تحديات الديمقراطيات الجديدة: الأوجه والبدائل (قراءة في كتاب: "ديمقراطيات في خطر" تحرير ألفرد ستيبان)

فئة :  قراءات في كتب

تحديات الديمقراطيات الجديدة: الأوجه والبدائل (قراءة في كتاب: "ديمقراطيات في خطر" تحرير ألفرد ستيبان)

كتاب "ديمقراطيات في خطر" من تحرير أستاذ العلوم السياسية بجامعة كولومبيا ألفرد ستيبان (Alfred stepan) الصادر عام 2009 في طبعته الإنجليزية، والمترجم إلى العربية عام 2014 من طرف أنطوان باسيل، كان نتيجة نقاشات "نادي مدريد"؛ منظمة مستقلة أخذت على عاتقها موضوع تعزيز الديمقراطية حول العالم، تتألف من 68 رئيس دولة ورؤساء سابقين لديمقراطيات قديمة وحديثة، يشركون باحثين متخصصين مرموقين في جمعياتهم العامة.

فبعد إصداره لكتابه الأول في موضوع "بناء الديمقراطية: دروس مستقاة من الممارسة والبحث" من تحرير خورخي دومينغيز (Jorgedominguez) وأنطوني جونز (Anthonyjones) 2007، عقد جمعيته العامة الثالثة عام 2006، استغرقت ثلاثة أيام شارك فيها رؤساء الدول ورؤساء الحكومات والأكاديميون المتخصصون في شؤون الديمقراطية انبثق عنها هذا الكتاب.

أولاً: أهمية الكتاب

يكتسي هذا الكتاب أهمية كبيرة، ليس فقط لأنّه صدر في وقت يتجدد فيه النقاش حول تزايد المخاطر المهددة للدول الديمقراطية، كالإرهاب، وعدم الاستقرار الإقليمي، وانهيار الدول، بل لأنّه يتضمن دراسات غنية ومواضيع متنوعة تغفلها أغلب الدراسات التقليدية في موضوع الديمقراطية من إنجاز خبراء متخصصين وأكاديميين مرموقين وسياسيين ممارسين.

فبعد 35 عاماً من بداية الموجة الثالثة للديمقراطية التي انطلقت في أواسط السبعينيات، وبعد عشرين عاماً من سقوط جدار برلين، أظهرت الممارسة السياسية في الأنظمة الديمقراطية الناشئة حديثاً احتمالات متزايدة على الارتداد الديمقراطي، وأخطاراً جديدة مهدّدة لاستمرار الديمقراطية. ويُعدّ الكتاب وثيقة مهمة لرصد بعض هذه الأخطار والتنبيه إليها واقتراح الحلول لممارسة ديمقراطية أفضل.

بالرغم من تعدد الأخطار السياسية على الديمقراطية من قبيل عدم المساواة، والفساد، والأشكال الجديدة من الشعبوية والتسلطية، وتراجع الثقة، وضعف الأحزاب ذات البرامج، وتجارة المخدرات...، إلا أنّ الكتاب يركز على ثلاث قضايا أساسية فقط.

ثانياً: تحديات مؤسساتية: اختلالات السلطة التنفيذية في الأنظمة الرئاسية وشبه الرئاسية الجديدة

ينطلق أرتورو فالنزويلا (Arturo valenzuela) أحد المشاركين في الكتاب من مجموعة من الاختلالات التي تعرفها دول أمريكا اللاتينية من قبيل تراجع معدلات تأييد الرؤساء المنتخبين، وإجبار حوالي 16 رئيساً منذ 1983 على ترك السلطة قبل انتهاء ولايتهم، إمّا بسحب الثقة منهم، أو إجبارهم على الاستقالة، ليس من قبل الجيش كما كان يحدث في السابق، ولكن من قبل مؤسسات منتخبة أو من قبل الشعب.

ففي كل من الأرجنتين، وهايتي، والدومينيكان، والإكوادور، والبرازيل والباراغواي، والبيرو، وفنزويلا، وبوليفيا، وغواتيمالا، [1] أجبر الرؤساء المنتخبون من قبل الشعب على التنحي ومغادرة السلطة، إمّا بسبب الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحادة، والضغط الشعبي، وتراجع وانهيار شديدين في الدعم الشعبي، أو بسبب تصرفات انقلابية على الدستور والمؤسسات من طرف بعض الرؤساء، وفضائح الفساد، وتحالف بين نخب مدنية وعسكرية.

إنّ هذه الإخفاقات التي عرفتها أنظمة أمريكا اللاتينية على المستوى الديمقراطي، يمكن إرجاعها إلى نوعين من العوامل: الأولى عوامل مباشرة والأخرى مساعدة؛ يتمثل النوع الأول في انتشار فكرة اعتبار الدولة وعلى رأسها الرئيس مصدر كل السلطات والمتحمل للمسؤولية في أمريكا اللاتينية، ومن ثمّ، فتطبيق سياسة التقشف في عدد من البلدان، أو الفشل في مواجهة التراجعات الاقتصادية والمالية أدى إلى تحميل المسؤولية للرؤساء.

ويتمثل النوع الثاني في انتظار المواطنين من الرئيس حلّ المشاكل الراسخة، في حين أنّ الرؤساء - في الغالب - لا يمارسون الحكم فعلاً، بل هم "يديرون" ولا "يحكمون"، بسبب صعوبة الحفاظ على التحالفات والتأييد الحزبي في بيئة متميزة بالتشرذم الحزبي، والمؤدية إلى حرمان الرؤساء من دعم الأغلبية وأزمة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة التشريعية.

إنّ الجزء الكبير من هذه الأزمة مرتبط بالنظام الرئاسي الذي "يجعل المواجهات أكثر حدة، والتعاون أشد تملصاً، وتحقيق الانضباط الحزبي أكثر صعوبة، وتفسخ الأحزاب أكثر احتمالاً"،[2] على عكس النظام البرلماني المتميز بالتعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وباحتمالات ضئيلة لتحول أزمات الحكم إلى أزمات نظام.

بالرغم من ذلك، فإنّ الفكرة البرلمانية ولأسباب تاريخية وثقافية وسياسية، تعتبر بدعة لدى مواطني أمريكا اللاتينية، فعلى سبيل المثال رفض البرازيليون في استفتاء 1993 التحول إلى النظام البرلماني مقابل قبولهم لنموذج النظام شبه الرئاسي.

غير أنّ التحول إلى النظام شبه الرئاسي قد يؤدي إلى تفاقم الإخفاقات والأزمات في أمريكا اللاتينية. لذا يمكن أن يشكل تجاوز التقاليد السياسية في أمريكا، والبحث عن حلول من خلال نظام هجين يجمع الملامح الأساسية لكل من النظامين الرئاسي والبرلماني مدخلاً مهماً لتجاوز التحديات السابقة.

هذا التخوف من النظام شبه الرئاسي تؤكده أوضاع الدول الديمقراطية الجديدة التي تبنته. فإذا كان هذا النظام لقي قبولاً لدى الأنظمة المتحولة حديثاً إلى الديمقراطية، لا سيما بعد سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الشرقي، حيث رأى فيه الكثير من السياسيين والمختصين أفضل الأنظمة باعتباره يجمع بين القيادة القوية للنظام الرئاسي ومرونة النظام البرلماني، فإنّ الممارسة في ظلّ الدول الجديدة أنتجت مأزقاً لهذا النظام تحول معها من مسهل للانتقال الديمقراطي إلى معرقل له.

وانطلاقاً من هذه الفكرة يتناول الكاتبان تيموثي ج. كولتون (Timothy J.colton) وسيندي سكاش (cindy skach) مخاطر واحتمالات الانحراف التي يطرحها النظام نصف الرئاسي، الذي يتميز بترتيبات متنوعة على مستوى السلطة. ويعرضان في هذا الإطار ثلاثة أشكال يعرفها النظام نصف الرئاسي على مستوى الممارسة. متمثلة في ما يلي:

- الشكل الأول: رئيس منتخب من الشعب ورئيس الوزراء تدعمهما الأغلبية التشريعية نفسها، حيث ينتمي كل من الرئيس والوزير الأول إلى الأغلبية البرلمانية نفسها، مثل ما تعرفه فرنسا في حالة الانسجام بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

- الشكل الثاني: رئيس يفتقد لدعم أغلبية تشريعية، مقابل امتلاك رئيس الوزراء لهذا الدعم، وتعبر فرنسا في حالة اختلاف اللون السياسي لرئيس الدولة والوزير الأول عن هذا الشكل، الذي يثير صعوبة تعايش طرفي السلطة التنفيذية.

إنّ معظم التحليلات تركز على هذين الشكلين، والتحليلات التي ترى النظام نصف الرئاسي يمتلك مزايا عدة نظرت إلى الوضعية الأولى حيث النظام نصف الرئاسي يكون في شكل نظام رئاسي محض مع أغلبية تشريعية، كما نظرت إلى الشكل الثاني كوضعية قريبة من النظام البرلماني المحض نظراً لوجود رئيس حكومة يحكم بأغلبية تشريعية، ومن ثمّ استنتجت غياب احتمالات الخطر والمشاكل في مثل هذا النظام.

غير أنّه عملياً، يثير الشكلان عدداً من المشاكل واحتمالات الانحراف؛ فعلى سبيل المثال يثير الشكل الثاني إشكالية وجود مصدرين انتخابيين مختلفين للمشروعية، حيث الرئيس منتخب مباشرة، ويملك في الغالب سلطات دستورية واضحة متعلقة بالأمن الخارجي والداخلي والاستخبارات والسياسة الخارجية، وفي حالة الطوارئ وحالة الاستثناء، والحق في حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها، ومثل هذه السلطات بالتأكيد ليست شرفية، تمكنه من مواجهة رئيس الحكومة.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن تواجه الأنظمة نصف الرئاسية الجديدة تحديات أخرى، تطرحها وضعية ثالثة تعرف "بحكومة الأقلية المنقسمة" لا يمتلك فيها لا الرئيس ولا رئيس الحكومة الأغلبية البرلمانية، وهي وضعية مهملة في الأدبيات السياسية، ومحفوفة بالمخاطر والانحرافات.

وتعبّر حالة روسيا ما بعد الشيوعية عن هذه الانحرافات، حيث تحول النظام في عهد بوريس يلتسين (Boris Eltsine) من نظام نصف رئاسي إلى ديكتاتورية دستورية عن طريق تمتع الرئيس بسلطات واسعة توازي ضعفي سلطات رئيس الجمهورية الفرنسية. ذلك أنّ يلتسين أمام غياب تمتعه دستورياً بسلطات واسعة لجأ إلى استخدام سلطات الطوارئ وتوجيه وتوظيف الجيش والشرطة وأجهزة الاستخبارات لتغيير موازين القوى لصالحه، وذلك من خلال لجوئه إلى استخدام القوة لحل البرلمان المنتخب سنة 1993، والدعوة إلى انتخابات جديدة، وفرض دستور جديد غير متوازن عن طريق الاستفتاء، اعتبر من قبل عدد من المحللين استفتاء سياسياً وليس دستورياً أسس "لنظام ملكي منتخب".

إنّ النظرة الضيقة المركزة على هذه الأشكال الثلاثة للنظام نصف الرئاسي تُعدّ محدودة، وتستدعي ضرورة الانتباه إلى نمط آخر آخذ في الصعود متمثل في "النظام نصف الرئاسي البرلماني"، الذي يعرفه البرتغال وعدد من الدول الديمقراطية الجديدة كبولندا وسلوفينيا وليتوانيا وكرواتيا. ويتميز هذا النمط بوجود إجراءات دستورية تمكن من تجنب الانحراف نحو النظام "نصف الرئاسي من الدرجة الأولى" من خلال تخفيض سلطات رئيس الدولة، وتوسيع سلطات البرلمان والمحاكم، خاصة المحاكم الدستورية.

يعتبر هذا الشكل أقلّ طرحاً للتوترات المؤسساتية على مستوى الممارسة. فإذا كان - على سبيل المثال - عدد الدول ما بعد الشيوعية في أوروبا الوسطى التي قبلت في الاتحاد الأوروبي عام 2004، والتي تنطبق عليها معايير "كوبنهاغن" التي وضعها المجلس الأوروبي في 1993، بلغ ثمانية، فإنّ الدول التي تتوفر على نظام نصف رئاسي وهي ثلاثة بولندا وليتوانيا وسلوفينيا، تعرف شكل "النظام نصف الرئاسي البرلماني".

وهو ما يعني أنّ مثل هذه التحديات التي يطرحها النظام نصف الرئاسي بأشكاله التقليدية، يمكن تجاوزها من خلال تعزيز التوجه البرلماني داخل الأنظمة نصف الرئاسية، بهدف تعزيز فرص التوطيد الديمقراطي.

ثالثا: أجهزة الجيش والشرطة والاستخبارات بين الدمقرطة والكفاءة

إنّ التحدي الذي تواجهه الديمقراطيات الجديدة في ما يتعلق بالجيش والشرطة والاستخبارات، هو تحدٍ مزدوج: تطوير مؤسسات للسيطرة الديمقراطية على هذه الأجهزة من جهة، وتحويل هذه الأخيرة إلى أدوات فاعلة لحماية مواطنيها وأمنهم من جهة أخرى.

ثمّة ترابط بين المشاكل التي تواجه القوات المسلحة والشرطة وأجهزة الاستخبارات، بشكل يؤدي إلى انتقال الأضرار من جهاز إلى آخر؛ فضعف فعالية الشرطة قد تدفع المسؤولين إلى الاعتماد على الجيش في مهام الشرطة، أو لعسكرة الشرطة. ووجود عدة أجهزة للاستخبارات داخل الدولة منفلتة من السيطرة القوية، قد يؤدي إلى الإضرار باحترافية الجيش والشرطة...، وأكثر من ذلك تترابط مشاكل هذا القطاع مع التحديات التنموية والسياسية والمؤسساتية للدولة.

بالرغم من ذلك، إلا أنّه نادراً ما ينتبه صناع القرار إلى هذا الترابط، كما لم يطور علماء الاجتماع مقاربة متكاملة لتحليل ذلك، حيث ظلت الدراسات وفية لمقاربات منفصلة لدراسة العلاقات المدنية-العسكرية والإصلاح في الجيش والشرطة والقضاء، وأغفلت أجهزة الاستخبارات.

وتتمثل التحديات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية الجديدة في هذا الإطار في ما يلي:

- القوات المسلحة:

تتميز وضعية الجيش، لا سيما في الديمقراطيات الجديدة، بالتمسك بالاستقلالية وتعزيزها، والتهرب من الخضوع لسلطة السلطات المنتخبة. وهذا ما يثبته الواقع في البرازيل والمكسيك والشيلي وكذلك في باكستان، وتايلاند، وفي إفريقيا، حيث عرقل الجيش عملية الانتقال إلى الديمقراطية، في النيجر وبورندي ونيجيريا. وتتعدد أوجه الاستقلالية بين التهرب من الخضوع للمراقبة المالية والتدقيق من طرف البرلمان أو السلطة التنفيذية، والتملص من الخضوع لإشراف سلطات التربية الوطنية، واحتكار الجيش لسلطة التوجيه التربوي ومحتوياته المطبقة داخل الجيش في الأكاديميات العسكرية أو الجامعات التي لها علاقة بالعسكر، وبين الاستقلالية في مجال العدالة العسكرية، حيث يبقى الجيش مبعداً من نطاق سلطة المحاكم الوطنية، وضعف محاسبته في حالة وجود انتهاكات لحقوق الإنسان.

وتشكل العلاقة بين السلطة المدنية والسلطة العسكرية أهم التحديات التي تواجهها الديمقراطيات الجديدة، إذ في الغالب فشلت الإصلاحات في تحقيق أهدافها في أغلب الدول باستثناء إسبانيا في بداية الموجة الثالثة من الديمقراطية. ويعود الفشل بالدرجة الأولى إلى "إخفاقات الزعامة في تصور النوع الصحيح من الإصلاحات والمثابرة على متابعتها أكثر ممّا تدين به لأي نوع آخر من الإكراه الموضوعي"،[3] وكذلك إلى "تراخي العاملين المدنيين في الحكومة أو في المجتمع السياسي وموقفهم المتواطئ أو تشجيعهم النشط على السلوك غير الديمقراطي".[4]

- الشرطة:

أمّا على مستوى جهاز الشرطة فإنّ الديمقراطيات الجديدة تواجه جملة من التحديات يمكن إجمالها في: الإرث الفاسد الذي ورثته على مستوى أجهزة الشرطة، وتحدي إنشاء قيادة مدنية لها، وخلق آليات ومؤسسات مناسبة لذلك، وعدم التوازن في الإصلاح، حيث تمّ التركيز في عدد من البلدان على إصلاح الجيش وإغفال هذا الجهاز، الذي تحول إلى جهاز غير كفء وفاسد، يثير الخوف في نفوس السكان أكثر ممّا يثيره في نفوس المجرمين، مثل ما حدث في البرازيل والمكسيك وبوليفيا والبيرو، وضعف التنسيق بين الوحدات الأمنية، وتعرض أجهزة الشرطة للعسكرة، وتهريب أجهزة الأمن الخاص المنتشرة في العديد من البلدان خارج دائرة إشراف الشرطة ومراقبتها، وتراجع برامج التدريب لأجهزة الشرطة، ممّا نتج عنه انحراف نحو استخدام العنف المفرط وغير الضروري من طرفها، وتورطها في الانتهاكات كما حدث في المدن البرازيلية الكبرى، وتحدي الشفافية والمسؤولية وخلق علاقات الثقة بين أجهزة الشرطة والمجتمع.

وقد نجحت بعض الدول في إنجاح العديد من الإصلاحات على هذا المستوى، كالبرازيل وجنوب إفريقيا، غير أنّ تجاوز التحديات يبقى رهيناً بإصلاح قطاع العدل والسجون وإعادة إدماج السجناء، وتعزيز إصلاحات مماثلة في المؤسسات الأخرى، وفي المجتمع السياسي والمدني.

- الاستخبارات:

إنّ أهمية أجهزة الاستخبارات في تحقيق الأمن القومي لا يمكن إنكارها. وقد واجهت الدول الديمقراطية الجديدة عدة مشاكل على مستوى هذه الأجهزة خلال فترة الانتقال، على رأسها تجاوز اختلالات أجهزة الاستخبارات السابقة وانتهاكاتها في كل دولة من هذه الدول. ومن ثمّ، كانت مهمة إعادة تشكيل أو تنظيم جهاز الاستخبارات من المهام المطروحة على هذه الدول، غير أنّ الممارسة أثبتت أنّ هذا الإصلاح كان في المرتبة الأخيرة ضمن روزنامة الإصلاحات على مستوى الأمن.

وقد ظلّ العديد من التحديات مطروحاً في هذا الصدد، من بينها بقاء أجهزة استخبارات قوية خارج سيطرة الدولة بالرغم من الإصلاحات المبذولة، وتحدي مراقبة هذه الأجهزة من طرف البرلمان أو من طرف أجهزة أخرى، وصعود الاستخبارات وتحولها إلى قوة خارج القانون توظف الأعمال غير الشرعية والتعذيب، وخطر الانجراف إلى "دولة الاستخبارات".

لذلك، من الضروري فرض انصياع جميع الوكالات للنظام الدستوري والتشريعي المنظم لهذه الأجهزة، واتباع مقاربة متكاملة أساسها النظر إلى عناصر الجيش والشرطة والاستخبارات كأجهزة مترابطة لإنجاز الإصلاحات وتجاوز مختلف التحديات السابقة.

ولئن كان العديد من الديمقراطيات الجديدة واجه تحديات كثيرة لإصلاح أجهزة الجيش والشرطة والاستخبارات، فإنّ التجربة الإسبانية تعتبر نموذجاً ناجحاً لبسط الإجراءات الديمقراطية على هذا المستوى.

ويقدّم وزير الدفاع الإسباني ما بين 1982 - 1990 نرسيس سيرا (Narcisserra) أهمّ المهمات التي طبقتها إسبانيا لتحقيق الانتقال الديمقراطي على مستوى الجيش والشرطة والاستخبارات.

فبالنسبة إلى الجيش تتمثل هذه المهماّت التي طبقتها إسبانيا ما بين 1976 - 1988 في مرحلة الانتقال الديمقراطي وتوطيد الديمقراطية في ست مهمّات، وهي: منع تدخل الجيش في السلطة السياسية بشكل كلي، وتخفيض شبه تام لوصاية الأمر الواقع من طرف الجيش على الحكومة، وإلغاء "تكييف" الجيش للسياسات الحكومية الذي يمكن أن يحد من فعالية بعضها، وإلغاء استقلالية الجيش التنظيمية والسياسية، وقبول الجيش بالسيادة المدنية والقضائية، والسيطرة الإيديولوجية والتربوية على العسكر.

أمّا على مستوى الشرطة، فإنّ إسبانيا طبقت إصلاحات جذرية لتجاوز الشرطة الموالية للديكتاتورية وتأسيس جهاز في خدمة المواطن والقانون والأمن منفصل عن القوات المسلحة، تتمثل في الإجراءات التالية: فصل الشرطة والحرس المدني عن الجيش، وإنشاء قوات شرطة خاصة بالمناطق التي تتمتع بالاستقلال الذاتي كالباسك وكتالونيا ونافارا، وإنشاء الشرطة القضائية المؤتمرة بأوامر قضاة التحقيق.

وعلى مستوى الاستخبارات طبقت إسبانيا إصلاحات مكنتها من تجاوز تعدد أجهزتها وتشتتها في ظل النظام القديم، وإنشاء جهاز للاستخبارات الوطني عام 1978.

هذه الإجراءات التي طبقتها إسبانيا يمكن أن تشكل نموذجاً للديمقراطيات الجديدة لقياس مدى تطورها في إصلاح هذه المجالات الثلاثة. لا سيما في ظل تزايد التحديات التي تواجه الأجهزة العسكرية والشرطة والاستخبارات كالإرهاب وتجارة المخدرات.

رابعاً: النزاعات الإثنية والدينية: مخاطر اجتماعية وسياسية تهدد الديمقراطية

من بين التحديات الأساسية التي تواجهها الديمقراطيات الجديدة، تحدي تأثير النزاعات المتعلقة بالقومية والدين واللغة والعرق على المسار الديمقراطي، التي تزايدت تمظهراتها في الساحة السياسية لهذه الدول. يركز الكتاب على بعدين من أبعاد هذه الإشكالية: أولهما يتمثل في العنف الإثني - الاجتماعي الديني، وثانيهما يتجلى في الإدارة الديمقراطية السلمية للمطالب الانفصالية.

فبالنسبة إلى البعد الأول، يتناول أشوتوش فارشني (Ashutochvarshney) النزاعات الإثنية في عدد من الدول الآسيوية، وينطلق في هذا الإطار من كتاب سابق له "النزاع الإثني والحياة المدنية" الذي درس فيه تغير المتغيرات عبر المكان في العنف الهندوسي - المسلم في المجتمع الهندي بين 1950- 1995، وخلص فيه إلى مقولة نظرية مفادها وجود علاقة بين المجتمع المدني والعنف الإثني الطائفي، وذلك في شكل أنّ جمعيات المجتمع المدني النابعة من الأسفل التي تدمج بين الهندوس والمسلمين، تشكل عنصراً مهماً لتحقيق السلم المجتمعي والمساهمة فيه، على عكس تلك الجمعيات المتكونة من الهندوس فقط أو المسلمين فقط التي تؤجج العنف والصراع.

ويوسع في هذه الدراسة مجال المقارنة؛ مقارنة متعددة الجنسيات، ومتعددة المدن، وذلك في عدد من البلدان هي: سيرلانكا، حيث قام بدراسة شغب التاميل والسنهال في ثلاث مدن رئيسية، وماليزيا، حيث درس العنف بين المالايا والصينيين في ثلاث مدن، وأندونيسيا، حيث تركز اهتمامه على العنف بين المسلمين والمسيحيين، ثم العنف المناهض للصينيي، وتوصل فيها إلى استنتاجين رئيسيين، وهما:

- الاندماج الإثني في الحياة المدنية، لا سيما في التنظيمات، يعتبر الأساس الواعد لتحقيق السلام الإثني. حتى في حالة استطاعت الدولة تحقيق السلام بتدخلاتها السياسية أو الإدارية، فإنّ استمرار ذلك يتوقف على تحقيق اندماج مدني.

- الإسلام في هذه الدول لا يمكن اعتباره ديناً مقترناً بالعنف الطائفي، فالعنف الذي يشارك فيه المسلمون يرتبط بنوعية الروابط القائمة بينهم وبين غيرهم من الطوائف.

أمّا بالنسبة إلى البعد الثاني فيتناوله ريتشارد سيميون (Richardsimeon) من خلال تحليله للنموذج الكندي للتكيف مع الاختلاف وإدارته.

بالرغم من أنّ كندا الديمقراطية تواجه مهمة إدارة ثلاثة أنواع واضحة من التنوع والاختلاف، متمثلة في: اللغة الفرنسية والإنجليزية والسكان الأصليين الذين ظلوا لعقود مستغلين ومهمشين، وأصبحوا يطالبون بالحكم الذاتي، والتعويض عمّا لحق بهم في الماضي، والتعدد الثقافي، حيث كندا تعرف أكبر نسبة من السكان المولودين في الخارج، ونسبة مهمة من الوافدين، إلا أنّ الكاتب يركز على نوع واحد هو البعد الهوياتي بين الفرنسي - الإنجليزي أو الكيبيكي - الكندي.

إنّ النقاش السياسي حول مستقبل كندا ككيان سياسي واحد تمّت إدارته بطريقة ديمقراطية منذ الستينيات من القرن الماضي، ويرجع ذلك إلى المناقشة السلمية والديمقراطية حول الانفصال (والوحدة) التي لعب فيها العديد من العوامل الدور المهم والحاسم، يمكن إجمالها في: العوامل الثقافية المتمثلة في الثقافة الديمقراطية، حيث تعرف كيبيك وكندا انتشار التزام قوي بالقيم الديمقراطية والنقاش الحر والواضح والتسامح، ولم يذهب أي طرف إلى اتهام الانفصاليين بالخونة، أو حرمانهم من حقهم في التعبير والانتخاب والمشاركة، ولم تلجأ الحركة الانفصالية إلى العمل السري أو العنيف؛ والقومية المدنية المرنة، حيث لم تتجذر القومية الإنجليزية الكندية في التحديد الإثني للبلاد، ولا يتم اعتبار دعاة الانفصال الكيبيكي غير شرعيين، إذ النقاش بين الأطراف الكندية لا يطرح بأسلوب الهويّات الإثنية التي تتبادل العداء بالرغم من وجود الاختلاف بينها، وانتشار قيم وآراء مشتركة بشأن دور الدولة والسياسة العامة بين أغلب الكنديين.

والعوامل التاريخية المتجلية أساساً في سيادة التفاوض لدى الكنديين منذ زمن بعيد. والعوامل المؤسساتية المتمثلة في الفيدرالية المتعددة الوحدات، حيث تتكون كندا من عدة وحدات؛ فهي تتكون من أمتين أو وحدتين فرنسية وإنجليزية إضافة إلى عشرة أقاليم، ممّا يساهم في تعدد علاقات وتشابك كيبيك مع باقي الأقاليم؛ والاستقلال الذاتي، إذ النظام الفيدرالي الكندي يمنح درجة كبيرة من الاستقلال الذاتي لكيبيك وغيرها من المقاطعات، مما يساهم في مزيد من المرونة على مستوى علاقة الحكومة الفيدرالية بإقليم كيبيك، وارتباط هذا الأخير بالمركز، حيث يعرف هذا الإقليم اندماجاً بالمركز من خلال دعمه لتشكيل الحكومات الفيدرالية المتعاقبة، ومشاركة الكيبيكيين في الحكم الفيدرالي، ودور المحكمة العليا الكندية التي أصدرت قراراً تاريخياً في هذا الإطار عام 1998 إثر طرح الحكومة الفيدرالية سؤال مرجعي على المحكمة العليا، مطالبة إياها بالحكم في مسألة: "هل يحق لأيّ مقاطعة أن تنفصل من جانب واحد سواء بموجب الدستور الكندي القائم، أو بموجب القانون الدولي الذي يحكم في حق تقرير المصير"؟[5] مضمونه أنّ الدستور الكندي لا يتحدث عن المسألة، وأنّ الحق في تقرير المصير حسب القانون الدولي لا يمكن أن ينطبق على الحالة الكندية لأنّ تقرير المصير يرتبط بادعاء الأمّة المعنية بمعاناتها من قمع الأكثرية. لكنّ المحكمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل قدمت اقتراحاً للحالة الكندية، حيث ذهبت إلى أنّه في حالة تصويت كيبيك على الانفصال بأغلبية واضحة وعلى "سؤال واضح"، فإنّ الأمر يؤدي إلى ترتيب "واجب دستوري" بالتفاوض على المسألة، على باقي كندا، مستندة في ذلك على المبادئ الأساسية التي يستند عليها الدستور الكندي: الديمقراطية، والفيدرالية، والدستورية وحكم القانون، واحترام الأقليات.

إضافة إلى العوامل السياقية المتمثلة في الترابط الاقتصادي بين كيبيك وباقي كندا، وتراجع التفاوتات الاقتصادية بين الأقاليم، وانتشار "مقولة لا للعنف"، كمقولة جماعية منذ أزمة أكتوبر 1970، تاريخ ارتكاب عملية القتل السياسية الأولى والوحيدة المرتبطة بالانفصال.

إذا كانت مسألة انفصال إقليم عن الدولة الأم أو المطالبة به، يكون - في الغالب - مُرفقاً بالحقد وأعمال الشغب والقتل والتسلط الذي يرتكبه الطرفان، فإنّ كندا تقدم نموذجاً مغايراً لهذه الفكرة، فحتى في حالة تحقق فرضية انفصال إقليم كيبيك عن باقي كندا، فإنّ عملية الانفصال ستكون خالية من أعمال العنف، وستستمر العملية الديمقراطية. فالالتزام بالديمقراطية والتسامح والمرونة وانتشار النقاش والتفاوض المتحضر، وضمان مشاركة الأقليات واحترام خصوصياتها اللغوية والتقاليدية، وتحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية كلها عوامل مساهمة في تحقيق التعايش بين الأطراف الإثنية المتصارعة داخل دولة واحدة، وتأسيس نقاش سياسي ديمقراطي حول الانفصال أو الوحدة.

خامساً: محدودية التحديات المناقشة والبدائل المطروحة

يُعتبر هذا العمل متميزاً عن الدراسات الديمقراطية الكلاسيكية التي تتناول التحديات التقليدية التي تواجه الدول الديمقراطية كالاقتصاد والثقافة السياسية، بالنظر إلى طرحه لقضايا جديدة حول الكثير من الأفكار الدستورية والسياسية التي ظلت سائدة لفترات طويلة، والابتعاد عن اللغة الغارقة في التنظير، حيث تستند الدراسات التي يحويها المؤلف على الاختلالات التي تشهدها ديمقراطيات الموجة الثالثة، وتقترح إجراءات عملية للإصلاح.

بالرغم من ذلك، إلا أنّ الكتاب تعتريه جملة من جوانب المحدودية، فالتركيز على ثلاثة أنواع من التحديات يعتبر قليلاً مقارنة بالتحديات التي أصبحت تواجهها الديمقراطيات الجديدة، كالمنظمات الإرهابية والمافيا، والشركات المتعددة الجنسيات، والتبعية الاقتصادية، وتأثير القروض الدولية، وبقايا النظام الدكتاتوري السابق، وتراجع الحريات المدنية.

كما أنّه في رصد الاختلالات واقتراح الحلول الإجرائية تمّ إغفال تجارب الديمقراطيات الكلاسيكية ونجاحها في مواجهة مثل هذه التحديات المطروحة على الديمقراطيات الجديدة كتجربة الولايات المتحدة وسويسرا وهولندا وبلجيكا في تعاملها مع التنوعات الثقافية والمجتمعية، سواء من خلال الإدماج والاستيعاب أو من خلال الأسلوب التوافقي في اتخاذ القرار[6].

أضف إلى ذلك أنّ المقارنة المجالية بقيت حبيسة عدد قليل من الأنظمة السياسية، ولم تستحضر الدول التي فشلت في توطيد الديمقراطية بالرغم من دخولها مرحلة الانتقال الديمقراطي كأوزبكستان والكامرون وكمبوديا...، والدول التي عرفت انهياراً ديمقراطياً وارتداداً نحو الدكتاتورية بعد فترة من تحقيقها للانتقال الديمقراطي، التي يبلغ عددها أزيد من ثلاثين دولة كغامبيا وباكستان وفيجي.[7] وتمّ إغفال الأنظمة التي تراجع فيها الانتقال الديمقراطي واستطاعت استرداده مرّة أخرى.[8]

كما أنّه لم يتم توظيف المقارنة الزمنية في مناقشة هذه التحديات، ومدى تراجع تأثيرها بمرور زمن الانتقال وتوطيد الديمقراطية، إذ أثبتت جملة من الدراسات تراجع تأثير التحديات التي تواجه الديمقراطيات الجديدة بعد مرور أزيد من عشر سنوات من السير على الطريق الديمقراطي.[9]


[1] لمزيد من التفاصيل يراجع: ألفرد ستيبان، ديمقراطيات في خطر، ترجمة أنطوان باسيل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، ص ص 173- 176

[2] المرجع نفسه، ص 161

[3] المرجع نفسه، ص 93

[4] نفسه، ص 94

[5] نفسه، ص 73

[6] روبرت أ. دال، عن الديمقراطية، ترجمة سعيد محمد الحسنية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2014، ص ص 184- 190

[7] المرجع نفسه، ص 191

[8] مورتون هـ. هالبيرين وجوزيف ت. سيجل ومايكل م. ونستن، مزايا الديمقراطية. كيف تعزز الديمقراطيات الرخاء والسلام، ترجمة محمود سيد أحمد، دار نهضة مصر، الطبعة الأولى، 2009، ص 74

[9] المرجع نفسه، ص 72


مقالات ذات صلة

المزيد