انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي

فئة :  مقالات

انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي

انعكاسات الطائفية السياسية على الاستقرار السياسي*


مقدمـة

لما كانت حياة الإنسان مستعصية على أن تكون بهيئة واحدة لا تلوّنَ فيها، فقد وُجِدَ الاختلاف مقابلاً للائتلاف، تماماً كما هو الحب مقابل الكره، وكذلك بقية الثنائيات التي تجعل الواقع الإنساني جدلاً لا ينتهي إلا بنهاية الحياة نفسها.

وجد الاختلاف مقترناً بالإنسان، سواء في الجنس أو العرق أو اللغة أو المعتقد، وقد ارتبطت الاختلافات بين البشر في معظم المراحل التاريخية بالصراعات التي تعددت أسبابها، فإمّا عرقية استتبعت تطهيراً عرقياً، وإمّا دينية أنتجت تطرفاً وتعصباً قادا أحياناً كثيرة إلى حروب سجل التاريخ آثارها المدمرة حتى يومنا هذا، وإمّا مذهبية ساهمت في تفتيت كيانات سياسية كانت من قبل مضرب الأمثال في القوة والاتحاد.

لذلك كان الاختلاف غير البنّاء[1] في ظل مفهوم الدولة الحديثة مصدر تهديد لاستقرارها باعتبار تشكلها من طوائف متعددة يصعب عليها غالباً الوصول إلى توافقات تفضي إلى قرارات سياسية تراعي كافة الحقوق الاجتماعية والسياسية للفرقاء من المواطنين.

من هنا تبرز الطائفية السياسية إشكالية تتعلق بتمثيل جميع الطوائف من ناحية، وتختبر قدرة النظام السياسي على استيعاب التعددية من دون الإضرار بأيّ حق من حقوق الطوائف من ناحية ثانية.

بحثنا - على اختزاله ـ يروم الإجابة عن سؤالين اثنين:

- ما الذي يجعل الطائفية السياسية خطراً على الاستقرار السياسي للدولة؟

- أليس للطائفية السياسية مدلولات إيجابية فضلاً عن مدلولاتها السلبية؟

1- تعريف الطائفية السياسية:

هي انتقال الطائفية، بمفهومها العام، من تواجدها على مستوى الأفراد داخل المجتمع الواحد إلى التمثيل السياسي للطوائف التي ينتمي إليها هؤلاء الأفراد وتجسيدها في مستوى الدولة الحاضنة للجميع.

هذا الضبط العام لمفهوم الطائفية السياسية فتح الباب للنظر فيه وتدقيقه من اتجاهين مختلفين: الأول سلبي والثاني إيجابي.

الاتجاه السلبي: ينظر إلى الطائفية عموماً على أنّها مصطلح سليم في الأصل، لكن بمرور الوقت وتطور الأحداث أُلصق بمفاهيم أخرى حُيِّدَتْ عن معناها الحقيقي.

ورد في الموسوعة السياسية أنّ "الطائفية نظام سياسي اجتماعي متخلف، يرتكز على معاملة الفرد جزءاً من فئة دينية تنوب عنه في مواقفه السياسية، ولتشكل مع غيرها من الطوائف الجسم السياسي للدولة...، وهو كيان ضعيف لأنّه مكوّن من مجتمع تحكمه الانقسامات العمودية التي تشق وحدته وتماسكه"[2]، هذا يعني أنّ الانقسام يبدأ من بنية النظام السياسي لينتهي إلى طبقات المجتمع، في الوقت نفسه الذي يجعل فيه الولاء الطائفي أقوى من الولاء الوطني الذي يفترض توحيده لكافة الأفراد تحت مبدأ المواطنة.

إنّ الخطر الطائفي يكون مضاعفاً إذا تلبّس بالسياسي، وهو ما ذهب إليه برهان غليون عندما اعتبر الطائفية منتمية إلى مجال السياسة لا إلى مجال الدين، باعتبارها تعني "مجموعة الظواهر التي تعبر عن استخدام العصبيات الطبيعية الدينية والإثنية والزبائنية المرتبطة بظاهرة المحسوبية والمافيا...، من أجل الالتفاف على قانون السياسة العمومية، وتحويل الدولة من إطار لتوليد مصلحة كليّة إلى أداة لتحقيق مصالح جزئية خاصة"[3]. إذن فوجود التعددية المذهبية داخل الدولة أمر طبيعي ما لم يتمّ استغلالها لتغليب طائفة على أخرى، أو استئثار إحدى الطوائف بالسلطة لتأجيج الصراع المذهبي وتقوية النعرات الطائفية التي تعتبر ورقة رابحة يستخدمها النظام السياسي وأصحاب النفوذ وسيلة ضغط يلجؤون إليها وقت الحاجة بدافع حراك اجتماعي أو ثورة شعبية.

الطائفية السياسية بهذه الشحنة السلبية معارضة لفكرة العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يسود بين مواطنين أحرار متكافئين ومتساوين، بغض النظر عن هوياتهم الاجتماعية[4]، وبالتالي تغدو نقلاً للطائفية المجتمعية القائمة على انتماء الأفراد لنحل أو ملل معينة إلى حيز سياسي تحتكر فيه السلطة لمصلحة طائفة دون أخرى، نقلاً يهدد لا محالة الاستقرار المنشود.

الاتجاه الإيجابي: ينظر إلى الطائفية على أنّها نظام قانوني يناسب الدول متعددة الإثنيات والطوائف أكثر من أيّة صيغة أخرى، بغض النظر عن النتائج الواقعية للنظام التي تتسبب فيها عدة عوامل.

فهناك من الباحثين من يرى أنّ الطائفية السياسية مكون أساسي للنظام السياسي والاجتماعي، إذ هي تؤمّن التوازن السياسي بين مكونات المجتمع المتعدد[5]، بمعنى أنّ نظام الطائفية السياسية يسمح بتمثيل جميع الطوائف التي تتشكل منها المجتمعات شديدة التعددية، وتكون على مستوى واحد دون تغليب فئة على أخرى، لذلك يعدّ هذا النظام خياراً لا بدّ منه للحكم، دون أن يكون في ذلك أيّ خرق للقانون أو تجاوزه، لأنّ نظام الطائفية السياسية وإن كان منطوياً على نتائج سلبية إلا أنّه يُعدّ شكلاً من أشكال التنظيم السياسي للمجتمع، حيث يتمّ تنظيم جهاز الدولة على أساس الإرث التاريخي والديني للمؤسسات وعلى أساس تمثيلية أكبر لمختلف الطوائف في تسيير هذه المؤسسات (مدارس، شركات، جمعيات، محاكم، صحف...).[6]

من خلال هذين الاتجاهين نخلص إلى الإقرار بأنّ الطائفية السياسية ـ نظاماً سياسياً ـ تُعتبر خياراً توفيقياً ومناسباً لحكم الدول المتعددة المذاهب والإثنيات، ولكننا نجدها في إطارها الواقعي (ممارسة السلطة فعلياً) تعتمد كثيراً على سياسة المحاصصة التي تخلف العديد من النتائج السيئة، وتكرّس الانقسام بين الطوائف وتنفي الولاء للوطن.

2- الاستقرار السياسي: تعريفه ومؤشراته

تعريفـه: يتمثل الاستقرار السياسي في قدرة النظام السياسي على التعامل بنجاح مع الأزمات التي تواجهه، وقدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع، بشكل يستطيع من خلاله المحافظة عليها، في دائرة تمكنه من القيام بما يلزمه من تغييرات للاستجابة للحد الأدنى من توقعات المواطنين وحاجاتهم[7].

إنّ هذا التعريف العام للاستقرار السياسي يبدو فضفاضاً غير واضح المعالم، يدفعنا إلى ضبط مفهوم أكثر تحديداً، نرى بموجبه الحديث عن الاستقرار السياسي مرهوناً بأربعة أبعاد أساسية هي: حكومة مستقرة، نظام سياسي مستقر، دستور، قرار سيادي. ينضاف إلى هذه الأبعاد الأربعة مفهوم رئيس هو مفهوم "الشرعية" الذي يجعل سلطة النظام نابعة من خيار شرعي نزيه غير مشكوك فيه، فعندما يستمدّ النظام سلطته من الشعب يكون هنالك لا محالة استقرار يضمن استمراريته[8].

إنّ الاستقرار السياسي غاية لا تتحقق إلا بتضافر النظام السياسي وأفراد المجتمع على حد سواء، فعندما يحظى النظام بقبول شعبي، نتيجة سياساته المشجعة التي تضمن نتائج ملموسة، فإنّ المواطن يعتبر هذا النظام ممثلاً له، فيتولد في داخله ولاء له، ويتعمق لديه الحس الوطني الضامن للمحافظة على مؤسسات الدولة والنظام الاجتماعي العام.

مؤشراته: تختلف المقاربات في تحديد هذه المؤشرات باختلاف المنهج والمرجعية، فهناك من ينطلق في تحديدها من المفهوم المخالف، أي اللا استقرار السياسي بدعوى كثرة عدم الاستقرار في دول عديدة فقدت سيادتها وتفككت مؤسساتها وتغذت فيها النعرات الطائفية وتعمق داخلها التفاوت الاجتماعي والحيف الاقتصادي (العراق/ ليبيا...)، وفي المقابل هناك من ينظر في الظاهرة بحصرها في إطار بحثي معين من خلال تجارب بعينها في دول معينة.

وأياً كان منهج النظر في المسألة، يمكن أن نلخص مؤشرات الاستقرار السياسي فيما يلي: [9]

  • الانتقال القانوني للسلطة داخل الدولة.
  • شرعية النظام السياسي.
  • السيادة.
  • الثبات في مناصب القيادات السياسية.
  • الاستقرار البرلماني.
  • الديمقراطية وتدعيم المشاركة السياسية.
  • غياب العنف واختفاء الحروب الأهلية والحركات الانفصالية ونزعات التمرد.
  • وجود مبدأ المواطنة.
  • الاقتصاد الناجح.
  • قلة الهجرة الداخلية والخارجية.

هذه نقاط عشر تشكل ملامح الاستقرار السياسي في أيّ نظام، قد تختل بمؤشرات رسمية موجهة ضد النظام (المظاهرات، أحداث الشغب، الأزمات السياسية) وأخرى غير رسمية موجهة ضدّ مؤسسات النظام (ارتفاع الأسعار، ارتفاع مستويات البطالة أو الفقر، معارضة التوجهات العامة للمواطنين...) ولكنها في الحالتين تبقى مربوطة بظاهرة معينة في دولة ما بسبب زعزعة الاستقرار فيها، وبالتالي فتعميمها لا يستقيم.

3- الطائفية السياسية والاستقرار السياسي:

ذكرنا آنفاً كيف نظر المهتمون إلى الطائفية السياسية من خلال اتجاهين مختلفين تعريفاً وعلاقة بالنظام السياسي: اتجاه إيجابي وآخر سلبي. وانسجاماً مع هذا النظر الذي تبنيناه، يَحُسنُ منهجياً أن ننظر في علاقة الطائفية السياسية بالاستقرار السياسي من الاتجاهين نفسيهما.

أ ـ الاتجاه الإيجابي: أهمية الطائفية السياسية في الاستقرار السياسي

المقصود به التعرف إلى أهم المزايا التي يحملها نظام الطائفية السياسية بالنسبة إلى المجتمعات التي تتميز بتنوع إثني، أو عرقي، أو ديني، وقدرته على خلق نوع من التعايش بين مختلف الطوائف داخل الدولة الواحدة، من هذه المزايا:

  • حقوق الأقليات ضمن مبدأ المواطنة: إنّ مصطلح "الأقليات" يعني مجموعة سكان دولة أو إقليم تخالف الأغلبية في الانتماء العرقي أو اللغوي أو الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة موقفاً سياسياً وطبقياً متميزاً، أي دون اتخاذ موقف عدائي ضد الأغلبية.

والجدير بالملاحظة أنّ التعامل مع الأقليات يتخذ اتجاهين متباينين حسب قرب الدول ذات الطوائف المتعددة من الممارسة الديمقراطية من عدمه، ففي الدول "المتقدمة" لا يشكل تواجد الأقليات عقبة أمام الوحدة الوطنية، فالكل يساهم في الوحدة الاجتماعية، أمّا في الدول "المتخلفة" فقد عملت الإمبريالية بتواطؤ مع عملائها في الداخل على إشاعة مبدأ "فـَرِّقْ تَسُـدْ" من خلال تحريض الأقلية ضدّ الأكثرية بدعوى أنّها مضطهدة، وأنّ الأغلبية تعامل الأقلية وكأنّها لا تنتمي إلى الوطن فيضعف بذلك ولاؤها الوطني[10]. وعند الحديث عن دور نظام الطائفية السياسية في حماية الأقليات فإنّ هذا النظام وفق مبدأ التوافق، وفي إطار مبدأ المواطنة يضمن للأقليات العيش ضمن علاقات وتفاعلات اجتماعية تجعلها بحكم الواقع متكافئة وفق عملية الأخذ والعطاء، تحت أسس ديمقراطية من شأنها تحقيق حرية الرأي والمساواة في الحقوق والواجبات، والالتزام بالولاء الوطني إطاراً جامعاً لكافة الأجزاء المتباينة والمتنوعة دون النظر إلى الانتماءات الطائفية أو الدينية أو القبلية الضيقة[11].

وبالتالي فقد أصبح التمثيل الطائفي في نظام الطائفية السياسية معياراً أساسياً لضمان حقوق الأقليات، لأنّه في ظلّ المجتمعات التعددية والتوازنات السياسية لا يوجد تمثيل سياسي على أساس وطني بحت وغير طائفي يستطيع تجسيد كافة الطوائف على الساحة السياسية[12].

لهذا السبب نجد مفكراً مثل برهان غليون يذهب إلى اعتبار التخلي عن نظام الطائفية وتمثيل العشائرية والعصبية كما لو أنّه تخلٍّ عن المواطنة والحقوق السياسية، ولذلك يصبح الأمر حسب زعمه، من قبيل الشر الذي لا بدّ منه، لأنّ التخلي عن الطائفية يقود إلى فقدان كل سلطة وكل مشاركة في اتخاذ القرارات التي تخص الجماعات الأقلية، ومن ثم يؤدي إلى فقدان القدرة على المساهمة في إنجاب سلطة متحكمة في الأفراد، وهو وضع تجد فيه الطائفة الأقل نفسها أمام وضع يحتّم على كل فرد منها الاحتماء بطائفته التي تعمل بصفة الحزب السياسي الذي يدافع عن مصالح منظوريه ويحل مشكلة انتمائهم لها في ظل غياب طرق أخرى تلجأ إليها الطائفة، من أجل تأمين حياة أفرادها، وضمان كرامتهم وتوازنهم النفسي والمادي[13] أو اللجوء إلى بدائل أخرى غير سياسية، عندما لا يلقى صوت هذه الفئات استجابة من السلطة الحاكمة، وغالباً ما تكون هذه البدائل عكسية النتائج لأنّ منطلقها العنف والتمرد.

  • الديمقراطية التوافقيّة: نجد لها مسميات أخرى من قبيل: الديمقراطية الطائفية، الديمقراطية الاتفاقية، الديمقراطية التعددية والديمقراطية غير المسيّسة.

وتعرّف الديمقراطية التوافقية اصطلاحاً بأنّها منح القوى السياسية التي تعبّر عن مصالح الطوائف المكونة للمجتمع حق "الفيتـو" المتبادل، من أجل إيقاف قرارات القوى السياسية الأخرى إذا رأت الكتلة الطائفية ـ مهما كان وزنها - أنّها ضارة بمصالحها، مع افتراض انقسام مجتمعي خطير، لا يمكن احتواؤه إلا عبر صيغة الحكم هذه[14]. فهذا النوع من الديمقراطية ينسجم إذن مع دول ذات تعددية اجتماعية، تتمسك كلّ طائفة فيه بمبادئها وثقافتها ولغتها وأفكارها[15].

وبالنظر إلى جوهر الديمقراطية التوافقية، فإنّها تقرّ بتعدد مراكز القوى الطائفية والمذهبية داخل المجتمع، ولطمأنة مصالح هذه القوى يتمّ التشريع لنظام الطائفية السياسية من أجل الحيلولة دون هيمنة أي طرف على الأطراف الأخرى، وذلك بوضع زعماء الطوائف وقادة الأحزاب السياسية على رأس مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية[16]، المثال على ذلك الحالة اللبنانية، حيث رئيس الجمهورية مسيحي، ورئيس الحكومة مسلم سنّي، ورئيس المجلس النيابي مسلم شيعي.

وليست التعددية الاجتماعية هي المبرر الأساسي لتطبيق الديمقراطية التوافقية، لأنّ هذه التعددية موجودة حتى في الدول التي تطبق ديمقراطية الأغلبية، وإنّما السبب الرئيس في تطبيقها يعود إلى عدم القدرة على الانسجام الاجتماعي بين الطوائف المختلفة، بسبب حواجز يصعب تخطيها، على خلاف ما هو موجود في الديمقراطيات الليبرالية التي تحتكم إلى عملية الاقتراع التي توصل الأغلبية إلى الحكم.

ب ـ الاتجاه السلبي: الطائفية السياسية وعدم الاستقرار السياسي

الحديث عن أهمّ الجوانب الإيجابية لنظام الطائفية السياسية في شكله التوافقي يوهم بأنّ هذا الشكل ـ في إطاره النظري على الأقل ـ يسعى إلى تغليب الولاء الوطني على الولاءات والانتماءات الضيقة، سواء أكانت قبلية أو عشائريّة أو عرقية، من أجل إحلال ثقافة التعايش المشترك، في ظلّ دولة واحدة تجمع كافة الإثنيات، والمحافظة على وحدة المجتمع وتجنيبه الانقسامات الداخلية.

ولئن كانت هذه الصيغة التوافقية قد عانقت مستوى الكمال نظرياً، إلا أنّ تطبيقها على أرض الواقع قد ينزل بها إلى أدنى درجات السلبية والنقصان. فالاحتكام إلى نظام الطائفية السياسية سيرفق بضريبة مستوجبة الخلاص من استقرار المجتمع الطائفي، بل ربما من وجود الكيان السياسي للدولة ذاتها، وليس المثالان العراقي والليبي ببعيدين.

إنّ مخاطر هذا النظام تتلخص فيما يلي:

  • إضعاف سيادة الدولة: إنّ مفهوم السيادة يعني السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة، وهي الميزة الأساسية الملازمة للدولة، التي تنفرد بها عمّا سواها من تنظيمات داخل المجتمع السياسي المنظم، وهو ما يضمن للدولة مهمة الاحتكار الشرعي والوحيد لوسائل القوة (عنف الدولة) وحقها في استخدامها من أجل تطبيق القوانين وإنفاذها[17]، وعند الحديث عن المخاطر التي تحوم حول الدولة في ممارسة سلطتها، نجد إشكالية الطائفية، خصوصاً إذا غاب المناخ السياسي المناسب لطرحها بشكل سلمي، في ظلّ نظام توافقي يقرّ بالتعددية، ولكنّه في الوقت نفسه يحترم سلطة الدولة والقانون العام الذي ينبغي أن تحترمه جميع المكونات السياسية الممثلة لمختلف الطوائف المشكلة للمجتمع، لكي لا تتحول الطائفية إلى صراع ومحاصصة وعنف.

ولئن كان نظام الديمقراطية التوافقية الذي تنتهجه الدول متعددة الإثنيات مقرّاً بتعدد مراكز القوى الطائفية في إطاره النظري، فإنّه من جهة أخرى، وبتمثيله لجميع الطوائف على المستوى السياسي، يعفي الدولة من مسؤولياتها في حماية المواطن وإنفاذها حكم القانون، وهي بتشريعها للطائفية تفتح الباب أمام مبدأ الغُنْم الطائفي والإثني، وتقوّيه بشكل غير مباشر[18]. وفي ظلّ تنامي هذا المبدأ الذي يغذيه النظام السياسي الموالي ـ بالضرورة - لطائفة معينة، فإنّ بقية الطوائف تشعر بأنّها مستضعفة، فتتشكل لديها قناعة بأنّ هذا النظام لا يشكل إطاراً للتوافق، بل يجسد "دكتاتورية طائفية" بكلّ معانيها. وهو ما يقود إلى أن تأخذ المشكلة أبعاداً خطيرة تضرّ بسيادة الدولة، حيث تلجأ الطوائف المضطهدة إلى بدائل أخرى من أجل انتزاع حقوقها، وهي بدائل لا تخرج عن أحد شكلين: التسلح والانتفاض، أو الاستقواء بالطرف الخارجي، وهو ما يؤدي إلى المساس باستقرار الدولة، وربما إسقاطها.

  • شرعية النظام السياسي: تُعدّ الشرعية من أهم الركائز التي تساهم في الاستقرار السياسي، والضمان المطلق لتحقيق التكامل الوطني، وإنّ وجود مقبولية للنظام السياسي من طرف الشعب يزيد في تعزيز الولاء والشعور بالانتماء الوطنيين ويقضي على الخلافات بين الأفراد. وقد ميّز ماكس فيبرMax Weber (1864/1920) بين ثلاثة أنماط من الشرعية، نعرض لها في إيجاز:

-        الشرعية التقليدية: تنشأ من مواريث التقاليد، ووقعها في نفوس الناس، بحكم العادة والمألوف، وفي بعض الأحيان تعتبر مسلّماً بها وتلقى قبولاً واحتراماً وتقديساً، كما هو الحال لسلطة الملك أو سلطة الشيخ.

-        الشرعية الكاريزمية: تستمدّ قوتها من المهابة والمكانة التي يشغلها الزعيم في صفوف أتباعه، ومن الاعتقاد السائد لديهم بأنّه المخلص لهم من الأزمات والأعداء، وهو ما نجده في سلطان النبي والولي والزعيم الوطني أو الروحي.

-        الشرعية العقلانية: تنهل من سلطة القانون والشرعية الدستورية والديمقراطية، حيث تعبّر المؤسسات والقوانين عن الإرادة العامة للمواطنين بدلاً عن الإرث التقليدي والزعماء الملهمين.[19]

إنّ أزمة الشرعية للنظام السياسي تظهر في ظلّ التعددية المذهبية والطائفية، عندما يتخلى النظام السياسي عن الصيغة التوافقية، فتغلب عليه إيديولوجيا واحدة على حساب باقي الإيديولوجيات المذهبية، يعمل على تقوية نفوذها من خلالها، عن طريق اعتماده القاعدة الجماهيرية التي تتبع هذه الإيديولوجيا وتنتمي إليها، ويكسب النظام مكانته السياسية والاجتماعية منها، بالنظر إلى معايير القوة التي تتوفر لدى الطائفة، إمّا بسبب الكثرة العددية أو القوة العسكرية الرادعة أو نحو ذلك. وهذا السلوك يعبّر ضرورة عن المكانة الكبيرة للانتماء والولاء للطائفة أكثر من الولاء للوطن.

خاتمـة:

لا شك في أنّ الطائفية السياسية تؤثر بشكل مباشر في كيان الدولة، إمّا بتفتيتها بسبب عدم القدرة على احتواء التعددية وقبولها، وإمّا بمساهمتها في وحدة الدولة من خلال ديمقراطية توافقية تستفيد من تعدد الآراء واختلاف الطوائف. لذلك كان من الضروري الربط بين مفهوم الطائفية السياسية والاستقرار السياسي، الذي يتجسّد في جملة من المؤشرات أهمها الإقرار بمبدأ المواطنة وشرعية النظام السياسي، وسيادة الممارسة الديمقراطية الفعالة القائمة على المشاركة السياسية، والقبول بالتعددية، والتداول السلمي على السلطة، وسيادة الدولة في خياراتها.

 

مراجع البحــث:

- برهان غليون: "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات"، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1979

- جميل هلال: "لبنان والعراق ومناطق السلطة الفلسطينية"، مركز كارينغي للشرق الأوسط1/4/2009، بيروت.

- حسن موسى الصفار: "الاستقرار السياسي والاجتماعي، ضروراته وضماناته"، الدار العربية للعلوم، ط1، بيروت 2005

- رشيد عمارة: "الديمقراطية التوافقية: دراسة في السلوك السياسي العراقي"، مجلة زانكوي سليماني، السليمانية، العدد 30، أكتوبر 2010

- سعد الدين العثماني: "دور الوسطية في تحقيق الاستقرار السياسي"، صحيفة الوسط البحرينية، العدد2982، بتاريخ 5 نوفمبر 2010

- عبد الإله بلقزيز: "أزمة الشرعية في النظام السياسي العربي"، مجلة المستقبل العربي، العدد378، أوت 2010 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

- عقل عقل: "العدالة الدستورية والمجتمع التعددي"، المجلد الرابع، المجلس الدستوري، لبنان 09/2010

- عبد الوهاب الكيالي (وآخرون): موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979

ـ محمد زين العابدين: "الديمقراطية التوافقية وأثرها في الحياة السياسية: دراسة حالة لبنان (رسالة ماجستير كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة، سبتمبر 2009 (بحث منشور على الانترنت).

- موح عراك عليوي: "الازدواجية الشخصية بين عصبية الانتماء والولاء الوطني"، دراسة اجتماعية تحليلية، بحث جامعي، جامعة بابل، 2011،

Charbel nahas, Le confessionnalisme au Liban, de fonctionnement discursif et idéologique vers une position du probleme, école des hautes études en sciences sociales ,1980.

المواقع الإلكترونية:

- رائد نايف حاج سليمان: "الاستقرار السياسي ومؤشراته"، الحوار المتمدن، العدد 2592، بتاريخ 21 مارس 2009، الموقع الإلكتروني:

www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=166391[1]

- برهان غليون: "نقد مفهوم الطائفية"، الحوار المتمدن، العدد1840، الصادر بتاريخ 28 فيفري 2000 الموقع الإكتروني:

www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=89869

- حسين درويش العادلي: "الطائفية المجتمعية والطائفية السياسية"، الموقع الإلكتروني:

www.almowatennews.com/pdf.php?id=38098

 


* نشر هذا المقال في: "الطائفية"، إشراف وتنسيق بسام الجمل وأنس الطريقي، سلسلة ملفات بحثية، قسم الدراسات الدينية، منشورات مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

[1]ـ هو نقيض الاختلاف البناء الذي يعتبر حضوره داخل المجموعة البشرية الواحدة علامة صحية على قبول الآخر وسيادة مبدأ التعايش.

[2]ـ عبد الوهاب الكيالي (وآخرون): موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1979، ص 745

131ـ برهان غليون: "نقد مفهوم الطائفية"، الحوار المتمدن، العدد1840، الصادر بتاريخ 28 فيفري 2007 الموقع الإكتروني:

www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=89869

[4]ـ حسين درويش العادلي: "الطائفية المجتمعية والطائفية السياسية" ص 2

 الموقع الإلكتروني: www.almowatennews.com/pdf.php ?id=38098.

[5]ـ عقل عقل: "العدالة الدستورية والمجتمع التعددي"، المجلد الرابع، المجلس الدستوري، لبنان 09/2010، ص 563

134- Charbel nahas, Le confessionnalisme au Liban, de fonctionnement discursif et idéologique vers une position du probleme, école des hautes études en sciences sociales ,1980 P13.

[7]ـ سعد الدين العثماني: "دور الوسطية في تحقيق الاستقرار السياسي"، صحيفة الوسط البحرينية، العدد 2982، بتاريخ 5 نوفمبر 2010.

[8]ـ حسن موسى الصفار: "الاستقرار السياسي والاجتماعي، ضروراته وضماناته"، الدار العربية للعلوم، ط1 بيروت 2005، ص 15

[9]ـ اكتفينا في عرض المؤشرات بالعناوين الكبرى دون تفصيل، للمزيد من الاطلاع، انظر:

- Carolina Curval: «Does Political Participation Affect Political Stability» Depatment of politics, New York university, P3.

رائد نايف حاج سليمان: "الاستقرار السياسي ومؤشراته"، الحوار المتمدن، العدد2592، بتاريخ 21 مارس 2009، الموقع الإلكتروني: www.alhewar.org/debat/show.art.asp?aid=166391.

[10]ـ عبد الوهاب الكيالي (وآخرون): مرجع سابق، ج1، ص ص 244-245

[11]- موح عراك عليوي: "الازدواجية الشخصية بين عصبية الانتماء والولاء الوطني" دراسة اجتماعية تحليلية، بحث جامعي، جامعة بابل، 2011، ص 32

[12]ـ عقل عقل: مرجع سابق، ص 563

[13]ـ برهان غليون: "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات"، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1979، ص 79

[14]ـ محمد زين العابدين: "الديمقراطية التوافقية وأثرها في الحياة السياسية: دراسة حالة لبنان" (رسالة ماجستير، كليّة الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة، سبتمبر 2009، ص 24 (بحث منشور على الانترنت).

[15]ـ رشيد عمارة: "الديمقراطية التوافقية: دراسة في السلوك السياسي العراقي" مجلة زانكوي سليماني، السليمانية، العدد 30، أكتوبر 2010، ص 7

[16]ـ جميل هلال: "لبنان والعراق ومناطق السلطة الفلسطينية" مركز كارينغي للشرق الأوسط 1/4/2009، بيروت، ص 4

[17]ـ عبد الوهاب الكيالي (وآخرون): مرجع سابق، ص 131

[18]ـ جميل هلال: مرجع سابق، ص 4

[19]- عبد الإله بلقزيز: "أزمة الشرعية في النظام السياسي العربي"، مجلة المستقبل العربي، العدد: 378، أوت 2010 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص ص 7-8