تحديات بنيوية في منظومة الاعتدال ومواجهة الكراهية

فئة :  مقالات

تحديات بنيوية في منظومة الاعتدال ومواجهة الكراهية

أظهرت جهود ومتواليات مواجهة التطرف والكراهية منظومة واسعة من الأزمات والاختلالات في معسكر المواجهة؛ فمحاربة المتطرفين لا تعني الاعتدال، وربما تكون تطرفات تواجه بعضها بعضا، ولكن ليست هذه الأزمة الوحيدة في معسكر مواجهة التطرف؛ فالاعتدال والتطرف يبدوان اسمين غير واضحين أو محددين في خطاب "الاعتدال ومواجهة التطرف والكراهية"، أو لا يعبران بوضوح عن المسميات! ليس فقط لأن الأسماء لا تعبر دائما بكفاءة عما تسمّيه، ولكن لأنها تسمية تكاد تكون غير حقيقية أو غير مطابقة في عالم العرب والمسلمين حتى وهم يواجهون المتطرفين ويحسبون أنفسهم في مواجهة مع التطرف.

وعندما يتشكل وعي بالاعتدال مطابق للحقيقة أو يقترب منها، فإنه اعتدال بطبيعته وبما هو كذلك يعاني مما يبدو أو يظن أنه هشاشة بالنسبة إلى تماسك التطرف وثقته بنفسه؛ فالاعتدال في واقع الحال يعكس عدم اليقين والنسبية في الأفكار وتقدير الصواب، ويقوم على عمليات عقلية وفكرية لا يمكن الجزم بصوابها وقابلة على نحو متواصل للتغير والمراجعة، وبغير ذلك لن تكون اعتدالا، هكذا وعلى نحو ما، فإن الاعتدال يكاد يكون النسبية وعدم اليقين والمراجعة والتغير في الأفكار؛ والتطرف هو ثبات ويقين وتماسك وراء الأفكار والمشاعر والمعتقدات يصعب تغييره أو المساس به.

والمأزق الرابع، يتمثل في أن مواجهة التطرف هو محصلة غير مباشرة لعمليات صعبة ومعقدة من الازدهار الاقتصادي والإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي، وما من مواجهة مباشرة أو فاعلة مع التطرف سوى التقدم والتنمية الإنسانية.

وخامسا، فإن خطاب التطرف يعتمد على المصادر الفكرية والتراثية والتجارب التاريخية التقليدية المعتمدة أيضا لدى الخطاب الفكري والديني السائد في المؤسسات الدينية والتعليمية الرسمية والمجتمعية، ومن ثم فإن المؤسسة الدينية والإرشادية تواجه الجماعات والأفكار المتطرفة بالخطاب نفسه الذي يستند إليه كلا الطرفين ويستمدان منه تصوراتهما وتطبيقاتهما للدين وفهمه، والخلاف في هذه الحالة هو صراع على اللغة والتأويل والاستدلال، ليس أكثر من صراع على اللغة وليس المفاهيم والأخلاق والأيديولوجيات والقيم المحفزة للاتجاهات والعمل والتفكير.

وسادسا، فإن المؤسسة السياسية والدينية هي نفسها أنشأت حالة من الأفكار والمناهج في التعامل مع الدين والتراث تنشئ التطرف والكراهية وتمنع الفكر الحر والنقدي في التعامل مع المصادر والتراث والتاريخ، كما أنشأت منظومة من الخطاب المضاف إلى الدين اعتسافا أو بتوسع في التقديس للمنجزات السياسية والفقهية، مثل الأسلمة الواسعة أكثر مما يريد الدين أو تحتمل النصوص والغايات الدينية في قضايا الحكم والاقتصاد والتعليم والتشريعات والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعاقبة المخالفين في الفكر والاعتقاد (أحكام الردة) كما لو أن ذلك واجب ديني، بل يمكن القول إن المؤسسة السياسية والدينية أضافت إلى الدين "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" مما ليس فيه أو أكثر من القدر الذي أراده الدين، واليوم فإن الجماعات الدينية المتطرفة تطبيق المفاهيم والمنظومات الدينية التي أنشئت وطورت في المؤسسات الدينية والجامعات والمجالس التشريعية.

سابعا: أنشأت المؤسسة السياسية والدينية شرعية للحكم وهيمنة النخب مستمدة من خطاب ديني وأحكام فقهية وعقائدية وتطبيقات واسعة، وفي عجزها عن تمثل هذه الشرعية؛ فقد نافستها جماعات معارضة تبدو أكثر التزاما وتمسكا بالخطاب الذي وضعته السلطة والنخب لنفسها، وصارت تنافسها الشرعية والقبول، وتقدم نفسها للمجتمعات والناس على أنها تمثل الشرعية الدينية والتزاما أفضل بالدين، وبدت السلطات السياسية والدينية في نظر الناس تتخلى عن الدين بل وتعاديه، وتحول الصراع في الحقيقة إلى صراع على الدين والشرعية الدينية وليس صراعا بين التطرف والاعتدال، بل وصارت المؤسسات الدينية والسياسية تتوسع في خطابها الديني، وتحاول أن تنافس الجماعات المعارضة والمتمردة على التطرف الديني، وفي ذلك فقد أنشأت ملاذات آمنة وقانونية للتطرف والتعصب.

ثامنا: لقد دخلت الجماعات المتطرفة في تحالفات اجتماعية واسعة مع فئات اجتماعية تشهر بالتهميش والقهر تشارك الجماعات في التمرد وتحتمي بها أيضا لأجل مواجهة السلطة السياسية أو للمطالبة بحقوقها السياسية والاجتماعية أو ردا على ما تتعرض له من إساءة واضطهاد.

تاسعا: إن تكريس الاعتدال والتنوير لن يكون خاصا بالشأن الديني في حالة تشكله من خلال فكر حر ونقدي (ليس من طريقة أخرى لتكريس الاعتدال والوعي). فالمواطن الذي يؤمن بالاعتدال من خلال تجربته الذاتية الفكرية والعقلية، سوف يكون بطبيعة الحال ناقدا للسياسات والاتجاهات الحكومية والمجتمعية والشركاتية، ولن يؤيدها تلقائيا.

الصراع على المفاهيم: ما الاعتدال وما التطرف؟

تبدو مفاهيم ومصطلحات من قبيل الوسطية والاعتدال والتطرف، واضحة ومحدّدة (تقريباً) في الثقافة الغربية، لكن لا يمكن اقتباسها في الشرق إلا باقتباس الفلسفة والفكرة المنشئة لها، إذ تبدو لدى فهمها في الخطاب الإسلامي السائد أو المتّبع مختلفة اختلافاً كبيراً، تحتاج إلى خطاب إسلامي جديد أو مختلف يستوعبها ويطبقها على النحو الذي تعمل فيه في بلاد المنشأ.

فمقياس الوسطية والاعتدال والتطرف هو الاجتهاد الإنساني السائد أو الغالب، أو العقد الاجتماعي المنظِّم لعلاقات الناس ومصالحهم، بمعنى أن التطرف هو الاختلاف عن العقد الاجتماعي السائد أو الخروج عليه، والوسطية هي الموقف الوسط بين اتجاهين أو فكرتين يجمع بينهما وإن كان مستقلاً أو مختلفاً عنهما، وفي ذلك ثمة افتراضات عدة أساسية وحاكمة وفاعلة في الغرب؛ لكنها لا تملك الفاعلية نفسها في الشرق العربي والإسلامي، أو لم تعمل بعد؛ فالصواب في العقد الاجتماعي فكرة إنسانية نسبية ليست يقينية أو حقاً نزل من السماء؛ الصواب هو الاجتهاد الإنساني في فهم الكمال وتمثّله في لحظة معينة؛ هو صواب ما دام لم تغيّر الغالبية رأيها أو موقفها.

لكن في غياب العقد الاجتماعي الإنساني ليس ثمة وسط أو تطرف! هناك صواب وخطأ، الصواب هو الحق الذي نزل من السماء، وما سواه باطل، وليس بعد الحق إلا الضلال، ويكون الاختلاف والصراع على الحق، أو بين الحق والباطل، حيث الحق هو الصواب الذي يعتقده أصحابه ومؤيدوه، ولا يمكن وصف هذا الحق بالاعتدال أو التطرف أو الوسطية، هو الصواب فقط، ويتبعه المؤمنون على أنه الحق الذي نزل من السماء والواجب اتباعه!

لذلك وببساطة ووضوح، فإنه لا يمكن الحديث عن تطرف واعتدال في غياب العقد الاجتماعي الإنساني، لا تصلح هذه المفاهيم والأفكار إلا في أنسنة الحكم والعلاقات، أما في ظل الاعتقاد بالصواب الإلهي والشامل والكامل والذي يصلح لكل زمان ومكان، وهو ما تؤمن به في عالم العرب والمسلمين الحكومات والجماعات والمعارضات على السواء، ولا فرق في ذلك بين الأنظمة السياسية والمؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية التابعة لها او المتحالفة معها وبين جماعات الاحتجاج والتمرد، والخلاف أو الصراع ليس بين تطرف واعتدال، ولكنه بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، وفي الحجج المتبعة لدى كل من الطرفين يتحول الصراع إلى صراع على الخطاب واللغة، والحق في امتلاك المعنى!.

لكن في عالم المنشأ الإنساني لمفاهيم الوسطية والاعتدال والتطرف، فإن الوسطية بمعنى الوسط بين المواقف والاتجاهات ليست هي الاعتدال أو التسامح بالضرورة أو ليسا (الوسطية والاعتدال) دائماً شيئاً واحداً... أما إذا كان الوسط بمعنى الأفضل أو الصواب كما يُرى في عالم العرب والإسلام، فقد يكون ذلك في بعض الأحيان تطرفاً بمعنى الاختلاف عن السائد أو الغالبية، وأما الاعتدال إن كان يعني الصواب أو العدل، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه وسط بين أمرين أو أمور واتجاهات عدة... هو في اللغة العربية من الصواب والاستقامة، وفي الديمقراطيات هو الموقف السائد، وفي ذلك فإن الصواب قد تتبدّل مواضعه وحالاته بين اليمين أو اليسار، والحماسة أو الانسحاب أو التردد أو الإقدام أو المغامرة أو التحفّظ... لا يحكمنا في ذلك إلا العقد الاجتماعي أو اتجاه الغالبية في اللحظة التي نلتمس رأيها. وأما في غياب الديمقراطية، فإن الصواب أو الاعتدال هو الحق الذي نزل من السماء، والسماء وحدها تقول لنا ما الصواب، ولن يعرف الصواب أو يحدده واقعياً سوى السلطة المهيمنة أو الجماعة المناوئة لها، أو كما قال أبو العلاء المعري:

تلوا باطلاً وجلوا صارماً                   وقالوا: أصبنا؟ فقلنا: نعم!

المواجهة يجب أن تكون مع المواقف وليس الأفكار

المواجهة إذن، يجب ألا تكون مع المفاهيم والأفكار، وليست صراعا على المعنى والحق في التأويل والفهم، ولكنها مواجهة مع المواقف والسلوك بغض النظر عن صواب أو خطأ الفكرة والاعتقاد؛ هي مواجهة سياسية أولا مع الخروج على القانون، وثقافية ثانيا مع الكراهية والنفور من الآخر وعدم القبول بالتعددية في الآراء والاعتقادات، وتبقى الأفكار تتجادل من غير كراهية وحروب ووصاية على عقول الناس وضمائرهم، ثم الانشغال بالبيئة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية بما هي منشئة للتطرف أو الاعتدال، والسلوك الاجتماعي القويم أو الجريمة والانحراف، والالتزام بالقانون أو الخروج عليه، والانتماء إلى المجتمعات وقيمها أو الخروج منها. ولسوء حظ المواجهة مع التطرف، فإنها لن تعمل إلا في بيئة من الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والحريات الشاملة، ولن تخدمها في شيء من المؤتمرات والاحتفالات والمنشورات والفتاوى الدينية المنفصلة عن هذا الإصلاح، بل تكاد تتحول إلى تطرف آخر ووصاية على الناس وضمائرهم.

إن التفسير السوسيولوجي للكراهية والتطرف ليس مشغولا بالعلاقة المباشرة بين المتطرفين وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، ولكن بالعلاقة بين البيئة الاجتماعية والاقتصادية وبين التطرف والكراهية، والحديث عن العلاقة بين الأفكار والمعتقدات والنصوص الدينية والتعليمية وبين الكراهية والتطرف، ليس مشغولا بالأوامر والنواهي والدعوات والفتاوى لأجل الاعتدال أو التطرف، الكراهية أو المحبة، التعصب أو التقبل... ولكن منظومة الاعتدال أو التطرف والكراهية تتشكل في البيئة الفكرية والتعليمية والثقافية على نحو أقرب إلى المنهج الخفي. والحال أن مواجهة التطرف والكراهية لن تكون عمليات مباشرة لإحلال أفكار أو نصوص محل أخرى، ولكنها في "النسبية وعدم اليقين" التي تشكل العقل الحرّ والناقد والمتقبل للآراء والأفكار والمستعد للتغيير والمراجعة. لذلك، فإن أفضل النصوص والأفكار التنويرية إذا قدمت على أساس من الوصاية واحتكار الصواب والتعصب، فإنها ستنشئ أيضا الكراهية والتطرف، فلا فائدة أو أهمية لأن تُفرض أجمل الأفكار والمعاني على الناس فرضا، أو تُلقن للتلاميذ في المدارس بوصاية على عقولهم وضمائرهم وأرواحهم؛ الاعتدال -ببساطة- هو محصلة للحريات والإبداع.

البيئة الفكرية المنشئة للاعتدال أو التطرف وليس المواجهة الفكرية

تتشكل الكراهية (ويتبعها التحريض والتعصب والعنف بطبيعة الحال) في الأفكار والثقافة والمناهج على نحو خفي أو غير مباشر، وهي بيئة ومصادر قائمة ومتبعة لدى السلطات والمجتمعات والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية الرسمية كما هي قائمة ومتبعة لدى الجماعات الخارجة على السلطة والمجتمعات، ومن هذه المصادر المنشئة على سبيل المثال:

1- الامتلاء بالشعور بالصواب والحق، وأن الآخر مخطئ وباطل، وعدم القدرة على إدراك وملاحظة معقولية/ احتمال معقولية الآخر، وخطأ/ احتمال خطأ الذات؛ إذ ليس المطلوب أن يقدم الصواب والاعتدال للناس على أنهما كذلك، ولكن في ظل الاعتقاد بأن أحدا لا يحتكر الصواب ولا يعرفه على وجه اليقين، وبذلك، تظل جميع الأفكار والمعتقدات محتملة الصواب، وتظل جميع الأفكار والمعتقدات قابلة للمراجعة واحتمال التغيير.

2- الخلط بين الأفكار والمعتقدات وبين تطبيقها على الآخرين؛ فأن يعتقد أحد اعتقادا أو فكرة، فهذا أمر يخصه وحده، ولا يحق لأحد أن يُلزم غيره باعتقاد أو يمنعه من اعتقاد، ولا أن يطبق التعاليم والمفاهيم التي يؤمن بها على غيره، لأن الأفكار والمعتقدات ليست هي القانون، ويبقى الحكم بين الناس هو القوانين والتشريعات، وحين تتعارض أو يفهم تعارض بين الأفكار والمعتقدات وبين التشريعات؛ فالحلّ والحكم للمؤسسات التشريعية والسيادية، وليس بيد كل مؤمن بفكرة يرى أنه ملزم بتطبيقها على غيره، وغيره يعني كل من عداه، بمن في ذلك الأبناء والتلاميذ.

وصواب أو خطأ فكرة أو اعتقاد لا يغير شيئا في هوية الناس ولا في الموقف منهم والنظر إليهم؛ فالإنسان مستقل بكيانه واعتباره عن أفكاره ومعتقداته، هو إنسان أولا ومواطن ثانيا، ولا يغير في ذلك شيئا من أفكاره ومعتقداته. الحكم على الناس وتقييمهم وتصنيفهم حسب أفكارهم ومعتقداتهم، ثم بناء المشاعر تجاههم على هذا الأساس، ينشئ بطبيعة الحال حالة من الكراهية للآخر بمن هو المخالف في الفكر والاعتقاد، وينشئ أيضا الشعور بالتميز والاستعلاء والأفضلية.. وببساطة، هذا هو التطرف.

3- التوسع في فهم وتطبيق مبادئ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاحتساب "الحسبة" وتحميلها منظومات من السلوك والممارسات اعتقادا بحق كل صاحب فكرة أن يتحرك لفرضها على الناس أو محاسبة الناس على أساسها، من دون اعتبار لاحتمالات الصواب والخطأ لدى الذات أو لدى الآخر، ومن دون اعتبار لدور المؤسسات والقوانين الناظمة لحياة الناس وعلاقاتهم؛ ماذا عن تعدد الأفكار والمفاهيم واختلافها؟ ففي سعي صاحب كل فكرة لتطبيقها على الآخرين ومحاسبتهم على أساسها، يتحول الفهم الديني والاجتماعي إلى صراع وعنف اجتماعي، يمتد إلى الأسر والزملاء والأصدقاء والجيران والأقارب، وبخاصة مع مفاهيم وأفكار ومقولات من دون تمييز في أهميتها وصحتها ومستواها ومعناها تشجع على الغضب والمفاصلة والكراهية بسبب الاختلاف في الرأي والفكر والمعتقدات.

4- تقديس التراث والتاريخ والتجارب الحضارية والفقهية بلا تمييز بين الأصول والفروع واحتمال الخطأ، أو من دون تمييز بين الدين والخطاب الديني، وبين النصوص وفهمها ومعانيها المتعددة المحتملة.

الخلاصة أن الأكثر أهمية من تعليم الاعتدال والتنوير، هو تعلم مظنة تعدد الصواب واحتمال الخطأ دائما، وهذا يقتضي ان نواجه أنفسنا (المعتدلين) ونقيم بصدق مع الذات جهود وأعمال مواجهة الكراهية والتطرف، وأن نملك الشجاعة لنقرر أنها ليست أكثر من إعادة أو محاولة إعادة توجيه الكراهية والتطرف في الاتجاه الذي نظنه صوابا. لم تكن الكراهية بذاتها أفكارا ومشاعر مرفوضة إلا عندما نظن أنها تسير في اتجاه لا نريده، ولكن لا بأس بها (الكراهية) حين تكون تعمل لصالحنا وتخدم مواقفنا. لكن لا يوجد فرق بين كراهية وكراهية أخرى. والعمل الفاعل والحقيقي في المواجهة يجب أن يستهدف الكراهية مطلقا، وبما هي مشاعر ومواقف مرفوضة أقرب إلى المرض أو العيب الذي يجب أن نتخلص منه، أيا كانت الجهات والأهداف المعرضة للكراهية، وبغض النظر عن العداء معها. والحال أننا نمزج بين الكراهية والعداء، برغم الفارق الكبير بين الموقفين.

فالاختلاف مع الآخرين، وحتى العداء والقتال ضدهم، لا يعني كراهيتهم. وليس ثمة حاجة لكراهية الأعداء، فضلا عن كراهية المختلفين؛ فالعداء أو الاختلاف يهدف إلى تسوية مسألة أو قضية على النحو المرضي للأطراف من دون إلغائها أو إقصائها... لكن الكراهية هي رفض لوجود الآخر، وتحوّل الصراع والخلاف من القضية التي يجري الصراع حولها، إلى عنف يستهدف الآخر بما هو الآخر وبغض النظر عن الخلاف معه. ثم إنها تبرر كل التجاوزات والشرور التي ترتكب، وتكون متقبلة، بل مصدرا للاعتزاز والفخر والمديح. وتتوسع أعمال العنف والعنف المقابل، لتتحول إلى حلقة شريرة ممتدة بلا نهاية.

ويكون التعصب أو الانحياز لـ"نحن" في الأفكار والمواقف والمعتقدات والمزاج واللباس والطعام والثقافة والعرق واللون والتاريخ... سلوكا متقبل وراسخا لدينا، بل مصدر فخز واعتزاز، ولا مشكلة لدينا بالتعصب إلا عندما يخالف اتجاهنا ومصالحنا. لكن الفكرة الأصلية في تكريس الاعتدال ومواجهة التطرف، هي رفض التعصب والانحياز أيا كان محتواه، وبناء ثقافة التعددية والتنوع، وليس إعادة إنتاج التعصب والشوفينية في اتجاه جماعات أو جهات محددة، حتى لو كانت معتدية أو متطرفة.

المواجهة بحياد السلطة وليس بانحيازها

أسوأ ما يقع فيه دعاة الاعتدال والتنوير، هو عندما يستخدمون السلطة والقوة والنفوذ في الدعوة إلى أفكارهم ومعتقداتهم وتطبيقها، وفي مواجهة الخصوم والمخالفين. فالسلطة بما هي كذلك، لا تقدر على التأثير والإقناع إلا بحيادها، وبمجرد انحيازها إلى فكرة فإن هذه الفكرة تتحول -مهما كانت جميلة أو تقدمية- إلى فكر سلطوي، ولا ينظر إليه أغلب الناس إلا أنه فكر مفروض عليهم، وأنه يقدم إليهم أو يُسَوَّق في ظل وصاية على حرياتهم واختياراتهم وعقولهم وضمائرهم، ويتحول الفكر المخالف إلى مظلة للاحتجاج والمعارضة والتمرد، ويستقطب المهمشين والغاضبين والمعارضين لأسباب أخرى لا علاقة لها بفكر أو اعتقاد.

وربما يكون (وهذا ما أرجّحه) الدور الديني المباشر للسلطة السياسية، حتى لو كان يهدف إلى الاعتدال والتنوير والموقف الصائب في الدين والفكر والسلوك، ينطوي بذاته على وصاية وتلقين وهيمنة تنفر منها المجتمعات ويتمرد عليها الأفراد.

وفي جميع الأحوال، يجب الاعتراف ومواجهة أنفسنا بأن المؤسسات الرسمية والحليفة لها، والقيادات الاجتماعية والفكرية والأكاديمية، لم تعد قادرة على إنجاح سياسات وأهداف الدولة المفترضة في مواجهة التطرف والكراهية، وأنها برغم الإنفاق الكبير والدعم السياسي والتسهيلات والفرص التي تحظى بها، فشلت فشلا ذريعا، بدليل الحالة الكاسحة من التطرف والتدين المغشوش، وغياب الثقة بين المواطنين والحكومة وبين المواطنين والسوق والسلع والأعمال والحرف، وضعف مستوى التعليم والانتماء والسلوك الاجتماعي الصحيح.

لم يعد ممكنا الحديث عن مواجهة التطرف والكراهية بمنأى عن الحديث عن غياب الثقة بالمؤسسات والأشخاص والأدوات السائدة، فهي شريكة في صنع الحالة وتكريسها أو فاشلة في التصحيح والعمل.

إن أسوأ ما يمكن أن تقع فيه عمليات مواجهة التطرف، هو حمل الناس على خطاب ديني محدد، يعتقد أصحابه أنه خطاب معتدل أو أنه الصواب، ثم العمل على فرضه في المدارس والجامعات والمساجد؛ إذ سوف تبدد الحكومة بذلك أموال دافعي الضرائب، وسيزيد التطرف أيضا؛ فنكون كمن ننفق من مواردنا الشحيحة على التطرف.

ليست وظيفة الدولة، ولا يمكنها عمليا، أن تلزم الناس بفهم الدين وتطبيقه؛ فهذه مسؤولية المجتمع والأفراد، إضافة إلى أنها مسألة متعلقة بإيمان الناس وضمائرهم، وهو ما لا يمكن أبدا ولا يحق لأحد أن يمارسه تجاه إيمان الناس وقناعاتهم وأفكارهم.

ثمة حاجة كبرى وأكيدة بالطبع للرد على أفكار وخطاب الجماعات المتطرفة، وأن يقدم للجمهور خطاب معتدل وإصلاحي، ولكن ليس على سبيل الإلزام، ولا حتى التبني الرسمي لهذا الخطاب. وللتذكير، ولا بأس في تكرار ذلك، فإن من تصدى للخطاب الإصلاحي والعقلاني هو المؤسسات الرسمية، وما عنا ببعيد أمر علي عبدالرازق، وطه حسين، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد محمود طه، ومن قبلهم ابن رشد ورفاعة الطهطاوي والسهروردي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي.. لقد كانت أزمة الخطاب العقلاني والمعتدل مع السلطات والمؤسسات الرسمية، ولم تكن فقط مع الجماعات الدينية المتطرفة!

أفضل وأهم ما يمكن أن تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية لمواجهة التطرف، هو ألا يكون لها دور تنفيذي مباشر في إدارة وتنظيم الشأن الديني. ولم يكن على مدى التاريخ الإسلامي، دور ديني للسلطة في مجالات التعليم والإفتاء والفقه والدعوة والإرشاد، لم تقم الدولة بذلك إلا في ظل الدولة الحديثة! الأزهر كان مؤسسة مستقلة عن الدولة منذ نشأته وحتى خمسينيات القرن العشرين، والمساجد الكبرى مثل الأموي والزيتونة كانت تقوم عليها المجتمعات المحلية، وكل ما لدينا من تراث علمي وفقهي ومؤسسات علمية، كالمذاهب الفقهية والمدارس والمساجد والتأليف والجدل الديني.. كل ذلك وغيره، كان عملا فرديا ومجتمعيا، لم تتدخل الدولة في إدارته وتمويله. وما تقوم به اليوم وزارات الأوقاف والتربية والتعليم والجامعات وغيرها من دور ديني في التعليم والدعوة والإمامة والإرشاد والفتوى، ليس تكليفا دينيا؛ بمعنى أن الله لم يطلب من السلطات أن تفعل ذلك؛ فلا يوجد خطاب ديني للدولة لتتولى التعليم والإفتاء والفقه والإرشاد. وإن كان أحد يظن أن من واجبات الدولة أن تؤدي دورا دينيا، فهذا فهم وتقدير بشري، وليسا نصا نزل من السماء.

لا مجال لمواجهة التطرف وتكريس التسامح والاعتدال، سوى أن تنسحب الدولة من المساجد والتعليم الديني في وزارة التربية وكليات الشريعة، وأن تدمج المحاكم الشرعية بالمحاكم النظامية، وتترك للمجتمعات والأفراد الجدال والحراك الديني. والدولة، بولايتها العامة وسلطاتها وأجهزتها التنفيذية، قادرة بالطبع على محاسبة كل من يخالف القانون أو يسيء استخدام عمله وموقعه في الوظيفة العامة أو المجتمعية. وبذلك، سوف تنشأ اتجاهات ومؤسسات مجتمعية متعددة، وتكون الدولة حكما ومنسقا ومراقبا لتطبيق القانون، ولن تكون طرفا في الجدال والصراع. وهذا يجعلها أكثر قبولا، ويخفف كثيرا من الصراع الديني. ويفترض أن الاعتدال قادر على أن يكتسب مؤيدين وقواعد اجتماعية بلا دعم حكومي، كما استطاع المتشددون.

في بناء البيئة الحاضنة للاعتدال والرافضة للكراهية والتطرف

إذا كان الإرهابيون يمثلون جزءاً أقلوياً من جماعات تؤمن بالتكفير والقتل؛ وهؤلاء يمثلون أقلية من جيل لم يتعلم حب الحياة ومهاراتها والإبداع والحرية؛ وهؤلاء بدورهم يشكلون فئة من مجتمعات مهمشة غير مستقلة؛ فإنه لأجل تعديل سلوك شخص واحد كي يمتنع عن القتل والاعتداء، يجب تغيير أفكار ومعتقدات ومشاعر مائة شخص يؤيدون هذا العمل ويؤمنون به، ويرونه ضرورة اجتماعية أو شرعية. ولتغيير أفكار مئة شخص وتحررهم من التطرف أو التخلف، يجب أن تعلّم ألف شخص على الأقل التفكير الحر المستقل والنقدي، والقدرة المنهجية على ملاحظة الصواب والمعقولية لدى الآخر واحتمال الخطأ لدى الذات. ولهذا الغرض، يجب أن تهيئ لعشرة آلاف شخص، على الأقل، الفرصة للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية، والحصول على خدمات أساسية ملائمة ولائقة في العمل والتعليم والرعاية...

وعلى الرغم من صحة الردّ بالقول إن القتلة كانوا على الأغلب أشخاصاً أسوياء، وتلقوا تعليماً معقولاً وتنشئة تقليدية، فإنه صحيح أيضاً القول إن المؤشرات الإحصائية -والتي تنشرها مؤسسات دولية كالأمم المتحدة، أو دراسات نشرت في مجلات معتبرة- تقدّم دلالات مهمة وواقعية حول العلاقة بين متغيرات كالضغوط والسعادة، والنمو والازدهار، أو كما يقول جوهانس شوفير: إن مقولة الفقراء السعداء لا أساس لها من الصحة، على الأقل إحصائياً وفي استطلاعات الرأي العلمية.

الدول والمجتمعات في إجازتها أو تقبّلها العنف الرمزي تجاه فئات أو حالات أو أفكار محددة، تؤسس للعنف والكراهية، وتنشئ هوية جامعة متماسكة في مواجهة الأعداء والأخطار، وتوحد بين غالبية المواطنين، وتؤدي إلى الوحدة والانتماء والشعور بالأمن، والأهم أنها بالنسبة للسلطات السياسية تؤجل الاستحقاقات السياسية والاجتماعية في المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد والإنفاق. لكنها وعلى المدى الطويل المتراكم، أطلقت حالة عزلة وكراهية وشعورا بالرفض. وإن كانت هذه حالة قابلة للسيطرة في مرحلة ما قبل العولمة والمعلوماتية، فإنها اليوم مثل "صندوق باندورا". ولنعترف ونواجه أنفسنا بأننا وسط كارثة لا تفيد في مواجهتها كل الأدوات والمؤسسات السابقة، وأنها تحتاج إلى ثقافة جديدة في العمل والإدارة والتنظيم والعلاقات، مختلفة عما قبل اختلافاً كبيراً وجذرياً. فكل ما لدى السلطات والمجتمعات من مؤسسات وادوات للعمل الإرشادي والتعبئة السياسية لم يعد يصلح للعمل.

ثمة معتقدات قوية وراسخة تهيمن على الأجيال التي اكتسحها تدين وانتماءات خارجة عن إدارة وتنظيم مؤسسات الدولة والمجتمع، وهي شأن كل المعتقدات، بعيدة عن العقلانية، بمقدار ما هي قوية وتزداد قوة وتأثيراً وانتشاراً كلما زادت غرابة ووحشية. ونضحك على أنفسنا إذا كنا نعتقد أن جرائم الكراهية حين يكون ضحاياها أبرياء أو لا علاقة لهم بالصراع، تحرك المشاعر ضدها أو تفقد التأييد؛ إذ لا ينفر منها سوى فئة هي ابتداء ترفض هذه الأفعال والأفكار والمعتقدات، لكنها تبعث على الإعجاب و"شفاء الصدور" لدى فئات واسعة وممتدة. أما الحوار العقلاني والردّ على الأفكار، فلا يستمع إليهما أحد سوى معارضين أو رافضين لهذه الاتجاهات الأيديولوجية أو الاجتماعية، ويظل على الدوام أضعف المعتقدات وأقلها تماسكاً وأكثرها تغيراً تلك التي تعتمد على الأسئلة العقلانية ومحاولة الإجابة عنها.

تبدأ مواجهة التطرف بمدن ومجتمعات مستقلة، وتعليم حر وعقلاني، وأن تنسحب الدولة نهائياً -بخيرها وشرها، واعتدالها وتطرفها، وتنويرها وظلاميتها- من الشأن الديني والثقافي، وتترك الناس يفكرون ويتساءلون، فيما تنشغل هي بتحسين المدارس والعيادات ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتكفّ عن الاستئثار بالفرص والموارد. وليس غير ذلك يوقف القتل والكراهية.

الاعتدال والحرية توأمان

المأزق في الاعتدال بالنسبة إلى السلطات السياسية والدينية، أنه لا يتحقق إلا في بيئة من التفكير الحرّ والنقدي. فلا يمكن تقديم الاعتدال بالوصاية على الناس وعقولهم وأفكارهم، ولا يمكن إجبار أحد على فكرة أو معتقد أو منعه من الإيمان بفكرة؛ لا يملك دعاة الاعتدال سوى الإقناع والثقة. وبالنسبة إلى المؤسسات السياسية والدينية، فإنها لا تحظى بالثقة والتأييد الديني والفكري، بل إن دعوة المؤسسات الدينية والسياسية الرسمية إلى فكرة هي وصفة ناجحة لإفشالها وتخلي الناس عنها.

إذا كان الاعتدال هو الصواب، فيفترض أن يتوصل إليه الناس بفكرهم الحرّ. وإذا اتبعوا باختيارهم الحر التطرف والتعصب والكراهية، فلا بدّ أن ثمة خطأ ما يجب البحث عنه ومعرفته؛ فقد يكون الاعتدال خطأ أو ضعيف الحجة وغير قادر على الإقناع؛ وبافتراض أن الاعتدال هو الصواب أو الأكثر صوابا أو الأقرب إلى الصواب والأفضل، فلا بدّ من الاعتراف بضعف حجة دعاة الاعتدال، ولعلهم في الواقع لا يدعون إلى الاعتدال.

إن تكريس الاعتدال والتنوير لن يكون خاصا بالشأن الديني في حالة تشكله من خلال فكر حر ونقدي (ليس من طريقة أخرى لتكريس الاعتدال والوعي). فالمواطن الذي يؤمن بالاعتدال من خلال تجربته الذاتية الفكرية والعقلية، سوف يكون بطبيعة الحال ناقدا للسياسات والاتجاهات الحكومية والمجتمعية والشركاتية، ولن يؤيدها تلقائيا، وستكون التفسيرات الحكومية والمؤيدة لها في وسائل الإعلام موضع نقد ومراجعة، وسيكون سلوكه السياسي والانتخابي والاستهلاكي أيضا مزعجا للنخب السياسية والاقتصادية. ففي مجتمع تغلب عليه العقلانية والفكر الناقد، ستتغير كل اتجاهات التسويق والإعلان، كما السياسة والانتخابات، ولا يمر قرار أو اتجاه حكومي أو شركاتي (تسلط الشركات على الناس اليوم أشد قسوة وبشاعة من تسلط الحكومات) إلا من خلال أدوات وأفكار عقلانية ونقدية. والحال أن الاعتدال لا يلائم "الأوليغارشيا"؛ بما هي النخب السياسية والاقتصادية المغلقة والاحتكارية، لأنه مؤشر على اتجاهات عقلانية ونقدية، وستكون مجبرة في بيئة من الحرية والعقلانية أن تنال ثقة المواطنين والمستهلكين على أسس علمية صحيحة مقنعة.

هكذا، فرغم بداهة القول إن المناعة الفكرية تحمي الأفراد والمجتمعات من التطرف والتعصب والكراهية، فإن ذلك يقتضي بطبيعة الحال تشكلات فكرية شاملة لا تقتصر على الحماية من التطرف، وإنما تعني أفرادا فاعلين ومستقلين تصعب قيادتهم أو اكتساب ثقتهم من غير مشاركة عامة.