بين الدولة الدينية والدولة المدنية قراءة في كتاب من الدين إلى الطائفة

فئة :  قراءات في كتب

بين الدولة الدينية والدولة المدنية قراءة في كتاب من الدين إلى الطائفة

كتاب من الدين إلى الطائفة. في ضرورة الدولة المدنية لخالد غزال، صادر عن دار الساقي عام 2015، يقع في 319 صفحة.

إن الصراع الملاحظ في العالم الإسلامي بين المذاهب والتيارات الدينية، وتزايد تأثير قوى العنف والإرهاب تثير تساؤلات جدية حول الأسباب الفاعلة في هذه الظاهرة. وإن كان التأثير الخارجي، سواء في صورته المباشرة أو في صورته الخفية.. قد يكون من بين العوامل المساهمة في انتشار التطاحن الديني، فإن عوامل بنيوية دينية وثقافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية، لا يمكن إغفال تأثيرها في هذا الصدد. ذلك أن الصراعات التي تتخذ مظهرا دينيا بين الطوائف والمذاهب وحتى بين الدول، هي في حقيقتها صراعات على السلطة والاستمرار في الحكم، وسعي إلى تثبيت أو تغيير موازين القوى السياسية. لذلك يمكن اعتبار الدعاوى الدينية للأحزاب والطوائف الدينية ماهي إلا أغلفة لتزييف الأهداف الحقيقية التي يسعى إليها كل طرف، والتي لا تخرج عن هدف السلطة والسيطرة السياسية والاقتصادية. والأمر ليس بالمستحدث، إذ إن مثل هذه الممارسة تعد جزءا من التاريخ الواقعي للأديان الكبرى اليهودية والمسيحية والإسلام.

أولا: عوامل الانقسامات في الديانات

يرجع المؤلف الانقسامات التي تعرفها الديانتين المسيحية والإسلامية إلى جملة من الأسباب الواقعية والتاريخية يقسمها إلى نوعين: أولاهما الأسس اللاهوتية: المتمثلة أساسا في الاختلاف حول تفسير وتأويل النصوص الدينية بين المجتهدين والمفسرين؛ فبالنسبة إلى الدين المسيحي عرف تطبيقه اختلافات كبرى ارتبطت بالواقع من جهة، وبالتيارات الفكرية والفلسفية السائدة في كل مرحلة تاريخية من جهة أخرى، والتي ساهمت في بروز مذاهب وطوائف دينية منقسمة ومتباينة، كل طائفة بلورت "منظومة إيديولوجية" تعزز بهاموروثها الديني واختلافه عن باقي الفرق الدينية الأخرى.

فالمذاهب المسيحية الكبرى؛ الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية، التي كانت نتيجة طبيعية لانشقاق الكنيسة منذ القرن العاشر الميلادي إلى الإصلاح الديني في القرنيين الخامس عشر والسادس عشر اختلفت حول عدة أمور أساسية في الدين المسيحي "كطبيعة السيد المسيح"، "والروح القدس"، "والعذراء مريم" ويوم "الدينونة"، "والكتاب المقدس"، "والمعمودية". وثانيهما الأسس السياسية، حيث إن الاختلاف بين هذه المذاهب لم يكن ليتحول إلى صراعات دموية عنيفة، وحروب دينية بين المسيحيين، وضد غير المسيحيين لولا تداخله مع الصراع حول السلطة والسعي إلى الحكم وامتلاكه، سواء من جانب المؤسسة الدينية أو من جانب السلطة السياسية التي انخرطت في ممارسات توظف الدين من أجل تبرير وتسويغ مشروعيتها السياسية حتى قبل ظهور المذاهب الكبرى.

إن الصراع على السلطة السياسية والاقتصادية من أجل السيطرة جعل كل طائفة دينية تفسر النص الديني بشكل يخدم إستراتيجيتها السياسية، وتستحضر الله كطرف في الصراع، مما حول الاختلافات والتمايزات بين المذاهب إلى صراعات دموية ترفع شعار خدمة الله.

ومن أبرز القضايا الكبرى التي شكلت مجالا للصراع العنيف في المسيحية يشير المؤلف إلى الصراع على الأبرشيات، والصراع بين الباباوات والأباطرة، والمتاجرة بالمناصب الكنسية، وزواج رجال الدين العاديين، والدعارة المتفشية بين الرهبان التي كانت من بين الأسباب الرئيسة للانفصال النهائي بين الكنيستين اليونانية واللاتينية أو ما يعرف بالانشقاق الأول الكبير، وفساد الكنيسة؛ من انهيار أخلاقي والاقتصار على حماية مصالحها الخاصة، وفرض ضرائب مرتفعة على الأديرة والأبرشيات وفرضها لصكوك الغفران التي تعتبر من الأسباب المباشرة للإصلاح الديني، والانشقاق الثاني الأكبر، والثورة الدينية بقيادة مارتنلوثر التي أدت إلى ميلاد البروتستانتية.

أما في الإسلام، فإن نجاح الرسول في نشر دعوته، وتوحيد القبائل وتجاوز صراعاتها العصبية، استمر بشكل واضح في حياته، وانهار بعد وفاته، حيث عادت الخلافات التي اتخذت طابعا دينيا في البداية لتتطور إلى خلافات سياسية بين المسلمين. وقد شكل الصراع على الخلافة؛ والصراع على جمع المصاحف وتكريس مصحف واحد؛ والصراع على الحديث النبوي بين الطوائف ورفض كل طائفة لأحاديث الأخرى، والصراع على الموقف من الصحابة... أهم مظاهر الصراع التي حكمت تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسول إلى العصر الحديث.. والتي ستتخذ طابعا سياسيا واقتصاديا. وتشددت أكثر في ظل الصراع على السلطة السياسية والاستيلاء عليها والسعي إلى فرض مشروعية مستمرة مستمدة من المصادر الدينية كالاعتماد على النسب الشريف، والدفاع عن مذهب ديني، وتبني ألقاب دينية.

غير أن هذه الاختلافات المذهبية التي تحولت بفعل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى حروب طاحنة بين مذاهب الدين الواحد، لم يكن لها لتنتشر وتتوسع لولا حمل النص الديني في الديانات التوحيدية لشرعنة العنف وجعله تشريعا، ذلك أن الكتب الدينية اليهودية والمسيحية والإسلام، كلها تتضمن نصوص تدعو بشكل صريح إلى العنف، وضرورة استخدامه لنشر الدين التي شكلت مرجعية للطوائف والمذاهب في صراعاتها الدموية المتجددة، سواء مع الآخر أو مع باقي الطوائف الأخرى، وأحيانا حتى داخل الطائفة الواحدة.

إن الصراعات الدينية في المسيحية كمحاكم التفتيش والحروب الصليبية، والحروب الدينية بين الكاثوليكية والبروتستانت التي كانت من أكثر الحروب دموية ووحشية.. تداخلت فيها الاختلافات المذهبية مع الصراعات السياسية على السلطة والمال والتي وجدت في تأويل النص الديني مظلة لحروبها وممارساتها.

كما أن الصراعات الدينية في الإسلام، كحروب الردة، وحروب الخوارج، وحروب علي ومعاوية، والاغتيالات ضد الخصوم.. لم تكن دينية محضة، بل كانت سياسية وقبلية في العمق، حيث وظف الحكام والطوائف الدينية كالخوارج والسنة والشيعة النص الديني لتبرير أساليبهم في التعامل مع الفئات المختلفة من أجل الوصول إلى السلطة والاستيلاء عليها أو معارضتها بالقوة، وهو التبرير الذي استمر في الصراعات الدموية الحديثة في العالم الإسلامي، وما توظيف آيات الجهاد في اتجاهات مختلفة من طرف القوى الدينية- السياسية إلا أحد المظاهر الدالة على ذلك.

ثانيا: الدولة الدينية نموذج مستحيل: أسطورة الدولة الدينية

إن الدولة الدينية التي تدافع عنها الكثير من الطوائف الدينية ورجال الدين والفقهاء، لم تقم في أي مكان، بل هي فكرة إيديولوجية سيقت بعناية نظرية، ودعمت بنصوص دينية سميكة من أجل الحكم وإخفاء السلطة الأوتوقراطية الدكتاتورية.

وهذا ما ينطبق على جميع الأديان؛ فإسرائيل دولة عنصرية واستعمارية وظفت نصوص توراتية لخدمة إدعاءات الصهيونية؛ والمسيحية وتاريخها عبارة عن صراع متجدد بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية، وحتى في ظل تفوق السلطة الدينية، لم يكن الأمر إلا هيمنة لرجال الدين وتبرير خرافاتهم وتجاوزاتهم تجاه الأفراد والشعوب. ولا يخرج التاريخ الإسلامي عن هذه القاعدة، إذ إنه بالرغم من دفاع بعض الفقهاء والمذاهب على أن الإسلام دين ودولة، فإن الثابت تاريخيا، أن الدولة لم تكن دينية إسلامية، وإنما كانت سياسية وسلطوية ودنيوية، اتخذت فيها الأسر الحاكمة النصوص الدينية وسيلة لشرعنة حكمها. الأمر الذي يتجدد بصورة مختلفة في الوقت الحاضر، سواء تعلق الأمر بالأنظمة القائمة التي تدعي تمثيلها لدولة إسلامية كإيران، أو بالنسبة لترهات "داعش".

ثالثا: الدولة المدنية: البديل الواقعي

وإذا كان قيام دولة دينية مستحيلا، لاسيما في الوقت الحاضر الذي تزايد فيها التداخل بين ماهو سياسي واقتصادي وثقافي وديني، وباعتبار ممارسة السلطة والحكم قضية زمنية نسبية وليست إلهية مطلقة، فإن البديل الواقعي عن فكرة الدولة الدينية، هو الدولة المدنية التي أثبتت نجاعتها في حماية معتقدات الناس وتدينهم، وضمان حريتهم في ممارسة الشعائر الدينية، وضمان التعايش بين مختلف الطوائف والمذاهب الدينية. فالدولة المدنية نتاج للتطور السياسي الحديث، قائمة على الفصل بين الدين والسياسة، باعتبار الأول مجال المطلق والثاني مجال النسبي خاضع للتجريب والخطأ كما الصواب، وعلى المواطنة الحقة الضامنة لحقوق وواجبات متبادلة بين الدولة والمجتمع، أساسها تمتع الأفراد بجملة من الحقوق السياسية والاقتصادية التي تسمحلهم بالمشاركة الفعالة في المؤسسات والقرارات، والاستفادة من خيرات الدولة المادية بشكل متساوي، وتقاسم الأعباء، والفصل بين السلطات السياسية بشكل يمكن من إيقاف كل سلطة للسلطة الأخرى، والانضباط لحقوق الإنسان نصا وممارسة من طرف الدولة ومؤسساتها.. تسمح بتعزيز التسامح والمرونة، وتوفير مقومات التعايش والمساواة بين الفئات الاجتماعية والمواطنين لا أفضلية لفئة على أخرى.

وبالفعل، فإن انتشار مثل هذه المبادئ قادر على الحد من استغلال الدين وتوظيفه في المعارك السياسية والصراع على السلطة، وما يؤدي إليه من تطاحنات مذهبية معرقلة لتطور الدولة.

ولعل ما يعرفه العالم العربي من أزمة على مستوى ترسيخ مقومات الدولة المدنية، حيث الهجانة بين مظاهر صورية أو شبه صورية للدولة المدنية، والبنيات العصبية والقبلية والطائفية الموروثة، وغياب الثقافة الديمقراطية على مستوى المؤسسات والنخب، وعلى مستوى الجماهير، وضعف تنظيمات المجتمع المدني، وسيادة التخلف في عدد من القطاعات..عوامل مساهمة في الجمود الفكري- الديني، والصراعات المذهبية والطائفية، وتزايد تأثير التيارات الأصولية، والقوى العنيفة. وكانت هذه المعوقات التي تقف في وجه الدولة المدنية من جملة الأسباب التي كانت وراء مطالب الانتفاضات العربية التي انطلقت شرارتها في2011، حيث رفعت مختلف القوى الليبرالية واليسارية والشبابية والدينية شعار الدولة المدنية بخلفيات وأهداف مختلفة.

غير أن هذا الشعار، وبالرغم من أهميته، فإن الانتفاضات العربية لم تؤدّ إلى نتائج ملموسة على هذا المستوى، نظرا لضعف القوى الدينية والسياسية المتجذرة في المجتمع الحاملة لمشروع الدولة المدنية، وضعف انتشار قيم الثقافة السياسية الديمقراطية، واستمرار الجمود الديني، والانقلاب على شعارات الثورة بعد الوصول إلى السلطة، وهو ما يتطلب مستقبلا ضرورة التركيز على إصلاح هذه المجالات وتحديثها بما يخدم مشروع مجتمعي يتسع لجميع القوى السياسية والمذاهب الدينية، ويضمن حرية المعتقد والممارسة الدينية دون تمييز أو إقصاء.

رابعا: ملاحظات

على الرغم من الأهمية الآنية للكتاب، باعتباره يناقش ظاهرة تفرض نفسها في العالم العربي نظرا لتزايد العنف التي يتخذ مظاهر دينية، وتنامي الصراعات الطائفية والمذهبية وانتشار الأفكار التكفيرية، إلا أنه تسجل جملة من الملاحظات يمكن التشديد على ما يلي:

- إن أولى الملاحظات المسجلة تتعلق بالشكل، وهي ملاحظة واضحة ومكررة على طول صفحات الكتاب، ألا وهي كثرة الاقتباسات من مراجع أخرى، فعلى سبيل المثال بلغت عدد الاقتباسات في 11 صفحة من الفصل الأول 41 اقتباسا بمعدل3,5 اقتباسا في الصفحة.1

- استنزاف لبعض المؤلفات واستغراقه في اقتباسات متتالية من مرجع واحد، بحيث بلغت- على سبيل المثال-أربعة اقتباسات من مرجع واحد في صفحة واحدة.2 و11 اقتباسا متتاليا في6صفحات.3 إضافة إلى طول عدد من الاقتباسات، 4 بشكل يظهر المؤلف وكأنه يقوم بالتنسيق والمونتاج بين فقرات عدة لباحثين آخرين.

- الاعتماد على مواقع ومقالات إلكترونية في مواضيع مهمة صدر بشأنها كتب ومؤلفات رصينة وعميقة، فعلى سبيل المثال في موضوع العلمانية في الفكر السياسي الحديث يلجأ المؤلف إلى الاقتباس من مقال إلكتروني لا تتناسب قيمته العلمية مع ما كتب في الموضوع.5.

- إدخال وثائق بشكل حرفي ضمن المتن في حين أن مكانها الطبيعي هو الملحق، كالوثيقتين العلميتين الصادرتين عن الأزهر؛ الأولى في21 يونيو 2011، والثانية في 8 يناير20126.

- غلبة الاسترسال الصحفي في عدد من صفحات الكتاب.

إن مثل هذه الملاحظات الشكلية، بقدر ما تطرح مسؤولية المؤلف، فإنها تطرح في الوقت نفسه مسألة وجود لجان القراءة والتقييم لدى دور النشر العربية، إذ إن المسؤولية هاهنا مشتركة بين المؤلف ودار النشر، باعتبارها واسطة لنشر الأفكار والمعرفة، والتي تقتضي حدود دنيا من احترام قواعد البحث العلمي.

الهوامش:

1- الصفحات المعنية: خالد غزال، من الدين إلى الطائفة في ضرورة الدولة المدنية، دار الساقي، بيروت، 2015، ص 29-50

2- انظر على سبيل المثال: المرجع نفسه، ص 36 و ص 42

3- انظر المرجع نفسه، ص 45-50

4- على سبيل المثال: ص 45 و ص 126-128

5- أنظر المرجع نفسه، ص 208

6- أنظر المرجع نفسه، ص 272-276