّ القرآني أنَّه نصٌّ متعدّد الدلالات Polysémique))، وهذه الخاصيَّة عبَّرت عنها منذ القديم قولة مأثورة هي "القرآن حمَّال دلالات"، وتجليات هذا التعدُّد واضحة من خلال كثرة التأويلات التي حفظتها كتب التفسير المبكِّرة، وهي تأويلات لا تقتصر على الأنسجة اللّغويَّة الطويلة كالآيات، وإنَّما تشمل أيضاً الوحدات الدلاليَّة الصغيرة كالكلمات والحروف.

ولا يعود الثراء الدلالي للخطاب القرآني إلى طبيعة نصِّه الفريدة من نوعها فحسب، بل كذلك إلى اختلاف مناهج مفسّري هذا الخطاب. وقد برز هذا الخلاف إلى السطح منذ عهد مبكّر في التاريخ الإسلامي، فقد آثر فريق من المسلمين الالتزام في فهم النص القرآني بالقراءة الحرفيَّة والظاهريَّة، في حين ذهب فريق آخر منهم إلى قراءة النص في تفاعله مع الواقع التاريخي انطلاقاً من أنَّ مقصد التشريع خدمة الإنسان ومصلحته. ولعلَّ ما قام به الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب من تعليق العمل بحدِّ السرقة عندما انتشرت المجاعة من أهمِّ مظاهر القراءة الثانية للنص. وهي قراءة لم تكتفِ بالنص وإنَّما سعت إلى إعادة التفكير فيه من خلال وصله بسياق تفعيله التاريخي والاجتماعي.

لعلَّ ما قام به عمر بن الخطّاب من تعليق العمل بحدِّ السرقة عندما انتشرت المجاعة من أهمِّ مظاهر القراءة المقاصدية 

ومن الطبيعي أن تكون هذه المحاولات الأولى محدودة وأقرب إلى العفويَّة ومن دون استتباعات نظريَّة. لكنَّ التنظير لها سيتطوَّر تدريجياً عبر القرون على أيدي كثير من العلماء، منهم إمام الحرمين الجويني (ت 478هـ) وأبو حامد الغزالي (ت 505هـ)، وفخر الدين الرازي (ت 606هـ)، وسيف الدين الآمدي (ت 633هـ)، وعز الدين بن عبد السلام (ت 660هـ)، وغيرهم[1]. فقد تواتر في كتب هؤلاء العلماء وغيرهم مصطلح المقاصد، وانتبه أغلبهم إلى أنَّ الصّلة بين المقاصد والنصوص الشرعيَّة صلة وشيجة. يقول الجويني: "ومَن لم يتفطَّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة"[2]. ويندرج هذا الرأي في سياق التفكير المقاصدي في النص القرآني، وغايته الردُّ على الكعبي المعتزلي (ت 327هـ) الذي اشتهر بإنكار المباح في الشريعة. وقد أفضى اعتماد الجويني للمنهج المقاصدي إلى ريادته في تقديم تقسيم ثلاثي لمقاصد الشرع يتمثّل في الضروريات والحاجيات والتحسينات. وهو التقسيم الذي سيصبح من أسس البحث في المقاصد[3].

إنَّ إعادة التفكير في النص القرآني آلت عند فريق من الأصوليين إلى ربط الصلة بين النص والمصلحة، أي بينه وبين من يتلقَّاه وسياق تلقّيه، فالنص لم ينزَّل خطاباً لغوياً خارجاً عن سياق التنزيل والتلقّي عبر العصور. ولعلَّ حضور ظاهرة النسخ خلال سنوات نزول الوحي من أهمّ ما يعضد هذا الرأي. ففي نحو عشرين سنة من حياة النبي نُسخت نصوص بنصوص وأحكام بأحكام اعتباراً لسُنَّة التغيُّر والتطوُّر المرتبط بالزمن وبتجدُّد النوازل والأحداث، وهذا ما يجعل التغيُّر قانوناً لا تستطيع أجيال المسلمين عبر القرون أن تتجاهل فعله وتأثيره حتى في النص[4].

وقد أدرك الغزالي أثر هذا القانون عندما نظَّر للمصلحة، لكنَّه سعى إلى احتوائه من خلال ربط الاعتراف به بألَّا يكون خارجاً عن مقاصد الشرع الإسلامي المستخلصة من القرآن أو من السُنَّة أو من الإجماع. يقول في هذا الشأن: "فكلُّ مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فهم من الكتاب والسُنَّة والإجماع وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرُّفات الشرع فهي باطلة مطرحة (...)، وكلُّ مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي عُلم كونه مقصوداً بالكتاب والسُنَّة والإجماع فليس خارجاً عن هذه الأصول، لكنَّه لا يُسمَّى قياساً بل مصلحة مرسلة"[5].

وبناء على هذا قسَّم الغزالي المقاصد إلى خمسة أقسام ستصبح قواعد المنهج المقاصدي في فهم النص القرآني، وهي: حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ النسل وحفظ المال[6].

ومع هذا فإنَّ علماء أصول الفقه ظلّوا أوفياء لمنهج الشافعي. وهو منهج قام على فهم النص القرآني اعتماداً على ألفاظه. ولم تحدث نقلة في هذا التوجُّه المنهجي إلا انطلاقاً من أبي إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ) في كتابه "الموافقات". فلأوَّل مرَّة نجد عالماً من العلماء المسلمين يخصّص جزءاً كاملاً من كتابه للحديث عن المقاصد، ويعتبرها علماً مستقلاً وتأسيساً مستحدثاً لأسرار الشريعة وغاياتها[7].

والظاهر أنَّ مبتغى هذا العلم هو إعادة فهم القرآن فهماً مقاصدياً، والتأكيد على أوليَّة القرآن في المنظومة التشريعيَّة والأصوليَّة[8]. وتتمثّل أبرز سمة لموقفه المخصوص من القرآن في أنَّه ينظر إليه باعتباره نصَّاً كُليَّاً، [9]متجاوزاً بذلك منهج الأصوليين قبله القائم على اعتبار القرآن بمثابة نسيج لغوي فقهي ينبغي تأويله كأوامر ونواهٍ ومحكم ومتشابه. وفي كلِّ مبحث من هذه المباحث يقع التطرُّق إلى أمثلة مخصوصة من الآيات فيكون النظر في هذه النصوص غير كلّي بينها. لذلك ارتأى الشاطبي ضرورة تجاوز النظرة التجزيئيَّة التقليديَّة التي تفكِّك الآيات والسور وتعزلها عن واقع نزولها وأسبابه. والبديل في نظره البحث في كُليَّات النصوص الشرعيَّة اعتماداً على مقاصد الشارع العامَّة. وهذه الكليَّات في رأيه "تتأسَّس على قصد الشارع. وجزئيات الشريعة تنتظمها كُليَّات هي المقاصد باعتبار أنَّ كلَّ حكم جزئي من أحكام الشريعة يحمل بالضرورة في طياته المعنى الكُلّي، وهو مقصد الشارع منه"[10]. ولا يعني الانشغال بالكُليَّات والمقاصد الانغلاق في حدود النصوص، بل إنَّه يتجاوز اعتماد الأصوليين على قرائن الأحوال[11]إلى القول بضرورة معرفة سياق الوحي ونزول آيات القرآن لفهم ظاهر لغة القرآن[12]من جهة ومقاصده من جهة أخرى. وقد أدَّى به هذا الاختيار المنهجي إلى رؤية قد تكون جديدة تتعلّق بالتمييز بين القرآن المدني والقرآن المكّي. يقول: "إذا رأيت في المدنيات (الأحكام التي شرعت في المدينة) أصلاً كُليَّاً فتأمًّله تجده جزئياً بالنسبة إلى ما هو أعمُّ منه أو تكميلاً لأصل كُلّي. وبيان ذلك أنَّ الأصول الكُليَّة التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة؛ وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال".[13] ويستخلص من هذا الشاهد ومن غيره أنَّ مقاصد التشريع العليا وقواعده الرئيسيَّة تضمَّنها القرآن المكّي. وحتى لا يبقى كلامه نظرياً قدَّم أمثلة على إرجاع المقاصد الخمسة إلى أدلتها من القرآن المكّي على غرار اعتباره أنَّ مقصد حفظ النفس قد نصَّت عليه آيات مكيَّة كثيرة، كقوله تعالى: "ولا تقتلوا النفس التي حرَّم اللهُ إلا بالحق" (الأنعام 161). ولمَّا كانت هذه المقاصد تبتغي غاية مثلى هي مصلحة البشر، باعتبار أنَّه ما شرّع حكم إلا لجلب مصلحة أو دفع مضرَّة، بدت نظرية الشاطبي لكثير من الدارسين السبيل التي يمكن من خلالها إنقاذ علم أصول الفقه بعد أن أفضت به المنهجيَّة البيانيَّة إلى ضرب من الجمود والتحجُّر، بل إلى مفارقة الأحكام لنوازل الناس المتغيّرة باستمرار. إلا أنَّ مراعاة واقع الناس في المنهج المقاصدي ليست السمة الوحيدة لمقاربة الشاطبي للنصّ القرآني، بل تنضمُّ إليها عدَّة سمات أخرى من أهمّها الوسطيَّة. فالتشريع الإسلامي في نظره يتنزّل - في الأصل - على الطريق الأوسط الأعدل الآخذ بين الطرفين بقسط لا ميل فيه. وعلى هذا جاءت معظم التكاليف كالصلاة والصيام والزكاة...، يقول: "إذا نظرت في كليَّة الشريعة فتأمّلها تجدها حاملة على التوسُّط. فإن رأيت ميلاً إلى جهة طرف من الأطراف فذلك في مقابلة واقع أو متوقّع في الطرف الآخر. فطرف التشديد - وعامَّة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين. وطرف التخفيف - وعامَّة ما يكون في الترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج والتشديد. فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسُّط لائحاً ومسلك الاعتدال واضحاً. وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه".[14]

ويمكن أن نعتبر محاولة الشاطبي في إعادة التفكير في القرآن وأصول التشريع عامَّة قائمة على جملة من العناصر؛ منها إعادة تأسيس قواعد أصول الفقه على كُليَّات قطعيَّة واستبعاد الظنّ من مجال أصول الفقه، فهو يعتقد "أنَّ أصول الفقه قطعيَّة لا ظنيَّة، والدليل على ذلك أنَّها راجعة إلى كُليَّات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي"[15].

ومنها أيضاً التركيز على مقاصد الشرع مقابل تركيز الفكر الأصولي على طلب المعاني من الألفاظ. ومنها التأكيد على مفهوم الكُلّي الذي كان غائباً عن مجال أصول الفقه، لأنَّ ما كان يؤسّسه هو القياس. وهو حمل جزء على جزء، أي تحليل الجزء المقيس والجزء المقيس عليه إلى أجزاء[16]. ومن هذه العناصر المنهجيَّة أيضاً الاستقراء، أو ما عبَّر عنه الجابري بالطريقة التركيبيَّة، وهي تقوم على الانتقال من جزئيات هي الأحكام والنصوص الشرعيَّة الجزئيَّة للوصول إلى الكُلَي وهو مقصود الشرع. وهذه الكُليَّات أو المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضروريات وحاجيات وتحسينات.

وقد اختلفت مواقف المحدثين من نظرية الشاطبي بين مرحِّب ومنتقد، فمن أمثلة الموقف الأوَّل ما ذكره الأستاذ التونسي عبد المجيد الشرفي بقوله: "وكانت محاولة الشاطبي في "الموافقات" حيث اهتمَّ بمقاصد الشريعة لا بالمواضعات اللّغويَّة فحسب محاولة متميّزة وجديرة بأن تعمَّق، ولكنَّها لم تجد بعده من يواصلها ويخلّصها من رواسب التفكير الأصولي المحنَّط".[17]

ومن أمثلة الموقف الثاني ما ذهب إليه الباحث المغربي سالم يفوت، فقد اعتبر أنَّ عمل الشاطبي لم يفارق حقل البحث الأصولي الفقهي، وأنَّ المقاصد تنحدر من القياس وتُعدُّ توسعاً في العمل بإحدى أبرز آلياته وهي التعليل[18].

ومهما يكن من أمر فإنَّ الشاطبي سعى إلى إرساء منهج مقاصدي في مقاربة النص القرآني إيماناً منه بأنَّ "كتاب الله هو أصل الأصول والغاية التي تنتهي إليها أنظار النظّار ومدارك أهل الاجتهاد وليس وراءه مرمى"[19].

وقد فهم هذا الموقف بكونه معبّراً عن اشتراك الشاطبي مع الأصوليين في الاستناد إلى آليَّات ذهنيَّة محدّدة بطبيعة الموضوع وهو النص الديني، ممَّا يجعل بحوثهم علوم معقول من منقول أو علوم بيان يضمُّها أفق ذو إمكانيات خاصَّة به تفرض على كلّ تجديد أن يكون من خلالها"[20]. فالنصُّ يسيج باستمرار كلَّ محاولات التجديد، وهو ما يجعل معنى الاجتهاد مرادفاً لبذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعيَّة من النص المتناهي وإشاراته ومعانيه، وذلك بردّ الفروع والجزئيَّات إلى الأصول والكُليَّات.[21] ومع ذلك فإنَّ العلاقة بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة ظلّت غامضة. ولعلَّ الطبيعة النظريَّة لعلم المقاصد وعدم تأثيره في عمل الفقيه[22]هي التي جعلت عمل الشاطبي يظلُّ فريداً في بابه، ذلك أنَّ كتابه "الموافقات" لن يجد التأثير الفعلي لمضامينه ومنهجه إلا في العصر الحديث.

الطبيعة النظريَّة لعلم المقاصد وعدم تأثيره في عمل الفقيه هي التي جعلت عمل الشاطبي يظلُّ فريداً في بابه 

وكان التجلّي الأبرز للمنهج المقاصدي من خلال كتاب الشيخ التونسي محمد الطاهر بن عاشور "مقاصد الشريعة الإسلاميَّة" الذي صدر سنة 1946م. وقد بدا لهذا الشيخ الزيتوني أنَّ مقاربة النص القرآني من خلال قواعد علم أصول الفقه انتابتها اختلالات عدَّة؛ منها الطابع الظنّي والطابع الخلافي وغياب مقاصد الشريعة. يقول: "إنَّ علم أصول الفقه نشأت فيه أسباب توجب اختلالاً في تعاطيه؛ منها الغفلة عن مقاصد الشريعة فلم يدونوها في الأصول وإنَّما أثبتوا شيئاً في مسالك العلّة (...) وكان الأَولى أن تكون الأصول الأُولى للأصول لأنَّ بها يرتفع خلاف كبير".[23]

ولا شكَّ في أنَّ الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور استفاد من كتب كثيرة كتبت قبله، إلا أنَّه كان أقرب إلى كتاب "الموافقات" للشاطبي منه إلى غيره من الكتب. وهو "وإن كان ينتقد الشاطبي ولا يلتزم أصوله ولا مناهجه، ولكنَّه سار إلى الغاية التي سار إليها الشاطبي في إبراز مقاصد الشريعة وأسرارها محاولاً تطبيقها على الأبواب الجزئيَّة بإيجاد جوامع كُليَّة (...) لتصرُّفات الأحكام. فكان في نظرنا عملاً تطبيقياً للمنهج الذي قلنا إنَّ الإمام الشاطبي لم يطبّقه إلا تطبيقاً جزئيَّاً".[24]

ومن أهمّ إضافات ابن عاشور إحياء المنهج المقاصدي والعمل على تثبيت أركانه إن تنظيراً أو تطبيقاً على أساس لزوم المقاصد للفقيه في جميع أوجه الاجتهاد. وتكمن طرافة ابن عاشور في أنَّه اعتنى اعتناء شديداً بالمقاصد الجماعيَّة أو العامَّة أو مصالح الأمَّة التي كان الاهتمام بها باهتاً عند العلماء القدامى.

وفي هذا الإطار يمكن أن نعتبر أنَّ نظر الشيخ ابن عاشور في النص القرآني خاصَّة وفي عقائد الإسلام وتشريعاته عامَّة جعله يستخلص جملة من المفاهيم المحوريَّة التي تقوم عليها هذه العقائد من النصوص والتشريعات، وهي الفطرة والسماحة والحريَّة (وترتبط بها المساواة) والحق (معناه الاجتماعي القانوني ويرتبط به العدل).[25] والفطرة في نظره هي الوصف الأعظم الذي تنبني عليه مقاصد الشريعة وهي تدلُّ على "الحالة التي خلق الله عليها عقل النوع الإنساني سالماً من الاختلاط بالرعونات والعادات الفاسدة".[26] ويتجلَّى من خلال القرآن الارتباط بين الإسلام والفطرة، لذلك فإنَّ المقصد العام من التشريع في نظر ابن عاشور "لا يعدو أن يساير حفظ الفطرة والحذر من خرقها واختلالها".[27]

ويقوم النظر المقاصدي عند الشيخ ابن عاشور أيضاً على مفهوم السماحة. وهي في نظره أصل قطعي تدلُّ عليه ظواهر كثيرة مبثوثة في النصوص الشرعيَّة. ولمَّا كانت السماحة تعني سهولة المعاملة في اعتدال فهي بذلك ترجع "إلى معنى الاعتدال والعدل والتوسُّط".[28]

وممَّا يتعلّق بالسماحة مفهوماً الرخصة والضرورة. وقد انتبه في هذا السياق إلى ما غفل العلماء عن بحثه وهو الصُّورة العامَّة المؤقتة، "وذلك أن يعرض الاضطرار للأمَّة أو طائفة الأمَّة وإبقاء قوتها أو نحوها". وهو يؤكّد بقوة "أنَّ اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصَّة، وأنَّها تقتضي تغيير الأحكام الشرعيَّة المقرّرة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة".[29]

ولا يقلُّ مفهوم الحريَّة أهميَّة عن مفهومي الفطرة والسماحة، فهو ركن رئيس في المنهج المقاصدي الذي ينظر من خلاله الشيخ ابن عاشور في النص القرآني. ومن هذا المنطلق يرى أنَّ استقراء تصرُّفات الشريعة يدلُّ على أنَّ من أهمّ مقاصدها إبطال العبوديَّة وتعميم الحريَّة، وأنَّ "الاعتداء على الحريَّة نوع من أكبر أنواع الظلم"[30]. ومن أهمّ ما ترتَّب على إيمانه بالحريَّة والتسامح موقفه المرن من الاختلاف المذهبي، فـ"للمسلم أن يكون سنيَّاً سلفياً أو أشعرياً أو ما تريدياً، وأن يكون معتزلياً أو خارجياً أو زيدياً أو إمامياً. وقواعد العلوم وصحة المناظرة تميز ما في هذه النحل من مقادير الصواب والخطأ أو الحقّ والباطل. ولا نكفّر أحداً من أهل القِبلة".[31]

ويرتبط بالحريَّة مفهوما الحق والعدل، "لأنَّ استعمال الحريَّة محوط بسياج من الحقوق، وتحديد الحريَّة مرجعه إلى مراعاة الحقوق التي تحضُّ على الانطلاق في استعمال المرء حريته كما يشاء".[32] والحق والعدل مرتبطان مثلما يتبدَّى من خلال تحديده ماهيَّة العدل بأنَّها "تمكين صاحب الحق بحقّه بيده أو بيد نائبه وتعيينه له قولاً أو فعلاً".[33]

وهكذا فإنَّ هذه المفاهيم الأربعة تمثّل أرضيَّة نظريَّة للمنهج المقاصدي لدى الشيخ ابن عاشور تنير درب من يقارب النص القرآني قصد ربط الصلة بين النص وسياقه الإنساني والاجتماعي والتاريخي.

وقد تواصل استثمار المنهج المقاصدي في مقاربة النص القرآني لدى الباحث المغربي علَّال الفاسي في كتابه "مقاصد الشريعة الإسلاميَّة ومكارمها" الصادر سنة 1963 وفي باقي كتبه، حيث اعتبر مقاصد الشريعة مصدراً أساسياً ضمن مصادر التشريع الأصليَّة. وهي في نظره "المرجع الأبدي لاستقاء ما يتوقّف عليه التشريع والقضاء في الفقه الإسلامي، وأنَّها ليست مصدراً خارجياً عن الشرع الإسلامي، ولكنَّها من صميمه...".[34]

اعتبر علال الفاسي مقاصد الشريعة مصدراً أساسياً ضمن مصادر التشريع الأصليَّة 

وقد كان يعي الصلة الحميمة بين المقاصد والاجتهاد الذي يطال النص الديني ذاته. يقول: "وباب الاجتهاد الذي فتحه الشارع للقادرين عليه من كلّ المسلمين في كلّ عصر وفي كلّ مكان هو الكفيل بمسايرة الشريعة وسدّها حاجة ما استجدّ من المسائل التي لا حصر لها ولا نهاية لوقوعها. والاجتهاد يرجع إلى استنباط الأحكام من أدلّتها التفصيليَّة إمَّا بفهم جديد لآية من كتاب الله أو لحديث من أحاديث الرسول أو انتباه لعلّة يرجع إليها مناط الحكم أو استعمال لمقتضى مقصد من مقاصد الشريعة".[35]

ولعلّ إحدى أهمّ إضافات علَّال الفاسي تركيزه على الوظائف التشريعيَّة الممكنة لفقه المقاصد. يقول رضوان السيّد في هذا الصدد: "فإنَّ الفاسي يُركّز على فلسفة التشريع أو نظريَّة الشريعة، ولذلك فقد عقد للمرَّة الأولى فصلاً طويلاً عن حقوق الإنسان في الشريعة مؤسِّساً لها على الضرورات الخمس، ومضيفاً إليها أصل الحريَّة باعتباره من المصالح الأساسيَّة".[36] وقد تواصل بعد ابن عاشور والفاسي تبني المنهج المقاصدي في مقاربة النص القرآني عند الكثير من المفكّرين والباحثين والإسلاميين. ومن ذلك الإسلاميون التقدُّميون في تونس الذين سعوا إلى فهم النص القرآني من خلال المقاصد الكبرى التي يعمل الإسلام على تحقيقها. وقد اعتبروا "أنَّ فصل النصوص عن أهداف الدين الكبرى قد أدَّى إلى انتشار القراءات التجزيئيَّة وفقدان الرؤية الشموليَّة التي تجعل من القرآن بنية متكاملة وديناميَّة في الآن نفسه".[37] ومن أهمّ آراء هؤلاء الإسلاميين التقدميين ضرورة إبقاء قائمة المقاصد مفتوحة ليتسنَّى إدماج مقاصد جديدة في كلّ زمن يبدو فيه ذلك ضرورياً. وكذلك ضرورة الربط بين المقاصد وحقوق الإنسان التي لم يعد بالإمكان إهمالها ضمن المحاولات الساعية لبناء نظريَّة حديثة في مقاصد الشريعة.

والراجح أنَّ ما ذهبوا إليه من أنَّ الفهم المقاصدي يمكن أن يشكّل آليَّة هامَّة لإخراج الفكر الإسلامي من مآزقه العديدة جدير بالاهتمام. فهذا الفهم المقاصدي يدفع الفكر الإسلامي إلى الانتقال من الحالة الدفاعيَّة والتبريريَّة التي غيبت عنه المنهج التاريخي منذ فترة طويلة إلى حالة من الانفتاح الإبداعيّ تمكّنه من تقديم تصوُّرات وحلول جديدة لقضايا لا تشغل المسلمين فقط بل ترهق الإنسانيَّة أيضاً.[38]

المنهج المقاصدي مطبَّقاً على المسألة الاجتماعيَّة: قضايا المرأة نموذجاً

اهتمَّ الكثير من الباحثين المسلمين المحدثين والمعاصرين بالمنهج المقاصدي، وقد وظَّفوه لتقديم قراءات جديدة مناسبة للعصر في مسائل عدَّة تتعلّق بالمرأة؛ من ذلك مسألة ضرب المرأة التي وردت في الآية 34 من سورة النساء "واللاتي تخافون نشوزهنَّ فعظوهنَّ واهجروهنَّ في المضاجع واضربوهنَّ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً إنَّ الله كان عليَّاً كبيراً". وقد نظر الأستاذ محمَّد الطالبي في هذه الآية التي يستغلّها خصوم الإسلام للتدليل على أنَّه أذلَّ المرأة وجعلها تشريعياً في وضع أسفل من الرجل. وقد بيَّن الباحث التونسي أنَّ النظرة المقاصديَّة للآية بدأت منذ القرن الأوَّل للهجرة. فقد اعتمد التابعي عطاء بن أبي رباح (ت 114هـ) على مقاصد الشرع لمنع الضرب منعاً باتاً، إذ ينقل عنه ابن العربي في "أحكام القرآن" قوله تعقيباً على الآية 34: "لا يضربها وإن أمرها ونهاها فلم تطعه ولكن يغضب عليها".[39] ويعلّق عليه تعليق مساندة: "هذا من فقه عطاء، فإنَّه من فهمه للشريعة ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أنَّ الأمر بالضرب هاهنا أمر إباحة. ووقف على الكراهية من طريق أخرى في قول النبي في حديث عبد الله بن زمعة: إنّي لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه ولعلّه أن يضاجعها من يومه".[40] ويرى الطالبي في تفسير الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور لهذه الآية من حسن إدراك مقاصد الشارع ما لم يجده عند غيره من زعماء الإصلاح.[41] ويقرُّ الشيخ ابن عاشور أنَّ الضرب خطير وتحديده عسير، ثمَّ يضيف: "على أنَّ أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة. بيد أنَّ الجمهور (أغلب العلماء) قيَّدوا ذلك بالسلامة من الأضرار وبصدوره ممَّن لا يُعدُّ الضرب بينهم إهانة وإضراراً. يقول: "يجوز لولاة الأمور إذا علموا أنَّ الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعيَّة مواضعها ولا الوقوف عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة، ويعلنوا لهم أنَّ من ضرب امرأته عوقب، كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج لا سيَّما عند ضعف الوازع".[42]

وعلى أساس قراءة الطالبي المقاصديَّة والتاريخيَّة للآية يستخلص أنَّه إذا كانت إباحة تأديب الزوجة بالضرب إباحة كراهية خيراً في الظروف الخاصَّة التي فرضتها فإنَّ غاية الشارع ومقاصده القصوى تقتضي زوال هذه الإباحة بزوال الظروف التي أملتها.[43]

وقد اعتمد عدد من الدارسين المحدثين المنهج المقاصدي لمقاربة مسألة تعدُّد الزوجات التي نصَّت عليها الآية الثالثة من سورة النساء: "وإن خفتم ألَّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألَّا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألَّا تعولوا". ويرى الإمام المصري محمَّد عبده (ت 1905م) أنَّ الشريعة الإسلاميَّة أباحت للرجل تعدُّد الزوجات إباحة مشروطة بقدرته على العدل بينهنَّ، إلا أنَّ معاينته للمضار الناشئة عن التعدُّد في مجتمعه جعلته يقول: "إنَّ غاية ما يستفاد من آية التحليل إنَّما هو حلُّ تعدُّد الزوجات إذا أمن الجور. وهذا الحلال هو كسائر أنواع الحلال تعتريه الأحكام الشرعيَّة الأخرى من المنع والكراهة وغيرهما (...)، فإذا غلب على الناس الجور بين الزوجات كما هو مشاهد في أزماننا أو نشأ عن تعدُّد الزوجات فساد في العائلات وتعدٍّ للحدود الشرعيَّة الواجب التزامها وقيام العداوة بين أعضاء العائلة الواحدة وشيوع ذلك إلى حدٍّ يكون عامَّاً جاز للحاكم رعاية للمصلحة العامَّة أن يمنع تعدُّد الزوجات بشرط أو بغير شرط على حسب ما يراه موافقاً لمصلحة الأمَّة".[44]

ولئن اعترف الشيخ ابن عاشور بحليَّة التعدُّد وشروطه فإنَّ - لولي الأمر في رأيه - أن يمنع الناس من فعل هذا المباح لوجود مضرَّة فيه.[45]

وقد سار علَّال الفاسي على هذا النهج معتبراً أنَّ المصلحة الإسلاميَّة والاجتماعيَّة تقضي بمنع تعدُّد الزوجات في الوقت الحاضر. فقد أدَّت إباحة التعدُّد إلى الاستهتار بشؤون العائلة، وأفرزت "حوادث مخرّبة لها لم يكن مصدرها غير العبث باستعمال الرجال لفكرة التعدُّد".[46]

وقد تأثَّر الإسلاميون التقدُّميون في تونس بهذه الآراء، وانتهوا إلى إمكانية اعتبار نظام تعدُّد الزوجات ظاهرة تاريخيَّة انتهت بانتهاء أسبابها، مثلها في ذلك مثل نظام العبيد[47].


[1] ـ انظر أحمد الريسوني، نظريَّة المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط 1، بيروت، المؤسسة الجامعيَّة للدراسات والنشر والتوزيع، 1992

[2] ـ الجويني، البرهان في أصول الفقه.

[3] ـ انظر الريسوني، المرجع المذكور، ص 41

[4] ـ راجع الطاهر الحدّاد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع، تونس، 1992، ص 31

[5] ـ الغزالي، المستصفى.

[6] ـ يقول الغزالي في هذا السياق: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم"، المصدر نفسه، 1/287

[7] ـ عبد الله دراز، مقدمة "الموافقات"، 1/6-7

[8]. See wael B. Hallq, The primacy of the Qur’an in Shàtibi’s legal Theory, Islamic.

[9] - يقول حلاّق (Hallaq):

“The most salient characteristic of shatibi’s particular attitude to the Qur’an is that he views this text as an integral whole”, ibid, p 71.

[10] - انظر رياض الميلادي، الكتاب أصلاً من أصول الفقه، رسالة دكتوراه أشرف عليها الأستاذ توفيق بن عامر، وقد صدرت عن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" خلال سنة 2016، ص 332

[11] ـ راجع: Hallaq, Notes on the term Qarina in Islamic legal discourse, JAOS, 108, pp 475-480.

[12] ـ انظر: Hallaq, The primacy of revelation, p 73.

[13] ـ الشاطبي، الموافقات، 3/46-47

[14] ـ الشاطبي، الموافقات.

[15] ـ م ن، 3/29

[16] ـ محمّد عابد الجابري، بنية العقل العربي، ط 1، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1986، ص 561

[17] ـ عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، ط 1، بيروت، دار الطليعة، 2001، ص 169

[18] ـ راجع سالم يفوت، حفريات المعرفة العربيَّة الإسلاميَّة، التعليل الفقهي، ط 1، بيروت، دار الطليعة، 1990، ص 185 وما بعدها.

[19] ـ الشاطبي، الموفقات، 3/43

[20] ـ يفوت، م س، ص 149

[21] ـ الميلادي، م س، ص 344

[22] ـ رضوان السيد، مقاصد الشريعة بين أصول الفقه والتوجُّهات النهضويَّة، مجلَّة التفاهم، السنة 9، العدد 34، خريف 2011، ص 276

[23] ـ محمد الطاهر بن عاشور، أليس الصبح بقريب، القاهرة، دار السلام، تونس، دار سحنون، 2006، ص 177

[24] ـ محمد الفاضل بن عاشور، محاضرات، فصل "بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة". تونس، مركز النشر الجامعي 1999، ص 366

[25] ـ الميساوي، المرجع المذكور، ص 114

[26] ـ ابن عاشور، مقاصد الشريعة، ص 264

[27] ـ المصدر نفسه، ص 266

[28] ـ المصدر نفسه، ص 268

[29] ـ المصدر نفسه، ص 381

[30] ـ محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 177

[31] ـ المصدر نفسه، ص 172

[32] ـ المصدر نفسه، ص 178

[33] ـ محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص 186

[34] ـ علَّال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلاميّة ومكارمها، ط 5، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1993، ص ص 55-56

[35] ـ علَّال الفاسي، دفاع عن الشريعة الإسلاميّة.

[36] ـ رضوان السيد، المرجع المذكور، ص 285

[37] ـ صلاح الدين الجورشي، الإسلاميون التقدميون ـ التفكيك وإعادة التأسيس، مصر، رؤية للنشر، 2010، ص 208

[38] ـ صلاح الدين الجورشي، الإسلاميون التقدميون ـ التفكيك وإعادة التأسيس، مصر، رؤية للنشر، 2010، ص 211

[39] ـ ابن العربي، أحكام القرآن.1، 350

[40] ـ المصدر نفسه، 1/420

[41] ـ محمَّد الطالبي، أمَّة الوسط.

[42] ـ محمَّد الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، 5/44

[43] ـ الطالبي، المرجع المذكور، ص 133

[44] ـ محمد عبده، الأعمال الكاملة، تحقيق محمَّد عمارة، بيروت، المؤسسة العربيَّة للدراسات والنشر، 1973، 2/86

[45] ـ انظر فتاوى الشيخ محمَّد الطاهر بن عاشور، الفتوى رقم 90، جمع وتحقيق محمَّد بن إبراهيم بوزغيبة، ط 1، دبي، مركز جمعة الماجد للثقافة، 2004، ص ص 364-365

[46] - علَّال الفاسي، النقد الذاتي، بيروت، القاهرة، بغداد، منشورات دار الكشَّاف للنشر، (د. ت)، ص 210، وللتوسع في موقف الفاسي من هذه المسألة راجع كتابنا "مراجعة نقديَّة للإجماع بين النظريَّة والتطبيق"، ط1، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013، ص 198

[47] ـ الجورشي، المرجع المذكور، ص ص 116-117