امحمد جبرون: في قضايا السلطة ومصادر الشرعية

فئة :  حوارات

امحمد جبرون: في قضايا السلطة ومصادر الشرعية

امحمد جبرون: في قضايا السلطة ومصادر الشرعية*


مرحباً بكم على منبر مؤسسة مؤمنون بلا حدود.

يوسف بن عدي: كيف يقدّم الدكتور محمد جبرون مساره العلمي والأكاديمي للقارئ؟

د. محمد جبرون: بسم الله الرحمن الرحيم، الأصدقاء في مؤسسة مؤمنون بلا حدود: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأستغل هذه المناسبة لأشكركم على هذا الدور التنويري الذي تقومون به في سبيل نهضة أمتنا وتقدّمها.

أمّا عن شخصي المتواضع، فالدكتور امحمد جبرون، أستاذ التعليم العالي مؤهل بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بمدينة طنجة، متخصص في التاريخ، وتاريخ الفكر السياسي الإسلامي تحديداً، حصل على الدكتوراه من جامعة عبد الملك السعدي بتطوان ـ شمال المغرب سنة 2005، نشر إلى حد الآن ما يفوق عشرة كتب في مجالات التاريخ والفكر السياسي الإسلامي والحركات الإسلامية...، ومن أهمّ هذه الكتب "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة" (2014) الذي صدرت منه لحد الآن طبعتان، وآخر أعماله "نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره" (2015) الفائز بجائزة المغرب للكتاب صنف العلوم الإنسانية، وكان أول فائز بالجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية التي يمنحها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة، وذلك سنة 2012.

يوسف بن عدي: من المشكلات العويصة في السياق السياسي العربي ـالإسلامي هيمنة علاقة الديني بالسياسي، التي تتجلى في حقول عدة: الكلام والأصول والتصوف ...، حتى البحث في أصول السلطة العلمية في الإسلام هو بحث في بينية السلطة السياسة، فأحياناً تفسير ما هو ديني بالسياسي وما هو سياسي بالديني. كيف تنظرون وتفسرون، د. جبرون، هذه المعضلة؟

د. محمد جبرون: نعم، هذه الحقيقة واضحة عند مراجعة المتون التراثية المختلفة، وتتجاوزها إلى الكثير من الأدبيات الفكرية المعاصرة، والذي يجب الانتباه إليه أثناء حديثنا في هذه الحقيقة أو محاولة تفسيرها، أنّ تشكل الحضارة الإسلامية وازدهارها بما في ذلك تشكل المتن السياسي تمّ خلال العصر الوسيط، حيث كانت الكلمة العليا للمرجع الديني وفي كلّ الحساسيات الحضارية شرقاً وغرباً. وكان طبيعياً في هذا السياق أن يختلط الدين بسائر أشكال التعبير الإنساني مهما اختلفت، وهو ما نلاحظه في الإسلام والمسيحية خلال العصر الوسيط، حتى أنّك لا تكاد تجد فرقاً بينهما من حيث المبدأ المنهجي والغايات، وإن اختلفت الاستدلالات وتعارضت النهايات.

وعموماً، إنّ هذه الإشكالية في أصلها ليست إشكالية إسلامية صرفة، بل هي إشكالية تاريخية وسيطية مسّت كلّ الحضارات الإنسانية في هذا العصر بأشكال متفاوتة، ومن ثمّ من الخطأ الجسيم اعتبارها خاصية حضارية عربية وإسلامية من جهة؛ ومن الخطأ الجسيم ـ أيضاً ـ اعتبارها خاصية الدين الإسلامي، يستقلّ بها دون الأديان الأخرى، ومن ثمّ فالتقدم الحضاري الذي حققته الإنسانية وخاصة في المجال الغربي سمح لنا بملاحظات هذه الخاصية، وتحديداً في المجال الإسلامي الذي ما زال وفياً لروح الثقافة الوسيطية.

يوسف بن عدي: ما مبررات الانتقال، بالمعنى السوسيولوجي، من الجماعة المؤمنة إلى تأسيس دولة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الإسلام؟ ثمّ، هل هذا مؤشر على أنّ التدبير السياسي والتنظيمي من لواحق الدين وليس من أصوله القاعدية؟

د. محمد جبرون: من الأمور التي ما زال فيها وعي المسلمين مضطرباً، إن لم نستعمل وصفاً آخر أكثر سوءاً، مسألة تكون دولة الرسول، فالكثير من المؤمنين ينظرون إلى ظهور دولة الرسول كاستجابة لأمر ديني أو سنّة شرعية، ولا يلتفتون في هذا السياق إلى التاريخ وعوامله الفاعلة في هذا السياق. وهذا الخلل على صعيد الوعي مسؤول اليوم عن كثير من الضلالات السياسية والانحرافات السلوكية.

إنّ الكيان السياسي البسيط الذي أسّسه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي نسمّيه مع قدر من التجوز بالدولة، كان في الأصل استجابة لتحولات سياسية وتاريخية عاشها المجتمع المديني بكلّ طوائفه بعد هجرة المسلمين والتحاقهم بالمدينة، فوثيقة الصحيفة التي دخلت في عهدها سائر المكونات القبلية للمدينة كانت وثيقة سياسية غير دينية، توخت معالجة عدد من المشاكل البينية التي كانت تقع بين فرقائها، من ذلك دفع الظلم وتسوية المشاكل الثأرية مدنياً ودون عنف أو قتال والتناصر ومواجهة كلّ من يهاجم المدينة من الخارج.

وكما هو واضح من خلال هذه الظروف أنّ تأسيس هذا الكيان الدولتي البسيط والجنيني كان تأسيساً تاريخياً ومدنياً، ولم يكن ـ أبداً ـ تأسيساً دينياً، بالرغم من إشراف الرسول عليه، وقد حاولنا تفصيل هذه المسألة وبيانها بما يكفي في كتابنا "نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوره".

وإجمالاً، إنّ تديين الواقعة السياسية الأولى في الفكر السياسي الإسلامي (دولة الرسول) هو أمر متأخر، جلَّى التأثيرات الوسيطية بقوة، وجلَّى أيضاً التأثيرات الثقافية الخارجية بقوة، وفي مقدمتها التأثير الفارسي والساساني. ونحن اليوم بحاجة إلى تجديد الوعي واستعادة الخصائص المدنية والتاريخية لهذه الواقعة التي حجبتها "الطبقات" الثقافية للعصور الوسطى.

يوسف بن عدي: من المعلوم أنّ لكلّ سلطة أو دولة ناشئة شرعية ومشروعية تبرر دواعي وجودها وأسباب قيامها. أين يمكن قياس شرعية السلطة السياسة في الاجتماع العربي الإسلامي ومن أين تستمد شرعيتها؟

د. محمد جبرون: إزاء هذا السؤال يجب التمييز بين طورين في الخطاب الإسلامي حول الشرعية السياسية للدولة، ففي الطور الأول الممتد من عهد الرسول إلى عصر التدوين أي إلى بداية المائة الثانية كانت الشرعية في تحققاتها التاريخية المختلفة شرعية مدنية وتاريخية، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما هو سياسي كان إنساناً يتصرف بموجب عقلاني، يشاور ويتحاور...، وكذلك كان الأمر مع الخلفاء الراشدين والعصر الأموي، ولهذا فأنا أعتبر "الاستبداد" الأموي استبداداً مدنياً بالدرجة الأولى مقارنة مع الاستبداد العباسي الذي اتخذ طابعاً دينياً منذ بداية الدولة العباسية، أمّا الطور الثاني والممتد بعد عصر التدوين فقد شهد استناداً واعتماداً قوياً على الدين في بناء الشرعية السياسية للدولة، حيث أمست مقالات المتكلمين وأحكام الفقهاء مؤسسة لشرعية الإمام تتجاوز كلّ مصادر الشرعية الأخرى المرتبطة بعوامل تاريخية ومراجع مدنية.

إنّ هذا الوعي المختلف بتقلبات الشرعية في التاريخ يسمح لنا بإخراج جوهر الإسلام من الاستلاب التاريخي، ويسمح لنا أيضاً بتوظيف جديد ومختلف للإسلام في إطار الدولة الحديثة.

يوسف بن عدي: إلى أي مدى يمكن اعتبار أنّ هذه الدولة أو السلطة مدنية ذات فواعل موضوعية ومدنية وتاريخية وليست دينية وقيمية فحسب؟

د. محمد جبرون: بالتأكيد، فالذي يجب أن نعيه ونتشبث به في هذا السياق من القول، أنّ التواريخ تتحاور مع الدين وتأخذ منه وتعطيه بحسب الظروف والأحوال، فإذا كانت في أطوار معينة كانت تواريخ دينية أو تكاد، فإنّ التاريخ الراهن مختلف عن الماضي اختلافاً كبيراً وجوهرياً.

يوسف بن عدي: وهل نفهم من هذا أنّ البحث في القيم والأحكام هو الذي أضفى على هذه السلطة الطابع الديني المتوارث إلى اليوم؟

د. محمد جبرون: يجب أن نوضح في هذا السياق أنّنا من خلال أطروحتنا في هذا الباب لا نعيد تقييم التاريخ وقراءته بأثر رجعي، وهو خلل منهجي من شأنه أن يتسبب في كثير من الانحراف في الفهم والوعي، بل الذي نريد أن نلفت الانتباه إليه هو مفهوم "الإسلام السياسي"، هل هو الأحكام أم الشريعة أم مباحث الإمامة ومقالات المتكلمين أم السياسة الشرعية، أم ماذا؟ في تقديرنا أنّ "الإسلام السياسي" هو حزمة قيم تحيلنا إلى جوهر الإسلام والدين عموماً، هذه القيم التي تحققت في الماضي من خلال مفاهيم وأشكال وأنماط ونظم تاريخية، وهي قابلة اليوم للتحقق من خلال مفاهيم وأنماط وأشكال الحداثة وغيرها، بمعنى آخر إنّها مفتوحة على المستقبل، ومتحرّرة من كلّ أشكال الاحتكار الماضوي.

ومن ثمّ، وفي الجوهر: إنّ الأخلاقية السياسية الإسلامية تتعلق أساساً بالقيم المرجعية الكليّة والعليا التي احتفى بها المقدّس وهو القرآن، وتمثلها النموذج النبوي والراشدون من بعده، وهو ما يجب إدراكه اليوم.

وقد حاولنا في كتابنا "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة" تتبع تحقق بعض هذه القيم على المستوى التاريخي.

يوسف بن عدي: لعل المتأمل في الأحداث المشهودة في الفكر والاجتماع والسياسة في العالم العربي اليوم يقرُّ بفرضية استبداد الهاجس الديني وسطوته وتأويلاته أحياناً على مدارات المجتمع وبنياته المختلفة والمتنوعة. كيف، إذن، نفسّر رفع الطلب الإيديولوجي إلى تطبيق الشريعة وتحكيم الدين في السياسة وما له من آثار فادحة؟

د. محمد جبرون: إنّ مشكلة ازدياد الطلب الإيديولوجي على الإسلام في المجال السياسي أمر طبيعي ومفهوم إذا أخذنا بالاعتبار الظرف الانتقالي الحرج الذي دخلته الدول العربية والإسلامية منذ النصف الثاني من القرن 19م وبعد الاستقلالات الوطنية في منتصف القرن الماضي، وبروز سؤال موقع الدين في الدولة الوطنية الحديثة بشكل حاد.

لكنّ المؤسف في هذا السياق الطبيعي والتاريخي أنّ الفكر السياسي الإسلامي لم ينجح في مواكبة هذا الظرف الانتقالي وإنتاج الأجوبة والأطروحات المناسبة لدخول عصر الحداثة، حيث وجدنا معظم الأدبيات في هذا السياق أدبيات استعلائية تستنسخ تجارب الغرب وأجوبته، أو أجوبة تقليدية لا تعترف بسلطة التاريخ وحكمه، وهو ما أدى إلى تمزقات عنيفة وصدامات مكلفة ما زالت مستمرة إلى اليوم.

إنّ الظرف الانتقالي الذي تجتازه الأمّة العربية اقتضى وما يزال إصلاحاً جذرياً في الإطار الديني، وهو الإصلاح الذي ما زال متأخراً، فإخراج الإسلام من مجال الإيديولوجيا والصراع الطائفي أو الحزبي مرتبط ارتباط ضرورة بابتكار مقالة إسلامية حديثة على غرار ما قام به واصل بن عطاء وأبو الحسن الأشعري في يوم من الأيام، وهو ما لم ينجح فيه المسلمون بعد قرابة قرن من الزمان من المحاولات والتجارب.

يوسف بن عدي: أليس بالفعل، كما يقول المغربي عبد الإله بقلزيز، إنّ "أزمة الدولة والسياسة هي من "فعل السياسة لا من فعل الدين...، وذلك لأغراض سياسية لا علاقة للدين بها، حتى وإنْ استخدموا في ذلك مفردات الدين، وادّعوا ما بينه وبين السياسة والدولة من صلة...؟" ما رأيكم في هذا الكلام؟

د. محمد جبرون: يبدو لي أنّ هذا الفهم للإشكالية الذي يردّها لأسباب سياسوية فهم تقليدي ومتجاوز، فالقراءات والأطروحات الجديدة في هذا الباب تنطلق من حقيقة أساسية وهي أنّ الإطار الأخلاقي سواء كان دينياً أو مدنياً لا يمكن قطعه وفصله عن الحياة المادية والتاريخية للناس في بعدها السياسي والاقتصادي...، ومن ثمّ بدل إنكار هذه العلاقة وتركيز الجهد النقدي على خلفياتها وجب الاعتراف بها أولاً ومراجعتها في ضوء متطلبات الحداثة والتقدم، والدين بشكل عام والإسلام على وجه الخصوص مبدئياً وفي جوهره لا يمكن أن يكون معاكساً للإنساني فينا، لا يمكنه أن يكون ضد تطلعات الإنسان التحررية والتقدمية، ولم يكن في يوم من الأيام بهذه الصورة.

إنّ الإسلام بتأويل تقليدي ـ تاريخي يطرح صعوبات حقيقية أمام بناء الدولة الحديثة الديمقراطية، ولا يمكن بحال من الأحوال تجاهل هذه الحقيقة أو القفز عنها، ولا يمكن الخروج من سلطان هذا التأويل ومضاعفاته السياسية والحياتية إلا بابتكار تأويل جديد يتجاوب مع متطلبات التحديث السياسي. ومن ثمّ فالاعتراف بهذه الحقيقة يعتبر مقدمّة رئيسة لإنتاج هذا التأويل.

يوسف بن عدي: عطفاً على منجزات الفلسفة السياسية الحديثة والمعاصرة على مستوى الأفكار والإشكالات والقضايا، وما يجري اليوم من سجال عن نظرية العدل ومعايير الديمقراطية والمواطنة الكونية والدولة ما بعد العلمانية... إلخ، هل توجد شروط إمكان التفكير في السياق الإسلامي العربي الراهن عند دولة العدل والحق بالمعنى المدني؟

د. محمد جبرون: أظنّ أنّنا في العالم العربي ما زلنا بعيدين عن هذا النقاش، فالعالم العربي ما زال يعاني من أجل بناء الدولة الوطنية، المواطنة، الديمقراطية، دولة الحق والقانون...، أمّا ما ذكرتموه فهو مظهر من مظاهر إشكالية "ما بعد الحداثة السياسية" التي دخلها الغرب في سياق العولمة والكونية.

وقناعتي في هذا السياق أنّ مفكري السياسة العرب يجب ألّا يستوردوا الإشكاليات التي من شأنها تزييف النقاش السياسي والفكري وجعله في جميع الأحوال مجرد صدى للخارج، ومساهمة غير مباشرة في إقصاء العرب من الدينامية التاريخية الحقيقية.

لا يمكن للعرب أن يقفزوا عن استحقاقاتهم الثقافية والفكرية والارتباط باستحقاقات الغرب في سعيهم للحداثة والتقدم، إنّ المثقف العربي في هذه الظرفية الحرجة بحاجة وأكبر من أي وقت مضى إلى الالتزام الفكري والثقافي الذي يجعله أداة فعالة في معركة الإصلاح والحداثة والتنوير والتقدم.

يوسف بن عدي: ما هي الإضافة القوية التي نافحتم عنها في كتابي: "مفهوم الدولة الإسلامية: أزمة الأسس وحتمية الحداثة" (2014)، و"نشأة الفكر السياسي الإسلامي وتطوّره" (2015)؟

د. محمد جبرون: إنّ مشروعي في تجديد الفكر السياسي الإسلامي الذي عبّرت عنه جزئياً في العملين المشار إليهما أعلاه يسعى إلى تطوير مقاربة جديدة في بناء الأخلاقية الإسلامية في المجال السياسي، وتقوم هذه المقاربة على كشف كيف تقمّص التاريخ العربي قميص الدين، حيث أمسى تديننا مخترقاً اختراقاً فاضحاً من طرف التاريخ، وخاصة في المجال السياسي، ومن ناحية أخرى نسعى من خلال عملنا هذا إلى كشف الجوهري في الإسلام الذي يوجد أمامنا وليس وراءنا، والذي يسهّل اندماج المسلم في عصره وتاريخه دون عقدة نقص.

يوسف بن عدي: شكراً لكم الصديق والدكتور الباحث محمد جبرون على هذا الحوار الراقي.


* نشر هذا الحوار في: "الدولة والدين في الفكر العربي المعاصر"، إشراف وتنسيق الطيب بوعزة و يوسف بن عدي، سلسلة ملفات بحثية، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.