بأيّ معنى تشكل الحقيقة شرطاً للانتقال الديمقراطي أو عائقاً له؟

فئة :  مقالات

بأيّ معنى تشكل الحقيقة شرطاً للانتقال الديمقراطي أو عائقاً له؟

بأيّ معنى تشكل الحقيقة شرطاً للانتقال الديمقراطي أو عائقاً له؟*


مقدمة: التباس المفاهيم

سأهتم في مداخلتي بالعلاقة السببية المتبادلة بين المفاهيم الثلاثة: الديمقراطية والحوار والحقيقة، منطلقاً من سؤال مركزي هو: هل الحقيقة شرط قبْلي للحوار وبالتالي للديمقراطية أم عائق أمامهما؟ وتتفرع عن هذا السؤال عدّة أسئلة فرعية، منها: هل يوجد تعارض بين الحقيقة والديمقراطية من حيث هي اسم آخر للحرية، أم أنّ العلاقة بينهما وبين الحوار هي علاقة إضافية بل وتلازمية لا انفكاك لها؟ وبلغة صوفية هل تُعتبر الديمقراطية أداة كشف حجاب الحقيقة، أم أنها في حقيقة أمرها حجابٌ يُخفي الحقيقة، بسبب تعقد آلياتها ومساطرها القائمة على لعبة الأغلبية والأقلية؟ ومنها: ما قيمة الديمقراطية إن لم تكن قائمة على الحق والحوار؟ وما قيمة الحوار في غياب البحث عن الحقيقة؟ بل يمكن أن نذهب حتى إلى التساؤل: هل يمكن أن تكون للحقيقة العملية قيمة إن لم تكن ثمرة حوار؟

لا نعني بالحقيقة التي سنتكلم عنها الحقيقة العلمية الباردة، وإنما الحقيقة المشحونة بطاقة عقائدية أو بمعنى سياسي أو إيديولوجي، أي الحقيقة الفاعلة والمتحركة التي يجري بناؤها أثناء الصراع الدائر في حلبة السياسة. فنحن لا نرى أنّ الحقيقة تتسم بالعطالة، وأنها "بطبيعتها لا سياسية، بل لعلها مضادة للسياسة"، لكونها تفتقد إلى القدرة على التعبئة والتحريك، في مقابل الكذب الذي يتميز بقدرته على التحريك والاستنهاض إلى الفعل عن طريق الخطابة والاستعارة وإغداق الناس بالوعود والأحلام الكاذبة والأوهام المستحيلة، بل نعتبرها أحد محركات التاريخ أحياناً، وأحد العوائق الكبيرة أمام التقدم نحو الديمقراطية والحوار. وإذا كنا قد آلينا على أنفسنا أن نحصر كلامنا في هذه المداخلة في "الحقيقة السياسية"، فإنه سيكون علينا أن نواجه سؤالاً جديداً هو: ألا تنطوي عبارة "الحقيقة السياسية" على شيء من السخرية والمفارقة؟ إذ متى كانت السياسة تقول الحقيقة؟ أليس الكذب واختلاق الحقائق وإخفاؤها وتسخيرها للمصالح الحزبية هو ما يشكل جوهر الممارسة السياسية؟

في ظل استحضار التجربة المغربية سنتكلم إذن عن نوعين من الحقيقة: الحقيقة الفاعلة للديموقراطية، والحقيقة المقوّضة لها.

*****

السياق الخاص الذي ننظر من خلاله إلى مفهوم الحقيقة الفاعلة للديموقراطية هو سياق "العدالة الانتقالية"، أي تلك الحقيقة المؤلمة التي بحكم فظاعتها وخطورة عواقبها تمّ إخفاؤها وإخفاء مرتكبيها. والدولة هي من يرتكب هذه الحقيقة المؤلمة عن طريق جلاديها الذين ينتمون إلى مختلف مصالحها السرية والعلنية، والذين يحتكرون ملكيتها والحق في تأويلها ومنع كل محاولة للاقتراب منها. جرى فعل إخفاء هذه الحقيقة، حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وبخاصة الحق في الحرية وفي المعارضة وإبداء الرأي، أثناء ما سُمّي في المغرب بزمن الرصاص، أي زمن الحكم الاستبدادي المتسلط.

ولا ينحصر معنى إخفاء الحقيقة المؤلمة في إضفاء السرية عليها فقط، ولكنه امتد أيضاً إلى رفض مرتكب الانتهاكات الاعتراف بوجودها، وحتى إن اضطر إلى الاعتراف بوجودها فهو يبرر مشروعية اقتراف جريمتها باسم الحفاظ على السلم واستمرار الدولة. لكن بعدما وصلت الأنظمة السلطوية المستبدة إلى منتهاها في الظلم والاستبداد، وتعاظم الضغط الخارجي والداخلي للإقلاع عن الممارسات القمعية، اضطرت إلى الاعتراف بها، وإلى إتاحة الفرصة للضحايا لتقديم شهاداتهم في الوسائل السمعية البصرية لفضح فداحة الانتهاكات الجسدية والمعنوية التي عانوا منها، سعياً منها لطي ملف الانتهاكات والدخول في عهد "الانتقال الديمقراطي".

وهنا سيكون من المفيد مقارنة وضع "الحقيقة السياسية" في أسطورة الكهف الأفلاطونية، ووضعها في أسطورة "العدالة الانتقالية". ففي محاورة الجمهورية تبدو الحرية كأنها هي شرط الكشف عن الحقيقة، إن لم تكن هي جوهر الحقيقة حسب تأويل هيدغر لها، في حين أنّ معرفة الحقيقة في "أسطورة العدالة الانتقالية" هي شرط الحرية، الاسم الآخر للديمقراطية.

الحق في معرفة الحقيقة، الذي لم تكن تسمح به قيود النظام التسلطي، ينطوي على لحظتين: لحظة الكشف عن الحقيقة، وإعطاء حق الكلمة للضحايا للإدلاء بشهاداتهم، وربما الكشف عن الجلادين الذين كانوا وراءها، ولحظة اعتراف الدولة باقترافها لفعل تشويه السياسة، والتصريح علانية بأنها لن تعود إلى استعمال القوة والعنف لمعالجة القضايا السياسية، وأن تكتفي بالوسائل السياسية، أي السلميّة وبخاصة بالحوار.

هكذا يصبح الكشف عن الحقيقة في إطار العدالة الانتقالية أداة لتجاوز السكتة القلبية، ووسيلة للدخول في تجربة الانتقال الديمقراطي. غير أنّ ثمن هذا التجاوز الانتقالي هو الصفح عن الجلادين وطي صفحة الماضي الأليم للانتقال بالبلاد إلى مرحلة جديدة.

إنّ الحوار في ظل "العدالة الانتقالية" يقتضي جلوس الضحية أمام الجلاد واعترافه به، واعتراف الجلاد، الذي هو الدولة، بالضحية، بعد أن كان كلّ واحد منهما يريد تصفية الآخر. وهذا يعني أنّ الحوار في "العدالة الانتقالية" لا يوجد فيه تكافؤ بين المتحاورين، خصوصاً وأنّ الدولة - في المغرب - وإن كانت قد اضطرت إلى الاعتراف بجرائمها والتنازل عن بعض صلاحياتها، فإنها رفضت تقديم الجلادين للمحاكمة، بل إنها رفضت حتى ذكر أسمائهم مبررة لجوءها للعنف بواجب وطني للمحافظة على أمنها وسلامتها. لذلك وجب التحلي بكثير من المعقولية والعقلانية وضبط النفس بين المتحاورين، سعياً وراء تجاوز مرحلة التسلط والاستبداد إلى مرحلة "الانتقال الديمقراطي".

وتبقى الغاية القصوى للحوار المبنيّ على الكشف عن الحقيقة والإصغاء للضحايا علانية في الوسائل السمعية البصرية هي خلق آمال كبيرة في المستقبل، ووضع البلاد على سكة الدمقرطة أملاً في الوصول إلى الديمقراطية. هكذا تكون الحقيقة أداة تحقيق الانتقال الديمقراطي، خصوصاً إذا ما تمّ احترام آلية الحوار وقواعده ضمن أجندة محدّدة. وهذا الحوار لا يريد إلغاء الاختلافات الجوهرية بين الضحايا والجلادين، وإنما توقيف عملية تحويل السياسة إلى فعل عنيف تمارِس فيه الدولة وسائل الإكراه للقضاء على خصومها السياسيين. أو قل إنّ مهمة الحوار في سياق العدالة الانتقالية هو تحويله إلى أداة لتلافي عنف آت.

لا يمكن للمرء أن يقول إنّ السياسة خالية من الحقيقة، وإلا لما أمكن لأرسطو أن يعرّف الإنسان بها. إلا أنّ السياسة كأي كائن حي لها أمراضها، إذ قد تتحول أحياناً إلى قدرة على إلباس الحق بالباطل والباطل بالحق، أو قد تقوم بإنتاج حقيقة متوحشة أليمة عن طريق استعمال القوة المفرطة لمصادرة حق المعارضين في الديمقراطية. ولا يمكن علاج هذه الأوجه المشوّهة والمريضة للحقيقة إلا بالحوار في إطار "العدالة الانتقالية"، أي عبر هيئات "المصالحة والإنصاف" أو "الحقيقة والإنصاف". ويتمثل هذا العلاج في إخراج الحقيقة من خفائها القسري من لدن سدنة الحكم السلطوي إلى نور الحوار. ويشكل مطلب الكشف عن الحقيقة، الذي هو مطلب الشفافية، الأساس السياسي لفتح حوار حقيقي للانتقال من النظام الفردي المتسلط إلى ما يسمى "بالانتقال الديمقراطي". وهذا هو ما حصل فعلاً بالنسبة لبلدان من أمريكا اللاتينية وإفريقيا، ومن بينها المغرب.

لكن لماذا يتم اللجوء إلى إخفاء الحقيقة؟ أولاً لبشاعتها، وثانياً لأنّ الحقيقة تلعب دوراً سياسياً في كل مجتمع وفي كل مؤسسة. فمَن يمتلك الحقيقة يصبح خطيراً بالنسبة للحكم المطلق، لأنّ الحقيقة نفسها سلطة، ومن يمتلكها يصبح مزاحماً للحاكم المطلق في السلطة. لذلك يتمّ التستر على الحقيقة بالكذب عليها، ومنع الناس من التعرف عليها لتأخير عملية الدمقرطة، لأنّ الدولة تعلم جيداً أنه كلما تمكن مجتمع ما من كشف الحقيقة، ازدادت فرص انتقاله إلى الديمقراطية.

ومن أجل توضيح هذه العلاقة الجدلية بين الحقيقة والدمقرطة، أضرب المثال بالتجربة المغربية. فقد كان الكشف عن حقيقة الانتهاكات زمن الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي مطلباً قبلياً للدخول في عملية المصالحة وطيّ ملف استعمال العنف في المجال السياسي. بعبارة أخرى، كان إطلاق سراح الحقيقة المعتقلة في كهف الدولة المغربية متساوقاً مع إنهاء عهد الاستبداد الرهيب، والشروع في رفع قيود الرقابة على حرية الفكر والتعبير والإبداع الفني، وإطلاق حرية التجمع والتنظيم السياسي والجمعوي. وكان الانتقال من مرحلة الاستفراد بالسلطة إلى مرحلة "التناوب التوافقي"، إلى "التناوب الديمقراطي" عبر إنشاء هيئة "المصالحة والإنصاف"، التي كانت مهمتها الكشف عن الحقيقة، حقيقة عنف الدولة، ودفعها للاعتراف به والإعلان أنها لن تعود إليه من جديد.

وكان من بين غايات المطالبة بالكشف عن الحقيقة الكفّ عن تشويه الدولة للممارسة السياسية، أي الابتعاد نهائياً عن استخدام الأساليب غير السياسية كاستعمال القوة والعنف لإكراه الخَصم على التنازل عن مطالبه، والعودة إلى استعمال الوسائل السياسية أي السلمية، كالحوار والمفاوضة لفك نزاعها مع المعارضة والوصول إلى حل توافقي. هكذا تلتقي الديمقراطية، أي نظام الحرية، والحقيقة في مسلسل استعادة الذات لاستقلالها الذاتي.

يبيّن هذا التحليل كيف أنّ الديمقراطية والحقيقة وجهان لشيء واحد، بدليل أنّ دولنا تخشاهما معاً في ارتباطهما. فالخوف من الحقيقة هو في جوهره خوف من الديمقراطية، أي من الحرية، لأنّ اكتشاف الشعوب للحقيقة يحرّر طاقاتها، ويدفعها للتغيير واسترداد الكرامة. والخوف من الديمقراطية هو في كنهه خوف من الحقيقة، لأنه بفضل الديمقراطية الحوارية يتمكن الأفراد والشعوب من أن يتحرروا من ثقل الوسطاء ليروا الأشياء مباشرة في ضوئها الذاتي، لا عبر حُجب الأكاذيب والأضاليل المصنوعة من قِبَل الأوصياء.

*****

بعد أن استعرضنا كيف يصبح الكشف عن الحقيقة خطوة أساسية لإرساء مسلسل "التوافق السياسي" ثم "الانتقال الديمقراطي"، أي خطوة في الدمقرطة لتحويلها في النهاية إلى ديمقراطية وبخاصة إلى "ديمقراطية برلمانية"، ننتقل الآن إلى النظر في الوجه الآخر للحقيقة، أي عندما يغدو إثبات الحقيقة عائقاً أمام الحوار والديمقراطية.

ومنذ البداية نسارع إلى القول: إنّه لا يمكن أن يجري الحوار في فضاء ممتلئٍ بالحقيقة، لأنّ الحقيقة حينما تكون مرتبطة باليقين تمنع العناد فيها والاختلاف بشأنها، وبخاصة إذا كانت دينية ومقدّسة. الحوار، على العكس من ذلك، يقتضي فراغاً، هو الذي يتمّ التعبير عنه بالسؤال والحيرة والتردد، بسبب صعوبة الوصول إلى الحقيقة. من أجل هذا وجب التخلي عن الإيمان القبلي بالحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش والتعديل والتصحيح، لإتاحة الفرصة أمام تأويل للحقيقة يتيح إمكانية العيش معاً عن طريق المداولة والحوار. لقد تخلت الإنسانية اليوم عن أسطورة الوحدة لصالح أسطورة الحق في التعدد الثقافي والطائفي والإثني واللغوي. ولا يمكن أن يستتب الأمر لهذه الأسطورة الجديدة إلا بأحد لوازمها الذاتية الذي هو الحوار، إذ هو الوسيلة المناسبة لتأسيس المجال المشترك الذي يتواصل ويتفاهم فيه الجميع. أمّا الاعتقاد بامتلاك حقيقة كاملة ومطلقة ووحيدة وغير خاضعة للزمن والتاريخ، والتي ليس لها سوى طريق واحدة للوصول إليها، فهو المقدمة المباشرة للإرهاب، أي إعلان الحرب على الآخر المتهم ظلماً وعدواناً بأنه لا يمتلك الحقيقة. إنّ الحقيقة التي لا تسمح بالاختلاف، أي لا تفسح المجال لحرية الرأي والتصور والتفكير، لا يمكن أن تكون أداة للحوار. بهذا النحو تصبح الحقيقة عائقاً أمام إقامة حوار حقيقي وأمام ديمقراطية فعالة.

وفي الواقع، كلّ حقيقة تمنع الحوار العقلاني والديمقراطي، أي الحر، هي أقرب ما تكون إلى "أشباه الحقائق". إنّ "أشباه الحقائق" هذه تكون نتيجة تشويه الحقيقة عن طريق التأويل الجاهل أو المغرض. وجعل الحقيقة مضادة لنفسها هو الذي يقف كما قلنا وراء الإرهاب، الذي هو الخطر الأعظم على الديمقراطية. إذ حينما يعتقد الإرهابي بصحة وصدق "أشباه الحقائق"، لا يجد مخرجاً لظلامه الدامس سوى العدم ليحتمي به، فيعدم نفسه بإعدام الآخرين معه. هكذا تتحول الحقيقة المضادة لنفسها إلى أداة لتكفير الحرية وإعلان الجهاد على الحق في الاختلاف وفي الحوار. إنّ أساس عدمية الإرهابي هي تلبيس الحق بالباطل، والوجود بالعدم، ورؤية العالم عبارة عن حرام في حرام.

خاتمة

إنّ كثيراً من المآسي السياسية والثقافية التي يعاني منها العالم العربي تعود بأصلها إمّا إلى الإيمان بالحقيقة إيماناً أعمى أو إلى إرادة إخفائها حتى يظل المواطنون في عماء الاستبداد. إنّ التخلّي عن ممارسة إخفاء الحقيقة، وعن الإيمان بها إيماناً قطعياً ومطلقاً، هو السبيل لنشر ثقافة ديمقراطية حوارية تؤمن بحرية الإنسان وبحقه في الاختلاف وفي استعمال عقله.

ولا يمكن للحوار أن يكون ديمقراطياً، أي حرّاً وعقلانياً، إلا إذا اعتبرناه ممارسة سياسية تدور في إطار العقل العملي، وليس ممارسة معرفية أو عقائدية تجري في مجال العقل النظري أو العقل العقدي. موازاة لذلك، لا يمكن للحقيقة أن تلعب دوراً أساسياً في بناء صرح الديمقراطية إلا إذا سمحت بالحرية والاختلاف والحوار.

وأخيراً، مهما قيل عن عطالة الحقيقة وقبحها وارتباطها بالأساطير والخيالات والأوهام والكذب والرغبات والمصالح الفردية أو الاجتماعية، ومهما قيل عن عزوف الجمهور عن الحقيقة وميلهم الفطري إلى الاستعارة والخطابة والكذب، فإنّ الحقيقة ستبقى قوة موضوعية قادرة على التأثير في المسار الديمقراطي للبلد، ومحركاً للتاريخ ولنقله من الاستبداد إلى الديمقراطية، خصوصاً إذا اتصفت بالصواب والصدق عن طريق الحوار. لكن الحقيقة تصبح مدخلاً للاستبداد والعبودية متى تم تزييفها وتطويقها برفض الحوار بشأنها.


* نشرت هذه المادة ضمن مجلة "يتفكرون"، العدد 5، خريف 2015


مقالات ذات صلة

المزيد